: لما نقم النَّاس عَلَيْهِ قَامَ ﵁ يتَوَكَّأ على مَرْوَان، وَهُوَ يَقُول: لكل أمة آفَة، وَلما نعْمَة عاهة، وَإِن آفَة هَذِه الْأمة، وعاهة هَذِه النِّعْمَة عيّابون طعانون، يظهرون لكم مَا تحبون، ويسرون مَا تَكْرَهُونَ، طغام مثل النعام، يتبعُون أول ناعق. لقد نقموا عليّ مَا نقموه على عمر، وَلكنه قمعهم ووقمهم. وَالله إِنِّي لأَقْرَب ناصرًا، وأعز نَفرا، فَمَالِي لَا أفعل فِي الْفضل مَا أَشَاء؟ . وَرُوِيَ أَنه ﵁ قَالَ يَوْمًا على الْمِنْبَر: وَالله مَا تَغَنَّيْت وَلَا تمنيت وَلَا زَنَيْت فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام، وَمَا تركت ذَلِك تأثمًا، وَلَكِن تركته تكرمًا. اشْتَكَى عليّ ﵇، فعاده عُثْمَان ﵁ فَقَالَ: أَرَاك أَصبَحت ثقيلًا. قَالَ: أجل. قَالَ: وَالله مَا أَدْرِي أموتك أحبذ إليّ أَن حياتك؟ إِنِّي لأحب حياتك، وأكره أَن أعيش بعد موتك، فَلَو شِئْت جعلت لنا من نَفسك مخرجا، إِمَّا صديقا مسالمًا، أَو عدوا معالنًا، فَإنَّك كَمَا قَالَ أَخُو زِيَاد: لقد جررت لنا حَبل الشموس فَلَا يأسًا مُبينًا أرى مِنْكُم وَلَا طَمَعا. فَقَالَ لَهُ عليّ ﵇: مَالك عِنْدِي مَا تخَاف، وَمَا جوابك إِلَّا مَا تكره.
[ ٢ / ٤٣ ]
قدم إِلَى عُثْمَان ﵁ غُلَام فِي جَنَابَة، فَقَالَ: انْظُرُوا هَل اخضر إزَاره. قَالَ سعيد بن الْمسيب: بلغ عُثْمَان ﵁ أَن قوما على فَاحِشَة، فَأَتَاهُم وَقد تفَرقُوا، فَحَمدَ الله وَأعْتق رَقَبَة. روى الزُّهْرِيّ قَالَ: اشْتَكَى عُثْمَان ﵁ فَدخل عَلَيْهِ عليّ عَائِدًا فَقَالَ عُثْمَان لما رَآهُ. وعائذة تعوذ بِغَيْر نصح تود لَو أَن ذَا دنف يَمُوت قيل: لما صعد عُثْمَان الْمِنْبَر أرتج عَلَيْهِ فَقَالَ: إِن أَبَا بكر وَعمر كَانَا يعدَّانِ لهَذَا الْمقَام مقَالا؛ وَأَنْتُم إِلَى إِمَام عَادل أحْوج مِنْكُم إِلَى إِمَام خطيب. وَكتب إِلَى عَليّ ﵄ حِين أحيط بِهِ: أما بعد؛ فَإِنَّهُ قد بلغ السَّيْل الزبى، وَجَاوَزَ الحزام الطبيين، وَتجَاوز الْأَمر قدره، وطمع فيّ من لَا يدْفع عَن نَفسه: فَإِن كنت مَأْكُولا فَكُن خير آكل وَإِلَّا فأدركني وَلما أمزق وَقَالَ عُثْمَان ﵁: إِن الله ليزع بالسلطان مَا لَا يَزع بِالْقُرْآنِ. وَكَانَ عُثْمَان إِذا نظر إِلَى قبر بَكَى، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: هُوَ أول منَازِل الْآخِرَة، وَآخر منَازِل الدُّنْيَا، فَمن شدد عَلَيْهِ فَمَا بعده أَشد، وَمن هون عَلَيْهِ فَمَا بعده أَهْون. وَكَانَ يَقُول: مَا رَأَيْت منْظرًا إِلَّا والقبر أفظع مِنْهُ.
