: قَالَ ﵁ فِي أول خطْبَة خطبهَا بعد أَن حمد الله، وَأثْنى عَلَيْهِ، وَصلى على نبيه ﷺ: أَيهَا النَّاس إِنَّه وَالله مَا فِيكُم أحد أقوى عِنْدِي من الضَّعِيف حَتَّى آخذ الْحق لَهُ، وَلَا أَضْعَف عِنْدِي من الْقوي حَتَّى آخذ الْحق مِنْهُ، ثمَّ نزل. وَكتب إِلَى أبي مُوسَى الشعري، وَهِي رسَالَته الْمَشْهُورَة فِي الْقَضَاء: سَلام عَلَيْك. أما بعد؛ فَإِن الفضاء فَرِيضَة محكمَة، وَسنة متبعة، فَافْهَم إِذا أدلي إِلَيْك، فَإِنَّهُ لَا ينفع تكلم بِحَق لَا نَفاذ لَهُ. آس بَين النَّاس فِي وَجهك وعدلك ومجلسك، حَتَّى لَا يطْمع شرِيف فِي حيفك، وَلَا ييأس ضَعِيف من عدلك. الْبَيِّنَة على من ادّعى، وَالْيَمِين على من أنكر، وَالصُّلْح جَائِز بَين الْمُسلمين إِلَّا صلحا أحلّ حَرَامًا أَو حرم حَلَالا. لَا يمنعك قَضَاء قَضيته الْيَوْم، فراجعت فِيهِ عقلك، وهديت لرشدك أَن ترجع إِلَى الْحق فَإِن الْحق قديم، ومراجعة الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل. الْفَهم الْفَهم فِيمَا تلجلج فِي صدرك مِمَّا لَيْسَ فِي كتاب وَلَا سنة، ثمَّ اعرف الْأَشْبَاه والأمثال، فقس الْأُمُور عِنْد ذَلِك بنظائرها، واعمد إِلَى أقربها إِلَى الله وأشبهها بالحقق، وَاجعَل لمن ادّعى حَقًا غَائِبا أَو بَيِّنَة أمدًا ينتهى إِلَيْهِ، فَإِن أحضر بَينته أخذت لَهُ بِحقِّهِ، وَإِلَّا استحللت عَلَيْهِ الْقَضِيَّة فَإِنَّهُ أنفى للشَّكّ، وَأجلى للعمى.
[ ٢ / ١٦ ]
الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم على بعض إِلَّا مجلودًا فِي حد، أَو مجربًا عَلَيْهِ شَهَادَة زور، أَو ظنينًا فِي ولاد أَو نسب، فَإِن الله تولى مِنْكُم السرائر، وَدَرَأَ بِالْبَيِّنَاتِ والأيمان. وَإِيَّاك والغلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عِنْد الْخُصُومَات؛ فَإِن الْحق فِي مَوَاطِن الْحق يعظم الله بِهِ الْأجر، وَيحسن بِهِ الذخر. فَمن صحت نِيَّته وَأَقْبل على نَفسه كَفاهُ الله مَا بَينه وَبَين النَّاس، وَمن تخلق للنَّاس بِمَا يعلم الله أَنه لَيْسَ من نَفسه شانه الله. فَمَا ظَنك بِثَوَاب الله فِي عَاجل رزقه وخزائن رَحمته؟ . واستكتب أَبُو مُوسَى نَصْرَانِيّا فَكتب إِلَيْهِ عمر: اعزله وَاسْتعْمل حنيفيًا. فَكتب إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى: إِن من غنائه وَخَبره كَيْت وَكَيْت. فَكتب إِلَيْهِ عمر ﵁: لَيْسَ لنا أَن نأتمنهم وَقد خَوَّنَهُمْ الله، وَلَا أَن نرفعهم وَقد وضعهم الله، وَلَا أَن نستنصحهم فِي الْأَمر وهم يرَوْنَ الْإِسْلَام قد وترهم، ويعطون الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون. فَكتب إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى: إِن الْبَلَد لَا يصلح إِلَّا بِهِ. فَكتب إِلَيْهِ عمر ﵁ مَاتَ النَّصْرَانِي وَالسَّلَام. وَقَالَ: مَا كَانَت على أحد نعْمَة إِلَّا وَكَانَ لَهَا حَاسِد، وَلَو كَانَ الرجل أقوم من الْقدح لوجد لَهُ غامزًا. وَقَالَ: تمعددوا وَاخْشَوْشنُوا، واقطعوا الركب وانزوا على الْخَيل نَزْوًا، واخفوا وَانْتَعِلُوا فَإِنَّكُم لَا تَدْرُونَ مَتى الجفلة. وَقَالَ: أملكوا الْعَجِين، فَإِنَّهُ أحد الريعين. وَقَالَ: إِذا اشْتريت بَعِيرًا فاشتره ضخمًا، فَإِنَّهُ إِن أخطأك خَيره لم يخطئك سوقه.
[ ٢ / ١٧ ]
وَقَالَ: لَا تسكنوا نساءكم الغرف، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَة، وَاسْتَعِينُوا عَلَيْهِنَّ بالعري. وَسَأَلَ رجلا عَن شَيْء، فَقَالَ: الله أعلم. فَقَالَ عمر ﵁: قد شقينا إِن كُنَّا لَا نعلم أَن الله أعلم. إِذا سُئِلَ أحدكُم عَن شَيْء لَا يُعلمهُ فَلْيقل: لَا أَدْرِي. وَقَالَ ﵁: الْمَرْأَة الْبكر تحْتَاج إِلَى خدمَة كالبرة تطحنها وتعجنها وتخبزها ثمَّ تأكلها، وَالثَّيِّب عجالة الرَّاكِب: تمر وَسَوِيق. وَخرج يَسْتَسْقِي، فَصَعدَ الْمِنْبَر، فَلم يزل يسْتَغْفر لَا يزِيد على ذَلِك، فَلَمَّا نزل قيل لَهُ: مَا رَأَيْنَاك اسْتَسْقَيْت. قَالَ: بلَى. قد أخذت بِمَجَادِيح السَّمَاء. وَقَالَ ﵁: كَانَت الْعَرَب أسدًا فِي جزيرتها يَأْكُل بَعْضهَا بَعْضًا، فَلَمَّا جمعهم الله بِمُحَمد ﷺ لم يقم لَهَا شَيْء. وَقَالَ: عوّدوا نساءكم " لَا " فَإِن " نعم " تضريهنّ على الْمَسْأَلَة. وَقَالَ لابنَة هرم بن سِنَان: مَا وهب أَبوك لزهير؟ قَالَت: أعطَاهُ مَالا وثيابًا وأثاثًا أفناه الدَّهْر. فَقَالَ عمر ﵁: لَكِن مَا أعطاكموه لَا يفنيه الدَّهْر. وَمن كَلَامه: إِذا لم أعلم مَا لم أر، فَلَا علمت مَا رَأَيْت. وَكتب إِلَى مُعَاوِيَة: أما بعد؛ فَإِنِّي لم آلك فِي كتابي إِلَيْك خيرا. إياك والاحتجاب دون النَّاس، وَأذن للضعيف، وأدنه حَتَّى ينبسط لِسَانه، ويجترئ قلبه، وتعهّد الْغَرِيب، فَإِنَّهُ إِذا طَال حَبسه وضاق إِذْنه ترك حَقه، وَضعف قلبه، وَإِنَّمَا أقوى حَقه من حَبسه، واحرص على الصُّلْح بَين النَّاس مَا لم يستبن لَك الْقَضَاء، وَإِذا حضرك الخصمان بِالْبَيِّنَةِ العادلة والأيمان القاطعة فأمض الحكم.
