قَالَ رجل من أهل الشَّام لبَعض أهل الْمَدِينَة - وَهُوَ الغاضري -: كَيفَ يُبَاع النَّبِيذ عنْدكُمْ؟ قَالَ: مدّان وَثَمَانِية وَسَبْعُونَ سَوْطًا بدرهم ﴿﴾ . وَقيل لمديني: مَا أَعدَدْت لشدَّة الْبرد؟ قَالَ: شدَّة الرعدة. وَقَالَ آخر مِنْهُم لغلامه وَنزل بِهِ ضيف: افرش لضيفنا. فَقَالَ: مَا أفرش لَهُ، وسراويلك عَلَيْك، والجل على الْحمار؟ . وَقيل لآخر: كَيفَ أَنْت فِي دينك؟ قَالَ: أخرقه بِالْمَعَاصِي وأرقعه بالاستغفار. سرق آخر نافجة مسك، فَقيل لَهُ: إِن كل من غل يَأْتِي بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة يحمل على عُنُقه. فَقَالَ: إِذا وَالله أحملها طيبَة الرّيح خَفِيفَة الْمحمل. وَمر آخر بقاص وَهُوَ يَقُول: وإسرافيل ملتقم الصُّور ينْتَظر مَتى يُؤمر أَن ينْفخ فِيهِ. فَقَالَ الْمَدِينِيّ - وَضرب بِيَدِهِ على جَبهته -: إِنَّا لله، إِن عطس عطسة افتضحنا. وَقَالَ آخر: لَو قسم الْبلَاء بَين النَّاس لم يصبنا أَكثر مِمَّا أَصَابَنَا. قَالُوا: مَا الَّذِي أَصَابَك؟ . قَالَ: بعثنَا بشاتنا إِلَى التيّاس مَعَ الْجَارِيَة، فَجَاءَت الشَّاة حَائِلا وَالْجَارِيَة حَامِلا. وَصَحب مديني بعض وُلَاة الْمَدِينَة، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة قَالُوا: هَل ولاّك شَيْئا؟ قَالَ: نعم، ولاّني قَفاهُ.
[ ٢ / ١٦٠ ]
قيل لآخر - وَقد ذمّ عيشه -: أَحْمد الله الَّذِي رفع السَّمَاء بِغَيْر عمد، فَإِنَّهُ قَادر على أَن يُوسع رزقك. قَالَ: وددت أَنه وسع عليّ وَجعل بَين كل ذراعين اسطوانة. وَسمع آخر سَائِلًا يَقُول: لَا ينقص مَال من صَدَقَة. قَالَ: بيني وَبَيْنك الْمِيزَان يَا كشخان. قيل لآخر: كَيفَ طابت أصوات أهل الْمَدِينَة؟ قَالَ: لخلاء أَجْوَافهم، كالعود لما خلا جَوْفه طَابَ صَوته. لَقِي مديني آخر فَقَالَ لَهُ: مَا فعل ابْنك فلَان؟ قَالَ: بِالْيمن. قَالَ: فابنك فلَان؟ قَالَ: بخراسان. قَالَ: لَا أَسأَلك عَن الثَّالِث فَإِنِّي أعلم أَنه فِي السَّحَاب. وَقَالَ مديني لآخر: زوجت أمك؟ قَالَ: نعم، حَلَالا طيبا. قَالَ: حَلَال نعم، فَأَما الطّيب فالزوج أعلم بِهِ. وَاشْترى آخر رطبا، فَأخْرج صَاحبه كيلجة صَغِيرَة ليكيل بهَا، فَقَالَ الْمَدِينِيّ: وَالله لَو كلت لي بهَا حَسَنَات مَا قبلتها. وَقيل لآخر: حِمَارك مهزول. فَقَالَ: يَده مَعَ يَدي. وَاشْترى آخر جَارِيَة فَسئلَ عَنْهَا، فَقَالَ: فِيهَا خلَّتَانِ من خلال الْجنَّة: برد وسعة. وَقَالَ مديني لِابْنِ أبي مَرْيَم: تعشقت فُلَانَة وَأُرِيد شراءها. قَالَ: يَا ابْن الفاعلة، فَبِأَي شَيْء تشتريها؟ قَالَ: أبيع قطيعة جدي وأشتريها. قَالَ: امْرَأَته طَالِق إِن كَانَ ملك جدك قطيعة إِلَّا قطيعة الرَّحِم. كَانَ مديني يجلس على بَاب مَسْجِد، فَيرى النَّاس إِذا اذن الْمُؤَذّن يدْخلُونَ أَرْسَالًا. فَقَالَ: وَالله لَو قَالَ هَذَا الْمُؤَذّن يَوْمًا: حيّ على الزَّكَاة، مَا جَاءَ مِنْكُم أحد.
