الْبَاب الأول من الْفَصْل الثَّانِي: فِي كَلَام أبي بكر الصّديق رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورضى الله عَنهُ
: خطب يَوْمًا، فَلَمَّا فرغ من الْحَمد لله، وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ قَالَ: " إِن أَشْقَى النَّاس فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة الْمُلُوك ". فَرفع النَّاس رؤوسهم. فَقَالَ: مَا لكم معاشر النَّاس؟ إِنَّكُم لطعانون عجلون، إِن الْملك إِذا ملك زهده الله فِيمَا فِي يَدَيْهِ، ورغبه فِيمَا فِي يَدي غَيره، وانتقصه شطر أَجله، وأشرب قلبه الإشفاق، فَهُوَ يحْسد على الْقَلِيل، ويتسخط الْكثير، ويسأم الرخَاء، وتنقطع عَنهُ لَذَّة الْبَهَاء، لَا يسْتَعْمل الْغيرَة، وَلَا يسكن إِلَى الثِّقَة. هُوَ كالدرهم القسي، والسراب الخادع، جذل الظَّاهِر، حَزِين الْبَاطِن، فَإِذا وَجَبت نَفسه، ونضب عمره، وضحا ظلّه، حَاسبه الله، فأشد حسابه، وَأَقل عَفوه. أَلا إِن الْأُمَرَاء هم المحرومون، إِلَّا من آمن بِاللَّه، وَحكم لكتاب الله، وَسنة رَسُول الله ﷺ. وَإِنَّكُمْ الْيَوْم على خلَافَة نبوه، ومفرق محجة، وسترون بعدِي ملكا عَضُوضًا، وملكًا عنودًا، وَأمة شعاعًا، ودمًا مفاحًا، فَإِن كَانَت للباطل نزوة وَلأَهل الْحق جَوْلَة يعْفُو لَهَا الْأَثر، وَتَمُوت السّنَن، فالزموا الْمَسَاجِد، واستشيروا الْقُرْآن، والزموا الْجَمَاعَة، وَليكن الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد طول التناظر. أَي بِلَادكُمْ خرشنة؟ فَإِن الله سيفتح عَلَيْكُم أقصاها، كَمَا فتح عَلَيْكُم أدناها. وَمن كَلَامه أَنه أَخذ يَوْمًا بِطرف لِسَانه وَقَالَ: هَذَا الَّذِي أوردني الْمَوَارِد.
[ ٢ / ٧ ]
وَقدم وَفد من الْيمن عَلَيْهِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن فبكوا فَقَالَ: " هَكَذَا كُنَّا حَتَّى قست الْقُلُوب ". وَقَالَ: " طُوبَى لمن مَاتَ فِي نأنأة الْإِسْلَام ". وَلما قَالَ أحباب بن الْمُنْذر يَوْم السَّقِيفَة: أَنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، إِن شِئْتُم كررناها جَذَعَة. منا أَمِير ومنكم أَمِير، فَإِن عمل الْمُهَاجِرِي شَيْئا فِي الْأنْصَارِيّ رد عَلَيْهِ الْأنْصَارِيّ، وَإِن عمل الْأنْصَارِيّ شَيْئا فِي الْمُهَاجِرِي رد عَلَيْهِ الْمُهَاجِرِي. فَأَرَادَ عمر الْكَلَام، فَقَالَ أَبُو بكر: على رسلك. نَحن الْمُهَاجِرُونَ، وَأول النَّاس إسلامًا، وأوسطهم دَارا وَأكْرم النَّاس أحسابًا وَأَحْسَنهمْ وُجُوهًا، وَأكْثر النَّاس ولادَة فِي الْعَرَب، وأمسهم رحما برَسُول الله ﷺ. أسلمنَا قبلكُمْ وَقدمنَا فِي الْقُرْآن عَلَيْكُم، فَأنْتم إِخْوَاننَا فِي الدّين، وشركاؤنا فِي الْفَيْء، وأنصارنا