[ ٢ / ١٨ ]
وَقَالَ: أشيعوا الكنى فَإِنَّهَا منبهة. ومرّ بِرَجُل من عماله، وَهُوَ يَبْنِي بالآجر والحصى، فَقَالَ: تأبى الدَّرَاهِم إِلَّا أَن تخرج أعناقها. وشاطره مَاله. وَقَالَ ﵁ لغلام لَهُ يَبِيع الْحلَل: إِذا كَانَ الثَّوْب عَاجِزا فانشره وَأَنت جَالس، وَإِذا كَانَ وَاسِعًا فانشره وَأَنت قَائِم. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: الله يَا عمر! قَالَ: إِنَّمَا هِيَ سوق. وَقَالَ ﵁: إِذا تناجى الْقَوْم فِي دينهم دون الْعَامَّة فهم على تأسيس ضَلَالَة. وَقَالَ لِابْنِ عَبَّاس: يَابْنَ عَبَّاس، أَنْت ابْن عَم رَسُول الله، وَأَبُوك عَم رَسُول الله ﷺ قَالَ: نعم. قَالَ: بخ بخ. فَمَا منع قومكم مِنْكُم؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فوَاللَّه مَا كُنَّا لَهُم إِلَّا بِالْخَيرِ. قَالَ: اللَّهُمَّ غفرًا على كره قومكم أَن تَجْتَمِع فِيكُم النُّبُوَّة والخلافة، فتذهبون فِي السَّمَاء شمخًا. لَعَلَّكُمْ تَقولُونَ: إِن أَبَا كرّ أول من فعل ذَلِك. وَالله مَا فعله، وَلَكِن حضر أَمر لم يكن بِحَضْرَتِهِ أحزم مِمَّا فعل، وَلَوْلَا رَأْي أبي بكر فيّ لجعل لكم من الْأَمر نَصِيبا، وَلَو فعل مَا هنأكم مَعَ قومكم، إِنَّهُم ينظرُونَ إِلَيْكُم كَمَا ينظر الثور إِلَى جازره. وَكَانَ يَقُول: لَيْت شعري مَتى اشفي غيظي؟ أحين أقدر فَيُقَال: لَو عَفَوْت، أم حِين أعجل فَيُقَال: لَو صبرت. وَكَانَ يَقُول: أَكْثرُوا شِرَاء الرَّقِيق فربّ عبد يكون أَكثر رزقا من سيّده. وبلغه اعْتِرَاض عَمْرو بن الْعَاصِ على سعد، فَكتب إِلَيْهِ: لَئِن لم تستقم لأميرك لأوجهن إِلَيْك رجلا يضع سَيْفه فِي رَأسك، فيخرجه من بَين رجليك. فَقَالَ عَمْرو: هددني بعلي وَالله. وَمر على رُمَاة غَرَض، فَسمع أحدهم يَقُول لصَاحبه: أخطيت وأسيت. فَقَالَ عمر ﵁: مَه، فَإِن سوء اللّحن أَشد من سوء الرماية. وَقَالَ فِي خطْبَة لَهُ: إِنَّمَا الدُّنْيَا أمل مخترم، وَأجل منتقص، وبلاغ إِلَى دَار غَيرهَا، وسير إِلَى الْمَوْت لَيْسَ فِيهِ تعريج، فرحم الله امْرَءًا فكر فِي أمره، ونصح لنَفسِهِ، وراقب ربه، واستقال ذَنبه.
[ ٢ / ١٩ ]
وَقَالَ ﵁: بئس الْجَار الْغَنِيّ، يأخذك بِمَا لَا يعطيك من نَفسه، فَإِن أَبيت لم يعذرك. وَقَالَ لَهُ الْمُغيرَة: أَنا بِخَير مَا أبقاك الله، فَقَالَ: أَنْت بِخَير مَا اتَّقَيْت الله. وَكَانَ إِذا كتب إِلَى أهل الْكُوفَة كتب: رَأْي الْعَرَب، ورمح الله الأطول. وَلما ولى عبد الله من مَسْعُود قَالَ لَهُ: يَا ابْن مَسْعُود، اجْلِسْ للنَّاس طرفِي النَّهَار، واقرأ الْقُرْآن وَحدث عَن السّنة وَصَالح مَا سَمِعت من نبيك مُحَمَّد ﷺ وَإِيَّاك والقصص، والتكلف، وصلَة الحَدِيث، فَإِذا انْقَطَعت بك الْأُمُور فاقطعها، وَلَا تستنكف إِذا سُئِلت عَمَّا لَا تعلم أَن تَقول: لَا أعلم، وَقل إِذا علمت، واصمت إِذا جهلت، وأقلل الْفتيا، فَإنَّك لم تحط. بالأمور علما، وأجب الدعْوَة وَلَا تقبل الْهَدِيَّة، وَلَيْسَت بِحرَام، وَلَكِنِّي أَخَاف عَلَيْك القالة. وَالسَّلَام. وخطب ﵁؛ فَقَالَ: إيَّاكُمْ والبطنة، فَإِنَّهَا مكسلة عَن الصَّلَاة، مفْسدَة للجسم، مؤدية إِلَى السقم، وَعَلَيْكُم بِالْقَصْدِ فِي قوتكم فَهُوَ أبعد من السَّرف، واصح للبدن، وَأقوى على الْعِبَادَة، وَإِن العَبْد لن يهْلك حَتَّى يُؤثر شَهْوَته على دينه. وَكتب إِلَى مُعَاوِيَة: الزم الْحق ينزلك الْحق منَازِل أهل الْحق يَوْم لَا يقْضى إِلَّا بِالْحَقِّ. وَنظر ﵁ إِلَى أَعْرَابِي يُصَلِّي صَلَاة خَفِيفَة، فَلَمَّا قَضَاهَا قَالَ: اللَّهُمَّ زَوجنِي الْحور الْعين، فَقَالَ عمر: أَسَأْت النَّقْد، وأعظمت الْخطْبَة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن ميسرَة، قَالَ لي طَاوس: لتنكحن أَو لأقولن لَك مَا قَالَه عمر بن الْخطاب ﵁ لأبي الزَّوَائِد: مَا يمنعك من التَّزَوُّج إِلَّا عجز أَو فجور. وَجلسَ رجل إِلَى عمر ﵁ فَأخذ من رَأسه شَيْئا فَسكت عَنهُ. ثمَّ صنع بِهِ ذَلِك يَوْمًا آخر، فَأخذ بِيَدِهِ، وَقَالَ: مَا أَرَاك أخذت شَيْئا. فَإِذا هُوَ كَذَلِك. فَقَالَ ﵁: انْظُرُوا إِلَى هَذَا صنع بِي مرَارًا، إِذا أَخذ أحدكُم من رَأس أَخِيه شَيْئا فليره. قَالَ الْحسن: نَهَاهُم وَالله عَن الملق.
[ ٢ / ٢٠ ]
وَقَالَ عمر ﵁ على الْمِنْبَر: اقْرَءُوا الْقُرْآن تعرفوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا من أَهله، إِنَّه لن يبلغ من حق ذِي حق أَن يطاع فِي مَعْصِيّة الله، إِنِّي أنزلت نَفسِي من مَال الله بِمَنْزِلَة وَالِي الْيَتِيم، إِذا اسْتَغْنَيْت عففت، وَإِن افْتَقَرت أكلت بِالْمَعْرُوفِ، تقرم الْبَهِيمَة الأعرابية: القضم لَا الخضم. وَكتب إِلَى عبد الله ﵁: أما بعد. فَإِنَّهُ من اتَّقى الله وَقَاه، وَمن توكل عَلَيْهِ كَفاهُ، وَمن أقْرضهُ جزاه، وَمن شكره زَاده. فَعَلَيْك بتقوى الله، فَإِنَّهُ لَا ثَوَاب لمن لَا نِيَّة لَهُ، وَلَا مَال لمن لَا رفق لَهُ، وَلَا جَدِيد لمن لَا خلق لَهُ. وَقَالَ ﵁: لَا تصغرن هممكم، فَإِنِّي لم أر شَيْئا أقعد بِالرجلِ من سُقُوط همته. سُئِلَ الْأَحْنَف: أَي الطَّعَام أحب إِلَيْك؟ فَقَالَ: الزّبد والكمأة. فَقَالَ عمر: مَا هما بِأحب الطَّعَام إِلَيْهِ، وَلكنه يحب الخصب للْمُسلمين. وَقَالَ ﵁: إِنِّي لِأَن أرى فِي بَيْتِي شَيْطَانا أحب إليّ من أَن أرى فِيهِ عجوزًا لَا أعرفهَا. وَأتي بنائحة قد تلتلت، فَقَالَ: أبعدها الله إِنَّه لَا حُرْمَة لَهَا، وَلَا حق عِنْدهَا، وَلَا نفع مَعهَا. إِن الله ﷿ أَمر بِالصبرِ وَهِي تنْهى عَنهُ، وَنهى عَن الْجزع وَهِي تَأمر بِهِ، تريق دمعتها وتبكي شجو غَيرهَا، وتحزن الْحَيّ وتؤذي الْمَيِّت. وَفِي كتاب لَهُ إِلَى أبي مُوسَى: فإياك - عبد الله - أَن تكون بِمَنْزِلَة الْبَهِيمَة، نزلت بوادٍ خصب، فَلم يكن لَهَا هم إِلَّا السّمن، وَإِنَّمَا حتفها فِي السّمن. وَاعْلَم أَن الْعَامِل إِذا زاغ زاغت رَعيته، وأشقى النَّاس من شقيت بِهِ رَعيته. وَقَالَ يَوْمًا: دلوني على رجل أستعمله على أَمر قد دهمني. فَقَالُوا: كَيفَ تريده؟ قَالَ: إِذا كَانَ فِي الْقَوْم وَلَيْسَ أَمِيرهمْ كَانَ كَأَنَّهُ أَمِيرهمْ، وَإِذا كَانَ أَمِيرهمْ كَانَ كَأَنَّهُ رجل مِنْهُم. فَقَالُوا: مَا نعلمهُ إِلَّا الرّبيع بن زِيَاد الْحَارِثِيّ. فَقَالَ: صَدقْتُمْ. هُوَ لَهَا.