[ ٢ / ٤٤ ]
وَقَالَ ﵁: بَلغنِي أَن نَاسا مِنْكُم يخرجُون إِلَى سوادهم، إِمَّا فِي تِجَارَة، وَإِمَّا فِي جباية، وغما فِي حشر، فيقصرون الصَّلَاة، فَلَا يَفْعَلُوا، فَإِنَّمَا يقصر الصَّلَاة من كَانَ شاخصًا، أَو بِحَضْرَة عَدو. وَعرض بِهِ إِنْسَان فَقَالَ: إِنِّي لم أفر يَوْم عينين فَقَالَ عُثْمَان: فَلم تسيرني بذنب قد عَفا الله عَنهُ؟ . وَقَالَ: قد اخْتَبَأْت عِنْد الله خِصَالًا، إِنِّي لرابع الْإِسْلَام، وزوجني رَسُول الله ﷺ ابْنَته ثمَّ ابْنَته، وبايعته بيَدي هَذِه الْيُمْنَى فَمَا مسست بهَا ذكرى، وَمَا تَغَنَّيْت، وَلَا تمنيت، وَلَا شربت خمرًا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. وَقَالَ: كل شَيْء يحب وَلَده حَتَّى الْحُبَارَى. خص الْحُبَارَى لِأَنَّهُ يضْرب بهَا الْمثل فِي الموق. وروى أَن أم سَلمَة أرْسلت إِلَيْهِ: يَا بني، مَا لي أرى رعيتك عَنْك مزورين، وَعَن جنابك نافرين؟ لَا تعفّ سَبِيلا كَانَ رَسُول الله ﷺ لحبها وَلَا تقدح بزند كَانَ أكباها. توخّ حَيْثُ توخى صاحباك، فَإِنَّهُمَا ثكما الْأَمر ثكمًا وَلم يظلماه. فَقَالَ عُثْمَان ﵁: إِن هَؤُلَاءِ النَّفر رعاع غثرة تطأطأت لَهُنَّ تطأطأ الدلاة، وتلددت تلدد الْمُضْطَر، أرانيهم الْحق إخْوَانًا، وأراهموني الْبَاطِل شَيْطَانا، أجررت المرسون رسنه، وأبلغت الراتع مسقاته، فَتَفَرَّقُوا عليّ فرقا ثَلَاثًا، فصامت صمته أنفذ من صول غَيره، وساعٍ أَعْطَانِي شَاهده، وَمَنَعَنِي غائبه: ومرخص لَهُ فِي مُدَّة زينت فِي قلبه. فَأَنا مِنْهُم بَين ألسن لداد، وَقُلُوب شَدَّاد، وسيوف حداد، عذيري الله مِنْهُم، لَا ينْهَى عَالم جَاهِلا، وَلَا يردع أَو ينذر حَلِيم سَفِيها، وَالله حسبي وحسبهم يَوْم لَا ينطقون، وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون.
[ ٢ / ٤٥ ]
وَقَالَ عُثْمَان ﵁: قَالَ رَسُول الله ﷺ: " إِنِّي لأعْلم كلمة لَا يَقُولهَا عبد عِنْد مَوته إِلَّا حرمه الله على النَّار ". قَالَ عُثْمَان: هِيَ الْكَلِمَة الَّتِي ألاص عَلَيْهَا عَمه. وَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: يلْحد بِمَكَّة رجل من قُرَيْش عَلَيْهِ نصف عَذَاب الْعَالم فَلَنْ أكون إِيَّاه. وَتكلم يَوْم الشورى فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي بعث مُحَمَّدًا ﷺ نَبيا واتخذه رَسُولا، صدقه وعده، ووهب لَهُ نَصره على كل من بعد نسبا، أَو قرب رحما، ﷺ. جعلنَا الله وَإِيَّاكُم لَهُ تابعين، ولأمره مهتدين. فَهُوَ لنا نور، وَنحن بأَمْره نقُول عِنْد تفرق الْأَهْوَاء ومجازاة الْأَعْدَاء، جعلنَا الله بفضله أَئِمَّة، وبطاعته أُمَرَاء، لَا يخرج أمرنَا منا، وَلَا يدْخل علينا غَيرنَا إِلَّا من سفه عَن الْقَصْد، وأحر بهَا يَا ابْن عَوْف أَن تكون إِن خُولِفَ أَمرك وَترك دعاؤك؛ فَأَنا أول مُجيب لَك وداع إِلَيْك، كَفِيل بِمَا أَقُول زعيم، واستغفر الله لي وَلكم، وَأَعُوذ بِاللَّه من مخالفتكم. وخطب حِين بُويِعَ، فَقَالَ بعد حمد الله ايها النَّاس. اتَّقوا الله، فَإِن الدُّنْيَا كَمَا أخبر الله عَنْهَا: " لعب وَلَهو وزينة وتفاخر " الْآيَة. فَخير الْعباد فِيهَا من عصم واعتصم بِكِتَاب الله، وَقد وكلت من أَمركُم بعظيم، لَا أَرْجُو العون عَلَيْهِ إِلَّا من الله، وَلَا يوفق للخير إِلَّا