حكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: عقمت النِّسَاء أَن يَأْتِين بِمثل عَليّ بن أبي طَالب؛ لعهدي بِهِ يَوْم صفّين وعَلى رَأسه عمامةٌ بَيْضَاء، وَهُوَ يقف على شرذمةٍ من النَّاس يحثهم على الْقِتَال، حَتَّى انْتهى إِلَى وَأَنا فِي كنفٍ من النَّاس، وَفِي أغيلمة من بني عبد الْمطلب؛ فَقَالَ: يَا معشر الْمُسلمين تجلببوا السكينَة، وأكبروا اللأمة، وأقلقوا السيوف فِي الأغماد، وكافحوا بالظبا، وصلوا السيوف بالخطا، فَإِنَّكُم بِعَين الله، وَمَعَ ابْن عَم رَسُول الله ﷺ، وعاودوا الْكر، واستحيوا من الفر؛ فَإِنَّهُ عارٌ فِي الأعقاب، ونارٌ يَوْم الْحساب، وطيبوا عَن الْحَيَاة نفسا، وسيروا إِلَى الْمَوْت سيرًا سجحا؛ ودونكم هَذَا الرواق الْأَعْظَم، فاضربوا ثبجه؛ فَإِن الشَّيْطَان راكبٌ صعيديه. قد مد للوثبة رجلا، وَأخر للنكوص أُخْرَى، فصمدًا صمدًا حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله. " وَالله مَعكُمْ وَلنْ يتركم أَعمالكُم ". ثمَّ صدر عني وَهُوَ يَقُول: " قتلوهم بعذابهم الله بِأَيْدِيكُمْ ويخرهم وينصركم عَلَيْهِم ويشف صُدُور قومٍ مُؤمنين ".
[ ١ / ١٨٣ ]
وَمن كَلَامه ﵇: أَيهَا النَّاس: إِن الصَّبْر عَن محارم الله أيسر من الصَّبْر عَن عَذَاب الله. وَمِنْه: كم بَين عمل قد ذهب تَعبه، وَبَقِي أجره، وَبَين عملٍ قد ذهبت لذته، وَبقيت تَبعته. وَسُئِلَ عَن بني هَاشم فَقَالَ: أطيب النَّاس أنفسا عِنْد الْمَوْت وَذكر مَكَارِم الْأَخْلَاق. وَعَن بني أُميَّة فَقَالَ: أشدنا حجزًا، وأدركنا للأمور إِذا طلبُوا، وَعَن بني الْمُغيرَة فَقَالَ: أُولَئِكَ رَيْحَانَة قُرَيْش الَّتِي تشمها. وَسُئِلَ عَن بطن آخر كنى عَنْهُم فَقَالَ: وَمن بقى من قُرَيْش. وَقَالَ: " خصصنا بِخمْس: فصاحةٍ، وصباحةٍ، وسماحةٍٍ، ونجة، وحظوة عَن النِّسَاء. وَقَالَ: " رأى الشَّيْخ أحب إِلَيْنَا من مشْهد الْغُلَام. وَقَالَ الجاحظ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أول خطْبَة خطبهَا عَليّ ﵇: حمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على نبيه ﷺ ثمَّ قَالَ: أما بعد. فَلَا يرعين مرعٍ إِلَّا على نَفسه؛ شغل من الْجنَّة، وَالنَّار أَمَامه، ساعٍ مجتهدٌ، وطالبٌ يَرْجُو، ومقصرٌ فِي النَّار. ثلاثةٌ. وَاثْنَانِ: ملكٌ طَار بجناحيه، وَنَبِي أَخذ الله بِيَدِهِ وَلَا سادس. هلك من ادّعى، وردى من اقتحم؛ فَإِن الْيَمين وَالشمَال مضلةٌ، وَالْوُسْطَى الجادة. منهجٌ عَلَيْهِ بَاقِي الْكتاب وَالسّنة وآثار النُّبُوَّة. إِن الله داوى هَذِه الْأمة بدوائين: السَّوْط وَالسيف، لَا هوادة عِنْد الإِمَام فيهمَا. استتروا ببيوتكم، واصطلحوا فِيمَا ينكم، وَالتَّوْبَة من وَرَائِكُمْ. من أبدى صفحته للحق هلك. قد كَانَت أُمُور لم تَكُونُوا فِيهَا عِنْدِي محمودين. أما إِنِّي لَو أَشَاء لَقلت عَفا الله عَمَّا سلف. سبق الرّجلَانِ ونام الثَّالِث؛ كالغراب همته بَطْنه. ويحه لَو قصّ جنَاحه وَقطع رَأسه لَكَانَ هيرا لَهُ. انْظُرُوا فَإِن أنكرتم فأنكروا وَإِن عَرَفْتُمْ فأقروا؛ حق وباطلٌ، وَلكُل أهل وَلَئِن أَمر الْبَاطِل
[ ١ / ١٨٤ ]
لقديمًا فعل. وَلَئِن قل الْحق لربما وَلَعَلَّ ولقلما أدبر شَيْء فَأقبل وَلَئِن رجعت عَلَيْكُم أُمُوركُم إِنَّكُم لسعداء؛ وَإِنِّي لأخشى أَن تَكُونُوا فِي فترةٍ. وَمَا علينا إِلَّا الِاجْتِهَاد. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وروى فِيهَا جَعْفَر بن مُحَمَّد ﵇: أَلا إِن أبرار عِتْرَتِي وأطايب أرومتي أحلم النَّاس صغَارًا وَأعلم النَّاس كبارًا. أَلا وَإِنَّا من أهل بَيت من علم الله علمنَا، وبحكم الله حكمنَا، وَمن قَول صَادِق سمعنَا، فَإِن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وَإِن لم تَفعلُوا بهلككم الله بِأَيْدِينَا. مَعنا راية الْحق. من تبعها لحق، وَمن تَأَخّر عَنَّا غرق. أَلا وبنا تدْرك ترة كل مُؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل من أَعْنَاقكُم، وبنا فتح لابكم، وبنا يخْتم لَا بكم. وخطبة أُخْرَى لَهُ: أَيهَا النَّاس المجتمعة أبدانهم الْمُخْتَلفَة أهواؤهم. كلامكم يوهى الصم الصلاب. وفعلكم يطْمع فِيكُم عَدوكُمْ. تَقولُونَ فِي الْمجَالِس كَيْت وَكَيْت، فَإِذا جَاءَ الْقِتَال قُلْتُمْ حيدي حياد. مَا عزت دَعْوَة من دعَاكُمْ، وَلَا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل. وَسَأَلْتُمُونِي التَّأْخِير دفاع ذِي الدّين المطول، لَا يمْنَع الضيم الذَّلِيل، وَلَا يدْرك الْحق إِلَّا بالجد، أَي دارٍ بعد داركم تمْنَعُونَ أم مَعَ أَي إِمَام بعدِي تقاتلون؟ الْمَغْرُور وَالله من غررتمو، وَمن فَازَ بكم فَازَ بِالسَّهْمِ الأخيب، أَصبَحت وَالله لَا أصدق قَوْلكُم، وَلَا أطمع فِي نصركم. فرق الله بيني وَبَيْنكُم! وأعقبني من هُوَ خيرٌ لي مِنْكُم. وَالله لَو وددت أَن لي بِكُل عشرةٍ مِنْكُم رجلا من بني فراس بن غنمٍ، صرف الدِّينَار بالدرهم. وذمٌ رجل الدُّنْيَا عِنْده، فَقَالَ: الدُّنْيَا دَار صدق لمن صدقهَا، وَدَار نجاة لمن فهم عَنْهَا، وَدَار غنى لمن تزَود مِنْهَا. مهبط وَحي الله، ومصلي مَلَائكَته، وَمَسْجِد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فِيهَا الرَّحْمَة، واكتسبوا فِيهَا الْجنَّة. فَمن ذَا يذمها؟ وَقد آذَنت ببينها، وَنَادَتْ بفراقها، وشبهت بسرورها السرُور وببلائها الْبلَاء ترغيبًا وترهيبًا. فبأيها الذام للدنيا الْمُعَلل نَفسه، مَتى خدعتك الدُّنْيَا، أم
[ ١ / ١٨٥ ]
مَتى استذمت إِلَيْك. أبمصارع آبَائِك فِي البلى أم بمضاجع أمهاتك فِي الثرى، كم مَرضت بيديك، وعللت بكفيك، تطلب لَهُ الشِّفَاء، وتستوصف لَهُ الْأَطِبَّاء، غَدَاة لَا يغنى عَنهُ دواؤك، وَلَا يَنْفَعهُ بكاؤك. وَدعَاهُ رجلٌ إِلَى طَعَام فَقَالَ ﵇: نَأْتِيك على أَلا تتكلف لنا مَا لَيْسَ عنْدك، وَلَا تدخر مِمَّا عنْدك. وَقَامَ إِلَيْهِ الْحَارِث بن حوط اللَّيْثِيّ وَهُوَ على الْمِنْبَر فَقَالَ: أتظن أَنا نظن أَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر كَانَا على ضلال؟ فَقَالَ: يَا حَار؛ إِنَّك ملبوسٌ عَلَيْك؛ إِن الْحق لَا يعرف بِالرِّجَالِ، فاعرف الْحق تعرف أَهله. وَكَانَ ﵇ يَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِن ذُنُوبِي لَا تَضُرك، وَإِن رحمتك إيَّايَ لَا تنقصك فَاغْفِر لي مَا لَا يَضرك، وَأَعْطِنِي مَا لَا ينْقصك. وَقيل لَهُ: كم بَين السَّمَاء وَالْأَرْض؟ فَقَالَ: دوةٌ مستجابةٌ وَقيل لَهُ: كم بَين الْمشرق وَالْمغْرب؟ فَقَالَ: مسيرَة يومٍ للشمس من قَالَ غير هَذَا فقد كذب. وَسُئِلَ عَن عُثْمَان، فَقَالَ: خذله أهل بدر. وَقَتله أهل مُضر، غير أَن من نَصره لَا يتسطيع أَن يَقُول خذله من أَنا خير مِنْهُ. وَوَاللَّه مَا أمرت بِهِ وَلَا نهيت عَنهُ، وَلَو أمرت بِهِ لَكُنْت قَائِلا، وَلَو نهيت عَنهُ لَكُنْت ناصرًا. اسْتَأْثر عُثْمَان فأساء الأثرة، وجزعتم فأفحشتم الْجزع. وَسَأَلَهُ الْحُسَيْن ﵇ عَن النذالة، فَقَالَ: الجرأة على الصّديق، والنكول عَن الْعَدو. وَذكرت عِنْده ﵇ الْخلَافَة، فَقَالَ: لقد تقمصها ابْن أبي قُحَافَة وَهُوَ يعلم أَن مَحل مِنْهَا القطب، ينحدر عني النسيل وَلَا تترقى إِلَى الطير. فَصَبَرت وَفِي الْحلق شجًا، وَفِي الْعين قذى، لما رَأَيْت تراي نهبًا. فَلَمَّا مضى لسبيله صيرها إِلَى أخي عدي، فصيرها إِلَى ناحيةٍ خشناء تسنع مَسهَا، ويعظم
[ ١ / ١٨٦ ]
كَلَامهَا، فمنى النَّاس بتلوم وتلون، وزللٍ واعتذار، فَلَمَّا مضى لسبيله صيرها إِلَى سِتَّة زعم أَنِّي أحدهم. فيالله وللشورى! مَتى اعْترض فِي الريب فأقرن بِهَذِهِ النَّظَائِر؟ فَمَال رجلٌ لضغنه، وصغا آخر لصهره. وَقَامَ ثَالِث الْقَوْم نافجا خصييه بَين نثيله ومعتلفه، وَقَامَ مَعَه بَنو أَبِيه يهضمون مَال الله هضم الْإِبِل نَبَات الرّبيع، فَلَمَّا أجهز عَلَيْهِ عمله، وَمضى لسبيله مَا راعني إِلَّا وَالنَّاس إِلَى سرَاعًا كعنق الضبع، وانثالوا على من كل فج عميق، حَتَّى وطيء الحسنان، وَانْشَقَّ عطفاي؛ فَلَمَّا نهضت بِالْأَمر مرقت طائفىٌ، ونكثت أُخْرَى، وَفسق آخَرُونَ، كَأَن لَهُم يسمعُونَ الله يَقُول: " تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علو فِي الآرض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين ". بلَى وَالله قد سَمِعُوهُ، وَلَكِن احلولت الدُّنْيَا فِي عيونهم، وراعهم زبرجها. أما وَالله لَوْلَا حُضُور النَّاصِر، وَلُزُوم الطَّاعَة، وَمَا أَخذ الله على الْعباد أَلا يقرُّوا كظة ظالمٍ، وَلَا شغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرهَا بكأس أَولهَا، ولألفيت دنياكم هَذِه أَهْون عِنْدِي من عفطة عنز. شتان مَا نومي على كورها ونوم حَيَّان أخي جَابر فَقَامَ رجل من الْقَوْم فَنَاوَلَهُ كتابا شغل بِهِ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَقُمْت إِلَيْهِ، وَقلت لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ لَو أبلغت مَقَالَتك من حَيْثُ قطعت. قَالَ: هَيْهَات إِنَّهَا كَانَت شقشقةً هدرت فقرت. وَقَالَ: إِن الله ﷿ فرض فِي أَمْوَال الْأَغْنِيَاء أَوْقَات الْفُقَرَاء، فَمَا جَاع فقيرٌ إِلَّا بِمَا منع غَنِي. وعَلى الله أَن يسألهم عَن ذَلِك. وَكَانَ ﵇ يَقُول: عَلَيْكُم بِالصبرِ:، فَإِن بِهِ يَأْخُذ الحازم وَإِلَيْهِ يَئُول الجازع. وَقَالَ: لَا خير فِي صُحْبَة من إِذا حَدثَك كَذبك، وَإِذا حدثته كَذبك. وَإِن ائتمنته خانك، وَإِن ائتمنك اتهمك، وَإِن أَنْعَمت عَلَيْهِ كفرك، وَإِن أنعم عَلَيْك منّ عَلَيْك.