[ ٢ / ٢١ ]
وَذكر لَهُ غُلَام حَافظ من أهل الْحيرَة، وَقَالُوا: لَو اتخذته كَاتبا. قَالَ: لقد اتَّخذت إِذا بطانة من دون الْمُؤمنِينَ. وَلما أُتِي بتاج كسْرَى وسواره جعل بقلبهما بِعُود فِي يَده وَيَقُول: وَالله إِن الَّذِي أدّى هَذَا الْأمين. فَقَالَ رجل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَنْت أَمِين الله، يؤدون إِلَيْك مَا أدّيت إِلَى الله، فَإِذا رتعت رتعوا. وَقَامَ فِي النَّاس فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس. اقْرَءُوا الْقُرْآن تعرفوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا من أَهله، فَإِنَّهُ لن يبلغ ذُو حق فِي حَقه أَن يطاع فِي مَعْصِيّة الله. أَلا وَإنَّهُ لن يبعد من رزق، وَلنْ يقرب من أجل أَن يَقُول الْمَرْء حَقًا، وَأَن يذكر بعظيم. أَلا وَإِنِّي مَا وجدت صَلَاح مَا ولاّني الله إِلَّا بِثَلَاث: أَدَاء الْأَمَانَة، وَالْأَخْذ بِالْقُوَّةِ، وَالْحكم بِمَا أنزل الله. أَلا وَإِنِّي مَا وجدت صَلَاح هَذَا المَال إِلَّا بِثَلَاث: أَن يُؤْخَذ من حق، وَيُعْطى فِي حق، وَيمْنَع من بَاطِل. أَلا وَإِنَّمَا أَنا فِي مالكم كوالي الْيَتِيم، إِن اسْتَغْنَيْت اسْتَعْفَفْت، وَإِن افْتَقَرت أكلت بِالْمَعْرُوفِ تقرم الْبَهِيمَة الأعرابية. وَبعث إِلَيْهِ بحلل فَقَسمهَا، فَأصَاب كل رجل ثوب، فَصَعدَ الْمِنْبَر وَعَلِيهِ حلَّة - والحلة ثَوْبَان - فَقَالَ: ايها النَّاس أَلا تَسْمَعُونَ؟ فَقَالَ سلمَان: لَا نسْمع. قَالَ: وَلم يَا أَبَا عبد الله؟ قَالَ: لِأَنَّك قسمت علينا ثوبا ثوبا وَعَلَيْك حلَّة. فَقَالَ: لَا تعجل يَا أَبَا عبد الله. يَا عبد الله؛ فَلم يجبهُ أحد. فَقَالَ: يَا عبد الله بن عمر؛ فَقَالَ: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: نشدتك الله. الثَّوْب الَّذِي اتزرت بِهِ أهوَ ثَوْبك؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نعم. فَقَالَ سلمَان: أما الْآن فَقل نسْمع. وَحضر بَاب عمر ﵁ جمَاعَة: سُهَيْل بن عَمْرو، وعيينة بن حُصَيْن، والأقرع بن حَابِس، فَخرج الْآذِن فَقَالَ: أَيْن صُهَيْب: أَيْن عمار؟ أَيْن سلمَان؟ فتمعرت وجوع الْقَوْم. فَقَالَ سُهَيْل: لم تتسعر وُجُوهكُم؟ دعوا ودعينا، فَأَسْرعُوا وأبطأنا، وَلَئِن حسدتموهم على بَاب عمر، لما أعد الله لَهُم فِي الْآخِرَة أَكثر.
[ ٢ / ٢٢ ]
وَرُوِيَ أَن عمر ﵁ كَانَ يَأْخُذ بِيَدِهِ الْيُمْنَى من الْفرس أُذُنه الْيُسْرَى ثمَّ يجمع جراميزه ويثب فَكَأَنَّمَا خلق على ظهر فرسه. وَقَالَ عمر ﵁: السَّيِّد الَّذِي هُوَ؛ الْجواد حِين يسْأَل، والحليم حِين يستجهل، والبارّ بِمن يعاشر. وبلغه أَن سَعْدا واصحابه قد بنوا بالمدر، فَكتب إِلَيْهِ: كنت أكره لكم الْبُنيان بالمدر، أما إِذْ فَعلْتُمْ فعرّضوا الْحِيطَان، وأطيلوا السّمك، وقاربوا بَين الْخشب. وَقَالَ: رحم الله امْرَءًا أمسك فضل القَوْل، وَقدم فضل الْعَمَل. وَقَالَ ﵁: من دخل على الْأَغْنِيَاء، خرج وَهُوَ ساخط على الرزق. وناول رجلا شيئاُ فَقَالَ لَهُ: خدمك بنوك. فَقَالَ: بل أغناني الله عَنْهُم. أهْدى أَبُو مُوسَى لعمر ﵁ ألوانًا من الأخبصة، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: الْخَيْر قبلنَا كثير، والمئونة تخف علينا. قَالَ: أطرفت أحداُ من أهل الْمَدِينَة بِشَيْء من هَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: إياك أَن ترَاهُ أغيلمة قُرَيْش؛ فيضيقوا عَلَيْكُم بِلَادكُمْ. وَقيل لَهُ ﵁: أخبرنَا عَن أَيَّام جاهليتك. فَقَالَ: مَا داعبت أمة، وَلَا جالست إِلَّا لمةً وَمَا دابت إِلَّا فِي حمل جريرة، أَو خيل مُغيرَة. أما أَيَّام الْإِسْلَام فَكفى برغائها مناديا. وَاسْتعْمل ابْن عَلْقَمَة على عمل، فشيعه، فَقَالَ ابْن عَلْقَمَة: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن مَعنا سفرة. فَقَالَ عمر: ابدؤوا بالحلوى، وَاجْعَلُوا الدسم يَلِي النَّبِيذ. وَمن كَلَامه: النِّسَاء عَورَة، فاستروا عوراتكم بِالْبُيُوتِ، وداووا ضعفهن بِالسُّكُوتِ، وأخيفوهن بِالضَّرْبِ، وَلَا تسكنوهن الغرف، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَة،
[ ٢ / ٢٣ ]
وَاسْتَعِينُوا عَلَيْهِنَّ بالعري، وَأَكْثرُوا لَهُنَّ من قَول: لَا، فَإِن نعم تضريهن على الْمَسْأَلَة. وَقَالَ ﵁: رحم الله امْرَءًا أهْدى إليّ عيوبي. وَلما أطلق الحطيئة من محبسه قَالَ: إياك وَالشعر. قَالَ: مأكلة عيالي. قَالَ: قل وَإِيَّاك والمدح المجحف. قَالَ: وَمَا هُوَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: أَن تَقول بَنو فلَان خير من بني فلَان. قَالَ: أَنْت وَالله أشعر مني. قَالُوا: أول من خَاطب ب " أَطَالَ الله بَقَاءَك " عمر، قَالَه لعليّ بن أبي طَالب ﵇. وَنظر إِلَى أبي بن كَعْب وَقد تبعه قوم، فعلاه بِالدرةِ، وَقَالَ: إِنَّهَا فتْنَة للمتبوع مذلة للتابع. وَسَأَلَهُ عبد الرَّحْمَن أَن يلين للنَّاس، فَقَالَ: إِن النَّاس لَا يصلح لَهُم إِلَّا هَذَا، وَلَو علمُوا مَا لَهُم عِنْدِي لأخذوا ثوبي من عَاتِقي. وَقيل لَهُ: كَانَ الرجل يظلم فِي الْجَاهِلِيَّة، فيدعو على ظالمه، فيجاب عَاجلا، وَلَا نرى ذَلِك فِي الْإِسْلَام. فَقَالَ: كَانَ هَذَا حاجزًا بَينهم وَبَين الظُّلم، وَإِن مَوْعدكُمْ الْآن السَّاعَة، والساعة أدهى وَأمر. كَانَ أَبُو رَافع صائغًا، فَنظر إِلَيْهِ عمر وَهُوَ يقْرَأ ويصوغ، فَقَالَ: يَا أَبَا رَافع، أَنْت خير مني، تُؤدِّي حق الله وَحقّ مواليك. قَالَ لرجل: مَا معيشتك؟ قَالَ: رزق الله. قَالَ: لكل رزق سَبَب، فَمَا سَبَب رزقك؟ مر عمر ﵁ بشاب فاستسقاه، فخاص لَهُ عسلًا، فَلم يشربه، وَقَالَ: إِنِّي سَمِعت الله تَعَالَى يَقُول: " أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا ".