[ ٢ / ١٦١ ]
وسرق آخر جرة فَأَخَذُوهَا مِنْهُ وَأَرَادُوا ضربه، وَقَالُوا: يَا عَدو الله تسرق جرتنا؟ فَقَالَ: مَا هَذِه جرتكم، هَذِه وَالله عندنَا مذ هِيَ كوز! فضحكوا مِنْهُ وتركوها لَهُ. قَالَ مديني لآخر: أَيَسُرُّك أَن هَذِه الدَّار لَك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: وَلَيْسَ إِلَّا نعم؟ قَالَ: وَكَيف أَقُول؟ قَالَ: تَقول نعم، وأحمّ سنة. قَالَ: نعم وَأَنا أَعور. وَقَالَ وَاحِد مِنْهُم لآخر: أَيَسُرُّك أَن تعيش حَتَّى تجئ حليمة من إفريقية مشيًا إِلَيْك؟ قَالَ: وَأَنت يَسُرك ذَلِك؟ قَالَ: أَخَاف وَالله أَن يَقُول إِنْسَان هِيَ بمخيض فيغشى عليّ. ومخيض على بريد من الْمَدِينَة. وَقَالَ آخر لامْرَأَته: لَا جَزَاك الله خيرا فَإنَّك غير مرعية وَلَا مبقية. قَالَت: لأَنا وَالله أرعى وَأبقى من الَّتِي كَانَت قبلي. قَالَ: فَأَنت طَالِق إِن لم أكن آتيها بجرادة فتطبخ مِنْهَا أَرْبَعَة ألوان وتشوى جنبيها. فَرَفَعته إِلَى القَاضِي، فَجعل القَاضِي يطْلب لَهُ الْمخْرج، فَقَالَ للْقَاضِي: أصلحك الله، أشكلت عَلَيْك؟ هِيَ طَالِق عشْرين. شتم مديني أَبَا هُرَيْرَة، فَقيل لَهُ: أتشتم رجلا من أَصْحَاب النَّبِي ﵇؟ فَقَالَ: ظننته أنس بن مَالك. مطر أهل الْمَدِينَة سِتّ لَيَال مُتَوَالِيَات، حَتَّى كَاد أَهلهَا يغرقون، فَقَالَ بَعضهم: إِن مُطِرْنَا السَّابِعَة أصبح أهل السَّمَاء فِي مفازة لَا يَجدونَ حسوة مَاء. نزل على مديني أضياف فتسترت امْرَأَته مِنْهُم وتخفرت. فَقَالَ لَهَا زَوجهَا: لَوَدِدْت أَن فِي الدُّنْيَا عينا تشتهيك، وَأَنَّك أثقلت فِي كل يَوْم بتوأمين. نظر مديني إِلَى قوم يستسقون وَمَعَهُمْ الصّبيان، فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: نرجو بهم الْإِجَابَة. قَالَ: لَو كَانَ دعاؤهم مجابًا لما بَقِي فِي الأَرْض معلم.