[ ١ / ١٨٧ ]
وَمن كَلَامه ﵇: أعجب مَا فِي هَذَا الْإِنْسَان قلبه، وَله مواد من الْحِكْمَة وأضدادٌ من خلَافهَا، فَإِن سنح لَهُ الرَّجَاء أذله الطمع، وَإِن هاج بِهِ الطمع أهلكه الحرس، وَإِن ملكه الْيَأْس قَتله الأسف، وَإِن هاج بِهِ الْغَضَب استبد بِهِ الغيظ، وَإِن أسعده الرِّضَا نسى التحفظ، وَإِن ناله الْخَوْف شغله الْحزن، وَإِن استع لَهُ الْأَمْن استلبته الْغرَّة، وَإِن عَادَتْ لَهُ نعمةٌ أَخَذته الْعِزَّة، وَإِن امتحن بمصيبةٍ فضحه الْجزع، وَإِن أَفَادَ مَا لَا أطغاه الْغنى، وَإِن عضته فاقةٌ أضرعه الْبلَاء، وَإِن أجهده الْجزع أقعده الضعْف، وَإِن أفرط فِي الشِّبَع كظته البطنة؛ فَكل تقصيرٍ، وكل إفراطٍ لَهُ مُفسد. وَقَالَ ﵇: يَأْتِي على النَّاس زمانٌ لَا يقرب فِيهِ إِلَّا الماحل، وَلَا يظرف فِيهِ إِلَّا الْفَاجِر، وَلَا يعف فِيهِ إِلَّا الْمنصف. يتخذون الْفَيْء مغنمًا، وَالصَّدََقَة مغرمًا، وصلَة الرَّحِم منا، وَالْعِبَادَة استطالةً على النَّاس؛ فَعِنْدَ ذَلِك يكون سُلْطَان النساءئئن ومشاورة الْإِمَاء، وإمارة الصّبيان. وَقَالَ: عَلَيْكُم بأوساط الأمورن فَإِنَّهُ إِلَيْهَا يرجع الغالي، وَبهَا يلْحق التَّالِي. وخطب فَقَالَ: اتَّقوا الله الَّذِي إِن قُلْتُمْ سمع، وَإِن أضمرتم علم، واحذروا الْمَوْت الَّذِي إِن أقمتم أخذكم، وَإِن هربتم أدرككم. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: وَالله لكأن هَذَا الْكَلَام ينزل من السَّمَاء. وَقَالَ لَهُ رجل: عظني، فَقَالَ: لَا تكن مِمَّن يَرْجُو الْجنَّة من غير عملٍ، وَيُؤَخر التَّوْبَة لطول الأمل، وَيَقُول فِي الدُّنْيَا بقول الزاهدين، وَيعْمل فِيهَا بِعَمَل الراغبين، إِن أعْطى مِنْهَا لم يشْبع، وَإِن منع مِنْهَا لم يقنع. يعجز عَن شكر مَا أُوتى، ويبتغي الزِّيَادَة على مَا أولى وَلَا يَنْتَهِي. يَقُول: لَا أعمل فأتعنى؛ بل أَجْلِس فأتمنى؛ فَهُوَ يتَمَنَّى الْمَغْفِرَة، ويدب للمعصية. وَقد عمر مَا يتَذَكَّر فِيهِ من تذكر. وَإِلَى الله الْمصير.
[ ١ / ١٨٨ ]
وَقَالَ فِي وَصِيَّة: لَا يكبر عَلَيْك ظلم من ظلمك؛ فَإِنَّمَا يسْعَى فِي مضرته ومنفعتك. وَلَيْسَ جَزَاء من سرك أَن تسوءه. وَقَالَ لَهُ رجل: أوصني. فَقَالَ: لَا تحدث نَفسك بالفقر وَطول الْعُمر. وَقَالَ: الأمل على الظَّن آفَة الْعَمَل على الْيَقِين. وَقَالَ: مَا مزح أحدٌ مزحةً إِلَّا مج من عقله مجة. وخطب فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، كَانَ فِيكُم أمانان من عَذَاب الله، قَالَ الله ﷿: " وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ". وَقد قبض رَسُول الله ﷺ، وَبَقِي الاسْتِغْفَار؛ فَتمسكُوا بِهِ. وَقَالَ: أَيْن من سعى واجتهد، وَأعد واحتشد، وَجمع وَعدد، وَبنى وشيد، وزخرف ونجد، وفرش ومهد ". قَالَ جَعْفَر بن يحيى - وَقد ذكر هَذَا الْكَلَام - هَكَذَا تكون البلاغة، أَن يقرن بِكُل كلمة أُخْتهَا، فتلوح الأولى بِالثَّانِيَةِ قبل ظلوعها، وتؤكد الثَّانِيَة الأولى قبل انفصالها، وتزيد كل وَاحِدَة فِي نور الْأُخْرَى وضيائها. وَمر فِي مُنْصَرفه من صفّين بمقابر، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، من الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات. يرحم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم والمستأخرين منا، أَنْتُم لنا سلفٌ فارطٌ. وَنحن لكم تبعٌ؛ وَإِنَّا بكم عَمَّا قليلٍ لاحقون. اللَّهُمَّ اغْفِر لنا وَلَهُم، وَتجَاوز عَنَّا وعنهم. الْحَمد لله الَّذِي مِنْهَا خلقنَا، وَعَلَيْهَا ممشانا، وفيهَا معاشنا. طُوبَى لمن ذكر الْمعَاد، وَأعد لِلْحسابِ، وقنع بالكفاف. وَمن كَلَامه ﵇: التجارب لَا تَنْقَضِي، والعاقل مِنْهَا فِي زيادةٍ. وَقَالَ من رضى عَن نَفسه كثر سخط النَّاس عَلَيْهِ.
[ ١ / ١٨٩ ]
وَأخْبر ﵇ بقول الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة لقريش: منا اميرٌ ومنكم أميرٌ. فَقَالَ: أذكرتموهم قَول رَسُول الله ﷺ: " اسْتَوْصُوا بالأنصار خيرا، اقْبَلُوا من محسنهم، وتجاوزوا عَن مسيئهم "؟ قَالُوا: وَمَا فِي ذَلِك؟ قَالَ: كَيفَ تكون الْإِمَامَة لَهُم مَعَ الْوَصِيَّة بهم؟ لَو كَانَت الْإِمَامَة لَهُم لكَانَتْ الْوَصِيَّة إِلَيْهِم. فَبلغ ذَلِك عمر بن الْخطاب فَقَالَ: ذهبت وَالله عَنَّا، وَلَو ذَكرنَاهَا مَا احتجنا إِلَى غَيرهَا. وَقَالَ ﵇: كن فِي النَّاس وسطا، وامش جانبا. وَقَالَ: أفضل الْعِبَادَة الصمت وانتظار الْفرج. وَقَالَ: أوصيكم بأربعٍ لَو ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا أباط افبل لَكِن لَهَا أَهلا: لَا يجون أحدكُم إِلَّا ربه، وَلَا يخافن إِلَّا ذَنبه، وَلَا يستحين أحدٌ إِذا سُئِلَ عَمَّا لَا يعلم أَن يَقُول لَا أعلم، وَلَا يستحين أحدٌ إِذا لم يعلم شَيْئا أَن يتعلمه. وَقَالَ: جمال الرجل فِي كمته، وجمال الْمَرْأَة فِي خفها. وَقَالَ: خُذ الْحِكْمَة أَنى أتتك، فَإِن الْحِكْمَة تكون فِي صدر الْمُنَافِق فتتلجلج فِي صَدره، حَتَّى تخرج فتسكن مَعَ صواحبها. وَقَالَ: كل الدُّنْيَا علىالعاقل، والأحمق خَفِيف الظّهْر. وَقَالَ مُصعب الزبيرِي: كَانَ عَليّ بن أبي طَالب حذرا فِي الحروب، شَدِيد الروغان من قرنه، لَا يكَاد أحدٌ يتَمَكَّن منع؛ وَكَانَت درعه صَدرا لَا ظهر لَهَا. فَقيل لَهُ: أَلا تخَاف أَن تُؤْتى من قبل ظهرك؟ فَقَالَ: إِذا أمكنت عدوي من ظَهْري فَلَا أبقى الله عَلَيْهِ إِن أبقى عَليّ. وَسمع حروريًا يقْرَأ بِصَوْت حَزِين فِي اللَّيْل، فَقَالَ: نومٌ على يقينٍ خيرٌ من صلاةٍ فِي شكّ. وَقَالَ لَهُ يودي: مَا دفنتم نَبِيكُم حَتَّى اختلفتم. فَقَالَ: إِنَّمَا اخْتَلَفْنَا عَنهُ لَا فِيهِ؛ وَلَكِن مَا إِن جَفتْ أَرْجُلكُم من الْبَحْر حَتَّى قُلْتُمْ: " اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا ءالهةٌ قَالَ إِنَّكُم قومٌ تجهلون ".
[ ١ / ١٩٠ ]
وَقَالَ ﵇: لله امْرُؤ راقب ربه، وَخَافَ ذَنبه، وَعمل صَالحا، وَقدم خَالِصا. احتسب مذخورًا واجتنب محذورًا، رمى غَرضا، وَأخر عوضا. كَابر هَوَاهُ، وَكذب مناه. وَدخل عَلَيْهِ كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بلغك عَنَّا أمرٌ لَو كَانَ غَيْرك لم يحْتَملهُ، وَلَو كَانَ غَيرنَا لم يقم مَعَك عَلَيْهِ. مَا فِي النَّاس من هُوَ أعلم مِنْك، وَفِي النَّاس من نَحن أعلم مِنْهُ. وأوضع الْعلم مَا وقف عَلَيْهِ اللِّسَان، وأرفعه مَا ظهر فِي الْجَوَارِح والأركان. وَنحن أعرف بِقدر عُثْمَان من قاتليه، وَأَنت أعلم بهم وبخاذليه. فَإِن قلت إِنَّه قتل ظَالِما قُلْنَا بِقَوْلِك، وَإِن قلت إِنَّه قتل ظَالِما قُلْنَا بِقَوْلِك، وَإِن قلت إِنَّه قتل مَظْلُوما قلت بقولنَا، وَإِن وكلتنا إِلَى الشُّبْهَة أيأستنا بعْدك من إِصَابَة البنة. فَقَالَ ﵇: عِنْدِي فِي عُثْمَان أربعٌ: اسْتَأْثر فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الْجزع، وَللَّه ﷿ حكم عادلٌ فِي المستأثر والجازع. قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا انتفعت بعد رَسُول الله ﷺ كانتفاعي بِكَلَام عَليّ ﵇. كتب إِلَيّ: أما بعد؛ فَإِن الْمَرْء يشره دَرك مَا لم يكن يفوتهُ، ويسوءه فَوت مَا لم يكن ليدركه، فَلْيَكُن سرورك بِمَا أدْركْت من الْآخِرَة، وَليكن أسفك على مَا فاتك مِنْهَا، وَمَا أَتَاك من الدُّنْيَا فَلَا تكن بِهِ فَرحا، وَمَا فاتك فَلَا تكن عَلَيْهِ جزعا، وَليكن همك لما بعد الْمَوْت وَالسَّلَام. وَقَالَ: لِسَان الْإِنْسَان يخْطر على جوارحه. وَقيل لَهُ: أَلا تخضب - وَقد خضب رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه. فَقَالَ: أَنا أعلم بشجر أرضي. كَانَ ذَلِك وَالْإِسْلَام قل. فَأَما إِذا اتَّسع نطاق الْإِسْلَام فامرؤ وَمَا اخْتَار.
[ ١ / ١٩١ ]
وَقَالَ فِي خطبَته بصفين: قدمُوا الدراع. وأخروا الحاسر، وأميتوا الْأَصْوَات والتووا فِي أَطْرَاف الأسنة، واردعوا العجاج. وَقيل لَهُ: كَيفَ الرزق وَالْأَجَل؟ فَقَالَ: إِن لَك عِنْد الله رزقا، وَله عنْدك أََجَلًا، فَإِذا وفاك مَالك عِنْده أَخذ مَاله عنْدك. وَنزل بِهِ رجل، فَمَكثَ عِنْده أَيَّامًا، ثمَّ تغوث إِلَيْهِ فِي خُصُومَة، فَقَالَ عَليّ: أخصم أَنْت؟ نعم. قَالَ: تحول عَنَّا. فَإِن رَسُول الله ﷺ نهى أَن يُضَاف الْخصم إِلَّا وَمَعَهُ خَصمه. وَقَالَ ﵇: لَيْسَ الْخَيْر أَن يكثر مَالك وولدك، وَلَكِن الْخَيْر أَن يعظم حلمك وَيكثر علمك. وَقَالَ: أَشد خلق رَبك عشرَة أَشْيَاء، فأشدها الْجبَال فَإِن الْحَدِيد ينحت الْجبَال، وَالنَّار تَأْكُل الْحَدِيد، وَالْمَاء يُطْفِئ النَّار، والسحاب يحمل المَاء، وَالرِّيح يفرق السَّحَاب، وَالرجل يَتَّقِي من الرّيح بِيَدِهِ فَيبلغ حَاجته، وَالسكر يغلب الْإِنْسَان وَالنَّوْم يذهب بالسكر، والهم يمْنَع النّوم، فأشد خلق رَبك الْهم. وَقَالَ: إِن الله أعَان الْكَذَّابين بِالنِّسْيَانِ. وَقَالَ ﵇: الْمدَّة قصيرةٌ وَإِن طَالَتْ، والماضي للمقيم عبرةٌ، وَالْمَيِّت للحي عظة، وَلَيْسَ لأمس إِذا مضى عودة، وَلَا الْمَرْء من غده على ثِقَة، وَالْأول للأوسط جابذٌ، والأوسط للْآخر آخذ، وكل لكل مفارقٌ، وكل بِكُل لاحقٌ، وَالْيَوْم الهائل لكل آزفٌ، وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي لَا ينفع فِيهِ مالٌ وَلَا بنُون، إِلَّا من أَتَى الله بقلبٍ سليمٍ. اصْبِرُوا على عملٍ لَا غنى بكم عَن ثَوَابه، واصبروا عَن عملٍ لَا صَبر لكم على عِقَابه، إِن الصَّبْر على طَاعَة الله أَهْون من الصَّبْر على عَذَاب الله. اعلموا أَنكُمْ فِي نَفسِي مَعْدُود، وأجلٍ مَحْدُود، وَلَا بُد للأجل أَن يتناهى، وللنفس أَن يُحْصى، وللسبب أَن يطوى: " وَإِن عَلَيْكُم لحافظين كرامًا كاتبين يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ". وَكَانَ إِذا نظر إِلَى الْهلَال قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا أهْدى من نظر إِلَيْهِ، وأزكى من طلع عَلَيْهِ.