[ ٢ / ٢٤ ]
فَقَالَ الْفَتى: إِنَّهَا وَالله لَيست لَك. اقْرَأ مَا قبلهَا " وَيَوْم يعرض الَّذين كفرُوا على النَّار ". أفنحن مِنْهُم؟ فَشربهَا وَقَالَ: كل النَّاس أفقه من عمر. وَقَالَ ﵁: لَا يبلغنّي أَن امْرَأَة تجاوزت بصداقها صدَاق النَّبِي ﵇ إِلَّا ارتجعت مِنْهَا. فَقَامَتْ امْرَأَة فَقَالَت: مَا جعل الله ذَلِك لَك يَا ابْن الْخطاب، إِن الله تَعَالَى يَقُول: " وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مُبينًا ". فَقَالَ عمر ﵁: لَا تعجبوا من إِمَام أَخطَأ، وَامْرَأَة أَصَابَت، ناضلت إمامكم فنضلته. وَقَالَ ﵁: أحبكم إِلَيْنَا أحسنكم اسْما، فَإِذا رأيناكم فأجملكم منْظرًا، فَإِذا اختبرناكم فأحسنكم مخبرا. وَقَالَ ﵁: الدّين ميسم الْكِرَام. وَقَالَ لأهل الشورى: لَا تختلفوا؛ فَإِن مُعَاوِيَة وعمرًا بِالشَّام. وَقَالَ ثَوْر بن يزِيد: كَانَ عمر ﵁ يعس بِالْمَدِينَةِ فِي اللَّيْل، فَسمع صَوت رجل فِي بَيت، فارتاب بِالْحَال، فتسور. فَوجدَ رجلا عِنْده امْرَأَة وخمر. فَقَالَ: يَا عَدو الله، أَكنت ترى أَن الله يسترك وَأَنت على مَعْصِيّة؟ فَقَالَ الرجل: لَا تعجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن كنت قد عصيت الله فِي وَاحِدَة، فقد عصيته فِي ثَلَاث: قَالَ الله تَعَالَى: " وَلَا تجسسوا ". وَقد تجسست، وَقَالَ: " وَأتوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا " وَقد تسورت، وَقَالَ: " فَإِذا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلمُوا " وَمَا سلمت. فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: فَهَل عنْدك من خير إِن عَفَوْت عَنْك؟ قَالَ: بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَالله لَئِن عَفَوْت عني لَا أَعُود لمثلهَا أبدا. فَعَفَا عَنهُ. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لما أسلم عمر ﵁ قَالَ الْمُشْركُونَ: انتصف الْقَوْم منا.
[ ٢ / ٢٥ ]
قيل: أهْدى رجل إِلَى عمر ﵁ جزورًا، ثمَّ خَاصم إِلَيْهِ بعد ذَلِك فِي خُصُومَة، فَجعل يَقُول: افصلها يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كفصل رجل الْجَزُور، فاغتاط عمر ﵁، وَقَالَ: يَا معشر الْمُسلمين؛ إيَّاكُمْ والهدايا فَإِن هَذَا أهْدى إليّ مُنْذُ أَيَّام رجل جزور، فوَاللَّه مَا زَالَ يُرَدِّدهَا حَتَّى خفت أَن أحكم بِخِلَاف الحكم. وَلما حصر أَبُو عُبَيْدَة كتب إِلَيْهِ عمر ﵁: مهما ينزل بامرئ من شدَّة يَجْعَل الله بعْدهَا فرجا، إِنَّه لن يغلب عسر يسرين، إِنَّه يَقُول: " اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون ". وَقَالَ: ثَلَاث يثبتن لَك الود فِي صدر أَخِيك: أَن تبدأه بِالسَّلَامِ، وَتوسع لَهُ فِي الْمجْلس، وَتَدْعُوهُ بِأحب الْأَسْمَاء إِلَيْهِ. وَقَالَ ﵁: من أفضل مَا أَعْطيته الْعَرَب الأبيات يقدمهَا الرجل أَمَام حَاجته، يستعطف بهَا الْكَرِيم، وَيُسْتَنْزَلُ بهَا اللَّئِيم. وَقدم مُعَاوِيَة عَلَيْهِ وَهُوَ أبضّ النَّاس، فَضرب عمر ﵁ بِيَدِهِ على عضده، فاقلع عَن مثل الشَّرَاب فِي لَونه أَو مثل الشرَاك. فَقَالَ: إِن هَذَا وَالله لتشاغلك بالحمامات، وذوو الْحَاجَات تقطع أنفسهم حسراتٍ على بابك. وَقَالَ لربيع بن زِيَاد الْحَارِثِيّ: يَا ربيع؛ إِنَّا لَو نشَاء ملأنا هَذِه الرحاب من صلائق وسبائك وَصِنَاب وَلَكِنِّي رَأَيْت الله ﷿ نعى على قوم شهواتهم، فَقَالَ: " أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا ". وَقَالَ: علمُوا أَوْلَادكُم العوم والرماية، ومروهم فليثبوا على الْخَيل وثبًا، ورووهم مَا جمل من الشّعْر، وَخير خلق الْمَرْأَة المغزل. وَقَالَ: لَو كَانَ الصَّبْر وَالشُّكْر بَعِيرَيْنِ مَا باليت أَيهمَا أركب.
[ ٢ / ٢٦ ]
وَقَالَ ﵁: لَا تزالون أصحاء مَا نزعتم ونزوتم. نزعتم فِي القسي، ونزوتم على ظُهُور الْخَيل. وَقَالَ ﵁: لَيْسَ قوم أَكيس من أَوْلَاد السراري؛ لأَنهم يجمعُونَ عز الْعَرَب ودهاء الْعَجم. وَقَالَ ﵁: من يئس من شَيْء اسْتغنى عَنهُ. وَنظر إِلَى رجل مظهر للنسك متماوت، فخفقه بِالدرةِ وَقَالَ: لَا تمت علينا ديننَا أماتك الله. وَقَالَ ﵁ لأبي مَرْيَم السَّلُولي وَالله لَا أحبك حَتَّى تحب الأَرْض الدَّم. قَالَ: أفتمنعني حَقًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَا بَأْس. إِنَّمَا يأسف على الْحبّ النِّسَاء. وروى أَن أَعْرَابِيًا أَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي أصبت ظَبْيًا وَأَنا محرم، فَالْتَفت عمر ﵁ إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقَالَ: قل. قَالَ عبد الرَّحْمَن: يهدي شَاة. قَالَ عمر ﵁: اهد شَاة. فَقَالَ الْأَعرَابِي: وَالله مَا درى أَمِير الْمُؤمنِينَ مافيها حَتَّى استفتى غَيره، وَمَا أظنني إِلَّا سأنحر نَاقَتي، فخفقه عمر بِالدرةِ وَقَالَ: أتقتل فِي الْحرم وَتَغْمِص فِي الْفتيا؟ إِن الله ﷿ يَقُول: " يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم ". فَأَنا عمر بن الْخطاب، وَهَذَا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَمن كَلَامه ﵁: قد إلنا وإيل علينا، أَي سسنا وساسنا غَيرنَا. وَقَالَ لَهُ عبد الله ابْنه ﵄: لم فضلت أُسَامَة عليّ، وَأَنا هُوَ سيّان؟ فَقَالَ: كَانَ أَبوهُ أحب إِلَى رَسُول الله ﷺ من أَبِيك، وَكَانَ هُوَ أحب إِلَى رَسُول الله مِنْك. وأثني عَلَيْهِ وَهُوَ جريح، فَقَالَ: الْمَغْرُور من غررتموه، لَو أَن لي مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا لافتديت بِهِ من هول المطلع. وَقَالَ: تعلّموا اللّحن وَالسّنَن، والفرائض كَمَا تعلمُونَ الْقُرْآن.