على الْعَدو. آويتم وواسيتم ونصرتم، فجزاكم الله خيرا. نَحن الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء. لَا تدين الْعَرَب إِلَّا لهَذَا الْحَيّ من قُرَيْش، وَأَنْتُم محقوقون أَلا تنفسوا على إخْوَانكُمْ الْمُهَاجِرين مَا سَاق الله إِلَيْهِم. وَمن كَلَامه ذَلِك الْيَوْم: نَحن أهل الله، وَأقرب النَّاس بَيْتا من بَيت الله، وأمس النَّاس رحما برَسُول الله ﷺ، إِن هَذَا الْأَمر إِن تطاولت لَهُ الْخَزْرَج لم تقصر عَنهُ الْأَوْس، وَإِن تطاولت لَهُ الْأَوْس لم تقصر عَنهُ الْخَزْرَج، وَقد كَانَ بَين الْحَيَّيْنِ قَتْلَى لَا تنسى، وجراح لَا تداوى، فَإِن نعق مِنْكُم ناعق فقد جلس بَين لحيي الْأسد يضغمه الْمُهَاجِرِي، ويجرحه الْأنْصَارِيّ. قَالَ ابْن دأب: فَرَمَاهُمْ الله بالمسكتة. حدث سُفْيَان بن عُيَيْنَة لما قَالَ عمر لأبي بكر: اسْتخْلف غَيْرِي. قَالَ
[ ٢ / ٨ ]
أَبُو بكر: مَا حبوناك بهَا، وَإِنَّمَا حبوناها بك. ثمَّ أنْشد سُفْيَان قَول الحطيئة: لم يؤثروك بهَا إِذْ قدموك لَهَا لَكِن لأَنْفُسِهِمْ كَانَت بك الإثر وَقيل لَهُ فِي مَرضه: لَو أرْسلت إِلَى الطَّبِيب! قَالَ: قد رَآنِي. قيل: فَمَا قَالَ؟ قَالَ: قَالَ إِنِّي أفعل مَا أَشَاء. وَقَالَ لخَالِد بن الْوَلِيد حِين أخرجه إِلَى أهل الرِّدَّة: احرص على الْمَوْت توهب لَك الْحَيَاة. أقبل رَسُول الله ﷺ مردفًا أَبَا بكر، فَكَانَ الرجل يلقى أَبَا بكر فَيَقُول: من هَذَا بَين يَديك؟ فَيَقُول: يهديني السَّبِيل. يَعْنِي الْحق. وَلما أسلم قَالَت قُرَيْش: قيضوا لأبي بكر رجلا يَأْخُذهُ. فقيّضوا لَهُ طَلْحَة بن عبيد الله، فَأَتَاهُ وَهُوَ فِي الْقَوْم فَقَالَ: يَا أَبَا بكر إليّ. قَالَ: إلام تَدعُونِي؟ قَالَ: أَدْعُوك إِلَى عبَادَة اللات والعزى. فَقَالَ أَبُو بكر: من اللات والعزى؟ قَالَ: بَنَات الله. قَالَ: فَمن أمهن؟ فَسكت. وَقَالَ لأَصْحَابه: أجِيبُوا صَاحبكُم. فَسَكَتُوا فَقَالَ طَلْحَة: يَا أَبَا بكر فَإِنِّي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَأخذ أَبُو بكر بِيَدِهِ، فَأتى بِهِ النَّبِي ﷺ وَقد أسلم. وَلما اسْتخْلف أَبُو بكر قَالَ للنَّاس: شغلتموني عَن تجارتي فافرضوا لي. ففرضوا لَهُ كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ. وَلما أرادوه على الْبيعَة قَالَ: علام تبايعونني، وَلست بأقواكم وَلَا أَتْقَاكُم؟ أقواكم عمر، وأتقاكم سَالم. وَكَانَ إِذا مدح يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْت أعلم مني بنفسي، وَأَنا أعلم مِنْهُم بنفسي، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي خيرا مِمَّا يحسبون، واغفر مَالا يعلمُونَ، وَلَا تؤاخذني بِمَا يَقُولُونَ.
