في شرح ما تشتمل عليه أسماء الأجرام العلوية
وما يتصل بها واشتقاقه
(السماء) تذكر وتؤنث والتأنيث أكثر وفي التنزيل العزيز (والسماء بنيناها بأيد) وفي التذكير (السماء منفطر به) وقد تلحق الهاء مع المدة فيقال سمآه وتلحق أيضًا مع غير مدة فيقال سماه وأما السماوة بالواو فسماوة كل شيء أعلاه وسميت سماء لعلوها وكل ما علا فهو سماء وفيه سماء البيت وسماوته وتسمى الجرباء لمكان كواكبها شبهت بالبثور في جلد الأجرب. وتسمى الرقيع اسم علم لها وفي الحديث من فوق سبعة أرقعة كقولك سبع سموات.
(الفلك) اسم يقع على الاستدارة ومنه سميت فلكة المغزل ويقال: تفلّك صدر الجارية إذا استدار.
[ ١٧٢ ]
(القطبان) نقطتان في الفلك إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب والكواكب كلها تدور حول القطبين. قال الشاعر:
مالت إليه طلانا واستطيف به كما تطيف نجوم الليل بالقطب
قال أبو عمرو الشيباني: هو القطب والقطب بضم القاف وكسرها والقطب الشمالي ظاهر لنا تدور حوله بنات نعش الصغرى والكبرى وأما القطب الجنوبي فليس بظهر من جزيرة العرب.
(الأفق) السماء آفاق والأرض آفاق فآفاق السماء ما ينتهي إليه البصر راجعًا مع وجه الأرض من جميع نواحيها وهو الحد بين ما بطن من الفلك وبين ما ظهر.
قال الراجز يصف الشمس:
فهي على الأفق كعين الأحول صفراء قد كادت ولما تفعل
شبهها بعين الأحوال لميلان عينه في إحدى الشقين والصفراء المائلة للمغيب وأما آفاق الأرض فأطرافها من حيث أطافت بك قال الراجز:
يكفيك من بعض ازدياد الآفاق سمراء مما دوس ابن محراق
السمراء الحنطة ودوس بمعنى واحد وكبد السماء وسطها وعين السماء اختلف اللغويون
فيها اختلاف غير بعيد مداره على أن عين السماء بين الجنوب والدبور عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق وعين السماء مظنة للمطر إذا نشأت منه السحاب.
(المجرة) جاء في الأثر أنها شرح السماء كأنها مجمع السماء كشرح القبة وسميت مجرة على التشبيه لأنها كأثر السحب والمجر وتسميها العرب أم النجوم لأنها ليس في السماء بقعة أكثر عدد كواكب منها كما يقال أم الطريق لمعظمها قال تأبط شرًا:
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي بحيث اهتدت أم النجوم الشوائل
(الهواء) ممدود هو القبو الذي بين السماء والأرض وهو السكاك
[ ١٧٣ ]
بضم السين والسكاكة واللوح بضم اللام والسحاب بسين مفتوحة غير معجمة وحاء. (البروج) في التنزيل العزيز (والسماء ذات البروج) وفيه (ولقد جعلنا في السماء بروجًا) والناس مجمعون على أنها اثنا عشر برجًا وتسميها كل أمة بلغتها ويتفقون في المعنى على معاني لغة العرب ويبدءون كما يبدأ العرب بالجمل ويسمى الكبش ثم يعدون على الولاء الثور والجوزاء وتسميها المنجمون التوأمين فأما الصورة فيسمونها الحبار والبشر وليس هما عند العرب والسرطان والأسد والسنبلة وتسميها المنجمون الرامي والجدي والدلو والحوت وهو السمكة ولم تسم البروج بهذه الأسماء لأن كواكبها مشابهة في الصورة الأسماء المسماة بها كما يظن كثير من العوام وأشباه العوام وإن كنا نرى العقرب صورة للعقرب والجوزاء صورة إنسان ولو كان كذلك لم يسم باقي البروج بأسماء صور غير موجودة فيها على أن هذه الصورة أيضًا غير ثابتة في أماكنها بل هي منتقلة على تأليف كواكبها نقلة خفية يعلمها أهل القياس والرصد جميعًا علم مشاهدة واضطرار وتخفي على العوام وأشباههم فهي بتنقلها تخرج من برج إلى برج، وأسماء البروج غير زائلة عنها وإن زال نظم الكواكب ومن الدليل الظاهر أيضًا على ذلك أن الذراع والنسر والطرف والجبهة والنثرة والصرفة والعواء والسماك منسوبة كلها إلى أعضاء الأسد وهي ثمانية منازل وإنما البرج بمنزلتين وثلث فأنت تجد هذا الأسد متفرقًا في أكثر من ثلاثة أبراج وكذلك في العقرب وغيره من المنازل إذا استقريته وجدته على ما وصفت، واسم البرج في لغة العرب مشتق من البروج وهو الظهور ومنه برج البناء وتبرج المرأة وهو تعرضها لأن تظهر وترى.