[ ٢ / ٢٧ ]
وَرُوِيَ أَنه كَانَ يحمل الدَّقِيق على ظَهره، فَقَالَ لَهُ بَعضهم: دَعْنِي أحملهُ عَنْك. فَقَالَ: وَمن يحمل عني ذُنُوبِي؟ وَقَالَ: لساني سبع، فَإِذا أَرْسلتهُ أكلني. وَقَالَ ﵁: من الْمُرُوءَة الظَّاهِرَة الثِّيَاب الطاهرة. وَقَالَ: لَئِن بقيت لأسوين بَين النَّاس، حَتَّى يَأْتِي الرجل حَقه فِي صفنه لم يعرق فِيهِ جَبينه. وَقيل لَهُ: إِن النِّسَاء قد اجْتَمعْنَ يبْكين على خَالِد، فَقَالَ: وَمَا على نسَاء بني الْمُغيرَة أَن يسفكن من دُمُوعهنَّ على أبي سُلَيْمَان، مَا لم يكن نقع وَلَا لقلقَة. وَقَالَ: أعضل بِي أهل الْكُوفَة، مَا يرضون بأمير، وَلَا يرضاهم أَمِير. وَقَالَ ﵁: فرقوا عَن الْمنية، وَاجْعَلُوا الرَّأْس رَأْسَيْنِ وَلَا تلِثوا بدار معْجزَة، وَأَصْلحُوا مَثَاوِيَكُمْ، وَأَخِيفُوا الْهَوَام قبل أَن تُخِيفَكُمْ، وَاخْشَوْشنُوا وَتَمَعْدَدُوا. وَكتب ﵁ إِلَى خَالِد بن الْوَلِيد: إِنَّه بَلغنِي أَنَّك دخلت حَماما بِالشَّام، وَأَن من بهَا من الْأَعَاجِم أعدُّوا لَك دلُوكا عجن بِخَمْر، وَإِنِّي أظنكم - آل الْمُغيرَة - ذَرْء النَّار. وَقَالَ ﵁: ورع اللص وَلَا تراعه. وَقَالَ ﵁: مَا بَال رجال لَا يزَال أحدهم كاسرًا وساده عِنْد امْرَأَة مغيبة يتحدث إِلَيْهَا وتتحدث إِلَيْهِ؟ عَلَيْكُم بالجنبة فَإِنَّهَا عفاف، فَإِنَّمَا النِّسَاء لحم على وَضم إِلَّا ماذبّ عَنهُ. وَقَالَ ﵁: إِن الْعَهْد إِذا تواضع رفع الله حكمته وَقَالَ: انْتَعش نَعشك الله، وَإِذا تكبر وَعدا طوره وهصه الله إِلَى الأَرْض.
[ ٢ / ٢٨ ]
وَقَالَ ﵁: لَا تشتروا الْفضة وَالذَّهَب إِلَّا يدا بيد، فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم الرِّبَا. وَقَالَ فِي مُتْعَة الْحَج: قد علمت أَن رَسُول الله ﷺ قد فعلهَا وَأَصْحَابه، وَلَكِنِّي كرهت أَن يظلوا بِهن معرسين تَحت الْأَرَاك، ثمَّ يلبون بِالْحَجِّ تقطر رؤوسهم. وَدخل عدي بن حَاتِم فَسلم وَهُوَ مَشْغُول، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا عدي بن حَاتِم. فَقَالَ: مَا أعرفني بك! أَنْت الَّذِي أَقبلت إِذْ أدبروا، ووفيت إِذْ غدروا، وَعرفت إِذْ أَنْكَرُوا، وأقررت إِذْ نفروا، وَأسْلمت إِذْ كفرُوا. فَقَالَ عدي: حسبي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَسَأَلَ أَصْحَابه: أَي النَّاس أنعم بدنًا؟ فَكل أجَاب بِرَأْيهِ. فَقَالَ عمر ﵁: لكني أَقُول: جَسَد فِي التُّرَاب، قد أَمن الْعقَاب، ينْتَظر الثَّوَاب. قَالَ ابْن الْمسيب: وضع عمر للنَّاس كَلِمَات حكما كلهَا، وَهِي: " مَا عَاقَبت من عصى الله فِيك بِمثل أَن تطيع الله فِيهِ ". " ضع أَمر أَخِيك على أحْسنه، حَتَّى يجيئك مَا يَغْلِبك مِنْهُ " لَا تَظنن بِكَلِمَة خرجت من مُسلم شرا وَأَنت تَجِد لَهَا فِي الْخَيْر محملًا ". " من كتم سره كَانَت الْخيرَة بِيَدِهِ ". " من عرض نَفسه للتُّهمَةِ فَلَا يَلُومن من أَسَاءَ الظَّن بِهِ ". " عَلَيْك بِإِخْوَان الصدْق تعش فِي أَكْنَافهم، فَإِنَّهُم زِينَة فِي الرخَاء، وعدة فِي الْبلَاء ". " لَا تهاونوا بِالْحلف فيهينكم الله ". " لَا تسْأَل فِيمَا لم يكن، فَإِن فِيمَا قد كَانَ شغلًا عَمَّا لم يكن ". " عَلَيْك بِالصّدقِ وَإِن قَتلك الصدْق ". " احذر صديقك إِلَّا الْأمين، وَلَا أَمِين إِلَّا من خشِي الله ". " استشر فِي أَمرك الَّذين يَخْشونَ الله، فَإِنَّمَا يَقُول: " إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء ". آخ الإخوان على التَّقْوَى ". " كفى بك عَيْبا أَن يَبْدُو لَك من أَخِيك مَا يخفى عَلَيْك من نَفسك، أَو تؤذي جليسك فِيمَا لَا يَعْنِيك، أَو تعيب شَيْئا وَتَأْتِي بِمثلِهِ ". وَكتب إِلَى أبي عُبَيْدَة: أما بعد؛ فَإِنَّهُ لم يقم أَمر الله فِي النَّاس إِلَّا حصيف الْعقْدَة بعيد الْغرَّة. لَا يحنق فِي الْحق على جرة، وَلَا يطلع مِنْهُ النَّاس على عَورَة. وَلَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم.
[ ٢ / ٢٩ ]
وَقَالَ: من أسْرع إِلَى الْهِجْرَة أسْرع بِهِ الْعَطاء، وَمن أَبْطَأَ عَن الْهِجْرَة أَبْطَأَ عَنهُ الْعَطاء، فَلَا يَلُومن رجل إِلَّا مناخ رَاحِلَته. وَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَة حِين نزل عَن نَاقَته، وخلع خفيه، وخاض المخاضة: مَا يسرني أَن أهل الْبَلَد استشرفوك؛ أَي رأوك. فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: لَو غَيْرك يَقُول هَذَا لجعلته نكالًا، إِنَّا كُنَّا أذلّ قوم، فأعزنا الله بِالْإِسْلَامِ، فَإِن طلبنا العزّ بِغَيْر مَا أعزنا الله بِهِ أذلنا. وخطب ﵁ فَقَالَ: إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم أَن يُؤْخَذ الرجل الْمُسلم البريء عِنْد الله، فيدسر كَمَا يدسر الْجَزُور، ويشاط لَحْمه كَمَا يشاط لحم الْجَزُور، وَيُقَال: عَاص وَلَيْسَ بعاص. فَقَالَ عليّ ﵇: كَيفَ ذَاك؟ وَلما تشتد البلية، وَتظهر الحمية وتسب الذُّرِّيَّة وتدقهم الْفِتَن دق الرحا ثفالها. وَقَالَ عمر ١: لَا تفطروا حَتَّى تروا اللَّيْل يغسق على الظراب. وَرُوِيَ أَن ابْن السوادة أَخا بني لَيْث قَالَ لَهُ: أَربع خِصَال عاتبتك عَلَيْهَا رعيتك. فَوضع عود الدرة ثمَّ ذقن عَلَيْهَا وَقَالَ: هَات. قَالَ: ذكرُوا أَنَّك حرمت الْعمرَة فِي اشهر الْحَج. قَالَ عمر ﵁: أجل. إِنَّكُم إِذا اعتمرتم فِي أشهر حَجكُمْ ظننتموها مجزية من حَجكُمْ فقرع حَجكُمْ؛ فَكَانَت قائبة قوب عامها، وَالْحج بهاء من بهاء الله. قَالَ: شكوا مِنْك عنف السِّيَاق ونهر الرّعية. قَالَ: فقرع الدرة، ثمَّ مسحها حَتَّى أَتَى على سيورها وَقَالَ: أَنا زميل مُحَمَّد فِي غَزْوَة قرقرة الكدر ثمَّ إِنِّي وَالله لأرتع فأشبع، وأسقى فأروي،
[ ٢ / ٣٠ ]
وأضرب الْعرُوض، وأزجر العجول وأؤدب قدري وأسوق خطوي، وأرد اللفوت. وأضم العنود. وَأكْثر الزّجر، وَأَقل الضَّرْب، وَأشهر الْعَصَا، وأدفع بِالْيَدِ، وَلَوْلَا ذَلِك لأعذرت. وخطب ﵁ فَقَالَ: أَلا لَا تضربوا الْمُسلمين فتذلوهم، وَلَا تمنعوهم حُقُوقهم فتكفروهم، وَلَا تجمروهم فتفتنوهم. وَفِي حَدِيثه، أَنه انكفأ لَونه فِي عَام الرَّمَادَة حَيْثُ قَالَ: لَا آكل سمنا وَلَا سمينًا. وَأَنه اتخذ أَيَّام كَانَ يطعم النَّاس قدحًا فِيهِ فرض، فَكَانَ يطوف على القصاع، فيغمر الْقدح، فَإِن لم تبلغ الثريدة الْفَرْض قَالَ: فَانْظُر مَا الَّذِي يفعل بِالَّذِي ولي الطَّعَام. وَقَالَ لرجل: مَا مَالك؟ قَالَ: أَلفَانِ مضمونان فِي بَيت المَال. فَقَالَ: اتخذ مَالا سوى هَذَا، فيوشك أَن يَأْتِي من لَا يُعْطي إِلَّا من يحب. وَخرج لَيْلَة فِي شهر رَمَضَان، وَالنَّاس أوزاع، فَقَالَ: إِنِّي لأَظُن لَو جمعناهم على قَارِئ كَانَ أفضل، فَأمر أبيّ بن كَعْب فَأمهمْ، ثمَّ خرج لَيْلَة وهم يصلونَ بِصَلَاتِهِ، فَقَالَ: نعم الْبِدْعَة هَذِه، وَالَّتِي تنامون عَنْهَا أفضل، يُرِيد صَلَاة آخر اللَّيْل. وَرُوِيَ أَن رجلا قَرَأَ عَلَيْهِ حرفا فَأنكرهُ، فَقَالَ: من أَقْرَأَك هَذَا؟ قَالَ: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. فَقَالَ: إِن أَبَا مُوسَى لم يكن من أهل البهش - والبهش الْمقل مَا كَانَ رطبا، فَإِذا يبس فَهُوَ الخشل، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن أَبَا مُوسَى لَيْسَ من أهل الْحجاز، والمقل ينْبت بالحجاز - يُرِيد أَن الْقُرْآن نزل بلغَة قُرَيْش. وَنَحْو مِنْهُ قَوْله ﵁ لِابْنِ مَسْعُود حِين بلغه أَنه يقرئ النَّاس " حَتَّى حِين " يُرِيد " حَتَّى ": إِن الْقُرْآن لم ينزل بلغَة هُذَيْل؛ فأقرئ النَّاس بلغَة قُرَيْش. وَقَالَ: من النَّاس من يُقَاتل رِيَاء وَسُمْعَة، وَمِنْهُم من يُقَاتل وَهُوَ يَنْوِي الدُّنْيَا، وَمِنْهُم من ألحمه الْقِتَال فَلم يجد بدا، وَمِنْهُم من يُقَاتل صَابِرًا محتسبًا. أُولَئِكَ هم الشُّهَدَاء.