[ ٢ / ٩ ]
وعهد عِنْد مَوته فَكتب: هَذَا مَا عهد أَبُو بكر خَليفَة مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ عِنْد آخر عَهده بالدنيا، وَأول عَهده بِالآخِرَة، فِي الْحَال الَّتِي يُؤمن فِيهَا الْكَافِر، وَيَتَّقِي فِيهَا الْفَاجِر. إِنِّي اسْتعْملت عَلَيْكُم عمر بن الْخطاب، فَإِن برّ وَعدل فَذَاك علمي بِهِ، ورأيي فِيهِ، وَإِن جَار وَبدل فَلَا علم لي بِالْغَيْبِ، وَالْخَيْر أردْت وَلكُل امْرِئ مَا اكْتسب من الْإِثْم، وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون. وَرُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَنه قَالَ: دخلت عَلَيْهِ فِي علته الَّتِي مَاتَ فِيهَا، فَقلت: أَرَاك بارئًا يَا خَليفَة رَسُول الله. فَقَالَ: أما إِنِّي على ذَلِك لشديد الوجع، وَلما لقِيت مِنْكُم يَا معشر الْمُهَاجِرين أَشد عليّ من وجعي، إِنِّي وليت أُمُوركُم خَيركُمْ فِي نَفسِي، فكلكم ورم أَنفه أَن يكون لَهُ الْأَمر من دونه. وَالله لتتخذن نضائد الديباج وستور الْحَرِير، ولتألمن النّوم على الصُّوف الأذربي مَا يألم أحدكُم النّوم على حسك السعدان. وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لِأَن يقدم أحدكُم فَتضْرب عُنُقه فِي غير حق خير لَهُ من أَن يَخُوض غَمَرَات الدُّنْيَا. يَا هادي الطَّرِيق جرت، إِنَّمَا هُوَ وَالله الْفجْر أَو البجر. فَقلت: خفّض عَلَيْك يَا خَليفَة رَسُول الله ﷺ فَإِن هَذَا يهيضك إِلَى مَا بك، فوَاللَّه مَا زلت صَالحا مصلحًا لَا تأسى على شَيْء فتك من أَمر الدُّنْيَا، وَلَقَد تخليت بِالْأَمر وَحدك فَمَا رَأَيْت إِلَّا خيرا. بلغ عمر بن الْخطاب ﵁ أَن أَقْوَامًا يفضلونه على أبي بكر ﵁، فَوَثَبَ مغضبًا حَتَّى صعد الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على رَسُوله، ثمَّ أقبل على النَّاس فَقَالَ: إِنِّي سأخبركم عني وَعَن أبي بكر: لما توفّي رَسُول الله ﷺ ارْتَدَّت الْعَرَب، ومنعت شَاتِهَا وبعيرها، فأجمع رَأينَا كلنا أَصْحَاب مُحَمَّد أَن قُلْنَا: يَا خَليفَة رَسُول الله، إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُقَاتل الْعَرَب بِالْوَحْي وَالْمَلَائِكَة يمده اللَّهُمَّ بهم، وَقد انْقَطع ذَلِك الْيَوْم، فَالْزَمْ بَيْتك ومسجدك، فَإِنَّهُ لَا طَاقَة لَك بالعرب. فَقَالَ أَبُو بكر: أَو كلكُمْ رَأْيه هَذَا؟ فَقُلْنَا: نعم. فَقَالَ: وَالله لِأَن أخرّ من السَّمَاء فتخطفني الطير أحب إليّ من أَن يكون هَذَا رَأْيِي. ثمَّ صعد الْمِنْبَر، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَكبره، وَصلى على النَّبِي ﵇، ثمَّ أقبل على النَّاس فَقَالَ:
[ ٢ / ١٠ ]