[ ١ / ١٩٢ ]
وَقَالَ لَهُ الْحسن ﵇: أما ترى حب النَّاس للدنيا؟ قَالَ: هم أَوْلَادهَا. أفيلام الْمَرْء على حب والدته؟ وَقَالَ فِي الْقُرْآن: خير من قبلكُمْ ونبأ من بعدكم وَحكم مَا بَيْنكُم وَكَانَ من دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ لَا تجْعَل الدُّنْيَا لي سجنًا، وَلَا فراقها عَليّ حزنا. أعوذ بك من دنيا تحرمني الْآخِرَة، وَمن أملٍ يحرمني العملن وَمن حَيَاة تحرمني خير الْمَمَات. وَقَالَ: الْكَرِيم لَا يلين على قسرٍ، وَلَا يقسو على يسرٍ وَقَالَ: الدَّهْر يَوْمَانِ؛ يَوْم لَك ويم عَلَيْك؛ فَإِذا كَانَ لَك فَلَا تبطر، وَإِذا كَانَ عَلَيْك فاصبر، فبكليهما أَنْت مختبرٌ. وَقَالَ لَهُ رجل: مَتى أضْرب حماري؟ قَالَ: إِذا لم يذهب فِي حَاجَتك كَمَا ينْصَرف إِلَى الْبَيْت. وَقَالَ ﵇: النكبات لَهَا غاياتٌ لَا بُد أَن تَنْتَهِي إِلَيْهَا. فَيجب للعاقل أَن ينَام لَهَا إِلَى وَقت إدبارها. فالمكابرة لَهَا بالحيلة زيادةٌ فِيهَا. وَقَالَ: تعطروا بالاستغفار لَا تفضحكم رَوَائِح الذُّنُوب. وَمن كَلَامه الموجز ﵇: قيمَة كل امْرِئ مَا يحسن. إِعَادَة الِاعْتِذَار تذكيرٌ بالذنب. النصح بَين الملإ تقريعٌ. إِذا تمّ الْعقل نقص الْكَلَام. الشَّفِيع جنَاح الطَّالِب. من كتم علما فَكَأَنَّهُ جَهله. أهل الدُّنْيَا كصورٍ فِي صحيفَة كلما نشر بَعْضهَا طوى بَعْضهَا. الْمَسْئُول حر حَتَّى يعد إِذا طرت فقع قَرِيبا لَا يرضى عَنْك الْحَاسِد حَتَّى يَمُوت أَحَدكُمَا. أكبر الْأَعْدَاء أخفاهم مكيدةً. السَّامع للغيبة أحد المغتابين. الصَّبْر على الْمُصِيبَة مصيبةٌ على الشامت بهَا. أتستبطئ الدُّعَاء بالإجابة وَقد سددت طَرِيقه بِالذنُوبِ؟ عبد الشَّهْوَة أذلّ من عبد الرّقّ. لَا أَدْرِي أَيهمَا أَمر، موت الْغَنِيّ أَو حَيَاة الْفَقِير. الْعلم لَا يَنْقَطِع وَلَا ينفذ كالنار لَا ينقصها مَا يُؤْخَذ مِنْهَا. من كثر حقده قل عتابه. كفى بالظفر شَفِيعًا للمذنب. السَّاعِي ظالمٌ لمن سعى بِهِ، خائنٌ لمن سعى إِلَيْهِ. التَّوَاضُع سلم الشّرف. التجارب عقلٌ مكتسبٌ.
[ ١ / ١٩٣ ]
إياك والكسل والضجر؛ فَإنَّك إِن كسلت لم تُؤَد حَقًا، وَإِن ضجرت لم تصبر على حق لَا ترج إِلَّا رَبك، وَلَا تخش إِلَّا ذَنْبك، وَكن بِمَا فِي يَد الله أوثق مِنْك بِمَا فِي يدك. كفى بِالْمَرْءِ شرا أَن يعرف من نَفسه فَسَادًا فيقم عَلَيْهِ، وَكفى بِهِ أدبًا أَن يتْرك أمرا يكرههُ من غَيره. من سَاس نَفسه بِالصبرِ على جهل النَّاس صلح أَن يكون سائسًا الْعقل يَأْمُرك بالأنفع، والمروءة تأمرك بالأجمل. مَا ضَاعَ امْرُؤ عرف قدر نَفسه. الْفقر يخرس الفطن عَن حجَّته. الْأَدَب حللٌ جددٌ. التثبت حزمٌ. الْفِكر مرْآة صافيةٌ. الِاعْتِبَار منذرٌ ناصحٌ. البشاشة فخ الْمَوَدَّة. تنقاد الْأُمُور فِي الْمَقَادِير، حَتَّى يكون الحتف فِي التَّدْبِير. الْقلب إِذا أكره عمى. من لانت كَلمته وَجَبت محبته. لَا رَاحَة لحسود، وَلَا وَفَاء لملول، وَلَا مُرُوءَة لكذوبٍ. الدُّنْيَا كلهَا يَد إِلَّا مَا سد جوعةً، وَستر عَورَة، وَهُوَ الَّذِي اسْتثْنى ﷿ لآدَم حَيْثُ قَالَ: " إِن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى ". الدُّنْيَا والآخرى كالمشرق وَالْمغْرب، كلّما قربت من أحد بَعدت من الآخر. وَمن أَمْثَاله ﵇: خسر مروءته من ضيّع يقينه، وأزرى بِنَفسِهِ من استشعر الطّمع، ورضى بالذلّ من كشف ضرّه، وهانت عَلَيْهِ نَفسه من أمّر عَلَيْهَا لِسَانه. وَلما فرغ - ﵁ - من حَرْب الْخَوَارِج مرّ بإيوان كسْرَى، فَقَالَ: " أتبنون بكلّ ريع ءاية تعبثون وتتّخذون مصانع لعلّكم تخلدون وَإِذا بطشتم بطشتم جبارين "، فَقَالَ رجل كَانَ مَعَه: دَار تخيره لطيب مقيلها كَعْب بن مامة وَابْن أم إياد جرت الرّياح على رسوم دِيَارهمْ فكأنّما كَانُوا على ميعاد فَقَالَ ﵇: أَلا قلت كَمَا قَالَ الله ﷿: " كم تركُوا من جنّت وعيون وزروع ومقامكريم ونعمة كَانُوا فِيهَا فكهين كَذَلِك وأورثنها قوما آخَرين ".
[ ١ / ١٩٤ ]
ثمَّ قَالَ: إِن هَؤُلَاءِ كَانُوا وارثين فصاروا مورثين، وَلم يَكُونُوا شاكرين، فَأَصْبحُوا مسلوبين، وَلم يَكُونُوا حامدين، فَأَصْبحُوا محرومين، وَكَفرُوا النعم فحلّت بهم النقم. وَكتب إِلَى عَامل لَهُ: أما بعد، فاعمل بالحقّ ليَوْم لَا يقْضى فِيهِ إِلَّا بِالْحَقِّ وَالسَّلَام. وَقَالَ ﵇: ربّ حَيَاة سَببهَا التّعرض للْمَوْت، وربّ ميتَة سَببهَا طلب الْحَيَاة. وَقَالَ ﵇: إيَّاكُمْ ومحّقرات الذُّنُوب، فَإِن الصَّغِير مِنْهَا يَدْعُو إِلَى الْكَبِير. أَتَى ﵇ - بفالوذج، فَقَالَ لأَصْحَابه: كلوا فوَاللَّه مَا اضْطربَ الغاران إِلَّا عَلَيْهِ. وَقَالَ: لَا يكون الرجل سيد قومه، حَتَّى لَا يُبَالِي أَي ثوبيه لبس. وَقَالَ لَهُ ابْن دودان الْأَسدي: كَيفَ دفعتهم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن هَذَا الْموضع وَأَنْتُم الأعلون نسبا، الأكرمون حسبًا، الأتمون شرفًا، نوطًا لرَسُول الله ﷺ وقاربةً بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن دودان. إِنَّك لقلق الْوَضِين، ترسل عَن غير ذِي مسدٍ، وَلَك مَعَ ذَلِك حق الْقَرَابَة وذمام الصهر. وَقد استعلمت فَاعْلَم، كَانَت أمورٌ شحت عَلَيْهَا نفوس قومٍ وسخت بهَا نفوس آخَرين، وَنعم الحكم الْعدْل، وَفِي السَّاعَة مَا يؤفكون. " لكل نبإ مُسْتَقر وسوف تعلمُونَ ". ودع عَنْك نهيا صِيحَ فِي حجراته
[ ١ / ١٩٥ ]
وهلم إِلَى الْخطب الْجَلِيل، إِلَى ابْن أبي سُفْيَان، فَلَقَد أضحكني الدَّهْر بعد إبكائه، وَلَا غرو، يئس الْقَوْم من هيبتي، وجدحوا بيني وَبينهمْ شربًا وبيئًا؛ فَإِن تَكُ للإيام عاقبةٌ أحملهم من الْأَمر على محضه، وَإِن تكن الْأُخْرَى فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسراتٍ، وَلَا تأس على الْقَوْم الْفَاسِقين. وَقَالَ: الْفَقِيه كل الْفَقِيه من لم يرخص فِي مَعْصِيّة الله، وَلم يوئس من رَحْمَة الله. وَأخذ قوما فِي سرقٍ فَأمر بحبسهم، فجَاء رجلٌ آخر، فَقَالَ: يَا أميرالمؤمنين؛ إِنِّي كنت مَعَهم، وَقد تبت، فَأمر بِأَخْذِهِ وَقَالَ متمثلا: ومدخلٍ رَأسه لم يَدعه أحدٌ بَين الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى لزه الْقرن. وَقَالَ: الْحَاسِد مغتاظٌ على من لَا ذَنْب لَهُ. وَقَالَ: من ترفع بِعِلْمِهِ وَضعه الله بِعَمَلِهِ. وَقَالَ: من لم يحسن ظَنّه بالظفر لم يجد فِي الطّلب. وَقَالَ عَليّ السَّلَام: إِن أخيب النَّاس سعيًا، اخسرهم صَفْقَة رجلٌ أتعب بدنه فِي آماله، وشغل بهَا عَن معاده، فَلم تساعده الْمَقَادِير على إِرَادَته، وَخرج من الدُّنْيَا بحسرته، وَقدم بِغَيْر زادٍ على آخرته. وَقَالَ: إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم إِذا تفقه لغير الدّين؛ وَتعلم لغير الْعَمَل، وَطلبت الدُّنْيَا بِعَمَل الْآخِرَة. وروى الشّعبِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: تجنبوا الْأَمَانِي؛ فَإِنَّهَا تذْهب بهجة مَا خولتم، وَتَصْفَر مواهب الله عنْدكُمْ، وتعقبكم الحسرات على مَا أوهمتكم أَنفسكُم. وَقَالَ: الهيبة مقرونة بالخيبة، وَالْحيَاء مقرونٌ بالحرمان، والفرصة تمر مر السَّحَاب.
[ ١ / ١٩٦ ]
وَسمع رجلا يغتاب آخر عِنْد ابْنه الْحسن ﵇، فَقَالَ: يَا بني نزه سَمعك عَنهُ؛ فَإِنَّهُ نظر إِلَى أَخبث مَا فِي وعائه فأفرغه فِي وعائك. وَقَالَ: أول عوض الْحَلِيم عَن حلمه أَن النَّاس أنصاره على الْجَاهِل. وَقَالَ: لَا تؤاخ الجاهلن فَإِنَّهُ يزين لَك فعله، وَيُحب لَو أَنَّك مثله، وَيحسن لَك أَسْوَأ خصاله، ومخرجه من عنْدك ومدخله عَلَيْك شينٌ وعارٌ؛ وَلَا الأحمق، فَإِنَّهُ يجْهد لَك نَفسه وَلَا ينفعك، ولربما أَرَادَ أَن ينفعك فضرك، فسكوته خيرٌ من نطقه، وَبعده خيرٌ من قربه، وَمَوته خيرٌ من حَيَاته؛ وَلَا الْكذَّاب؛ فَإِنَّهُ لَا ينفعك مَعَه عيشٌ، ينْقل حَدِيثك وينقل الحَدِيث إِلَيْك، حَتَّى إِنَّه ليحدث بِالصّدقِ وَلَا يصدق. لما كَانَ يَوْم الْجمل طَاف عَليّ ﵇ على الْقَتْلَى فَبَصر بِعَبْد الله ابْن حَكِيم بن حزَام وَلَيْسَ لأبي غَيره، وبصر بِأبي سُفْيَان بن حويطب ابْن عبد الْعُزَّى وَلَيْسَ لِأَبِيهِ غَيره يَوْمئِذٍ، فَقَالَ: لقد اجْتمعت على قُرَيْش، حَتَّى هَذَانِ اللَّذَان لم يبْق من أجل كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا ظمء الدَّابَّة، ثمَّ أرسل إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا ودمعت عَيناهُ، ثمَّ قَالَ أَهْون عَليّ بشكل الشَّيْخَيْنِ! وروى عَنهُ ﵇ ي قَوْله تَعَالَى: " فاصفح الصفح الْجَمِيل ". قَالَ: صفحٌ بِلَا عتابٍ. ومرّ بدارٍ فِي مُرَاد تبنى، فَوَقَعت شظية مِنْهَا على صلعته فأدمته، فَقَالَ: مَا يومي من مُرَاد بواجد. فَقَالَ رجل: لقد رَأَيْت تِلْكَ الدَّار بَين الدّور كالشاة الجمّاء بَين العنم ذَوَات الْقُرُون. وَرَأى ﵇ رجلا مَعَه ابْنة فَقَالَ: من هَذَا مَعَك؟ فَقَالَ: اابني - قَالَ: أَتُحِبُّهُ؟ قَالَ: إِي واله حبا شَدِيدا. فَقَالَ: لَا تفعل فَإِنَّهُ إِن عَاشَ كدك. وَإِن مَاتَ هدك. وَذكروا أَنه مر بِقوم من الْأَنْصَار، فَسلم عَلَيْهِم ووقف؛ فَقَالُوا: أَلا تنزل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فنطعمك الخريزة. فَقَالَ ﵁: إِمَّا حلفتم علينا أَو انصرفنا.