[ ٢ / ٣١ ]
وَسَأَلَهُ الْعَبَّاس عَن الشُّعَرَاء، فَقَالَ: امْرُؤ الْقَيْس سابقهم، خسف لَهُم عين الشّعْر، فافتقر عَن معَان عور أصح بصر. وَكتب فِي الصَّدَقَة إِلَى بعض عماله: وَلَا تحبس النَّاس أَوَّلهمْ على آخِرهم، فَإِن الرجن للماشية عَلَيْهَا شَدِيد وَلها مهلك، وَإِذا وقف الرجل عَلَيْك غنمه فَلَا تعتم من غنمه، وَلَا تَأْخُذ من أدناها، وَخذ الصَّدَقَة من أوسطها. وَإِذا وَجب على الرجل سنّ، وَلم تَجدهُ فِي إبِله فَلَا تَأْخُذ إِلَّا تِلْكَ السن من شروى إبِله أَو قيمَة عدل، وَانْظُر ذَوَات الدّرّ والماخض فنكب عَنْهَا؛ فَإِنَّهَا ثمال حاضرتهم. وَقَالَ ﵁: من حَظّ الْمَرْء نفاق أيمه وَمَوْضِع حَقه. يُرِيد أَن يكون حَقه عَنهُ من لَا يجحده. وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: " أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون ". نعم العدلان وَنعم العلاوة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس " دَعَاني عمر وَعُثْمَان ﵄ فَإِذا صَبر من مَال فَقَالَ: خذا فاقتسما فَإِن فضل فَردا. فَأَما عُثْمَان فَحَثَا، وَأما أَنا فَقلت: إِن كَانَ نُقْصَان رددت علينا. فَقَالَ: شنشنة أعرفهَا من أخزم. وطلى بَعِيرًا من الصَّدَقَة بالقطران، فَقَالَ لَهُ رجل: لَو أمرت عبدا من عبيد الصَّدَقَة كفاكه. فَضرب بالثملة على صَدره، وَقَالَ: أعبد أعبد مني؟ .
[ ٢ / ٣٢ ]
وَقَالَ: لَو صليتم حَتَّى تَكُونُوا كالحنى مَا نلتم رَحْمَة الله إِلَّا بِصدق الْوَرع. وَقَالَ: تفقهوا قبل أَن تسودوا. وَقَالَ: إِن الْمَوْت فَضَح الدُّنْيَا، فَمَا ترك لذِي لبٍ فَرحا. وَقَالَ: احذر من فلتات السباب كلما أورثك النبز واعلقك اللقب؛ فَإِنَّهُ إِن يعظم بعده شَأْنك يشْتَد عَلَيْهِ ندمك. وَقَالَ ﵁: بِعْ الْحَيَوَان أحسن مَا يكون فِي عَيْنَيْك. وَقَالَ: أَجود النَّاس من جاد على من لَا يَرْجُو ثَوَابه، وأحلمهم من عَفا بعد الْقُدْرَة، وأبخلهم من بخل بِالسَّلَامِ، وأعجزهم الَّذِي يعجز فِي دُعَائِهِ. وَقَالَ: كل عمل كرهت من أَجله الْمَوْت فَاتْرُكْهُ، ثمَّ لَا يَضرك مَتى مت. وَقَالَ ﵁: إِذا توجه أحدكُم فِي الْوَجْه ثَلَاث مَرَّات، فَلم ير خيرا فليدعه. وخطب ﵁ فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، مَا الْجزع مِمَّا لَا بُد مِنْهُ، وَمَا الطمع فِيمَا لَا يُرْجَى، وَمَا الْحِيلَة فِيمَا سيزول؟ وَإِنَّمَا الشَّيْء من أَصله، وَقد مَضَت قبلنَا أصُول، وَنحن فروعها، فَمَا بَقَاء الْفَرْع بعد اصله؟ إِنَّمَا النَّاس فِي هَذِه الدُّنْيَا أغراض تنتضل المنايا فيهم وهم نصب المصائب، مَعَ كل جرعة شَرق، وَفِي كل أَكلَة غصص. لَا ينالون نعْمَة إِلَّا بِفِرَاق أُخْرَى، وَلَا يسْتَقْبل معمر من عمر يَوْمًا إِلَّا بهدم آخر من أَجله، وَأَنْتُم أعوان الحتوف على أَنفسكُم، فَأَيْنَ الْمَهْرَب مِمَّا هُوَ كَائِن؟ وَإِنَّمَا يتقلب الهارب فِي قدره الطَّالِب، فَمَا أَصْغَر الْمُصِيبَة الْيَوْم مَعَ عظم الْفَائِدَة غَدا ﴿أَو أَكثر خيبة الخائب﴾ جعلنَا الله وَإِيَّاكُم من الْمُتَّقِينَ. قَالَ الجاحظ: روى الزُّهْرِيّ أَن عمر ﵁ نظر إِلَى أهل الشورى جُلُوسًا فَقَالَ: أكلكم يطْمع فِي الْخلَافَة بعدِي؟ فوجموا، فَقَالَ لَهُم
[ ٢ / ٣٣ ]
ثَانِيَة، فَأَجَابَهُ الزبير فَقَالَ: نعم، وَمَا الَّذِي يبعدنا عَنْهَا وَقد وليتها فَقُمْت بهَا. ولسنا دُونك فِي قُرَيْش وَلَا فِي السَّابِقَة، وَلَا فِي الْقَرَابَة؟ فَقَالَ عمر ﵁: أَلا أخْبركُم عَن أَنفسكُم؟ قَالُوا: بلَى، فَإنَّا لَو استعفيناك مَا أعفيتنا. فَقَالَ عمر ﵁: أما أَنْت يَا زبير فوعقة لقس، مُؤمن الرِّضَا، كَافِر الْغَضَب، يَوْم إنس، وَيَوْم شَيْطَان، ولعلها إِن أفضت إِلَيْك لظلت يَوْمك تلاطم فِي الْبَطْحَاء على مد من شعير. أَفَرَأَيْت إِن أفضت إِلَيْك فَمن يكون على النَّاس يَوْم تكون شَيْطَانا، وَمن يكون - إِذا غضِبت - إِمَامًا؟ . مَا كَانَ الله ليجمع لَك أَمر أمة مُحَمَّد ﷺ وَأَنت فِي هَذِه الصّفة. ثمَّ أقبل على طَلْحَة فَقَالَ: أَقُول أم أسكت؟ قَالَ: قل، فَإنَّك لَا تَقول لي من الْخَيْر شَيْئا. قَالَ: مَا أعرفك مُنْذُ ذهبت إصبعك يَوْم أحد من البأو الَّذِي أحدثت. وَلَقَد مَاتَ رَسُول الله ﷺ ساخطًا للَّذي قلت يَوْم نزلت آيَة الْحجاب أفأقول أم أسكت؟ قَالَ: بِاللَّه اسْكُتْ. ثمَّ أقبل على سعد، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْت صَاحب قنص وقوس واسهم ومقنب من هَذِه المقانب، وَمَا أَنْت وزهرة والخلافة وَأُمُور النَّاس؟ . ثمَّ أقبل على عَليّ بن أبي طَالب ﵇، فَقَالَ: لله أَنْت لَوْلَا دعابة فِيك. اما وَالله لَو وليتهم لحملتهم على المحجة الْبَيْضَاء، وَالْحق الْوَاضِح، وَلنْ يَفْعَلُوا. ثمَّ قَالَ: وَأَنت يَا عبد الرَّحْمَن لَو وزن نصف إِيمَان الْمُسلمين بإيمانك لرجحت، وَلَكِن فِيك ضعفا، وَلَا يصلح هَذَا الْأَمر لم ضعف مثل ضعفك. وَمَا زهرَة وَهَذَا الْأَمر؟ . ثمَّ أقبل على عُثْمَان فَقَالَ: هيهًا إِلَيْك، كَأَنِّي بك قد قلدتك قُرَيْش هَذَا الْأَمر لحبها إياك، فَحملت بني أُميَّة وَبني معيط على رِقَاب النَّاس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إِلَيْك عِصَابَة من ذؤبان الْعَرَب فذبحوك على فراشك ذبحا. وَالله