(المنازل) وتسمى نجوم الأخذ
[ ١٧٤ ]
قال الله ﷿ (والقمر قدرناه منازل) وهي ثمانية
وعشرون منزلة بلا خلاف وتسمى نجوم الأخذ كان منها ما هو نجم واحد وكان منها ما هو أكثر وقد قيل للثريا نجم اسم علم وهي ستة كواكب، والنجم وإن كان اسمًا علمًا للثريا وقد اشتهرت به فقد يقولون هذا النجم الثريا إذا جعلوه اسمًا لجماعة كواكبها، ويقولون هذه نجوم الثريا إذا جعلوا كل كوكب منها نجمًا، وسميت نجوم الأخذ لأخذ القمر كل ليلة في منزل منها وقيل الأخذ نزول القمر كل ليلة منزلًا من منازله، ويقال أخذ القمر نجم كذا وكذا إذا نزل به وقيل نجوم الأخذ النوازل وهي التي يرمي بها مسترق السمع لأنها تأخذه والعمل على القول الأول وأول المنازل (الشرطان) واحدها شرط وشرط بالإسكان أيضًا وهما كوكبان على أثر الحوت ويقولون هما قرنا الحمل والشرط في لغة العرب القرن ثم (البطين) وهي ثلاثة كواكب خفية على أثر الشرطين بين يدي الثريا وقد تكلموا به مكبرًا فيقولون البطن ويزعمون إنه بطن الحمل ثم (الثريا) وهي النجم ولا يتكلمون بها مكبرة وتصغيرها ثروى مشتقة من الثروة في العدد وهي الكثرة وهي أنثى ثروان كعطشى أنثى عطشان والذهب في تصغيرها كالمذهب في تصغير جمعية حقرت لقلتها وصغرها والنجم اسم علم لها قد غلب عليها يقال طلع النجم وغاب النجم ويقولون الثريا ألية الحمل (الدبران) الكوكب الأحمر الذي على أثر الثريا بين يديه كواكب كثيرة مجتمعة من أدناها إليه كوكبان صغيران يكادان يلتصقان يقال هما كلباه والباقي غنيمته ويقولون قلاصة قال ذو الرمة يشبهه:
وردت اعتسافًا والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماء محلق
يرف على آثارها دبرانها فلا هو مسبوق ولا هو يلحق
[ ١٧٥ ]
بعشرين من صغرى النجوم كأنها وإياه في الخضراء لو كان ينطق
قلاص حداها راكب متعتم إلى الماء من قرن التنوفة مطلق
قرن التنوفة أعلاها: والمطلق الذي تطلب إبله الماء وهو من الطلق قبل القرب، ثم القرب الورد، وسمي دبرانًا لدبوره الثريا ويسمى تالي النجم وتابع النجم ثم كبر حتى عرف بالتابع مفردًا من غير إضافة وكذلك حادي النجم من أسمائه والمجدح والمجدح بضم الميم وكسرها والمنجمون يسمونه قلب الثور وليس كل كوكب دبر كوكبًا يسمى دبرانًا وقد يخص الشيء من بين جنسه بالاسم حتى يصير علمًا له وإن كان معناه يعم الجميع كما سمي هذا النجم