[ ١ / ١٩٧ ]
وَقَالَ القناعة سيفٌ لَا ينبو، وَالصَّبْر مطيةٌ لَا تكبو، وَأفضل عدةٍ الصَّبْر على شدةٍ. وَقيل لَهُ: كَيفَ صرت تقتل الْأَبْطَال؟ قَالَ: لِأَنِّي كنت ألْقى الرجل فأقدر أَنِّي أَقتلهُ، وَيقدر أَنِّي أَقتلهُ، فَأَكُون أَنا وَنَفسه عونين عَلَيْهِ. وَقَالَ ﵇: من كَفَّارَات الذُّنُوب الْعِظَام إغاثة الملهوف، والتنفيس عَن المكروب. وَخرج ﵇ إِلَى الْكُوفَة فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أما بعد يَا أهل الْعرَاق، فغنما أَنْتُم كَأُمّ مجَالد، حملت فَلَمَّا أتمت أملصت وَمَات قيمها، وَطَالَ تأيمها، وورثها أبعدها، وَالله مَا أتيتكم اخْتِيَارا مني، وَلَكِن سقت إِلَيْكُم سوقًا؛ وَإِن وراءكم عشرةٌ يهْلك دينكُمْ بَينهم ودنياكم، لَيْسَ الآخر بأرأف بكم من الأول؛ حَتَّى يستخرجوا كنوزكم من حجالكم. وَالله لقد بَلغنِي أَنكُمْ تَقولُونَ: يكذب، فعلى من أكذب؟ أَعلَى الله أكذب وَأَنا أول من آمن بِهِ؟ أم على نبيه وَأَنا أول من صدقه. كلا وَالله، وَلكنهَا لهجة غبتم عَنْهَا ويل أمة كَيْلا بِلَا ثمن! لَو كَانَ لَهُ وعاءٌ " ولتعلمن نبأه بعد حينٍ ". قَالَ بَعضهم: رَأَيْته ﵇ بِالْكُوفَةِ اشْترى تَمرا فَحَمله فِي طرف رِدَائه، فبادره النَّاس وَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، نحمل عَنْك. فَقَالَ: رب الْعِيَال أَحَق بِحمْل مَتَاعه. وَقَالَ: لن يهْلك امْرُؤ عرف قدره. وَقَالَ: نعم المؤازرة، وَبئسَ الاستعداد الاستبداد. وَقَالَ للأشعث بن قيس: " أد وَإِلَّا ضربتك بِالسَّيْفِ، فَأدى مَا كَانَ عَلَيْهِ،
[ ١ / ١٩٨ ]
فَقَالَ لَهُ: مَا كَانَ عَلَيْك لَو كُنَّا ضربناك بِعرْض السَّيْف. فَقَالَ: إِنَّك مِمَّن إِذا قَالَ فعل. وَقَالَ ﵇: " عَلَيْكُم بالأبكار فَإِنَّهُنَّ أطيب أفواهًا، وأنتق أرحامًا، وَأَشد حبا، وَأَقل خبًا ". وَمن كَلَامه ﵇: توق مَا تعيب؛ لَا ات مَا تعيب، وَلَا تَعب مَا تَأتي. إِنَّمَا يسْتَحق السِّيَادَة من لَا يصانع وَلَا يُخَادع وَلَا تغره المطامع. وَقَالَ يَوْمًا: مَا أَحْسَنت إِلَى أحد قطّ، فَرفع النَّاس رُءُوسهم تَعَجبا، فَقَرَأَ: " إِن أَحْسَنْتُم أَحْسَنْتُم لأنفسكم وَإِن أسأتم فلهَا ". وَقَالَ: إِذا قدرت على عَدوك، فَاجْعَلْ الْعَفو شكر قدرتك. مرض ﵇، فَقَالُوا: كَيفَ نجدك؟ فَقَالَ: بشر. فَقَالُوا: أَتَقول ذَلِك؟ قَالَ: نعم، إِن الله يَقُول: " ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة "؛ فالخير الصِّحَّة، وَالشَّر الْمَرَض. وَقَالَ: من تجر بِغَيْر فقهٍ فقد ارتطم فِي الرِّبَا. وَقَالَ: الْحلف ينْفق السّلْعَة ويمحق الْبركَة، والتاجر فاجرٌ إِلَّا من أَخذ الْحق وَأَعْطَاهُ. وَقَالَ: أنكأ الْأَشْيَاء لعدوك أَلا تعلمه أَنَّك اتخذته عدوا. وَقَالَ: لله در الْحَسَد ﴿مَا أعدله﴾ يقتل الْحَاسِد قبل أَن يصل إِلَى الْمَحْسُود. وَقَالَ: لَا يلقح الْغُلَام، حَتَّى يتفلك ثدياه، وتسطع إبطاه. وروى أَنه ملك أَرْبَعَة دَرَاهِم، فَتصدق بدرهم لَيْلًا؛ وبآخر نَهَارا، وبدرهم سرا؛ وبآخر عَلَانيَة؛ فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ: " الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم باليل وَالنَّهَار سرا وَعَلَانِيَة فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم ".
[ ١ / ١٩٩ ]
وَقَالَ: شَرّ الإخوان من يحتشم ويتكلف. وَقيل لَهُ: أَنْت محربٌ مطلوبٌ، فَلَو اتَّخذت طرفا. قَالَ: أَنا لَا أفر عَمَّن كرّ وَلَا أكر على من فر؛ فالغلة تكفيني. وَقيل لَهُ فِي بعض حروبه: إِن جالت فَأَيْنَ نطلبك؟ قَالَ: حَيْثُ تركتموني. وَمن كَلَامه ﵇: الكفاف خيرٌ من الْإِسْرَاف. مَا أدْرك النمام ثارًا وَلَا محا عارًا. الْخيرَة فِي ترك الطَّيرَة. الاهتمام بِالْأَمر يثير لطيف الْحِيلَة. الرَّد الْجَمِيل خيرٌ من المطل الطَّوِيل. شَفِيع المذنب إِقْرَاره، وتوبته اعتذاره. الْمنية وَلَا الدنية. الْحِيلَة أبلغ من الْوَسِيلَة. لِسَان الْمَرْء من خدم عقله. أفضل الْأَعْمَال مَا أكرهت عَلَيْهِ النُّفُوس. كفى من أَمر الدّين أَن تعرف مَا لَا يسع جَهله. لَيْسَ النجاح مَعَ الأخف الأعجل. الْهوى عَدو الْعقل. وَقَالَ لَهُ رجل وَهُوَ يخْطب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ صف لنا الدُّنْيَا. فَقَالَ: مَا أصف من دَار أَولهَا عناء، وَآخِرهَا فنَاء، فِي حلالها حسابٌ، وَفِي حرامها عقابٌ، من صَحَّ فِيهَا أَمن، وَمن مرض فِيهَا نَدم، وَمن اسْتغنى فِيهَا فتن، وَمن افْتقر حزن. وَقَالَ: لَا تحمل هم يَوْمك الَّذِي لم يَأْتِ على يَوْمك الَّذِي أَنْت فِيهِ؛ فَإِنَّهُ إِن يكن من أَجلك يَأْتِ فِيهِ رزقك وَاعْلَم أَنَّك لاتكتسب من المَال شئًا فَوق قوتك إِلَّا كنت فِيهِ خَازِنًا لغيرك. وَقَالَ: من سره الْغنى بِلَا مالٍ، والعز بِلَا سلطانٍ، وَالْكَثْرَة بِلَا عشيرة، فَليخْرجْ من ذل مَعْصِيّة الله إِلَى عز طَاعَة الله؛ فَإِنَّهُ واجدٌ ذَلِك كُله. وَقَالَ: ثلاثٌ لَا يعْرفُونَ إِلَّا فِي ثَلَاثَة مواشع؛ لَا يعرف الشجاع إِلَّا فِي الْحَرْب، وَلَا الْحَلِيم إِلَّا عِنْد الْغَضَب، وَلَا الصّديق إِلَّا عِنْد الْحَاجة.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وتمثل ﵇ فِي طَلْحَة بن عبيد الله: فَتى كَانَ يُدْنِيه الْغنى من صديقه إِذا مَا هُوَ اسْتغنى ويبعده الْفقر وَلما انْقَضى يَوْم الْجمل خرج فِي لَيْلَة ذَلِك الْيَوْم، وَمَعَهُ قنبر وَمَعَهُ شعلة نارٍ يتصفح وُجُوه الْقَتْلَى، حَتَّى وقف عَلَيْهِ، فَقَالَ: أعزز على أَبَا مُحَمَّد أَن أَرَاك معفرًا تَحت نُجُوم السَّمَاء؛ وَفِي بطُون الأودية! شفيت نَفسِي وَقتلت معشري. إِلَى الله أَشْكُو عجري وبجري. وَقَالَ: الْعجب لمن يهْلك والنجاة مَعَه. فَقيل: مَا هِيَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: الاسْتِغْفَار. وَقَالَ: الدُّنْيَا دَار ممر لَا دَار مقرّ، وَالنَّاس فِيهَا رجلَانِ؛ رجلٌ بَاعَ نَفسه فأوثقها، وَرجل ابْتَاعَ نَفسه فَأعْتقهَا. وَقَالَ: مُكَابَرَة النكبات بالحيلة قبل انتهائها زيادةٌ فِيهَا. وَقَالَ لرجل: كَيفَ أَنْت؟ قَالَ: أَرْجُو الله وأخافه. فَقَالَ: من رجا شَيْئا طلبه، وَمن خَافَ شَيْئا توقاه. وَقَالَ: قَصم ظَهْري رجلَانِ: جاهلٌ متنسك، وعالمٌ متهتك. وَسمع حَالفا يَقُول: وَالَّذِي احتجب بِسبع، فَقَالَ: وَيلك. إِن الله لَا يَحْجُبهُ شيءٌ، فَقَالَ: هَل أكفر عَن يَمِيني؟ فَقَالَ: لَا، لِأَنَّك حَلَفت بِغَيْر الله. وَقَالَ: من وضع مَعْرُوفا فِي غير مَوْضِعه عَاد عَلَيْهِ وبالًا. وروى عَن الْمسيب بن نجبة الْفَزارِيّ قَالَ: خَطَبنَا عَليّ ﵇، فَقَالَ: أَلا أخْبركُم بِذَات نَفسِي؟ أما الْحسن ففتى من الفتيان صَاحب جفنةٍ وخوان. وَلَو قد الْتفت حلقتا البطان لم يعن عَنْكُم فِي الْحَرْب حبالة عصفورٍ.