[ ٢ / ٣٤ ]
لَئِن فعلوا لتفعلن، وَلَئِن فعلت ليفعلن. ثمَّ أَخذ بناصيته فناجاه، ثمَّ قَالَ: إِذا كَانَ ذَاك فاذكر قولي هَذَا، فَإِنَّهُ كَائِن. وَقَالَ عمر ﵁ للأحنف: من كثر ضحكه قلت هيبته، وَمن أَكثر من شَيْء عرف بِهِ، وَمن كثر مزاحه كثر سقطه، وَمن كثر سقطه قلّ ورعه، وَمن قل ورعه ذهب حياؤه، وَمن ذهب حياؤه مَاتَ قلبه. وَكتب إِلَى أبي مُوسَى: أما بعد؛ فَإِن للنَّاس نفرة عَن سلطانهم، فأعوذ بِاللَّه أَن تدركني وَإِيَّاك عمياء مَجْهُولَة، وضغائن مَحْمُولَة، وَأَهْوَاء متبعة، وَدُنْيا مُؤثرَة؛ فأقم الْحُدُود وَلَو سَاعَة من نَهَار، فَإِن عرض لَك أَمْرَانِ: أَحدهمَا لله، وَالْآخر للدنيا، فآثر نصيبك من الْآخِرَة، فَإِن الدُّنْيَا تنفد وَالْآخِرَة تبقى، وَكن من خشيَة الله على وَجل، وأخف الْفُسَّاق، واجعلهم يدا يدا ورجلًا رجلا. وَإِذا كَانَت بَين الْقَبَائِل نائرة، ودعوا: يَا لفُلَان، فَإِنَّمَا تِلْكَ النَّجْوَى من الشَّيْطَان، فاضربهم بِالسَّيْفِ حَتَّى يفيئوا إِلَى الله، وَتَكون دَعوَاهُم إِلَى الله وَإِلَى الْإِسْلَام. وَقد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن ضبة تَدْعُو: بالضبة، وَإِنِّي وَالله مَا أعلم أَن ضبة سَاق الله بهَا خيرا قطّ، وَلَا منع بهَا شرا قطّ. فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فأنهكهم عُقُوبَة، حَتَّى يفرقُوا إِن لم يفقهوا. والصق بغيلان بن خَرشَة من بَينهم. وعد مرضى الْمُسلمين، واشهد جنائزهم؛ وَافْتَحْ بابك، وباشر أَمرهم بِنَفْسِك، فَإِنَّمَا أَنْت رجل مِنْهُم، غير أَن الله جعلك أثقلهم حملا. وَقد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه فَشَا لَك وَلأَهل بلدك هَيْئَة فِي لباسك، ومطعمك ومركبك لَيْسَ للْمُسلمين مثلهَا، فإياك يَا عبد الله أَن تكون بِمَنْزِلَة الْبَهِيمَة الَّتِي حلت بواد خصب، فَلم يكن لَهَا هم إِلَّا السّمن، وَاعْلَم أَن لِلْعَامِلِ مردا إِلَى الله، فَإِذا زاغ الْعَامِل زاغت رَعيته، وَإِن أَشْقَى النَّاس من شقيت بِهِ رَعيته، وَالسَّلَام.
[ ٢ / ٣٥ ]
وَكَانَ إِذا اشْترى رَقِيقا يَقُول: اللَّهُمَّ ارزقني أنصحهم جيبًا وأطولهم عمرا. وَكَانَ إِذا اسْتعْمل رجلا يَقُول: إِن الْعَمَل كبر، فَانْظُر كَيفَ تخرج مِنْهُ. وَقَالَ ﵁: أقلل من الدّين تعش حرا، واقلل من الذُّنُوب يهن عَلَيْك الْمَوْت، وَانْظُر فِي أَي نِصَاب تضع ولدك، فَإِن الْعرق دساس. وَقَالَ: إيَّاكُمْ وَهَذِه المجازر، فَإِن لَهَا ضراوة كضراوة الْخمر. وَقَالَ: مَا الْخمر صرفا باذهب لعقل الرجل من الطمع. وَقَالَ: عجبت لمن يحسن المعاريض، كَيفَ يكذب؟ . وَقَالَ: النَّاس طالبان، فطالب يطْلب الدُّنْيَا، فارفضوها فِي نَحره، فَإِنَّهُ رُبمَا أدْرك الَّذِي طلب مِنْهَا فَهَلَك بِمَا أصَاب مِنْهَا. وَرُبمَا فَاتَهُ الَّذِي طلب مِنْهَا فَهَلَك بِمَا فَاتَهُ مِنْهَا، وطالب يطْلب الْآخِرَة، فَإِذا رَأَيْتُمْ طَالب الْآخِرَة فنافسوه. وَقَالَ: أَيهَا النَّاس إِنَّه أَتَى عليّ حِين وَأَنا أَحسب أَنه من قَرَأَ الْقُرْآن إِنَّمَا يُرِيد الله وَمَا عِنْده. أَلا وَقد خيل إليّ أخيرًا أَن أَقْوَامًا يقرؤون الْقُرْآن يُرِيدُونَ بِهِ مَا عِنْد النَّاس. أَلا فأريدوا الله بقرآنكم وأريدواه بأعمالكم، فَإِنَّمَا كُنَّا نعرفكم إِذْ الْوَحْي ينزل، وَإِذ النَّبِي ﵇ بَين أظهرنَا، فقد رفع الْوَحْي، وَذهب النَّبِي ﵇، فَإِنَّمَا أعرفكُم بِمَا أَقُول لكم. أَلا فَمن أظهر لنا خيرا ظننا بِهِ خيرا واثنينا بِهِ عَلَيْهِ، وَمن أظهر لنا شرا ظننا بِهِ شرا وأبغضنا عَلَيْهِ، فزعوا هَذِه النُّفُوس عَن شهواتها، فَإِنَّهَا طلاعة، تنْزع إِلَى شَرّ غَايَة، وَإِن الْحق ثقيل مريء، وَإِن الْبَاطِل خَفِيف وبيء، ترك الْخَطِيئَة خير من معالجة التَّوْبَة، وَرب شَهْوَة سَاعَة أورثت حزنا دَائِما. وَقَالَ: استعبروا الْعُيُون بالتذكر. وَمر بِقوم يتمنون، فَلَمَّا رَأَوْهُ سكتوا، فَقَالَ: فيمَ كُنْتُم؟ قَالُوا: كُنَّا نتمنى. قَالَ: تمنوا وَأَنا أَتَمَنَّى مَعكُمْ. قَالُوا: فتمن. قَالَ: أَتَمَنَّى ملْء هَذَا الْمَسْجِد مثل أبي عُبَيْدَة الْجراح وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة، إِن سالما كَانَ شَدِيد الْحَيّ لله، لَو لم يخف الله لعصاه. وَقَالَ رَسُول الله ﷺ: لكل أمة أَمِين وَأمين هَذِه الْأمة أَبُو عُبَيْدَة الْجراح.