دبرانًا والثريا نجمًا (الهقعة) هي رأس الجوزاء وهي ثلاثة كواكب صغار مثفاه وتسمى الأثافي تشبيهًا بها وقال ابن عباس ﵁ لرجل طلق امرأته عدد نجوم السماء يكفيك منها هقعة الجوزاء وهي ثلاثة ويقال للدابرة التي تكون بشق الفرس الهقعة ويقال منها فرس مهقوع وهو نكرة (الهنعة) كوكبان بينهما قيد سوط في رأي العين وهما على أثر الهقعة ويقال الهنعة الزر وسميت الهنعة لتقاصرها عن الهقعة والذراع المنوطة وهي بينهما منحطة عنهما (الذراع) وهي ذراع الأسد المبسوطة وللأسد ذراعان مبسوطة ومقبوضة فالمقبوضة منهما هي اليسرى وهي الجنوبية وبها ينزل القمر وسميت مقبوضة لتقدم الأخرى عليها والمبسوطة هي اليمنى وهي الشمالية وكل صورة من نظم الكواكب فميامنها مما يلي الشمال ومياسرها مما يلي الجنوب وأحد كوكبي الذراع مبسوطة هي (الشعرى الغميصاء) وهي تقابل الشعرى العبور والمجرة بينهما وقد تكبر فيقال الغمصاء والغموص بفتح الغين ويقال لكوكبها الآخر الشمالي المرزم مرزم الذراع وهما مرزمان هذا أحدهما والآخر في الجوزاء وقيل الذراع المقبوضة
[ ١٧٦ ]
بأسرها هي المرزم. وتقول الأعراب في أحاديثهم كان سهيل والشعريان مجتمعة فانحدر سهيل وصار يمانيًا وتبعته العبةر عبرت إليه المجرة وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت والغمص في العين ضعف ونقص (النثرة) ثلاثة كواكب متقاربة أحدها كأنه لطخة يقولون هي نثرة الأسد أي أنفه (الطرف) كوكبان بين يدي الجبهة ويقولون هما عينا الأسد (الجبهة) جبهة الأسد وهي أربعة كواكب خلف الطرف معترضة من الجنوب إلى الشمال سطرًا معوجًا بين كل كوكبين منها قدر الذراع والجنوبي منها هو الذي يسميه المنجمون قلب الأسد (الزبرة) وهي زبرة الأسد وهي كوكبان على أثر الجبهة بينهما قيد سوط في رأي العين والزبرة كاهل الأسد وفروع كتفيه ويسميان الخراتين الواحدة خراة ويقال الخرتان وكأنه شبه الخرت وهو الثقب (الصرفة) كوكب واحد نير على أثر الزبرة ويقولون هو قنب الأسد والقنب وعاء القضيب وسمي صرفة لانصراف الحر عند طلوعه غدوة وانصراف البرد عند سقوطه غدوة (العواء) قيل أربعة أنجم وقيل خمسة وهي خمسة لمن شاء ومن شاء ترك واحدًا إلا أن خلقتها خلقة كتابة الكاف القائمة غير مشقوقة وليست بالنيرة وهي على أثر الصرفة وسميت العواء بالكوكب الرابع الشمالي منها وإذا عزلت هذا الكوكب الرابع كانت الثلاثة
الباقية مبقاة الخلقة وهم يجعلون العواء وركي الأسد وآخرون يجعلونها محاشة ويجعلها آخرون كلابًا تتبع الأسد والمحاش حشوة البطن والعواء يمد ويقصر ويقال لها عواء البرد (السمك) سماكان أحدهما الأعزل والقمر لا ينزل الآخر وهو الرامح وسمي رامحًا لكوكب صغير بين يديه يقال له راية السماك
[ ١٧٧ ]
وسمي الآخر أعزل لأنه لا شيء بين يديه كأنه عندهم لا سلاح معه قال كعب بن زهير يصف ناقته:
فلما استبان الفرقدان زجرتها وهب سماك ذو سلاح وأعزل