هُوَ. " وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب ". وخطب ﵁، وَهُوَ مَحْصُور فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، إِن عمر بن الْخطاب صير هَذَا الْأَمر شُورَى فِي سِتَّة، توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُم رَاض، فاختاروني، وَأَجْمعُوا عليّ فأجبتهم وَلم آل عَن الْعَمَل بِالْحَقِّ، وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه، وَمَا أعلم أَن لي ذَنبا أَكثر من طول ولايتي عَلَيْكُم، وَلَعَلَّ
[ ٢ / ٤٦ ]
بَعْضكُم أَن يَقُول: لَيْسَ كَأبي بكر وَعمر. أجل أجل. لَيْت كهما، والأشياء أشباه قريبَة بَعْضهَا من بعض، وَقد زعمتم أَنكُمْ تخلعوني، فَأَما الْخلْع فَلَا، دون أَن تعذروني بِأَمْر لَا يحل لي إِلَّا خلعها من عنقِي. وَأما العتبى فلكم ونعمة الْعين. وخطب لما كثر الطعْن عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي وَالله مَا أتيت مَا أتيت وَأَنا أجهله، وَلَكِن منتني نَفسِي، وأضلتني رشدي، وَقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " لَا تَمَادَوْا فِي الْبَاطِل ". وَأَنا أول من اتعظ، فَاسْتَغْفر الله، فأشيروا عليّ، فَإِنَّهُ لَا يردني الْحق إِلَى شَيْء إِلَّا صرت إِلَيْهِ. وَكَانَ يَقُول: إِنِّي لأكْره أَن يَأْتِي عليّ يَوْم لَا أنظر فِيهِ فِي عهد الله - يَعْنِي الْمُصحف -. وَكَانَ حَافِظًا، وَلَا يكَاد الْمُصحف يُفَارق حجره، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: إِنَّه مبارك جَاءَ بِهِ مبارك. قَالَ بَعضهم: شهِدت عُثْمَان ﵁ وَهُوَ مَحْصُور فِي الْقصر فَأَشْرَف على النَّاس، فَسَمعته يَقُول: يَا أَيهَا النَّاس إِن أعظمكم عَنَّا غناء من كف يَده وسلاحه، وَلِأَن اقْتُل قبل الدِّمَاء أحب إليّ من أَن أقتل بعد الدِّمَاء. وَإنَّهُ وَالله مَا حل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث خِصَال، وَالله مَا فعلت مِنْهُنَّ شَيْئا مُنْذُ أسلمت: ثيب زَان، أَو مُرْتَد عَن الْإِسْلَام، أَو نفس بِنَفس، فيقتص مِنْهُ. قَالَ صعصعة بن صوحان: مَا أعياني جَوَاب أحد مَا أعياني جَوَاب عُثْمَان ﵁، دخلت عَلَيْهِ فَقلت: أخرجنَا من دِيَارنَا وأبنائنا أَن قُلْنَا: رَبنَا الله. قَالَ: نَحن الَّذين أخرجنَا من دِيَارنَا وأبنائنا أَن قُلْنَا: رَبنَا الله. وَمنا من مَاتَ بِالْحَبَشَةِ، وَمنا من مَاتَ بِأَرْض الْمَدِينَة. وَلما ورد ابْن الزبير على عُثْمَان ﵁ بِفَتْح إفريقية، وأقامه للنَّاس، فَتكلم فَأحْسن. قَالَ عُثْمَان: أَيهَا النَّاس: انكحوا النِّسَاء على آبائهن وإخوتهن، فَإِنِّي لم أر كابي بكر الصّديق ولدا أشبه بِهِ من هَذَا.
[ ٢ / ٤٧ ]
وروى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: وَقع بَين عَليّ وَعُثْمَان كَلَام. فَقَالَ عُثْمَان: مَا أصنع بكم إِن كَانَت قُرَيْش لَا تحبكم وَقد قتلتم مِنْهُم يَوْم بدر سبعين كَأَن وُجُوههم شنوف الذَّهَب، تشرب آنفهم قبل شفاههم. وَنظر إِلَيْهِ معبد بن سِنَان وَهُوَ يغْرس فسيلة، فَقَالَ: أتغرس فسيلة، وَهَذِه السَّاعَة قد أظلتك؟ فَقَالَ عُثْمَان: لِأَن يراني الله مصلحًا أحب إِلَيّ من أَن يراني مُفْسِدا. وَكَانَ يكثر النّظر فِي الْمُصحف، فَقيل لَهُ: أَنْت أحفظ أَصْحَابك لِلْقُرْآنِ وتكثر النّظر، فَقَالَ: إِنِّي أحتسب بنظري كَمَا أحتسب بحفظي.
[ ٢ / ٤٨ ]