[ ٢ / ١٦٢ ]
قيل لبَعْضهِم: مَا عنْدك من آلَة الْحَج؟ قَالَ: التَّلْبِيَة. وَقيل لآخر: يمكنك أَن تحج. قَالَ: لَيْت أمكنني الْمقَام ﴿. وقف آخر على قاص وَهُوَ يذكر ضغطة الْقَبْر، فَقَالَ: يَا قوم، كم فِي الصلب من الْفرج الْعَظِيم وَنحن لَا نَدْرِي﴾ فَقَالَ صَاحبه: فَإنَّا نستصلب الله. أَخذ الطَّائِف بَعضهم وَهُوَ سَكرَان، فَقَالَ: احْبِسُوا الْخَبيث. فَقَالَ: أصلحك الله؛ عليّ يَمِين بِالطَّلَاق أَلا أَبيت بَعيدا عَن منزلي، فَضَحِك وخلاه. اجتازت جَارِيَة مدينية بِرَجُل مِنْهُم يَبُول، فرأت مَعَه شَيْئا وافرًا، فَقَالَت لَهُ: هَذَا مَعَك وَلَا تجْلِس فِي الصيارفة؟ فَقَالَ: أخزاك الله، وَهل أقامني من الصيارفة غَيره؟ . وصف مديني امْرَأَة بالقبح، فَقَالَ: كَأَن وَجههَا وَجه إِنْسَان قد رأى شَيْئا يتعجب مِنْهُ. قيل لمديني: مَا طَعَامك؟ قَالَ: الْخلّ وَالزَّيْت. قيل: أفتصبر عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: ليتهما يصبران عليّ. خَاصَمت مدينية زَوجهَا، وَكَانَ فِي خلق لَا يواريه، فَقَالَت لَهُ: غير الله مَا بك من نعْمَة. قَالَ: اسْتَجَابَ الله دعاءك، لعَلي أصبح فِي ثَوْبَيْنِ جديدين. وَمَرَّتْ امْرَأَة جملية بمديني، فَقَالَت لَهُ: يَا شيخ؛ أَيْن درب الْحَلَاوَة؟ قَالَ: بَين رجليك يَا ستي. وصف مديني مغنية بِحسن الْغناء، فَقَالَ: وَالله لَو سَمعتهَا مَا أدْركْت ذكاتك. عرض آخر جَارِيَة على البيع، فَقيل لَهُ: هِيَ دقيقة السَّاقَيْن، فَقَالَ: تُرِيدُونَ تبنون على رَأسهَا غرفَة؟ كَانَ أَبُو خُزَيْمَة الْمَدِينِيّ يَقُول: اللَّهُمَّ ارزقني، فَإِن كنت لَا ترزقني لكرامتي عَلَيْك، فقد رزقت من هُوَ خير مني، سُلَيْمَان بن دَاوُد، وَإِن كنت لَا ترزقني لهواني عَلَيْك، فقد رزقت من هُوَ شَرّ مني، فِرْعَوْن ذَا الْأَوْتَاد.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وشكا مرّة نكبات الدَّهْر، فَقَالَ لَهُ رجل: هون عَلَيْك فَإِن الله يدّخر لَك ثَوَابهَا للآخرة. فَقَالَ لَهُ أَبُو خُزَيْمَة: الْآخِرَة خير أم الدُّنْيَا؟ قَالَ: بل الْآخِرَة. قَالَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ يعطيني من ابغضهما إِلَيْهِ، أيعطيني من أكرمهما عَلَيْهِ؟ قَالَت امْرَأَة الغاضري - وَقد قطع لَهَا قَمِيصًا -: مَا أحسن هَذَا الْقَمِيص! قَالَ: الطَّلَاق أحسن مِنْهُ. قَالَ رجل لناجية الْمَدِينِيّ لما مَاتَ أَبوهُ: آجرك الله. فَقَالَ: رَزَقَنِي الله مكافأتك. قَالَ أَبُو العيناء: قلت لمديني شكا إليّ سوء الْحَال: اُبْشُرْ فَإِن الله قد رزقك الْإِسْلَام والعافية. قَالَ: أجل، وَلَكِن بَينهمَا جوع يقلقل الكبد. وقف سَائل بِبَاب مديني، وَقَالَ: أطعمونا من فضل غشائكم. فَقَالَ: وَالله مَا لعشائنا أصل حَتَّى يكون لَهُ فضل. ساوم مديني بدجاجة، فَقَالَ صَاحبهَا: لَا أنقص من عشرَة دَرَاهِم. فَقَالَ: وَالله لَو كَانَت فِي حسن يُوسُف، وَفِي عظم كَبْش إِبْرَاهِيم، وَكَانَت تبيض فِي كل يَوْم وليّ عهد للْمُسلمين، مَا ساوت أَكثر من دِرْهَمَيْنِ. قيل لمديني: كَيفَ رَأَيْت الْبَصْرَة؟ قَالَ: خير بلَاء الله للجائع والمفلس والعزب، أما الجائع فيأكل من خبز الْأرز والمالح بفلس حَتَّى يشْبع. وَأما العزب فَيَتَزَوَّج بِمن شَاءَ بدانقين وَأما الْمُفلس فيخرى وَيبِيع، فَهَل رَأَيْتُمْ بَلْدَة مثلهَا؟ . قيل لمديني: مَا عنْدك من آلَة العصيدة؟ قَالَ: المَاء. انْقَطع مديني إِلَى رجل من الْأَشْرَاف، فغنى لَهُ مغن يَوْمًا صَوتا حَزينًا، فمزق ثِيَابه وَقَالَ للمديني: مزق قَمِيصك أَيْضا. قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي غَيره. قَالَ: أَنا أكسوك غَدا قَمِيصًا. قَالَ: وَأَنا أَيْضا أمزقه غَدا. قيل لبَعْضهِم: مَا عنْدك من آلَة القريس قَالَ: الْبرد.
[ ٢ / ١٦٤ ]
قيل لخوات الْمَدِينِيّ: كَيفَ تَقول: تعشيت أَو تعشأت؟ قَالَ: إِذا أكلت اللَّحْم فَقل تعشأت، وَإِذا لم تَأْكُل اللَّحْم، فَقل: تعشيت. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت بآخر وَهُوَ يشكو الْفقر، فَقلت لَهُ: أبشر، فَإِنَّهُ يَأْتِيك الْفرج. قَالَ: أخْشَى أَن يجيئني الْفرج فَلَا يجدني. قَالَ مديني لآخر: حاصرت الله فِي سلم من زبد كلما صعدت ذِرَاعا نزلت باعا، حَتَّى أبلغ بَنَات نعش فآخذها كوكبًا كوكبًا. لَو أَن لمولاك مائَة بيدر من إبر خوارزمية، ثمَّ جَاءَهُ يُوسُف النَّبِي ﵇ وَقد قدّ قَمِيصه من دبر، وَمَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل يشفعان لَهُ مَا أعطَاهُ مِنْهَا إبرة يخيط بهَا قَمِيصه. قيل لشيخ مِنْهُم: كم مِقْدَار شربك للنبيذ؟ قَالَ: مِقْدَار مَا أقوى بِهِ على ترك الصَّلَاة. سرق لآخر دَرَاهِم، فَقيل لَهُ: لَا تغتمّ فَإِنَّهَا فِي ميزانك. فَقَالَ: مَعَ الْمِيزَان سرقت. وَقَالَ آخر لصَاحب منزله: أصلح خشب هَذَا الْبَيْت فَإِنَّهُ يتفرقع. فَقَالَ: لَا تخف، فَإِنَّهُ يسبح، فَقَالَ: إِنِّي أَخَاف أَن تُدْرِكهُ الرقة فَيسْجد. كَانَت بِالْمَدِينَةِ امْرَأَة لَا تَلد إِلَّا الْبَنَات، فَقَالَ لَهَا زَوجهَا وَقد بشر بابنة: يَا فُلَانَة، إِنِّي لأَظُن لَو احْتَلَمت بِالشَّام وَأَنت بِالْمَدِينَةِ لحملت ببنت. خرج أَبُو جواليق الْمَدِينِيّ يَشْتَرِي حمارا، فَلَقِيَهُ صديق لَهُ، فَقَالَ: أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيد السُّوق أَشْتَرِي حمارا. قَالَ: قل إِن شَاءَ الله. قَالَ: لَيْسَ هَذَا مَوضِع " إِن شَاءَ الله " الدَّرَاهِم فِي كمى وَالْحمار فِي السُّوق؛ فَبينا هُوَ يطْلب الْحمار إِذْ طرّت دَرَاهِمه فَرجع حَزينًا، فَلَقِيَهُ صَاحبه، فَقَالَ: مَا صنعت؟ قَالَ: سرقت دراهمي إِن شَاءَ الله. وَأَرَادَ الْمهْدي أَن يتنزه بِالْمَدَائِنِ، فَخرج أَشْرَاف أهل الْمَدَائِن، فأوقدوا النيرَان والشموع، فَقَالَ أَبُو جواليق: قد أذن الله فِي خراب الْمَدَائِن. قَالُوا:
[ ٢ / ١٦٥ ]
لم؟ قَالَ: أوقدتم النيرَان. الْآن تنفر حراقات الْمهْدي مِنْهَا فيأمر بخراب الْمَدَائِن. دخل بَعضهم على الْمَأْمُون، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، الْمَوْت بِالْمَدِينَةِ فَاش إِلَّا أَنه سليم. جَاءَ رجل إِلَى مديني فَقَالَ: هَل تدلني على من يَشْتَرِي حماري، وَكَانَ أجرب أجرد، فَقَالَ: وَالله مَا أعرف من يَشْتَرِي هَذَا إِلَّا أَن يجِئ من يطْلب من الْحمير نسمَة لِلْعِتْقِ. غنت قينة ومديني حَاضر، فَقَالَ: يَا سيدتي أَجدت، وَمَا يحضرني مَا أُعْطِيك، وَلَكِن قد وهبت لَك كل حَسَنَة لي، وحملت عَنْك كل سَيِّئَة لَك. فَقَامَ آخر فَقَالَ: يَا سيدتي، مَا أَعْطَاك شَيْئا، وَذَلِكَ أَنه مَالك سَيِّئَة يحملهَا عَنْك، وَلَا لَهُ حَسَنَة فيعطيكها. سُئِلَ أحدهم عَن جَارِيَة اشْتَرَاهَا، فَقَالَ: مفازة مَكَّة عِنْدهَا ثقب عفصة. وبلح كركان عِنْدهَا بينون الدَّاخِل. قَالَت امْرَأَة مدينية لزَوجهَا: احفظ صُحْبَة ثَلَاثِينَ سنة. قَالَ: مَا دهاك عِنْدِي غير ذَلِك. كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَاحِد يَقُود قد أفسد أحداثها، فَاجْتمع الْمَشَايِخ وَشَكوا ذَلِك إِلَى وَالِي الْمَدِينَة، فنفاه إِلَى قبَاء، فبعدت الْمسَافَة، فَكَانُوا يركبون حمير المكاريين ويصيرون إِلَى عِنْده، وَكثر ذَلِك حَتَّى كَانَ الْوَاحِد يركب حمارا، فيسير حَتَّى يقف على بَابه؛ فَاجْتمع النَّاس إِلَى واليهم وَقَالُوا: قد أفسد أحداثنا وأتلف أَمْوَالنَا، حَتَّى إِن الْحمر قد عرفت بَاب دَاره، فتقف عِنْده. فَأمر الْوَالِي بإحضاره وَأمر بتجريده، وَقَالَ: لَيْسَ أُرِيد شَاهدا عَلَيْك سوى أَن الْحمير تعرف بَاب دَارك. قَالَ: فَبكى، فَقيل لَهُ: مِم تبْكي؟ قَالَ: من شماتة أهل الْعرَاق بِنَا، يَقُولُونَ: إِن أهل الْمَدِينَة يقبلُونَ شَهَادَة الْحمير، فَضَحِك الْوَالِي وَمن حَضَره، وخلوه. اجْتمع فِي بَيت مديني رجل مَعَ صديقَة لَهُ، فأحصى الْمَدِينِيّ عَلَيْهِمَا ثَمَانِيَة، فَلَمَّا أَصْبحُوا قَالَت وَهِي تعاتبه: لست عَنْك راضية، وَسمع الْمَدِينِيّ قَوْلهَا
[ ٢ / ١٦٦ ]
فَقَالَ: يَا هَذِه لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أقل حَيَاء مِنْك، تعاتبينه بعد ثَمَانِيَة؟ امْرَأَته طَالِق أَنه لَو أَنا. . أمه ثَمَانِيَة، لَكَانَ قضى حق الله فِيهَا. التقى قنديل الْجَصَّاص، وَأَبُو الْحَدِيد المدينيان، فَقَالَ قنديل: من أَيْن وَإِلَى أَيْن؟ فَقَالَ: مَرَرْت برقطاء رَائِحَة تترنم برمل ابْن سُرَيج فِي شعر ابْن عمَارَة. سقى مأزمي فج إِلَى بِئْر خَالِد فزففت خلفهَا زفيف النعام، فَمَا انجلت غشاوتي إِلَّا وَأَنا بالمشاش حسيرًا، فأودعتها قلبِي وخلفته لَدَيْهَا، واقبلت أهوي هويّ الرَّحْمَة بِغَيْر قلب. فَقَالَ لَهُ قنديل: مَا رفع من الْمزْدَلِفَة أسعد مِنْك، سَمِعت شعر ابْن عمَارَة فِي لحن ابْن سُرَيج من رقطاء الحبطية، لقد أُوتيت جُزْءا من النُّبُوَّة. وَكَانَت رقطاء هَذِه أضْرب النَّاس، فَدخل رجل من أهل الْمَدِينَة منزلهَا فغنته صَوتا، فَقَالَ لَهُ بعض من حضرها: هَل رَأَيْت وترا قطّ أفْصح من وترها؟ فطرب الْمَدِينِيّ وَقَالَ: عَلَيْهِ الْعَهْد إِن لم يكن وترها قد عمل من معي بشكست النحوى، فَكيف لَا يكون فصيحًا؟ . وَكَانَ بشكست هَذَا نحويًا فصيحًا، يُقَال لَهُ: عبد الْعَزِيز، أَخذ أهل الْمَدِينَة النَّحْو عَنهُ. نظر وَاحِد مِنْهُم وَهُوَ المريمي إِلَى مصلوب بِبَاب الرقة فَقَالَ: " هَذَا مَا وعدنا الله وَرَسُوله ". وَقيل لَهُ يَوْمًا: كَيفَ مَاتَ أَبوك؟ فَقَالَ: سرا. يَعْنِي فَجْأَة. وَرَأى جَنَازَة بَعضهم فَقَالَ: الْآن خلا بِعَمَلِهِ ومساءلة هاروت وماروت. وَقيل لَهُ يَوْمًا: تقدم فصلّ بِنَا. فَقَالَ: أَنا والدتي، يُرِيد: أَنا أميّ. وَقَالَ بَعضهم لمديني: قد حضرني وَجه سنّ، امْضِ إِلَى صديقنا فلَان حَتَّى يجِئ فَيرى. قَالَ: فَمن ينظر عني حَتَّى أرجع؟ .