وهم يجعلون السماكين ساقي الأسد وأحد السماكين جنوبي وهو الأعزل والآخر شمالي وقال ابن كناسة وربما عدل القمر فنزل بعجز الأسد وهي أربعة كواكب بين يدي السماك الأعزل منحدرة عنه في الجنوب وهي مربعة على صورة النعش يقال لها عرش السماك ويسمى الخباء، وهم يجعلون لها في الأنواء حظًا وسمي سماكًا سماكًا لسموكه وإن كان كل كوكب قد سمك، وهذا مثل ما ذكرناه في الدبران (الغفر) كواكب بين زبانا العقرب وبين السماك الأعزل خفية على خلقة العواء وهي ثلاثة ليس لها رابع، والعرب تقول خير منزلة في الأبد بين بين الزبانا والأسد يعنون الغفر (الزبانا) زبانيا العقرب أي قرناه وهما كوكبان مفترقان بينهما أكثر من قدر قامة الرجل في المنظر ويقال لهما زبانا الصيف لأن سقوطهما في زمان تحرك الحر (الإكليل) إكليل العقرب رأسها وهي ثلاثة كواكب معترضة بين كل كوكبين منها قدر ذراع في رأي العين (القلب) قلب العقرب الكوكب النير الأحمر الذي وراء الإكليل وهم يستحسنونه والقلوب أربعة هذا أحدها وقلب الأسد وقد ذكرناه في وصف الجبهة وقلب الثور وهو الدبران وقلب الحوت وسيأتي ذكره (الشولة) وهي إبرة العقرب وهي كوكبان مضيئان صغيران متقاربان في طرف ذنب العقرب وقالوا ربما نزل الفقار فيما بين القلب والشولة والفقار أحد كواكب ذنب العقرب يجعلون كل كوكب منها فقرة وهي ست فقر والسابعة الإبرة (النعائم) ثمانية كواكب أربعة في المجرة وهي النعام الوارد وأربعة خارجة عن المجرة منحدرة وهي النعام الصادر، فكل أربعة منها على شبيه التربيع
[ ١٧٨ ]
وفوقها كوكب إذا تأملته مع كوكبين من النعام الصادر وكوكبين من النعام الوارد شبهته به فيه، وقيل للوارد وارد لشروعه في المجرة وقيل للصادر صادر لتنحيه عنها (البلدة) رقعة من السماء لا كوكب فيها بين النعائم وسعد الذابح ويقولون ربما عدل القمر أحيانًا فنزل
بالبلادة وهي كواكب صغار خفية فوق البلدة وتسميها العامة الفرس ويسمى موضع النعام الوصل (سعد الذابح) كوكبان غير نيرين وكذلك السعود كلها وبينهما في رأي العين قيد ذراع وذبحه كوكب صغير قد كاد يلصق بالأعلى منه تقول الأعراب هو شاته التي تذبح قال الطرماح:
طعائن شمس قريح الخريف في الفرغ والأنجم الذابحة
قريحة أوله (سعد بلع) نجمان نحو من سعد الذابح أحدهما خفي جدًا وهو الذي بلعه أي جعله بلعًا كأنه يسترطه سمي بلعًا لأنه طلع فيما يزعمون حين قيل يا أرض ابلعي ماءك ولا ندري ما هذا (سعد السعود) كوكبان أيضًا في نحو سعد الذابح وسمي سعد السعود بالتفضيل عليها لأن الزمان في السعدين قبله قاس وطلوع سعد السعود يوافق منا لينًا في دبره قالوا وربما قصر القمر فنزل بسعد باشرة وهو أيضًا كوكبان أسفل من سعد السعود (سعد الأخبية) ثلاثة كواكب متجاذبة متقاربة فوق الأوسط منها كوكب رابع كأنها في التمثيل رجل بطة وقيل إن السعد منها واحد وهو أنورها وإن الثلاثة أخبية وقيل سمي بالأخبية لأنه إذا طلع انتشرت الهوام فخرج منها ما كان مختفيًا بالبرد لأن طلوعها في قبل الدفاء والسعود متنافسة بعضها على بعض (الفرغ الأول) وهو فرع الدلو والدلو أربعة كواكب مربعة واسعة بين كل كوكبين منها قدر قامة الرجل أو أكثر في رأي العين فهم يجعلون هذه الكواكب الأربعة عراقي الدلو وفرع الدلو مصب الماء من بين العرقوتين وقد يقولون لهما
[ ١٧٩ ]
العرقوة العليا والعرقوة السفلى تدل على الفرغ الأول والفرغ الثاني (الفرغ الثاني) وهو العرقوة كمثل الفرغ الأول وقد يقال للفرغ الأول ناهز الدلو المقدم والفرغ الأسفل ناهز الدلو المؤخر والناهز الذي يحرك الدلو ليمتلئ قالوا وربما يقصر القمر أحيانًا فينزل بالكرب الذي وسط العراقي الأربع والكرب في الدلو ما يشد به الحبل على العراقي (الرشا) وهي السمكة وهي كواكب في مثل خلقة السمكة وفي موضع البطن منها من الشق الشرقي نجم منير به ينزل القمر يسمونه بطن السمكة والمنجمون يسمونه قلب الحوت ويقال لما بين المنازل الفرج فإذا قصر القمر عن منزلة واقتحم التي قبلها فنزل بالفرجة بينهما استحبوا ذلك إلا الفرجة التي بين الثريا والدبران فإنهم يكرهونها ويستخسونها ويقال لها الضيقة سميت ضيقة لضيقها عندهم فإنهم يتواصفون قصر مدة ما بين طلوع النجم
وطلوع الدبران.
(ذكر خطوط البروج في المنازل)
اعلم إن لكل منزلتين وثلث يبدأ بالبروج من الحمل وبالمنازل من الشرطين فللحمل الشرطان والبطين وثلث الثريا وللثور ثلثا الثريا والدبران وثلثا الهقعة وللجوزاء ثلث الهقعة والذراع وللشرطان النثرة والطرف وثلث الجبهة وللأسد ثلثا الجبهة والزبرة وثلثا الصرفة وللسنبلة ثلث الصرفة والعواء والسماك وللميزان الغفر والزيانا وثلث الإكليل وللعقرب ثلثا الإكليل والقلب وثلثا الشولة وللقوس ثلث الشولة والنعائم والبلدة وللجدي سعد الذابح وسعد بلع وثلث سعد السعود وللدلو ثلثا سعد السعود وسعد الأخبية وثلثا الفرغ المقدم وللحوت ثلث الفرغ المقدم والفرغ المؤخر والرشا ولكل برج رقيب من البروج ولكل منزلة رقيب من المنازل فرقيب كل برج البرج السابع ورقيب كل منزل المنزل الخامس عشر
[ ١٨٠ ]
ومعنى الرقيب الذي في غروبه طلوع الآخر وهو مأخوذ من المراقبة كأنه يراقب بالطلوع غروب صاحبه.
(قال الشاعر)
أحقًا عباد الله أن لست آتيًا بثينة أو تلقى الثريا رقيبها
والمعنى لست لاقيها أبدًا لأن هذا لا يكون وكيف يلتقيان وأحدهما إذا كان في المغرب كان الآخر في المشرق.
