كتب إِلَيْهِ رجل يسْأَله عَن الْعلم؛ فَأَجَابَهُ: إِنَّك كتبت تسْأَل عَن الْعلم.
[ ٢ / ٦٥ ]
وَالْعلم أَكثر من أَن أكتب بِهِ إِلَيْك، وَلَكِن إِن اسْتَطَعْت أَن تلقى الله ﷿ كافّ اللِّسَان عَن أَعْرَاض الْمُسلمين، خَفِيف الظّهْر من دِمَائِهِمْ، خميص الْبَطن من أَمْوَالهم، لَازِما لجماعتهم فافعل. وَقَالَ ابْن عمر: كَانَ الرجل إِذا أَرَادَ أَن يعيب جَاره طلب الْحَاجة إِلَى غَيره. اسْتَأْذن على الْحجَّاج لَيْلًا، فَقَالَ الْحجَّاج: إِحْدَى حماقات أبي عبد الرَّحْمَن. فَدخل، فَلَمَّا وصل قَالَ لَهُ الْحجَّاج: مَا جَاءَ بك؟ قَالَ: ذكرت قَول النَّبِي ﷺ: " من مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقه بيعَة لإِمَام مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة " فَمد إِلَيْهِ رجله، فَقَالَ: خُذ فَبَايع. أَرَادَ بذلك الغض مِنْهُ. سُئِلَ ابْن عمر: هَل كَانَ النَّبِي ﷺ يلْتَفت فِي الصَّلَاة؟ فَقَالَ: لَا، وَلَا فِي غير الصَّلَاة. وَكَانَ إِذا حَدثهُ مُحدث فَقَالَ: زَعَمُوا. قَالَ لَهُ ابْن عمر: " زَعَمُوا " من زوامل الْكَذِب. وَجَاء إِلَيْهِ رجل فَقَالَ: الزِّنَا يقدر؟ قَالَ: نعم. قَالَ: يقدر عليّ ثمَّ يُعَذِّبنِي! قَالَ: نعم يَابْنَ اللخناء. وَقيل لَهُ: إِن الْمُخْتَار يزْعم أَنه أُوحِي إِلَيْهِ. قَالَ: صدق، أما سَمِعت قَول الله تَعَالَى: " وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ". قَالَ بَعضهم: أَتَيْته، فَقلت: أتجب الْجنَّة لعامل بِكُل الْخيرَات وَهُوَ مُشْرك؟ فَقَالَ: لَا. قلت لَهُ: أتجب النَّار لعامل بِالشَّرِّ كُله وَهُوَ موحد؟ فَقَالَ ابْن
[ ٢ / ٦٦ ]
عمر: عش وَلَا تفتر. فَأتيت ابْن عَبَّاس فَسَأَلته، فَأَجَابَنِي بِمثل جَوَابه سَوَاء قَالَ: عش وَلَا تفتر. وَرَأى رجلا محرما قد استظل، فَقَالَ: اضح لمن أَحرمت لَهُ. وَرُوِيَ أَنه شهد فتح مَكَّة وَهُوَ ابْن عشْرين سنة، وَمَعَهُ فرس حرون، وجمل جرور وبردة فلوت، فَرَآهُ رَسُول الله ﷺ، وَهُوَ يختلي لفرسه فَقَالَ: إِن عبد الله إِن عبد الله. وَقَالَ: لَو لقِيت قَاتل أبي فِي الْحرم مَا لهدته. وَذكرت عِنْده الْفِتْنَة، فَقَالَ: لأكونن فِيهَا مثل الْجمل الرداح، الَّذِي يحمل عَلَيْهِ الْحمل الثقيل، فيهرج فيبرك، وَلَا ينبعث حَتَّى ينْحَر. جَاءَ إِلَيْهِ رجل قد حج بِأمة على ظَهره. فَقَالَ: أَترَانِي قضيتها؟ قَالَ ابْن عمر: لَا، وَلَا طَلْقَة وَاحِدَة. وَقَالَ: مَا رَأَيْت بعد رَسُول الله ﷺ أسود من مُعَاوِيَة. قيل: وَلَا عمر؟ قَالَ: كَانَ عمر خيرا مِنْهُ، وَكَانَ مُعَاوِيَة أسود من عمر. وبلغه أَن مُعَاوِيَة قتل حجرا واصحابه، فَقَالَ: إِن مُعَاوِيَة كَانَ جملا طِبًّا نباطيًا، وَإِن ابْن سميَّة تَركه حمارا مصريًا. وقف عبد الله بن عَامر بن كريز بِعَرَفَات يَوْم عَرَفَة، وَمَعَهُ جمَاعَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فيهم عبد الله بن عمر وَجَمَاعَة من التَّابِعين، فَقَالَ: كَيفَ ترَوْنَ وقفي هَذَا؟ . يُرِيد: الْعين والحياض الَّتِي وَقفهَا على الْحَاج. فَكل أثنى وقرّظ، وَقَالَ: هَذَا وقف شرِيف فِي يَوْم عَظِيم، وَابْن عمر سَاكِت لَا
[ ٢ / ٦٧ ]
يتَكَلَّم، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، مَا لَك لَا تَتَكَلَّم؟ فَقَالَ: إِذا طابت المكسبة زكتْ النَّفَقَة، وسترد فتعلم. أَتَى رجل الْحسن بن عَليّ ﵉ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ الْحسن: إِن الْمَسْأَلَة لَا تصلح إِلَّا فِي غرم فادح، أَو فقر مدقع، أَو حمالَة مفظعة. فَقَالَ الرجل: مَا جِئْت إِلَّا فِي إِحْدَاهُنَّ، فَأمر لَهُ بِمِائَة دِينَار. ثمَّ أَتَى الْحُسَيْن ﵇ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مثل مقَالَة أَخِيه، فَرد عَلَيْهِ مثل مَا رد على أَخِيه، قَالَ: كم أَعْطَاك؟ فَأخْبرهُ، فنقصه دِينَارا عَن مائَة وَأَعْطَاهُ، وَكره أَن يُسَاوِي أَخَاهُ. ثمَّ أَتَى الرجل عبد الله بن عمر. فَسَأَلَهُ، فَأعْطَاهُ سَبْعَة دَنَانِير وَلم يسْأَله عَن شَيْء، فَقَالَ: إِنِّي أتيت الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄ واقتص كَلَامهمَا وَمَا أعطياه. فَقَالَ عبد الله: وَيحك. وَأَيْنَ تجعلني مِنْهُمَا؟ إنَّهُمَا غرا الْعلم غرا. وَقَالَ: إِنَّا معشر قُرَيْش نعد الْحلم والجود سؤددًا، ونعد العفاف وَالصَّلَاح مُرُوءَة. وَرَأى جَارِيَة صَغِيرَة تغنى فَقَالَ: لَو ترك الشَّيْطَان أحدا لترك هَذِه.