[ ٢ / ١٦٧ ]
وَاشْترى مديني عَرصَة، وأحضر من يبنيها، فذرعها وَقَالَ: ابْن هَاهُنَا صفّة وَهَاهُنَا حتريًا، وَهَاهُنَا خزانَة. ثمَّ ضرط، وَقَالَ بالعجلة: وَهَاهُنَا كنيفًا فقد اخْتَارَهُ الثِّقَة الْعَالم بِهِ؛ فَضَحِك هُوَ وَمن حَضَره فَزَالَ خجله. قَالَ بعض الْأَطِبَّاء، حضرت عِنْد عليل، وَوصف لي سَبَب علته، وَكَانَت الْعلَّة حمّى حادة، فَدخل رجل من أهل الْمَدِينَة والمحموم يَقُول لي: أكلت أفراخًا وَعَسَلًا، وشربت عَلَيْهِ أقداحًا ونمت فِي الشَّمْس. فَقَالَ الْمَدِينِيّ: امْرَأَته طَالِق لَو كَانَت الْحمى من حَملَة الْعَرْش لتركت حمله وأتتك. قيل لمديني: كَيفَ حالك؟ فَقَالَ: وَكَيف يكون حَال من ذهب مَاله، وَبقيت عَادَته؟ ! بعث مديني غُلَامه إِلَى جَارِيَته لتحمل إِلَيْهِ الْكيس، فَالْتمست مِنْهُ عَلامَة، فَقَالَ الْمَدِينِيّ: فل لَهَا الْعَلامَة أَنِّي خريت البارحة فِي الْفراش. فَقَالَت: ارْجع إِلَيْهِ وَقل لَهُ: أَي عَلامَة هَذِه؟ وَأَنت تخرى كل لَيْلَة فِي الْفراش، إِنَّمَا أردْت عَلامَة غير مَشْهُورَة. فَرد الْغُلَام وَقَالَ: قل لَهَا إِنَّك طبخت البارحة سكباجة وَلم أرْضهَا، وحردت وَقمت فخريت فِي الغضارة، فَقَالَت الْمَرْأَة، إِي وَالله، وعَلى كل رغيف على الْمَائِدَة وأعطته الْكيس. خطب خطيب بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ فِي خطبَته: " وَقَالَ الشَّيْطَان لما قضي الْأَمر إِن الله وَعدكُم وعد الْحق ووعدتكم فأخلفتكم وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخيّ ". فَقَالَ بعض المدينيين: مَا أحسن كَلَام ابْن الزَّانِيَة. قيل لمديني: مَا عمل بك الشيب؟ قَالَ: مَا عملت بِهِ أعظم، مَا وقرته وَلَا تركت لَهُ محرّمًا.
[ ٢ / ١٦٨ ]
قيل لمديني: بِمَ تتسحر؟ قَالَ: باليأس من فطور الْقَابِلَة. تزوج رجل امْرَأَة بِالْمَدِينَةِ ذكرُوا لَهُ أَنَّهَا شَابة طرية - وَكَانَت عجوزًا -، فَلَمَّا دخل بهَا وَرَآهَا نزع نَعْلَيْه، وهم يظنون أَنه يضْربهَا فقلدها إيَّاهُمَا وَقَالَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك. فَقَالُوا لَهُ: اسْكُتْ، اسْكُتْ. فَقَالَ: لَا تصلح هَذِه إِلَّا أَن تكون بَدَنَة، فافتدوا مِنْهُ. قيل لمديني: كَيفَ ترى الدُّنْيَا؟ قَالَ: قحبة، يَوْمًا فِي دَار عطار، وَيَوْما فِي دَار بيطار. تمنى آخر فِي منزله فَقَالَ: لَيْت أَنا لَحْمًا فنطبخ سكباجًا. فَمَا لبث أَن جَاءَ جَار لَهُ بصحفة، وَقَالَ: اغرفوا لنا فِيهَا قَلِيل مرق. فَقَالَ: جيراننا يشمون رَائِحَة الْأَمَانِي. دخل الغاضري على الْحسن بن عَليّ ﵇، فَقَالَ: إِنِّي عصيت رَسُول الله ﷺ. قَالَ: بئس مَا عملت! كَيفَ؟ فَقَالَ: إِن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَا يصلح قوم ملكت عَلَيْهِم امْرَأَة، وَقد ملكت عليّ امْرَأَتي، أَمرتنِي أَن أَشْتَرِي عبدا فاشتريته فأبق. فَقَالَ ﵁: اختر إِحْدَى ثَلَاث، إِن شِئْت فثمن عبد، فَقَالَ: قف هُنَا وَلَا تتجاوز، قد اخْتَرْت ذَلِك، فَأعْطَاهُ. قيل لمديني: أَيَسُرُّك أَن يكون أ. . ك كَبِيرا؟ قَالَ: لَا. قيل: وَلم ذَلِك؟ قَالَ: يثقلني ويلتذّ غَيْرِي. وَقع وَاحِد مِنْهُم فوثئت رجله، فَجعل النَّاس يدْخلُونَ عَلَيْهِ فيسألونه: كَيفَ وَقع؟، فَأَكْثرُوا، فضجر وَكتب قصَّته، فَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ عَائِد وَسَأَلَهُ دفع إِلَيْهِ الْقِصَّة. كَانَ سعيد بن مُسلم إِذا اسْتقْبل السّنة الَّتِي يسْتَأْنف فِيهَا عدد سنة أعتق نسمَة، وَتصدق بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فَقيل لمديني: إِن سعيد بن مُسلم يَشْتَرِي نَفسه من ربه بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. فَقَالَ الْمَدِينِيّ: لَا يَبِيعهُ.
[ ٢ / ١٦٩ ]
قيل لمديني: إِن عُثْمَان بن عَفَّان إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يحكم بَين الْقَاتِل والخاذل. قَالَ: فَبكى الْمَدِينِيّ، فَقيل لَهُ: مَا يبكيك؟ قَالَ: أَخَاف وَالله أَن يعْفُو. مر مديني على آخر، وَمَعَهُ عنز وَحمل، فَقَالَ لَهُ: هَذَا الْحمل هُوَ ابْن هَذِه العنزة. قَالَ الْمَدِينِيّ: لَا، وَلكنه يَتِيم فِي حجرها. اشْترى مديني برذونًا من رجل، فَقَالَ لَهُ: بِاللَّه هَل فِيهِ عيب؟ قَالَ: لَا وَالله، إِلَّا مشش كَأَنَّهُ سفرجلة، وَقَلِيل عرن كَأَنَّهُ قثاءة، وَقَلِيل دبر كَأَنَّهُ بطيخة. قَالَ: يَا ابْن الفاعلة؛ بعتني برذونًا أَو بعتني دَار الْبِطِّيخ. التقى مدينيان، فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: علمت أَن امْرَأَتي حَامِل. قَالَ: مِمَّن؟ قَالَ: مني. قَالَ: سررتني وَالله. عوتب مديني على كَثْرَة الْحلف بِالطَّلَاق، فَقَالَ: لي امْرَأَة لَا تصلح إِلَّا للحنث. كَانَ بعض المدينيين قد أنزلهُ بعض الْأَشْرَاف غرفَة على مطبخ لَهُ، فَأَخذه بَطْنه، فسلح فِي الغرفة، ووكف على قدور المطبخ فأفسدها، وَكَانَ الْمَدِينِيّ يتعشى عِنْده، فَقَالَ لَهُ: جعلت فدَاك أَيْن عشاؤك؟ فقد أَبْطَأَ علينا. قَالَ: أفْسدهُ علينا غداؤك. رأى الدَّارمِيّ الْمَدِينِيّ الأوقص - قَاضِي مَكَّة - فِي الْمَسْجِد يَدْعُو وَيَقُول: يَا رب أعتق رقبتي من النَّار. فَقَالَ الدَّارمِيّ: لَا وَالله مَا جعل الله لَك من عنق وَلَا رَقَبَة فَكيف يعتقها؟ فَقَالَ: وَيلك. من أَنْت؟ قَالَ: أَنا الدَّارمِيّ قتلتني وحبستني، وَكَانَ أَتَاهُ فِي حَاجَة فأخرها، فَقَالَ: لَا تقل ذَاك وأتني أقض حَاجَتك.
[ ٢ / ١٧٠ ]