[ ١ / ٢٠١ ]
وَأما عبد الله بن جَعْفَر فَصَاحب لهوٍ وظل باطلٍ. وَأما أَنا وَالْحُسَيْن فَنحْن مِنْكُم وَأَنْتُم منا، وَلَقَد خشيت أَن يدال هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَلَيْكُم، وَلَيْسَ ذَاك: أَلا أَن تَكُونُوا أولى بِالْحَقِّ مِنْهُم، وَلَكِن بطاعتهم إمَامهمْ وعصيانكم إمامكم، وإصلاحهم فِي أَرضهم وإفسادكم فِي أَرْضكُم، واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عَن حقكم، حَتَّى لَا يدعونَ بَيت مدرٍ وَلَا وبرٍ إِلَّا أدخلوه ظلمهم؛ حَتَّى يقوم الباكيان، باكٍ لدينِهِ وباكٍ لدنياه، وَحَتَّى لَا تكون نصْرَة أحدكُم مِنْهُم إِلَّا كنصرة العَبْد من سَيّده، إِن شهده أطاعه، وَإِن غَابَ عَنهُ سبه، فَإِن أَتَاكُم الله بعافيةٍ فاقبلوها، وَإِن ابتليتم فَاصْبِرُوا؛ فَإِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين. ويروى عَنهُ أَنه قَالَ: الْحِرْص مُقَدّمَة السّكُون. وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: " أكلون للسحت " هُوَ الرجل يقْضِي لِأَخِيهِ حَاجته ثمَّ يقبل هديته. قَالَ الْحَارِث الْأَعْوَر: مِمَّا رَأَيْت أحدا أحسن من عَليّ ﵇، أَتَاهُ رجل فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ مَاتَ رجل وَخلف ابْنَتَيْن، وأبوين، وَزَوْجَة، فَقَالَ: صَار ثمنهما تسعا. هَذِه الْفَرِيضَة من أَرْبَعَة وَعشْرين سَهْما، للبنتين الثُّلُثَانِ، سِتَّة عشر سَهْما، وللأبوين السدسان ثَمَانِيَة أسْهم، وكمل المَال وعالت الْفَرِيضَة واحتيج للْمَرْأَة إِلَى ثمن الْأَرْبَعَة وَالْعِشْرين سَهْما، وَصَارَ الثّمن من أَرْبَعَة وَعشْرين تسعا من سَبْعَة وَعشْرين. هَذَا معنى قَوْله. وخطب فَقَالَ: أما بعد؛ فَإِن الْجِهَاد بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة. فَمن تَركه رَغْبَة عَنهُ ألبسهُ الله الذل، وسم الْخَسْف، وديث بالصغار وَقد دوتكم لِحَرْب هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَيْلًا وَنَهَارًا، وسرًا وإعلانًا، وَقلت لكم: اغرزوهم من قبل أَن يغزوكم؛ فو اللذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا غزى قومٌ قطّ فِي عقر دَارهم إِلَّا ذلوا؛ فتخاذلتم وتواكلتم، وَثقل عَلَيْكُم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهريا؛ حَتَّى شنت عَلَيْكُم الغارات. هَذَا أَخُو غامد قد وَردت خيله الأنبار، وَقتلُوا حسان بن حسان ورجالًا مِنْهُم كثيرا وَنسَاء، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد بَلغنِي أَن كَانَ يدْخل على الْمَرْأَة الْمسلمَة والمعاهدة، فينزع حجالهما ورعثهما، ثمَّ انصرفوا موفورين لم
[ ١ / ٢٠٢ ]
يكلم أحدٌ مِنْهُم كلما. فَلَو أَن ارمءًا مُسلما مَاتَ من دون هَذَا أسفا مَا كَانَ فِيهِ عِنْدِي ملومًا؛ بل كَانَ بِهِ جَدِيرًا. يَا عجبا كل الْعجب من تضافر هَؤُلَاءِ الْقَوْم على باطلهم وفشلكم عَن حقكم! إِذا قلت لكم اغزوهم فِي الشتَاء قُلْتُمْ هَذَا أَوَان قر وسر، وَإِن قلت لكم: اغزوهم فِي الصَّيف قُلْتُمْ: هَذِه حمارة القيظ، أنظرنا ينصرم الْحر عَنَّا؛ فَإِذا كُنْتُم من الحرّ وَالْبرد تفرّون، فَأنْتم وَالله من السَّيْف أفرّ. يَا أشباه الرِّجَال وَلَا رجال، وَيَا طغام الأحلام، وَيَا عقول ربّات الحجال، وَالله لقد أفسدتم علىّ رأيى بالعصيان، وَلَقَد ملأتم جوفى غيظا، حَتَّى قَالَت قُرَيْش: ابْن أَبى طَالب رجل شُجَاع، وَلَكِن لَا رأى لَهُ فِي الْحَرْب. لله درّهم، وَمن ذَا يكون أعلم بهَا منّى أَو أشدّ لَهَا مراسا؟ فوَاللَّه لقد نهضت فِيهَا وَبَلغت الْعشْرين، وَلَقَد نيّفت الْيَوْم على السِّتين. وَلَكِن لَا أرى لمن لاّ يطاع، لَا أرى لمن لاّ يطاع - يَقُولهَا ثَلَاثًا. وَمن كَلَامه ﵁: من لانت كَلمته وَجَبت محبته. وَقَالَ لَهُ قَائِل: أَيْن كَانَ ربّنا قبل أَن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ فَقَالَ ﵁: " أَيْن " سُؤال عَن مَكَان وَكَانَ الله وَلَا مَكَان. وَقَالَ: من أَكثر النّظر فِي العواقب لم يتشجّع. وَقَالَ لِابْنِهِ الْحسن ﵁: لَا تبدأ بِدُعَاء إِلَى مبارزة، وَإِن دعيت إِلَيْهَا فأجب؛ فَإِن طالبها بَاغ والباغي مصروع. وَقَالَ: وَمَا ابْن آدم وَالْفَخْر، وإنّما أوّله نُطْفَة، وَآخره جيفة، لَا يرْزق نَفسه وَلَا يدْفع حتفه. جَاءَ الْأَشْعَث بن قيس إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ على ﵇ يتخطّى رِقَاب النَّاس، وعلىّ على الْمِنْبَر؛ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، غلبتنا هَذِه الْحَمْرَاء على قربك - يَعْنِي الْعَجم - قَالَ: فركض على الْمِنْبَر بِرجلِهِ، فَقَالَ صعصعة بن صوحان: مَا لنا وَلِهَذَا؟ - يَعْنِي الْأَشْعَث - ليَقُولن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْيَوْم فِي
[ ١ / ٢٠٣ ]
الْعَرَب قولا لَا يزَال يذكر. فَقَالَ ﵁: من يعذرني من هَؤُلَاءِ الضياطرة؟ يتمرغ أحدهم على فرَاشه تمرغ الْحمار، ويهجر قومٌ الذّكر فيأمرونني أَن أطردهم. مَا كنت أطردهم فَأَكُون من الْجَاهِلين؛ وَالَّذِي فلق الْحبَّة، وبرأ النَّسمَة؛ ليضربنكم على الدّين عودًا، كَمَا ضربتموهم عَلَيْهِ بدءًا. وَسُئِلَ ﵇: كَيفَ كَانَ حبكم للرسول الله ﷺ؟ فَقَالَ: كَانَ وَالله أحب إِلَيْنَا من أَمْوَالنَا وَأَوْلَادنَا وَأُمَّهَاتنَا وَآبَائِنَا، وَمن المَاء الْبَارِد على الظمأ. وَكَانَ ﵇ يَقُول: إِذا لَقِيتُم الْقَوْم فاجمعوا الْقُلُوب، وعضوا على النواجذ؛ فَإِن ذَلِك نَبِي السيوف عَن المهام. وروى أَنه كَانَ يتَمَثَّل إِذا رأى عبد الرَّحْمَن بن ملجمٍ الْمرَادِي بِبَيْت معد يكرب: أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلِي عذيرك من خَلِيلك من مُرَاد فَقيل لَهُ ﵇: كانك قد عَرفته وَعرفت مَا يُريدهُ. أَفلا تقتله؟ فَقَالَ: كَيفَ أقتل قاتلي؟ . وَلما سمع بصفين نداءهم: لَا حكم إِلَّا لله، قَالَ: كلمة عادلةٌ يُرَاد بهَا جورٌ. إِنَّمَا يَقُولُونَ: لَا إِمَارَة، وَلَا بُد من إمارةٍ برةٍ أَو فاجرةٍ. وَكَانَ أَبُو نيزر من أَوْلَاد بعض مُلُوك الْأَعَاجِم. وَقيل: إِنَّه كَانَ من ولد النَّجَاشِيّ، فَرغب فِي الْإِسْلَام صَغِيرا؛ فَأتى رَسُول الله ﷺ فَأسلم وَكَانَ مَعَه. فَلَمَّا توفّي ﵇ صَار مَعَ فَاطِمَة وَوَلدهَا ﵂، فَقَالَ أَبُو نيزر: جَاءَنِي عَليّ ﵇ وَأَنا أقوم بالضيعتين: عين أَب ينيزر والبغيبغة، فَقَالَ لي: هَل عنْدك من طعامٍ؟ فَقلت: طعامٌ لَا أرضاه لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ قرعٌ
[ ١ / ٢٠٤ ]
من قرعٍ الضَّيْعَة صَنعته بإهالة سنخة فَقَالَ: عَليّ بِهِ، فَقَامَ إِلَى الرّبيع: وَهُوَ جدول فَغسل يَده، ثمَّ أصَاب من ذَلِك شَيْئا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الرّبيع فَغسل يَدَيْهِ بالرمل حَتَّى أنقاهما، ثمَّ ضم يَدَيْهِ كل وَاحِدَة مِنْهُمَا إِلَى أُخْتهَا وَشرب بهما حسا من الرّبيع، ثمَّ قَالَ: يَا نيزر إِن الأكف أنظف الْآنِية، ثمَّ مسح ندى ذَلِك المَاء على بَطْنه وَقَالَ: من أدخلهُ بَطْنه النَّار فَأَبْعَده الله! ثمَّ أَخذ الْمعول وَانْحَدَرَ فِي الْعين وَجعل يضْرب، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ المَاء، فَخرج وَقد تفضج جَبينه عرقا، فانتكف الْعرق عَن جَبينه أَي أزاله، ثمَّ أَخذ الْمعول وَعَاد إِلَى الْعين، ثمَّ أقبل يضْرب فِيهَا وَجعل يهمهم، فانثالت كَأَنَّهَا عنق جزور، فَخرج مسرعًا، فَقَالَ: أشهد الله أَنَّهَا صَدَقَة. على بداوة وصحيفة، قَالَ: فعجلت بهما إِلَيْهِ فَكتب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. هَذَا مَا تصدق بِهِ عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ: تصدق بالضيعتين المعروفتين بِعَين أبي نيزر والبغيبغة على فُقَرَاء أهل الْمَدِينَة وَابْن السَّبِيل؛ ليقي الله ﷿ بهما وَجهه يَوْم الْقِيَامَة، لَا تباعان وَلَا توهبان حَتَّى يرثهما الله وَهُوَ خير الْوَارِثين، إِلَّا أَن يحْتَاج إِلَيْهِمَا الْحسن وَالْحُسَيْن، فهما طلقٌ لَهما وَلَيْسَ لأحدٍ غَيرهمَا. قَالَ: فَركب الْحُسَيْن دين، فَحمل إِلَيْهِ مُعَاوِيَة بِعَين أبي نيزر مِائَتي ألف دِينَار، فَأبى أَن يَبِيع، وَقَالَ: إِنَّمَا تصدق بهَا أبي ليقي الله بهَا وَجهه حر النَّار، وَلست بَائِعهَا بِشَيْء. وَلما ضربه عبد الرَّحْمَن بن ملجم لَعنه الله تَعَالَى دَعَا الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄، وَقَالَ: أوصيكما بتقوى الله وَالرَّغْبَة فِي الْآخِرَة، والزهد ف يالدنيا، وَلَا تأسفا على شَيْء فاتكما مِنْهَا، اعملا الْخَيْر، وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونًا.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وَقَالَ فِي دُعَائِهِ: إلهي مَا قدر ذنوبٍ يُقَابل بهَا كرمك؟ وَمَا قدر أعمالٍ تقَابل بهَا نعمك؛ وَإِنِّي لأجور أَن تستغرق ذُنُوبِي فِي كرمك؛ كَمَا استغرقت أعمالي فِي نعمك. وَعنهُ - ﵇ - أَنه قَالَ: يجد البليغ من ألم السُّكُوت مَا يجده العيي من ألم الْكَلَام، وَكَانَ إِذا نعت النَّبِي ﷺ قَالَ: لم يكن بالطويل الممغط، وَلَا الْقصير المتردد، وَلم يكن بالمطهم وَلَا المكلثم، أَبيض مشرب، أدعج الْعَينَيْنِ، أهدب الأشفار، جليل المشاش شئن الْكَفَّيْنِ والقدمين، إِذا مَشى تقلع كَأَنَّمَا يمشي فِي صبب، وَإِذا الْتفت الْتفت مَعًا، لَيْسَ بالسبط وَلَا الْجَعْد القطط، كَانَ أَزْهَر لَيْسَ بالأبيض الأمهق فِي عَيْنَيْهِ شكْلَة، شبح الذراعين. وَقَالَ: بَقِيَّة عمر الْمَرْء لَا قيمَة لَهَا يدْرك بهَا مَا فَاتَهُ، وَيحيى مَا أَمَاتَهُ. خطبَته الَّتِي خطب بهَا حِين زوج فَاطِمَة ﵄: الْحَمد لله الَّذِي قرب من حامديه، ودنا من سائليه، ووعد بِالْجنَّةِ من يتقيه، وَقطع بالنَّار عذر من يعصيه، أَحْمَده بِجَمِيعِ محامده وأياديه، وأشكره شكر من يعلم أَنه خالقه وباريه، ومصوره ومنشيه، ومميته ومحييه، ومعذبه ومنجيه، ومثببه مجازيه. وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله شَهَادَة تبلغه وترضيه، وَأَن مُحَمَّدًا حبيب الله وَعَبده وَرَسُوله، صلى الله عَلَيْهِ صَلَاة تزلفه وتدنيه، وتعزه وتعليه، وتشرفه وتجتبيه.