أَيهَا النَّاس؛ من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ، وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حيّ لَا يَمُوت. أَيهَا النَّاس؛ ألأن كثر أعداؤكم وَقل عددكم ركب الشَّيْطَان مِنْكُم هَذَا الْمركب؟ وَالله لَيظْهرَن الله هَذَا الدّين على الْأَدْيَان كلهَا وَلَو كره الْمُشْركُونَ. قَوْله الْحق ووعده الصدْق: " بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق وَلكم الويل مِمَّا تصفون " و" كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله وَالله مَعَ الصابرين ". أَيهَا النَّاس. لَو أفردت من جمعكم لجاهدتم فِي الله حق جهاده حَتَّى ابلغ من نَفسِي عذرا، أَو أقتل مقتلًا. أَيهَا النَّاس؛ لَو مَنَعُونِي عقَالًا لجاهدتم عَلَيْهِ، واستعنت بِاللَّه فَإِنَّهُ خير معِين. ثمَّ نزل فَجَاهد فِي الله حق جهاده حَتَّى أذعن الْعَرَب بِالْحَقِّ. وَقَالَ لأبي بكر رجل: وَالله لأشتمنك شتمًا يدْخل مَعَك قبرك. قَالَ: " مَعَك يدْخل وَالله لَا معي ". وَقَالَ: وَالله إِن عمر لأحب النَّاس إليّ. ثمَّ قَالَ: كَيفَ قلت؟ فَقَالَت عَائِشَة: قلت: وَالله إِن عمر لأحب النَّاس إليّ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أعزّ الْوَلَد ألوط. وَمر بِعَبْد الرَّحْمَن ابْنه وَهُوَ يماظّ جارًا لَهُ، فَقَالَ: لَا تماظّ جَارك فَإِنَّهُ يبْقى وَيذْهب النَّاس. وشكي إِلَيْهِ بعض عماله، فَقَالَ: أَنا اقيد من وزعة الله؟ وَكَانَ من كَلَامه فِي خطبَته يَوْم الْجُمُعَة: الوحاء الوحاء النَّجَاء النَّجَاء. وراءكم طَالب حثيث مره سريع. تَفَكَّرُوا عباد الله، فِيمَن كَانَ قبلكُمْ: أَيْن كَانُوا أمس؟ وَأَيْنَ هم الْيَوْم؟ أَيْن الشَّبَاب الوضاء المعجبون بشبابهم، صَارُوا كلا شَيْء. أَيْن الْمُلُوك الَّذين بنوا الحوائط وَاتَّخذُوا الْعَجَائِب؟ فَتلك بُيُوتهم خاوية بِمَا ظلمُوا، وهم فِي ظلمات الْقُبُور، " هَل تحس مِنْهُم من أحد أَو تسمع لَهُم ركزًا "
[ ٢ / ١١ ]
أَيْن الَّذين كَانُوا يُعْطون الْغَلَبَة فِي مَوَاطِن الْحَرْب؟ تضعضع بهم الدَّهْر وصاروا رميمًا. أَيْن من كُنْتُم تعرفُون من آبائكم وأبنائكم، وَإِخْوَانكُمْ وقراباتكم؟ وردوا على مَا قدمُوا، وخلوا يالشقاوة والسعادة فِيمَا بعد الْمَوْت. اعلموا عباد الله أَن الله لَيْسَ بَينه وَبَين أحد من خلقه نسب يُعْطِيهِ خيرا، وَلَا يدْفع عَنهُ ضرًا إِلَّا بِطَاعَتِهِ، وَاتِّبَاع أمره. فَإِن أَحْبَبْتُم أَن تسلم دنياكم وآخرتكم فَاسْمَعُوا وَأَطيعُوا، وَلَا تفَرقُوا فَتفرق بكم السبل، وَكُونُوا إخْوَانًا كَمَا أَمركُم الله. أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم. لما قَالَت الْأَنْصَار: منا أَمِير ومنكم أَمِير. قَالَ أَبُو بكر ﵁: إِنَّا معشر هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش أكْرم النَّاس أحسابًا، وأثقبهم أنسابًا، ثمَّ نَحن بعد عترة رَسُول الله ﷺ الَّتِي خرج مِنْهَا، وبيضته الَّتِي تفقأت عَنهُ، وَإِنَّمَا جيبت الْعَرَب عَنَّا كَمَا جيبت الرحا عَن قطبها. وَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن ابْنه: لقد أهدفت لي يَوْم بدر فضفت عَنْك، فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: لكنك لَو أهدفت لي لم أضف عَنْك. وَرَأى أَبَا ذَر فحنا عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا قَالَ فِيك، فأعوذ الله أَن أكون صَاحبك. وَقَالَ: كنت عِنْد النَّبِي ﷺ فَنزل: " من يعْمل سوءا يجز بِهِ " فاقرأنيها، فَلَا أعلم إِلَّا وجدت لَهَا انقصامًا فِي ظَهْري حَتَّى تمطيت لَهَا. وَمر بِحسن بن عَليّ ﵄ يلْعَب مَعَ الصّبيان فاحتمله. وَقَالَ: بِأبي شَبيه النَّبِي لَيْسَ بشبه لعَلي. وَقَامَ عمر يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَأنكر الصُّلْح، فَقَالَ أَبُو بكر: استمسك بغرزه، فَإِنَّهُ على الْحق. وخطب فَقَالَ: إِنَّكُم تقرءون هَذِه الْآيَة " لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ ". وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " النَّاس إِذا رَأَوْا الْمُنكر فَلم ينكروه يُوشك أَن يعمهم الله بعقاب ".
[ ٢ / ١٢ ]
وَقَالَ لعَائِشَة: انظري مَا زَاد فِي مَالِي مذ دخلت هَذِه الْإِمَارَة فرديه إِلَى الْخَلِيفَة بعدِي، فَإِنِّي كنت نشحتها جهدي إِلَّا مَا كُنَّا نصيب من ودكها. وَقَالَ فِي خطْبَة: تعلمُوا أَن أَكيس الْكيس التقي، وَأَن أعجز الْعَجز الْفُجُور، وَأَن أقواكم عِنْدِي الضَّعِيف حَتَّى أعْطِيه حَقه، وَأَن أَضْعَفكُم عِنْدِي الْقوي حَتَّى آخذ مِنْهُ الْحق. أَيهَا النَّاس؛ إِنَّمَا أَنا مُتبع وَلست بِمُبْتَدعٍ، فَإِذا أَحْسَنت فَأَعِينُونِي، وَإِذا زِغْت فقوموني. وَقَالَ فِي خطْبَة: إِنَّكُم فِي مهل وَرَاءه أجل، فبادروا فِي مهل آجالكم، قبل أَن تقطع آمالكم فتردكم إِلَى سوء أَعمالكُم. وخطب فَقَالَ: أوصيكم بتقوى الله، أَن تتقوه، وتثنوا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله، إِنَّه كَانَ غفارًا، وَأَن تخلصوا لله الْيَقِين فِيمَا بَلغَكُمْ فِي كِتَابه، فَإِنَّهُ أثنى على زَكَرِيَّا وَأهل بَيته، فَقَالَ: " إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وَكَانُوا لنا خاشعين ". ثمَّ اعلموا عباد الله أَن قد ارْتهن بِحقِّهِ أَنفسكُم، وَأخذ على ذَلِك مواثيقكم، وَاشْترى مِنْكُم الْقَلِيل الفاني بالكثير الْبَاقِي. هَذَا كتاب الله بَيْنكُم، لَا يطفأ نوره، وَلَا تنفد عجائبه، فاستنصحوا كِتَابه، وَاتبعُوا كَلَامه، واستضيئوا مِنْهُ ليَوْم ظلمتكم، فَإِنَّمَا خَلقكُم لعبادته، وأمركم بِطَاعَتِهِ، وَقد وكل بكم كرامًا كاتبين يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ. ثمَّ اعلموا عباد الله أَنكُمْ تغدون وتروحون فِي أجل قد غيب عَنْكُم علمه، فَإِن اسْتَطَعْتُم أَن تنقضى آجالكم وَأَنْتُم فِي عمل الله فافعلوا، وَلنْ تنالوا ذَلِك إِلَّا بِاللَّه. سارعوا فِي مهل آجالكم قبل أَن تَنْقَضِي أعماركم فيريكم سوء أَعمالكُم. وَقَالَ فِي خطْبَة لَهُ فِي الرِّدَّة: وَالله لَا نَبْرَح نقوم بِأَمْر الله، ونجاهد فِي سَبِيل الله حَتَّى ينجز لنا وعده، ويفي لنا بعهده، فَيقْتل من يقتل منا شَهِيدا من أهل الْجنَّة، وَيبقى من بَقِي منا خَليفَة فِي أرضه. وعد الصدْق لَا خلف لَهُ، قَالَ الله ﷿: " وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم ".