(ذكر حلول الشمس في البروج والفصول)
الشمس تحل برأس الحمل لعشرين ليلة تخلو من آذار وعند ذلك يعتدل الليل والنهار ويسمى الاستواء الربيعي ثم لا يزال النهار زائد والليل ناقصًا إلى أن يمضي من حزيران اثنان وعشرون يومًا وذلك أربع وتسعون ليلة فعندئذ ذلك ينتهي طول النهار وقصر الليل ويتصرم ربع الربيع ويدخل الربيع الذي يليه وهو الصيف وذلك بحلول الشمس رأس السرطان، ويبتدئ الليل بالزيادة والنهار بالنقصان إلى ثلاثة وعشرين ليلة تخلو من أيلول وذلك ثلاث وتسعون ليلة وعند ذلك يعتدل الليل والنهار ثانية ويسمى الاعتدال الخريفي، ويتصرم ربع الصيف ويدخل ربع الخريف وذلك بحلول الشمس رأس الميزان ويأخذ الليل في الزيادة والنهار في النقصان إلى أن يمضي من كانون الأول إحدى وعشرين ليلة وذلك
تسع وثمانون ليلة فعند ذلك ينتهي طول الليل وقصر النهار وينصرف فصل الخريف ويدخل فصل الشتاء، ويبتدئ النهار في الزيادة وذلك بحلول الشمس رأس الجدي إلى مسيرها إلى رأس الحمل وذلك تسع وثمانون ليلة وربع فعندها ينصرف فصل الشتاء ويدخل الربيع فعلى هذا دور الزمان قال وللناس في ذلك خلاف وإنما ذكرنا هاهنا ما عليه الجمهور من مذهب العرب.
[ ١٨١ ]
(ذكر الشمس والقمر والنجوم المتحيرة)
(الشمس) تسمى الشرق يقال آتيك كل يوم طلع شرقه يريد بذلك شمسه ويقال طلع الشرق ولا يقال غاب الشرق والغزالة من أسماء الشمس عند الطلوع أيضًا يقال طلعت الغزالة ولا يقال غابت الغزالة والجونة الشمس وذلك لأنها تسود عند المغيب يقال لا آتيك حتى تغيب الجونة ولا يقال حتى تطلع الجونة والجون من الأضداد يكون للأبيض والأسود ومن أسماء الشمس إلاهة قال أبو حنيفة وإنها تأنيث إله قال وأحسب أنها سميت بذلك لأنها تعبد.
(قال الشاعر)
تروحنا من العباء قصرًا فأعجلنا إلاهة أن تؤوبا
ويقال لها العين والسراج فأما الضج فما انبسط من ضوءها على الأشياء وقرن الشمس أعلاها وأول ما يبدو منها وحواجبها نواحيها وأيا الشمس شعاعها وضوؤها وأيا الشمس مكسور مقصور وأيا الشمس مفتوح ممدود وزعموا أن أياء النور أيضًا حس زهرته.