[ ١ / ٢٠٦ ]
أما بعد؛ فَإِن اجتماعنا مِمَّا قدر الله ورضيه، وَالنِّكَاح مِمَّا أَمر الله بِهِ، وَأذن فِيهِ. هَذَا محمدٌ ﷺ قد زَوجنِي فَاطِمَة ابْنَته على صدَاق أَرْبَعمِائَة دِرْهَم وَثَمَانِينَ درهما، ورضيت بِهِ، فَاسْأَلُوهُ، وَكفى بِاللَّه شَهِيدا. وَقَالَ: إِن الله تَعَالَى جعل مَكَارِم الْأَخْلَاق وصلَة بَينه وَبَين خلقه، فَحسب أحدكُم أَن يتَمَسَّك بخلقٍ متصلٍ بِاللَّه ﷿. قَالَ الْأَحْنَف: دخلت على مُعَاوِيَة، فَقدم لي من الْحَار والبارد، والحلو والحامض مَا كثر تعجبي مِنْهُ، ثمَّ قدم لي لونًا لم أدر مَا هُوَ، فَقلت: مَا هَذَا؟ قَالَ: مصارين البط محشوة بالمخ قد قلى بدهن الفستق وذر عَلَيْهِ الطبرزد. فَبَكَيْت. فَقَالَ: مَا يبكيك؟ قلت: ذكرت عليا ﵁. بَينا أَنا عِنْده وَحضر وَقت إفطاره فَسَأَلَنِي الْمقَام، إِذْ دَعَا بجراب مختوم، قلت: مَا فِي الجراب؟ قَالَ: سويق شعير، قلت: ختمت عَلَيْهِ أَن يُؤْخَذ أَو بخلت بِهِ؟ قَالَ: لَا وَلَا أَحدهمَا، وَلَكِنِّي خفت أَن يلته الْحسن أَو الْحُسَيْن بسمنٍ أَو زيتٍ. قلت: محرم هُوَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِن يجب على أَئِمَّة الْحق أَن يعتدوا أنفسهم من ضعفة النَّاس؛ لِئَلَّا يطغي الْفَقِير فقره، فَقَالَ مُعَاوِيَة: ذكرت من لَا يُنكر فَضله. وَقَالَ عَليّ ﵇: لَا يكون الصّديق صديقا، حَتَّى يحفظ صديقه فِي غيبته وَعند نكبته وَبعد وَفَاته فِي تركته. قيل لَهُ: كَيفَ يُحَاسب الله الْخلق على كَثْرَة عَددهمْ؟ قَالَ: كَمَا يرزقهم على كَثْرَة عَددهمْ.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وَلما خرج ﵇ يُرِيد الْعرَاق أَشَارَ عَلَيْهِ ابْنه الْحسن أَن يرجع، فَقَالَ: لَا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حَتَّى تخرج فتصاد. وَقَالَ: لَئِن وليت بني امية لأنفضنهم نفض القصاب الوذام التربة. وَمر بِعَبْد الرَّحْمَن بن عتاب بن أسيد مقتولا يَوْم الْجمل، فَقَالَ: هَذَا يعسوب قُرَيْش. وجائته امراة فَذكرت أَن زَوجهَا يَأْتِي جاريتها، فَقَالَ: إِن كنت صَادِقَة رجمناه، وَإِن كنت كَاذِبَة جلدناك، قَالَت: ردوني إِلَى أَهلِي غَيْرِي نغرة. وَقَالَ ﵇: إِن الْمَرْء الْمُسلم مَا لم يغش دناءةً يخشع لَهَا إِذا ذكرت وتغرى بِهِ النَّاس، كالياسر الفالج ينْتَظر فوزةً من قداحه أَو دَاعِي الله؛ فَمَا عِنْد الله خيرٌ للأبرار. وسافر رجلٌ مَعَ أَصْحَاب لَهُ فَلم يرجع حِين رجعُوا، فَاتَّهمهُمْ اهله بِهِ، ورفعوهم إِلَى شُرَيْح، فَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَة على قَتله، فَارْتَفعُوا إِلَى عَليّ ﵇، فأخبروه بقول شُرَيْح، فَقَالَ متمثلا: أوردهَا سعدٌ وسعدٌ مُشْتَمل يَا سعد لَا تروي بهذاك الْإِبِل ثمَّ قَالَ: " إِن أَهْون السَّقْي التشريع "، ثمَّ فرق بَينهم، وسألهم فَاخْتَلَفُوا، ثمَّ أقرُّوا بقتْله.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وَقَالَ: إِذا صلى الرجل فليخو، وَإِذا صلت الْمَرْأَة فلتحتفز. وَقَالَ كرم الله وَجهه: مَا أعظم التَّفَاوُت بَين العبر وَالِاعْتِبَار! فالعبر قد بلغت فِي الْكَثْرَة الْغَايَة، وَالِاعْتِبَار قد بلغ فِي الْقلَّة النِّهَايَة. وَقَالُوا: انْصَرف من صفّين وَكَأَنَّهُ رَأسه ولحيته قطنة، فَقيل لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو غيرت، فَقَالَ: إِن الخضاب زينةٌ، وَنحن قومٌ محزونون. وروى أَن الْحسن قَالَ لَهُ يَوْم الْجمل: أَشرت عَلَيْك ثَلَاث مراتٍ فعصيتني، فَقَالَ ﵇، إِنَّك تحن حنين الْجَارِيَة، هَات مَا الَّذِي أَشرت بِهِ؛ وَمَا الَّذِي عصيتك فِيهِ؟ فَذكر أَشْيَاء، فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵇: أَنا وَالله إِذا مثل الَّتِي أحيط بهَا فَقيل لَهَا: زباب حَتَّى دخلت جحرها، ثمَّ احتفر عَنْهَا فاجتر برجلها حَتَّى ذبحت. يُرِيد: الضبع. وروى أَنه اشْترى قَمِيصًا بِثَلَاثَة دَرَاهِم، وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي هَذَا من رياشه. وَقَالَ: لَا قَود إِلَّا بالأسل. وَقَالَ: من أَرَادَ الْبَقَاء - وَلَا بَقَاء - فليباكر الْغَدَاء، وليقلل غشيان النِّسَاء، وليخفف الرِّدَاء فِي الْبَقَاء، قيل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَا خفَّة الرِّدَاء فِي الْبَقَاء؟ قَالَ: الدّين. وَرَأى رجلا فِي الشَّمْس، فَقَالَ: قُم عَنْهَا فَإِنَّهَا مبخرةٌ مجفرةٌ: تَتْفُل الرّيح، وتبلى الثَّوْب، وَتظهر الدَّاء الدفين. وأتى بِالْمَالِ فكوم كومةً من ذهب وكومة من فضَّة، وَقَالَ: يَا حَمْرَاء يَا بَيْضَاء احمرى وابيضي وغري غَيْرِي. وَقَالَ: من يطلّ أير أَبِيه ينتطق بِهِ.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وَقَالَ: ذِمَّتِي بِمَا أَقُول رهينةٌ وَأَنا بِهِ زعيمٌ لمن صرحت لَهُ العبر أَلا يهيج على التَّقْوَى زرع قومٍ، وَلَا يظمأ على التَّقْوَى سنخ أصلٍ. أَلا وَإِن أبْغض خلق الله إِلَى الله رجلٌ قمش علما، غَار بأغباش الْفِتْنَة، عميا بِمَا فِي غيب الْهُدْنَة، سَمَّاهُ أشباهه من النَّاس عَالما وَلم يغن فِي الْعلم يَوْمًا سالما، بكر فَاسْتَكْثر. مِمَّا قل مِنْهُ فَهُوَ خير مِمَّا كثر، حَتَّى إِذا مَا ارتوى من آجنٍ، واكتنز من غير طائلٍ، قعد بَين النَّاس قَاضِيا لتخليص مَا الْتبس على غَيره، إِن نزلت بِهِ إِحْدَى المبهمات هيأ حَشْوًا من رَأْيه، فَهُوَ من قطع الشُّبُهَات فِي مثل غزل العنكبوت، لَا يعلم إِذا أَخطَأ؛ لِأَنَّهُ لَا يعلم أَخطَأ أم أصَاب. خباط عشواتٍ ركاب جهالاتٍ، لَا يعْتَذر مِمَّا لَا يعلم فَيسلم، وَلَا يعَض فِي الْعلم بضرصٍ قَاطع، يذور الرِّوَايَة ذرو الرّيح الهشيم، تبْكي مِنْهُ الدِّمَاء وتصرخ مِنْهُ الْمَوَارِيث، ويستحل بِقَضَائِهِ الْفرج الْحَرَام. لَا ملئ وَالله بإصدار مَا ورد عَلَيْهِنَّ وَلَا أهلٌ لما قرظ بِهِ. وَكتب إِلَى ابْن عَبَّاس حِين أَخذ من مَال الْبَصْرَة مَا أَخذ: إِنِّي أَشْرَكتك فِي امانتي، وَلم يكن رجلٌ من أَهلِي أوثق مِنْك فِي نَفسِي، فَلَمَّا رَأَيْت الزمات على ابْن عمك قد كلب، والعدو قد حَرْب، قلبت لِابْنِ عمك ظهر الْمِجَن، بِفِرَاقِهِ مَعَ المفارقين، وخذلانه مَعَ الخاذلين، واختطفت مَا قدرت عَلَيْهِ من أَمْوَال الْأمة اختطاف الذِّئْب الْأَزَل دامية المعزى ضح رويدا، فَكَأَن قد بلغت المدى، وَعرضت عَلَيْك أعمالك بِالْمحل الَّذِي يُنَادي المغتر بالحسرةن ويتمنى المشيع التبوة، والظالم الرّجْعَة. وروى عَنهُ ﵇ - أَنه قَالَ يَوْم الشورى لما تكلم عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف بِمَا تكلم:
[ ١ / ٢١٠ ]
الْحَمد لله الَّذِي اتخذ مُحَمَّدًا نَبيا، وابتعثه إِلَيْنَا رَسُولا؛ فَنحْن بَيت النُّبُوَّة، ومعدن الْحِكْمَة، أمانٌ لأهل الأَرْض، ونجاةٌ لمن طلب. لنا حق إِن نعطه نَأْخُذهُ، وَإِن نمنعه نركب أعجاز الْإِبِل وَإِن طَال السرى. لَو عهد إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ عهدا لجالدنا عَلَيْهِ حَتَّى نموت، أَو قَالَ لنا قولا أنفذنا قَوْله على رغمنا، لن يسْرع أحدٌ قبلي إِلَى صلَة رحمٍ ودعوة حق. وَالْأَمر إِلَيْك يَا بن عَوْف على صدق الْيَقِين وَجهد النصح. اسْتغْفر الله لي وَلكم. وَقَالَ: " مَا من مُسلم إِلَّا لَهُ ذنبٌ يَعْتَرِيه الفينة بعد الفينة ". " يهْلك فِي رجلَانِ: محب مطرٍ وباهتٌ مفترٍ ". " يهْلك فِي رجلَانِ: محب غالٍ ومبغضٌ قَالَ ". وَقَالَ: لَا يذهب أَمر هَذِه الْأمة إِلَّا على رجل وَاسع السرم ضخم البلعوم، يَأْكُل وَلَا يشْبع. وَسُئِلَ عَن قتلاه وقتلى مُعَاوِيَة، فَقَالَ: يُؤْتى بِي يَوْم الْقِيَامَة وبمعاوية فنختصم عِنْد ذِي الْعَرْش، فأينا فلج فلج أَصْحَابه. وَقَالَ: إِن لبني أُميَّة مرودًا يجرونَ فِيهِ، وَلَو قد اخْتلفُوا فِيمَا بَينهم ثمَّ كادتهم الضّيَاع لغلبتهم. وَذكر أهل النهروان، فَقَالَ: فيهم رجل مودن الْيَد، أَو مثدن الْيَد، أَو مُخْدج الْيَد، لَوْلَا أَن تبطروا لنبأتكم بِمَا وعد الله الَّذين يقاتلونهم على لِسَان مُحَمَّد ﷺ. وَقَالَ: إِذا كَانَ الْقلب لَا يعرف مَعْرُوفا، وَلَا يُنكر مُنكر أنكس، فَجعل أَعْلَاهُ أَسْفَله. وَقَالَ: ألم يَأن لبني أُميَّة أَن يقتلُوا، قتيلهم؟ قيل: مَا هَذَا الْقَتِيل؟ قَالَ: غرنوقٌ من غرانيق بني عبد الْمطلب. وَمر بقاضٍ، فَقَالَ: أترعف النَّاسِخ والمنسوخ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلَكت وأهلكت.
[ ١ / ٢١١ ]
وَقَالَ: لَا يَسْتَقِيم قَضَاء الْحَوَائِج إِلَّا بِثَلَاث، باستصغارها لتعظم، واستكتامها لتنسى، وتعجيلها لتهنؤ. وجاءه يَهُودِيّ، فَقَالَ: أَيْن كَانَ رَبنَا قبل أَن يخلق الْعَرْش؟ قَالَ: حَيْثُ هُوَ الْيَوْم، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ الْيَوْم؟ قَالَ: حَيْثُ كَانَ ذَلِك الْيَوْم، لَا تخطر عَلَيْهِ الْقُلُوب، وَلَا تقع عَلَيْهِ الأوهام " لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير ". وروى عَن نوف قَالَ: رَأَيْت عليا ﵇ قد خرج؛ فَنظر إِلَى النُّجُوم، فَقَالَ: أراقد أم رامقٌ؟ قلت: بل رامقٌ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: يَا نوف طُوبَى للزاهدين فِي هَذِه الدُّنْيَا، الراغبين فِي الْآخِرَة، أُولَئِكَ قومٌ اتخذو الأَرْض بساطًا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، وَالْقُرْآن شعارًا ودثارًا، وقرضوا للدنيا قرضا على منهاج الْمَسِيح عيه السَّلَام. يَا نوف، إِن دَاوُد ﵇ قَامَ سَاعَة من اللَّيْل، فَقَالَ: إِنَّهَا ساعةٌ لَا يَدْعُو عبد إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ فِيهَا إِلَّا أَن يكون عشارًا أَو عرييفًا أَو شرطيًا أَو صَاحب عرطبةٍ - وَهُوَ الطنبور - أَو صَاحب كوبة - وَهُوَ الطبل. وَقَالَ ﵇: إِن الله فرض عَلَيْكُم فَرَائض فَلَا تضبعوها، وحد لكم حدودًا فَلَا تعدوها، ونهاكم عَن أَشْيَاء فَلَا تنتهكوها، وَسكت لكم عَن أَشْيَاء، فَلم يَدعهَا نِسْيَانا فَلَا تتكلفوها. وَقَالَ: لَا يتْرك النَّاس شَيْئا من إصْلَاح دينهم لاستصلاح دنياهم إِلَّا فتح الله عَلَيْهِم مَا هُوَ أضرّ مِنْهُ. وَقَالَ: لَيْسَ الْخَيْر أَن يكثر مَالك وولدك، وَلَكِن الْخَيْر أَن يكثر علمك، ويعظم حلمك، وتباهى النَّاس بِعبَادة رَبك؛ فَإِن أَحْسَنت حمدت الله، وَإِن أَسَأْت استغفرت الله؛ وَلَا خير ف يالدنيا إِلَّا لِرجلَيْنِ، رجل أذْنب ذنوبًا فَهُوَ
[ ١ / ٢١٢ ]
يتدارك ذَلِك بتوبةٍ، وَرجل يُسَارع ف يالخيرات. وَلَا يقل عملٌ مَعَ تقوى، وَكَيف يقل مَا يتَقَبَّل؟ أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بالتواصل والتباذل، وَإِيَّاكُم والتقاطع والتدابر والتفرق. وَلَا تنكرن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر؛ فيولى الله عَلَيْكُم شِرَاركُمْ، ثمَّ تدعون فَلَا يُسْتَجَاب لكم. " وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب ". تجهزوا رحمكم الله، فقد نُودي فِيكُم بالرحيل، وأقلوا الفرحة على الدُّنْيَا، وانقلبوا بِصَالح مَا بحضرتكم من الزَّاد؛ فَإِن أمامكم عقبَة كئودًا، ومنازل مخوفةً لَا بُد من الْمَمَر عَلَيْهَا، وَالْوُقُوف عِنْدهَا، فإمَّا برحمة الله نجوتم من فظاعتها، وَشدَّة مختبرها، وَكَرَاهَة منظرها؛ وَإِمَّا بهلكة لَيْسَ بعْدهَا نجاةٌ. فيا لَهَا حسرةً على كل ذِي غفلةٍ! أَن يكون عمره عَلَيْهِ حجَّة، أَو تُؤَدِّيه أَيَّامه إِلَى شقوة. وخطب لما ورد عَلَيْهِ خبر مقتل مُحَمَّد بن أبي بكر، وَغَلَبَة أَصْحَاب مُعَاوِيَة على مصر، قَالَ بعد أَن حمد الله: أَلا إِن مصر أَصبَحت قد فتحت، أَلا وَإِن مُحَمَّد بن أبي بكرٍ قد أُصِيب ﵀، وَعند الله نحتسبه. أما وَالله إِن كَانَ لمن ينْتَظر الْقَضَاء، وَيعْمل للجزاء، وَيبغض شكل الْفَاجِر، وَيُحب هدى الْمُؤمن. إِنِّي وَالله لَا ألوم نَفسِي فِي تَقْصِير وَلَا عجز، إِنِّي بمقاساة الْحَرْب جد عالمٍ خبيرٍ، وَإِنِّي لأقدم فِي الْأَمر فأعرف وَجه الحزم، وأقوم فِيهِ بِالرَّأْيِ الْمُصِيب مُعْلنا، وأناديكم نِدَاء المستغيث فَلَا تَسْمَعُونَ لي قولا، وَلَا تطيعون لي أمرا؛ حَتَّى تصير بِي الْأُمُور إِلَى عواقب الْفساد، وَأتم لَا تدْرك بكم الأوتار، وَلَا يشفى بكم الغليل. دعوتكم إِلَى غياث إخْوَانكُمْ، فجرجرتم جرجرة الْجمل الْأسر، وتثاقلتم إِلَى الأَرْض تثاقل من لَيْسَ لَهُ نيةٌ فِي اجهاد عَدو، وَلَا احتساب أجرٍ. وَخرج جنيدٌ ضعيفٌ " كَأَنَّمَا يساقون إِلَى الْمَوْت وهم ينظرُونَ ".