[ ٢ / ١٣ ]
فانهضوا عباد الله إِلَى مَا دعَاكُمْ الله إِلَيْهِ من غنيمته، وسارعوا إِلَى مَا وَعدكُم من جنته وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم. وَأوصى خَالِد بن الْوَلِيد حِين خُرُوجه إِلَى الْيَمَامَة فَقَالَ: يَا خَالِد، إِنَّك تخرج مُجَاهدًا، دينك ودنياك بَين عَيْنَيْك، وَقد وهبْنَ نَفسك لله ﷿، ثمَّ أَعْطَاك عَلَيْهَا فربحت تجارتك ببياعتك. فسر إِلَى عَدو الله على بركَة الله، وَاعْلَم أَن خير الْأَمريْنِ لَك أبغضهما إِلَيْك. وَقَالَ لعكرمة حِين وَجهه إِلَى عمان: سر على بركَة الله، وَلَا تنزلن على مستأمن، وَلَا تؤمنن على حق مُسلم. وَقدم النّذر بَين يَديك. وَمهما قلت إِنِّي فَاعل فافعل، وَلَا تجْعَل قَوْلك لَغوا فِي عَفْو وَلَا عُقُوبَة، فَلَا ترجى إِذا أمنت، وَلَا تخَاف إِذا خوفت، وَلَكِن انْظُر مَتى تَقول وَمَا تَقول، وَلَا تعذب على مَعْصِيّة بِأَكْثَرَ من عقوبتها، فَإنَّك إِن فعلت اثمت، وَإِن تركت كذبت، وَلَا تؤمّنن شريفًا دون أَن يكفل بأَهْله، وَلَا تكلّفنّ ضَعِيفا أَكثر من نَفسه، وَاتَّقِ الله إِذا لقِيت، وَإِذا لقِيت فاصبر. وَقَالَ أَبُو بكر ﵁: من أُوتِيَ الْقُرْآن فَرَأى أَن أحدا أُوتِيَ أَكثر مِمَّا أُوتِيَ فقد صغّر عَظِيما. يَقُول الله ﷿: " وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم ". وَقَالَ لما احْتضرَ لعمر: يَا عمر، إِن لله حَقًا بِاللَّيْلِ لَا يقبله إِلَّا بِاللَّيْلِ، وَإِن الله لَا يقبل نَافِلَة حَتَّى تُؤَدّى فريضته، فَكُن مُؤمنا رَاغِبًا رَاهِبًا، فَلَا ترغبن رَغْبَة تمنى على الله ﷿ فِيهَا مَا لَيْسَ لَك، وَلَا ترهبنّ رهبة تلقى بهَا بيديك إِلَى التَّهْلُكَة. ثمَّ قَالَ: إِن أول مَا أحذرك نَفسك وَهَؤُلَاء الرَّهْط من الْمُهَاجِرين، فَإِنَّهُم قد انتفخت أوداجهم وطمحت أَبْصَارهم، وَتمنى كل امْرِئ مِنْهُم لنَفسِهِ. وَإِن لَهُم نحيرة ينحرونها عَن زلَّة مِنْهُ وَمِنْهُم، فَلَا تكوننه، فَإِنَّهُم لن يزَالُوا فرقين مِنْك مَا فرقت من الله ﷿ فِيمَا بيّن لَك. وَرُوِيَ أَنه قَالَ: إِنِّي مستخلفك من بعدِي، وموصيك بتقوى الله، فَإِن لله عملا بِاللَّيْلِ لَا يقبله بِالنَّهَارِ، وَعَملا بِالنَّهَارِ لَا يقبله بِاللَّيْلِ، وَإنَّهُ لَا يقبل نَافِلَة