(القمر) يسمى الزبرقان وبه سمي الرجل ويقال له أيضًا الساهور، وقيل الساهور نبطي معرب والدائرة التي تحيط به الهالة ويقال لما وقع من ضوئه على الأرض الفخت يقال جلسنا في الفخت إذا جلسوا في القمر وقال الجواليقي فيما عرب من كلام العرب فأما الشهر فقيل أصله بالسريانية سهر بسين غير منقوطة فعرب وقال ثعلب سمي شهر لشهرته وبيانه لأن الناس يشهرون دخوله وخروجه وقيل سمي شهرًا باسم الهلال لأنه إذا أهل سمي شهرًا قال ذو الرمة:
ترى الشهر قبل الناس وهو نحيل
(المشتري) ويقال له البرجيس (المريخ) يقال له بهرام وهما فارسيان جاءا في شعر
[ ١٨٢ ]
العرب والمريخ وزحل عربيان قال الكميت يصف ثورًا وحشيًا:
كأنه كوكب المريخ أو زحل
وقد جاء في شعر العرب أيضًا الزهرة وعطارد والمشتري وكلها عربية ودرأ الكوكب دروءًا شديدًا وهو كوكب دريء من ذلك وقال أبو زيد جاء السيل درأ إذا جاءك من حيث لا تعلم ولم يصبك مطر. وقال ابن الأعرابي: الدريء الكوكب يدرأ من الشرق إلى الغرب وهو مضيء. وذر الشمس معجمة طلوعها وإشراقها وهو أن يستدير ويخلص ضوؤها ويقال غابت الشمس وغيرها من الدراري تغيب غيوبًا وغيبوبة وكذلك آيت تؤوب إيابًا وغارت تغور غؤورًا وغيارًا ووقبت ووجبت ووجبت وأفل الكوكب وغيره يأفل أفولًا وانغمس واغتمس وانقمس بالقاف أيضًا واقتحم وسقط وخفق كل ذلك إذا غاب ويقال أخفق النجم إذا تهيأ للسقوط ولما يسقط وخفق إذا غاب كما يقال خفق الطائر ووجبت وأفل الكوكب وغيره يأفل أفولًا وانغمس واغتمس وانقمس بالقاف أيضًا واقتحم وسقط وخفق كل ذلك إذا غاب ويقال أخفق النجم إذا تهيأ للسقوط ولما يسقط وخفق إذا غاب كما يقال خفق الطائر ذا طار فمر وأخفق إذا ضرب بجناحه ليطير ولما يطر قال الراجز:
كأنها أخفاق طير لم يطر
ويقال خوت النجوم تخوية وانصبت انصابًا وهوت هويًا يأكل ذلك إذا انحدرت للمغيب.
(ذكر اشتقاق الكواكب والنجوم والدراري السبعة السيارة في لغة العرب)
(النجم) اشتقاقه من النجوم وهو الظهور ومنه نجم النبت إذا ظهر وعلا على الأرض (زحل) من التزحل وهو بطء الحركة لأنه أبطأ الدراري سيرًا في قطع الفلك (المشتري) من الشراء وهو الوضوح والظهور لضياء لونه وصفائه ومنه الشراء في الحدقة وهو تقلص الجفن الأعلى عن الأسفل وانفتاح الحدقة (المريخ) من المرخ وهو اللين والاسترخاء ومنه تمريخ الجسد تليينه بالدهن لأن لونه فيه اضطراب ولين وفي رأي العين (الشمس) من الشماس وهو الامتناع ومنه شماس الدابة
[ ١٨٣ ]
وهو امتناعها عن القيادة لرائضها وذلك لقوة شعاع الشمس حتى تمتنع الإبصار عن تمكن النظر إليه (الزهرة) من الإزهار وهو الإشراق والإنارة ومنه أزهر الصبح أنار وأشرق وذلك لضيائها وإشراق نورها (عطارد) من العطرة وهي الشرعة والخفة وذلك لسرعة حركته وامتزاجه بكل ما يجاوره وسرعة استحالته إليه (القمر) من القمرة وهي شدة البياض ومنه لون أحمر إذا كان أبيض شديد
البياض والشمس تجمع على شموس كأنهم جعلوا كل ناحية منها شمسًا كما قالوا لمفرق الرأس مفارق.
(قال الشاعر)
حمي الحديد عليهم فكأنه ومضان برق أو شعاع شموس
وتصغيرها شميسة وقد شمس يومنا وأشمس يشمس بالضم والكسر إذا كان ذا شمس وأقمر الليل يقمر إذا كان ذا قمر وليلة مقمرة وقمراء إذا طلع القمر فيها من أولها إلى آخرها والله تعالى أعلم.