[ ١ / ٢١٣ ]
وَقَالَ فِي خطبَته بِالْبَصْرَةِ: يَا أهل الْبَصْرَة يَا أهل المؤتفكة أئتفكت بِأَهْلِهَا ثَلَاثًا وعَلى الله تَمام الرَّابِعَة. يَا جند الْمَرْأَة، وَأَعْوَان الْبَهِيمَة، رغا فأجبتم وعقر فتفرقتم. وخطب فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نظر الزاهدين فِيهَا، فَإِنَّهَا وَالله عَن قَلِيل تزيل الثاوي السَّاكِن، وتبخع المترف الآمن، لَا يرجع مَا تولى مِنْهَا فادبر، وَلَا يدْرِي مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فينتظر، سرورها مشوبٌ بالحزن، وَآخر الْحَيَاة فِيهَا إِلَى الضعْف والوهن، فَلَا يَغُرنكُمْ كَثْرَة مَا يعجبكم فِيهَا لقلَّة مَا يصحبكم مِنْهَا. رحم الله رجلا تفكر فَاعْتبر، فأبصر إدبار مَا قد أدبر، وَحُضُور مَا حضر؛ فَكَأَن مَا هُوَ كائنٌ فِي الدُّنْيَا لم يكن، وَكَأن مَا هُوَ كَائِن فِي الْآخِرَة لم يزل. وَقَالَ جُنْدُب: دَخَلنَا عَلَيْهِ فَقَالَ: أما إِنَّكُم سَتَلْقَوْنَ بعدِي ثَلَاثًا؛ ذلًا شَامِلًا، وسيفًا قَاتلا، وأثرةً يتخذها الظَّالِمُونَ عَلَيْكُم سنة، فتودون عِنْد ذَلِك لَو رَأَيْتُمُونِي فنصرتموني وقاتلتم دوني، لَا يبعد الله إِلَّا من ظلم! . فَكَانَ جُنْدُب بعد ذَلِك إِذا رأى شَيْئا مِمَّا يكره يبكي وَيَقُول: أبعد الله الظَّالِم. وَقَالَ فِي خطْبَة لَهُ: وأيم الله إِنَّكُم لَو قد رَأَيْتُمْ الْمَوْت لَا نفرجتم عَن عَليّ ابْن أبي طَالب انفراج الْمَرْأَة عَن قبلهَا؛ فَقَالَ لَهُ رجل: أَفلا كَمَا فعل عُثْمَان، فَقَالَ: إِن الَّذِي فعل عُثْمَان مجزاةٌ لمن لَا نصْرَة لَهُ، وَلَا حجَّة مَعَه، فَأَما وَأَنا على بينةٍ من رَبِّي، ويقينٍ وعهدٍ من نبيي كلا وَالله: إِن أمرءًا يُمكن من نَفسه عدوة فيهشم عَظمَة، ويفرى جلده لعظيمٌ عَجزه، ضعيفٌ مَا ضمت عَلَيْهِ الأحشاء من صَدره، وَأَنت ذَاك إِن شِئْت. فَأَما أَنا فوَاللَّه لَأُعْطيَن دون ذَلِك ضربا بالمشرفي تطير لَهُ فرَاش الْهَام، وَالله يفعل مَا يَشَاء.
[ ١ / ٢١٤ ]
وَقَالَ لَهُ المُهَاجر بن خَالِد بن الْوَلِيد: مَا رَأْيك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذِه الْمُعْتَزلَة سعدٍ وَأَصْحَابه؟ فَقَالَ: خذلوا الْحق وَلم ينصرُوا الْبَاطِل، كَمَا قَالَ أَخُو جشم: عَلَيْكُم بواديكم من الذل فارتعوا ونالوا بذل من ندى البقل وَالشَّجر فَمَا أَنْتُم بالمانعين ذماركم قَدِيما، ولستم فِي النفير إِذا نفر وَقَالَ ﵇: اتْرُكُوا هَذِه الدُّنْيَا التاركة لكم، وَإِن لم تَكُونُوا تحبون تَركهَا، والمبلية لكم، وَإِن كُنْتُم تحبون تجديدها. فَإِنَّمَا مثلكُمْ وَمثلهَا كركبٍ سلكوا سَبِيلا، فكأنهم قد قطعوه وأموا علما، فكأنهم قد بلغوه. جعلنَا الله وَإِيَّاكُم مِمَّن لَا تبطره نعمةٌ، وَلَا تقصر بِهِ عَن طَاعَة ربه رغبةٌ، وَلَا يحل بِهِ الْمَوْت حسرةً؛ فَإِنَّمَا نَحن لَهُ وَبِه. وَقَالَ فِي خطْبَة: إيَّاكُمْ ومجالس اللَّهْو؛ فَإِن اللَّهْو ينسى الْقُرْآن، ويحضره الشَّيْطَان، وَيَدْعُو إِلَى كل غي. ومحادثة النِّسَاء تزِيغ الْقُلُوب، وَهِي من مصايد الشَّيْطَان. أَلا فاصدقوا؛ فَإِن الله مَعَ الصَّادِقين، وجانبوا الْكَذِب؛ فَإِنَّهُ مجانبٌ للْإيمَان، إِن الصَّادِق على شفا منجاةٍ وكرامة، وَإِن الْكَاذِب على شفا هوانٍ. قُولُوا الْحق تعرفوا بِهِ، وتكونوا من أَهله، وأدوا الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنكم، وصلوا أَرْحَام من قطعكم، وعودوا بِالْفَضْلِ على من حرمكم. وَإِذا عاهدتم ففوا، وَإِذا حكمتم فاعدلوا، وَلَا تفاخروا بِالْآبَاءِ وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ، أَلا وَلَا تمادحوا وَلَا تمازحوا وَلَا تباغضوا، أفشوا السَّلَام وردوا التَّحِيَّة على أَهلهَا بِأَحْسَن مِنْهَا، وارحموا الأرملة واليتيم، وأعينوا الضَّعِيف والمظلوم، " ونعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان " أَلا وَإِن الدُّنْيَا قد أَدْبَرت وآذنت بوداع. أَلا وَإِن الْآخِرَة قد أَقبلت وآذنت باطلاع، أَلا وَإِن الْمِضْمَار الْيَوْم، والسباق غَدا وَإِن السبقة الْجنَّة والغاية النَّار. وَقَالَ ﵇: خير النِّسَاء الطّيبَة الرّيح، الطّيبَة الطَّعَام، الَّتِي إِن أنفقت أنفقت قصدا، وَإِن أَمْسَكت أَمْسَكت قصدا، تِلْكَ من عُمَّال الله، وعامل الله لَا يخيب. وَقَالَ: الصمت فِي اانه خيرٌ من الْمنطق فِي غير أَوَانه.
[ ١ / ٢١٥ ]
وَقَالَ: إِذا رَأَيْت فِي رجلٍ خلةً رائعةً من خيرٍ أَو شَرّ فانتظر أخواتها. وَقَالَ: إِن الله تَعَالَى لَا يقبل من الْأَعْمَال إِلَّا مَا صفا وصلب ورق فَأَما صفاؤها فَللَّه، وَأما رقتها فللإخوان، وَأما صلابتها فللدين. وَقَالَ: الْفَقِيه كل الْفَقِيه الَّذِي لَا يقنط النَّاس من رَحْمَة الله، وَلَا يؤمنهم من مكر الله، وَلَا يرئسهم من رَحْمَة الله، وَلَا يرخص لَهُم فِي معاصي الله. وَدخل عَلَيْهِ قوم فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَو أَعْطَيْت هَذِه الْأَمْوَال، وفضلت بهَا هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف وَمن تخَاف فِرَاقه، حَتَّى إِذا استتب لَك مَا تُرِيدُ عدت إِلَى أفضل مَا عودك الله ﷿ من الْعدْل فِي الرّعية، وَالْقسم بِالسَّوِيَّةِ، فَقَالَ ﵇: أتأمرونني أَن أطلب النَّصْر بالجور فِيمَن وليت عَلَيْهِ من أهل الْإِسْلَام! وَالله لَا أفعل ذَلِك مَا سمر بِنَا سمير، وَمَا آب فِي السَّمَاء نجم، فَلَو كَانَ هَذَا المَال لي لسويت بَينهم، فَكيف؟ وَإِنَّمَا هِيَ أَمْوَالهم، ثمَّ أرم طَويلا ثمَّ قَالَ: من كَانَ مِنْكُم لَهُ مالٌ فإياه وَالْفساد، فَإِن إِعْطَاء المَال فِي غير حلّه تبذير وإسرافٌ وفسادٌ، وَهُوَ يرفع ذكر صَاحبه، ويضعه عِنْد الله ﷿، وَلنْ يضع ارمؤٌ مَاله ف يُغير حَقه، وَعند غير أَهله إِلَّا حرمه الله شكرهم، وَكَانَ لغيره ودهم، فَإِن بَقِي مَعَه مِنْهُم من يُرِيد الود، وَيظْهر لَهُ الشُّكْر فَإِنَّمَا هُوَ ملق وَكذب؛ فَإِن زلت بِصَاحِبِهِ النَّعْل وَاحْتَاجَ إِلَى معونته ومكافأته فشر خليلٍ، وَالأُم خدين، فَمن آتَاهُ الله مَالا فَليصل بِهِ الْقَرَابَة، وليحسن مِنْهُ الضِّيَافَة، وليفك بِهِ العاني والأسير، وليعط مِنْهُ الْغَارِم وَابْن السَّبِيل، والفقراء والمجاهدين، وليصبر نَفسه على الْحُقُوق وابتغاء الثّواب، فإنّه ينَال بِهَذِهِ الْخِصَال مَكَارِم الدّنيا وفضائل الْآخِرَة إِن شَاءَ الله. وخطب ﵇ حِين كَانَ من أَمر الْحكمَيْنِ مَا كَانَ، فَقَالَ: الْحَمد لله وَإِن أَتَى الدَّهْر بالخطب الفادح، وَالْحَدَث الْجَلِيل، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله.
[ ١ / ٢١٦ ]
أما بعد، فَإِن مَعْصِيّة الشَّيْخ الْعَالم المشفق المجرّب تورث الْحَسْرَة، وَتعقب النّدامة، وَقد كنت أَمرتكُم فِي هَذِه الْحُكُومَة بأمرى، ونخلت لكم رأيى لَو كَانَ يطاع لقيصر أَمر ﴿وَلَكِنَّكُمْ أَبَيْتُم، وَكنت أَنا وَأَنْتُم كَمَا قَالَ أَخُو هوزان أَمرتهم أمرى بمنعرج اللّوى فَلم يستبينوا النصح إِلَّا ضحى الْغَد فَلَمَّا عصوني كنت فيهم وَقد أرى غوايتهم أَو أنّنى غير مهتد أَلا إنّ هذَيْن الرّجلين اخترتموهما حكمين، وَقد نبذا حكم الْقُرْآن وَرَاء ظهورهما فأماتا مَا أَحْيَا الْقُرْآن، وأحييا مَا أمات، واتّبع كلّ وَاحِد مِنْهُمَا هواة، يحكم فِيهِ بِغَيْر حجّة بيّنة، وَلَا " ٨٢ " سنة مَاضِيَة، وَاخْتلفَا فِي حكمهمَا، فكلاهما لم يرشده الله، استعدّوا للْجِهَاد، وتأهّبوا للسير، وَأَصْبحُوا فِي معسكركم يَوْم كَذَا. وخطب فَقَالَ: أما بعد؛ يَا أهل الْكُوفَة فإنّ أهل الشّام لَو قد طلعوا عَلَيْكُم أغلق كلّ امْرِئ مِنْكُم بَابه، وانجحر فِي بَيته انجحار الضّبّ فِي جُحْره والضّبع فِي وجارها الذّليل، وَالله مَا نصرتم، وَمن رمى بكم رمى بأضعف سهم. أفّ لكم﴾ لقد لقِيت مِنْكُم برحًا، يَوْمًا أناديكم وَيَوْما أناجيكم، فَلَا أَحْرَار عِنْد النداء، وَلَا أنجاد عِنْد اللِّقَاء، أَنا لله ممّا منيت بِهِ مِنْكُم، صمّ لَا تَسْمَعُونَ، بكم لَا تعقلون، كمه لَا تبصرون، وَالْحَمْد لله ربّ الْعَالمين. وَكتب إِلَى سهل بن حنيف وَهُوَ عَامله على الْمَدِينَة: بلغنى أَن رجَالًا يخرجُون إِلَى مُعَاوِيَة؛ فَلَا تأسف على مَا فاتك مِنْهُم؛ فَكفى لَهُم غيًّا فرارهم من الْحق وَالْهدى، وإيضاعهم فِي الْجَهَالَة والعمى؛ إنّما هم أهل دنيا، مكبّون عَلَيْهَا، قد علمُوا أنّ فِي الْحق أُسْوَة فَهَرَبُوا مِنْهُ إِلَى الأثرة؛ فبعدًا لَهُم وَسُحْقًا،
[ ١ / ٢١٧ ]
أما لَو قد بعثرت الْقُبُور، وَاجْتمعت الْخُصُوم، وَقضى بَين الْعباد لتبيّن لَهُم مَا يَكْسِبُونَ. وَكتب إِلَى مصقلة بن هُبَيْرَة: بَلغنِي عَنْك أَمر إِن كنت فعلته فقد أتيت شينًا؛ إِذْ بَلغنِي أنّك تقسم فئ الْمُسلمين فِيمَن اعتفاك من أَعْرَاب بكر بن وَائِل، فو الذّي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، لَئِن كَانَ ذالك حقًّا لتجدنّ بك علىّ هوانًا. فَلَا تستهن بِحَق رَبك، وَلَا تصلح دنياك بمحق دينك فَتكون من: " الأخسرين أعمالًا " الْآيَة. وَكتب إِلَى زِيَاد - وَهُوَ خَليفَة ابْن عَبَّاس على الْبَصْرَة - وَكَانَ أخرج إِلَيْهِ سَعْدا مَوْلَاهُ يستحثه على حمل مالٍ فَعَاد وشكاه وعابه: أما بعد، فَإِن سَعْدا ذكر أَنَّك شتمته ظلما لَهُ، وتهددته وجبهته، تجبرًا وتكبرا. فَمَا دعَاك إِلَى التكبر؟ وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ: " الْكبر رِدَاء الله فَمن نَازع الله رِدَاءَهُ قصمه ". وَأَخْبرنِي أَنَّك تكْثر من الطَّعَام والألوان، وتدهن فِي كل يَوْم؛ فَمَا عَلَيْك لَو صمت لله أَيَّامًا؟ وتصدقت بِبَعْض مَا عنْدك محتسبا، وأكلت طَعَامك مرَارًا قتارًا؛ فَإِن ذَلِك دثار الصَّالِحين، أتطمع وَأَنت تتقلب فِي النَّعيم تستأثر بِهِ على الْجَار الْمِسْكِين، والضعيف الْفَقِير، والأرملة واليتيم أَن يجب لَك أجر المتصدقين؟ . وَأَخْبرنِي أَنَّك تَتَكَلَّم بِكَلَام الْأَبْرَار وتعمل عمل الْخَطَّائِينَ؛ فَإِن كنت تفعل ذَلِك فنفسك ظلمت، وعملك أحبطت؛ فتب إِلَى رَبك يصلح عَمَلك، واقصد فِي أَمرك، وَقدم الْفضل ليَوْم حَاجَتك إِلَيْهِ إِن كنت من الْمُؤمنِينَ، وادهن غبا فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " ادهنوا غبا وَلَا تدهنوا رفها ".