[ ٢ / ١٤ ]
حَتَّى تُؤَدّى فريضته، وَإِنَّمَا ثقلت مَوَازِين من ثقلت موازينهم يَوْم الْقِيَامَة باتبَاعهمْ الْحق فِي الدُّنْيَا، وَثقله عَلَيْهِم، وَحقّ لِمِيزَانٍ يوضع فِيهِ الْحق أَن يكون ثقيلًا، وَإِنَّمَا خفّت مَوَازِين من خفت موازينهم يَوْم الْقِيَامَة باتبَاعهمْ الْبَاطِل، وَخِفته عَلَيْهِم، وَحقّ لِمِيزَانٍ لَا يوضع فِيهِ إِلَّا الْبَاطِل أَن يكون خَفِيفا. إِن الله ذكر أهل الْجنَّة فَذكرهمْ بِأَحْسَن أَعْمَالهم وَتجَاوز عَن سيئاتهم، فَإِذا ذكرتهم أَقُول: إِنِّي أَرْجُو أَن أكون من هَؤُلَاءِ، وَذكر أهل النَّار فَذكرهمْ بأسوء أَعْمَالهم وَلم يذكر حسناتهم، فَإِذا ذكرتهم قلت: إِنِّي لأخاف أَن أكون من هَؤُلَاءِ. وَذكر الرَّحْمَة مَعَ آيَة الْعدْل ليَكُون العَبْد رَاغِبًا رَاهِبًا لَا يتَمَنَّى على الله ﷿ غير الْحق، وَلَا يلقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة. فَإِن حفظت وصيتي فَلَا يكونن غَائِب أحب إِلَيْك من الْمَوْت، وَهُوَ آتِيك، وَإِن أضعت وصيتي فَلَا يكونن غَائِب أبْغض إِلَيْك من الْمَوْت، وَلست بمعجز الله ﷿. وَرُوِيَ أَنه لما أَرَادَ الْوَصِيَّة قَالَ لعُثْمَان: اكْتُبْ. فَكتب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. هَذَا مَا أوصى بِهِ أَبُو بكر بن أبي قُحَافَة فِي أول عَهده بِالآخِرَة دَاخِلا فِيهَا. وَآخر عَهده بالدنيا خَارِجا مِنْهَا، حَيْثُ يصدق الْكَاذِب، ويؤمن الْكَافِر الجاحد: إِنِّي اسْتخْلفت عَلَيْكُم من بعدِي. قَالَ: ثمَّ أَدْرَكته غشية، فَلَمَّا أَفَاق قَالَ: مَا كتبت؟ قلت: كتبت عمر بن الْخطاب. قَالَ: موفّقًا رشيدا، أما إِنَّك لَو تركته مَا عذرتك. وَكَانَ إِذا عزى رجلا قَالَ: لَيْسَ مَعَ العزاء مُصِيبَة، وَلَا مَعَ الْجزع فَائِدَة، وَالْمَوْت اشد مَا قبله وأهون مَا بعده، واذْكُرُوا فقد رَسُول الله ﷺ تذل عنْدكُمْ مصيبتكم، وَعظم الله أجركُم. وَمر بِهِ رجل وَمَعَهُ ثوب، فَقَالَ: أتبيع الثَّوْب؟ فَقَالَ: لَا، عافاك الله. فَقَالَ أَبُو بكر ﵁: قد علمْتُم لَو تعلمُونَ. قل: لَا، وعافاك الله. وَقَالَ: أَربع من كن فِيهِ كَانَ من خِيَار عباد الله: من فَرح للتائب، واستغفر للمذنب، ودعا للْمَدِين، وأعان المحسن على إحسانه.
[ ٢ / ١٥ ]