[ ١ / ٢١٨ ]
فَكتب إِلَيْهِ زِيَاد: أما بعد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن سَعْدا قدم فَعجل فانتهرته وزجرته. وَكَانَ أَهلا لأكْثر من ذَلِك. فَأَما مَا ذكر من الْإِسْرَاف، واتخاذ ألوان الطَّعَام، والتنعم؛ فَإِن كَانَ صَادِقا فأثابه الله ثَوَاب الصَّادِقين، وَإِن كَانَ كَاذِبًا فوقاه الله عُقُوبَة الْكَاذِبين. وَأما قَوْله: إِنِّي أصف الْعدْل وأخالفه إِلَى غَيره، فَإِنِّي إِذا لمن الأخسرين أعمالًا، فَخذه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بمقالٍ قلته فِي مقامٍ قمته. فَإِن أَتَاك بشاهدي عدلٍ، وَإِلَّا تبين لَك كذبه وظلمه. وَقَالَ ﵇: " قبْلَة الْوَلَد رحمةٌ، وقبلة الْمَرْأَة شَهْوَة، وقبلة الْوَالِدين عبَادَة، وقبلة أَخِيك دينٌ، وقبلة الإِمَام الْعَادِل طاعةٌ ". وَقَالَ: بئس الْجَار الْغَنِيّ، يبْعَث عَلَيْك مَا لَا يعينك عَلَيْهِ. وَقَالَ: نعم الْبَيْت بَيت الْعَرُوس تذكر بِهِ الْجنَّة، وتحمد الله على النِّعْمَة. وَقَالَ: الْكَرِيم لَا يقبل على معروفه ثمنا. وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يظْهر سُرُورًا برجاء، لِأَن الرَّجَاء غرور. وَقَالَ: الْمَعْرُوف زَكَاة النعم. وَقَالَ: إِزَالَة الرواسِي أيسر من تأليف الْقُلُوب. وَكتب إِلَى ابْن عَبَّاس: أَتَانِي كتابك تذكر مَا رَأَيْت من أهل الْبَصْرَة بعد خروجي عَنْهُم، وَإِنَّمَا ينقمون لرغبةٍ يرجونها، أَو عقوبةٍ يخافونها؛ فأرغب راغبهم، واحلل عقد الْخَوْف عَن خائفهم بِالْعَدْلِ عَلَيْهِ، والإنصاف إِلَيْهِ. وَكتب إِلَى سعد بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ: إِنَّك وفرت على الْمُسلمين فيئهم، فأطعت رَبك، وَنَصَحْت إمامك فعل المتنزه الْعَفِيف، فقد حمدت فعلك، ورضيت هديك، وَأُوتِيت رشدك، وَغفر الله ذَنْبك.
[ ١ / ٢١٩ ]
وَمَشى قوم خَلفه، فَقَالَ: عَنى خَفق نعالكم؛ فَإِنَّهَا مفْسدَة لقلوب نوكي الرِّجَال. وَقَالَ: أكبر الغي أَن تعيب رجلا بِمَا فِيك، وَأَن تؤذي جليسك بِمَا هُوَ فِيهِ عَبَثا بِهِ. وَقَالَ: اتَّقوا من تبْغضهُ قُلُوبكُمْ. وَدخل ﵇ الْمَقَابِر، فَقَالَ: " أما الْمنَازل فقد سكنت، وَالْأَمْوَال قد قسمت، والأزواج قد نكحت، فَهَذَا خير مَا عندنَا؛ فَمَا عنْدكُمْ؟ ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أذن لَهُم فِي الْكَلَام لأخبروا أَن خير الزَّاد التَّقْوَى. وخطب فَقَالَ: أما بعد فَإِن الدُّنْيَا قد أَدْبَرت وآذنت بوداع، وَإِن الْآخِرَة قد أَقبلت وأشرفت باطلاع، وَإِن الْمِضْمَار الْيَوْم وَغدا السباق. أَلا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّام أملٍ من وَرَائه أجلٌ؛ فَمن أخْلص فِي أَيَّام أمله قبل حُضُور أَجله نَفعه عمله، وَلَا يضرّهُ أمله، وَمن قصر فِي أَيَّام أمله قبل حُضُور أَجله فقد خسر عمله، وضره أمله. فاعملوا لله فِي الرَّغْبَة كَمَا نعملون لَهُ فِي الرهبة. أَلا وَإِنِّي لم أر كالجنة نَام طالبها، وَلم أر كالنار نَام هَارِبهَا، أَلا وَإنَّهُ من لم يَنْفَعهُ الْحق يضرّهُ الْبَاطِل، وَمن لم يستقم بِهِ الْهدى يخزيه الضلال. أَلا وَإِنَّكُمْ قد أمرْتُم بالظعن، ودللتم على الزَّاد. وَإِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم اتِّبَاع الْهوى وَطول الأمل. وَقَالَ لَهُ الأشتر: كَيفَ ود أُمِّي رالمؤمنين امْرَأَته؟ قَالَ: كالخير من امْرَأَة جباء قبَاء. قَالَ: وَهل يُرِيد الرِّجَال من النِّسَاء غير ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى تدفي الضجيع، وتروي الرَّضِيع.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وَقَالَ: حسبي حسب رَسُول الله ﷺ وديني دينه، فَمن أبْغض حسبي فَإِنَّمَا يبغض حسب رَسُول الله ﷺ وَمن يبغض ديني فَإِنَّمَا يبغض دين النَّبِي ﷺ. قَالَ بعض قُرَيْش: أتيت الْكُوفَة فتبوأت بهَا منزلا، ثمَّ خرجت أُرِيد عليا ﵇. فلقيني فِي الطَّرِيق وَهُوَ بَين الْأَشْعَث بن قيس، وَجَرِير بن عبد الله، فَلَمَّا رَآنِي خرج من بَينهمَا فَسلم عَليّ. فَلَمَّا سكت قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، من هَذَانِ؟ وَمَا رأيهما؟ فَقَالَ: أما هَذَا الْأَعْوَر - يَعْنِي الْأَشْعَث - فَإِن الله لم يرفع شرفًا إِلَّا حسده، وَلم يسن دينا إِلَّا بغاه. وَهُوَ يمنى نَفسه ويخدعها، فَهُوَ بَينهمَا لَا يَثِق بِوَاحِدَة مِنْهُمَا. وَمن الله عَلَيْهِ أَن جعله جَبَانًا، وَلَو كَانَ شجاعًا لقد قَتله الْحق بعد. وَأما هَذَا الأكشف - يَعْنِي جَرِيرًا - عبد الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ يرى أَن كل أحد يحقره، فَهُوَ ممتلئ بأوا، وَهُوَ فِي ذَلِك يطْلب جحرًا يؤويه، ومنصبًا يُغْنِيه. وَهَذَا الْأَعْوَر يغويه ويطغيه، إِن حَدثهُ كذبه، وَإِن قَامَ دونه نكص عَنهُ، فهما كالشيطان " إِذْ قَالَ للْإنْسَان اكفر فَلَمَّا كفر قَالَ إِنِّي برِئ مِنْك إِنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين " قَالَ: فَقلت لَهُ: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد نزلت بشر منزل. مَا أَنْت إِلَّا بَين الْكَلْب وَالذِّئْب. قَالَ: هُوَ عَمَلكُمْ يَا معشر قُرَيْش، وَالله مَا خرجت مِنْكُم إِلَّا أَنِّي خفت أَن تجلوا فِي فألج بكم. وَقَالَ: أَشد الذُّنُوب مَا استخف صَاحبه بِهِ. روى عَن أبي اراكة أَنه صلى مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ - ﵇ - صَلَاة الْفجْر، فَلَمَّا سلم انْفَتَلَ عَن يَمِينه، ثمَّ مكث كَأَن بِهِ كابةً، حَتَّى طغت الشَّمْس على حَائِط الْمَسْجِد، ثمَّ قلب يَدَيْهِ وَقَالَ: لقد رَأَيْت أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فَمَا أرى الْيَوْم شَيْئا يشبههم، لقد كَانُوا يُصْبِحُونَ صفرا غبرًا شعثًا، بَين أَعينهم مثل
[ ١ / ٢٢١ ]
ركب المعزى، قد باتوا لله سسجدًا وقيامًا، يَتلون كتاب لله، يواحون بَين أَقْدَامهم وجباههم، فَإِذا أصحبوا فَذكرُوا الله مادوا كَمَا يمد الشّجر فِي يَوْم الرّيح، وهملت أَعينهم حَتَّى تبل ثِيَابهمْ. وَالله لكأن الْقَوْم باتوا غافلين. ثمَّ نَهَضَ، ير مفترًّا حَتَّى ضربه عَدو الله ابْن ملجم لَعنه الله. وَكَانَ ﵇ جَالِسا فِي أَصْحَابه، فمرت امْرأ جميلَة، فرمقها الْقَوْم بِأَبْصَارِهِمْ، فَقَالَ: إِن أبصار هَذِه الفحول طوامح، فَإِذا رأى أحدكُم المرئة تعجبه فلأتي أَهله حفإنما امْرَأَة بامرة،. فَقَالَ رجل من الْخَوَارِج: قَاتله الله كَافِرًا، مَا أفهمهُ ﴿فَوَثَبُوا عَلَيْهِ ليضربوه، فَقَالَ ﵁: مَه، فَإِنَّمَا هُوَ سبّ بسب، أَو عَفْو وَقد عَفَوْت. وَقَالَ: من أَبْطَأَ بِهِ لم يسْرع حَسبه. وَقَالَ: مَا أضمر أحد شيًا إِلَّا ظهر فِي فلتات لِسَانه وصفحات وَجهه. وَقَالَ: إِذا كنت قي إدبار، وَالْمَوْت فِي إقبالٍ، فَمَا أسْرع الْمُلْتَقى﴾ وَقَالَ: قلب الأحمق فِي لِسَانه، ولسان الْعَاقِل فِي قلبه. وَقَالَ: عجبت من الْبَخِيل يستعجل الْفقر الذى مِنْهُ هرب، ويفوته الْغنى الَّذِي إِيَّاه طلب، فيعيش فِي الدُّنْيَا عَيْش الْفُقَرَاء، وَيُحَاسب فِي الْآخِرَة حِسَاب الْأَغْنِيَاء. وَقَالَ: يَا أسرى الرَّغْبَة، أقصروا؛ فَإِن المعرج على الدُّنْيَا لَا يروعه إِلَّا صريف أَنْيَاب الْحدثَان. وَقَالَ: الْمَرْأَة عقربٌ حلوة اللسبة. وَقَالَ: أهل الدُّنْيَا كركب يسَار بهم وهم نيامٌ. وَقَالَ: احْذَرُوا نفار النعم، فَمَا كل شاردٍ مردودٌ. وَقَالَ: كفى بالأجل حارسًا.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وَقَالَ فِي بعض كَلَامه: لقد اتلعوا أَعْنَاقهم إِلَى أَمر لم يَكُونُوا من أَله، فوصوا دونه. وَقَالَ: أَكثر مصَارِع الْعُقُول تَحت بروق المطامع. وَمن كَلَامه: وَلَقَد ضربت أنف هَذَا الْأَمر وعينه، وقلبت ظَهره وبطنه، فَلم أر إِلَّا الْقِتَال أَو الْكفْر. وَقَالَ: الولايات مضامير الرِّجَال. وَقَالَ: اللجاجة تسل الرَّأْي.
[ ١ / ٢٢٣ ]