[ ٢ / ٣٦ ]
وَقَالَ ﵁: لَوْلَا أَن أَسِير فِي سَبِيل الله، وَاضع جبهتي لله، وأجالس أَقْوَامًا ينتقون أحسن الحَدِيث كَمَا تنتقى أطايب الثَّمر لم أبال أَن أكون قد متّ. وَقَالَ سعد لَهُ - حِين شاطره مَاله -: لقد هَمَمْت قَالَ عمر: لتدعو الله عليّ؟ قَالَ: نعم: إِذا لَا تجدني بِدُعَاء رَبِّي شقيًا. وَكَانَ سعد يُسمى المستجاب الدعْوَة. وَقَالَ عمر فِي ولد لَهُ صَغِير: رَيْحَانَة أشمها، وَعَن قريب ولد بار أَو عَدو حَاضر. وَقَالَ ﵁: لكل شَيْء شرف، وَشرف الْمَعْرُوف تَعْجِيله. وَقَالَ: من أعطي الدُّعَاء لم يحرم الْإِجَابَة؛ لقَوْله تَعَالَى: " ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم ". وَمن أعطي الشُّكْر لم يحرم الزِّيَادَة؛ لقَوْله جلّ اسْمه: " لَئِن شكرتم لأزيدنكم ". وَمن أعطي الاسْتِغْفَار لم يحرم الْقبُول؛ لقَوْل تَعَالَى: " اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا ". وَقَالَ ﵁: كونُوا أوعية الْكتاب، وينابيع الْعلم، واسألوا الله رزق يَوْم بِيَوْم. وَقَالَ ﵁: الرِّجَال ثَلَاثَة: رجل ينظر فِي الْأُمُور قبل أَن تقع فيصدرها مصدرها، وَرجل متوكل لَا ينظر، فَإِذا نزلت بِهِ نازلة شاور أهل الرَّأْي وَقبل قبولهم، وَرجل حائر بائر لَا يأتمر رشدا، وَلَا يُطِيع مرشدًا. كَانَ شُرَحْبِيل بن السمط على جَيش لعمر ﵁ فَقَالَ: إِنَّكُم قد نزلتم أَرضًا فِيهَا نسَاء وشراب، فَمن أصَاب مِنْكُم حدا فليأتنا حَتَّى نطهره، فَبلغ ذَلِك عمر ﵁ فَقَالَ: لَا أم لَك، تَأمر قوما ستر الله عَلَيْهِم أَن يهتكوا ستر الله عَلَيْهِم.
[ ٢ / ٣٧ ]
وَقَالَ: من قَالَ لَا ادري عِنْدَمَا لَا يدْرِي، فقد أحرز نصف الْعلم؛ لِأَن الَّذِي لَهُ على نَفسه هَذِه الْقُوَّة؛ فقد دلنا على جودة التثبت، وَكَثْرَة الطّلب، وَقُوَّة الْمِنَّة. وَأوصى الْخَلِيفَة بعده فَقَالَ: أوصيك بتقوى الله وَحده لَا شريك لَهُ، وأوصيك بالمهاجرين الْأَوَّلين خيرا أَن تعرف لَهُم سابقتهم. وأوصيك بالأنصار خيرا، فاقبل من محسنهم، وَتجَاوز عَن مسيئهم، وأوصيك بِأَهْل الْأَمْصَار خيرا، فَإِنَّهُم ردء الْعَدو، وجباة الْفَيْء، لَا تحمل مِنْهُم إِلَّا عَن فضل مِنْهُم. وأوصيك بِأَهْل الْبَادِيَة خيرا، فأنهم أصل الْعَرَب، ومادة الْإِسْلَام، أَن تَأْخُذ من حَوَاشِي أَمْوَالهم فَترد على فقرائهم. وأوصيك بِأَهْل الذِّمَّة خيرا أَن تقَاتل من ورائهم، وَلَا تكلفهم فَوق طاقتهم إِذا أَدّوا مَا عَلَيْهِم للْمُؤْمِنين طَوْعًا، أَو عَن يَد وهم صاغرون. وأوصيك بتقوى الله، والحذر مِنْهُ، ومخافة مقته أَن يطلع مِنْك على رِيبَة، وأوصيك أَن تخشى الله فِي النَّاس، وَلَا تخش النَّاس فِي الله. وأوصيك بِالْعَدْلِ فِي الرّعية، والتفرغ لحوائجهم وثغورهم، وَلَا تُؤثر غنيهم على فقيرهم، فَإِن فِي ذَلِك بِإِذن الله سَلامَة لقلبك، وحطًا لوزرك، وَخيرا فِي عَاقِبَة أَمرك، حَتَّى تفضى فِي ذَلِك إِلَى من يعرف سريرتك، ويحول بَيْنك وَبَين قَلْبك. وآمرك أَن تشتد فِي أَمر الله، وَفِي حُدُوده ومعاصيه على قريب النَّاس وبعيدهم، ثمَّ لَا تأخذك فِي أحد الرأفة، حَتَّى تنتهك مِنْهُ مثل جرمه. وَاجعَل النَّاس عنْدك سَوَاء، لَا تبالي على من وَجب الْحق، وَلَا تأخذك فِي الله لومة لائم، وَإِيَّاك والأثرة والمحاباة فِيمَا ولاك الله مِمَّا أَفَاء على الْمُؤمنِينَ، فتجور وتظلم، وَتحرم نَفسك من ذَلِك مَا قد وَسعه الله عَلَيْك.
[ ٢ / ٣٨ ]
وَقد أَصبَحت بِمَنْزِلَة من منَازِل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَإِن اقترفت لدنياك عدلا وعفة عَمَّا بسط لَك اقترفت بِهِ إِيمَانًا ورضوانًا، وَإِن غلبك فِيهِ الْهوى اقترفت بِهِ غضب الله. وأوصيك أَلا ترخّص لنَفسك وَلَا لغَيْرهَا فِي ظلم أهل الذِّمَّة. وَقد أوصيتك، وخصصتك ونصحتك، فابتغ بذلك وَجه الله وَالدَّار الْآخِرَة، واخترت من دلالتك مَا كنت دَالا عَلَيْهِ نَفسِي وَوَلَدي، فَإِن عملت بِالَّذِي وعظتك، وانتهيت إِلَى الَّذِي أَمرتك أخذت مِنْهُ نَصِيبا وافرًا وحظًا وافيًا؛ وَإِن لم تقبل ذَلِك، وَلم يهمك، وَلم تتْرك معاظم الْأُمُور عِنْد الَّذِي يرضى بِهِ الله عَنْك يكن ذَلِك بك انتقاصًا، ورأيك فِيهِ مَدْخُولا؛ لِأَن الْأَهْوَاء مُشْتَركَة، وَرَأس الْخَطِيئَة إِبْلِيس دَاع إِلَى كل مهلكة، وَقد أضلّ الْقُرُون السالفة قبلك، فأوردهم النَّار وَبئسَ الْورْد المورود، ولبئس الثّمن أَن يكون حَظّ امْرِئ مُوالَاة لعدو الله، الدَّاعِي إِلَى مَعَاصيه. ثمَّ اركب الْحق، وخض إِلَيْهِ الغمرات، وَكن واعظًا لنَفسك، وأناشدك الله إِلَّا ترحمت على جمَاعَة الْمُسلمين، وأجللت كَبِيرهمْ، ورحمت صَغِيرهمْ، ووقرت عالمهم، وَلَا تضربهم فيذلوا، وَلَا تستأثر عَلَيْهِم بالفيء فتغضبهم. وَلَا تحرمهم عطاياهم عِنْد محلهَا فتفرقهم، وَلَا تجمرهم فِي الْبعُوث فَيَنْقَطِع نسلهم، وَلَا تجْعَل المَال دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْهُم، وَلَا تغلق بابك دونهم، فيأكل قويهم ضعيفهم. هَذِه وصيتي إِلَيْك، وَأشْهد الله عَلَيْك، وأقرأ عَلَيْك السَّلَام. وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: دخلت على عمر ﵁ حِين طعن. قَالَ: فتنفس تنفسًا عَالِيا، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا أخرج هَذَا مِنْك إِلَّا هم. قَالَ: هم شَدِيد لهَذَا الْأَمر الَّذِي لَا أَدْرِي لمن يكون بعدِي. قَالَ: ثمَّ قَالَ: لَعَلَّك ترى صَاحبك لَهَا. يَعْنِي عليا. قلت: وَمَا يمنعهُ فِي قرَابَته من رَسُول الله ﷺ، وسوابقه فِي الْخَيْر، ومناقبه فِي الْإِسْلَام؟ قَالَ: وَلَكِن فِيهِ فكاهة. قلت
[ ٢ / ٣٩ ]
لَهُ: فَأَيْنَ أَنْت وَطَلْحَة؟ قَالَ: الأكنع؟ مَا زلت أعرف فِيهِ بأوًا مُنْذُ أُصِيبَت يَده مَعَ رَسُول الله ﷺ قلت: فَأَيْنَ أَنْت من الزبير؟ قَالَ فوعقة لقس. قلت: فَأَيْنَ أَنْت من سعد؟ قَالَ: صَاحب قَوس وَفرس. قلت: فَأَيْنَ أَنْت من عبد الرَّحْمَن؟ قَالَ: نعم الْمَرْء ذكرت، وَلكنه ضَعِيف وَلَا يقوم بِهَذَا الْأَمر إِلَّا الْقوي فِي غير عنف، واللين فِي غير ضعف، والجواد من غير سرف، والممسك فِي غير بخل. قلت: فَأَيْنَ أَنْت من عُثْمَان؟ قَالَ: أوه - وَوضع يَده الْيُمْنَى على مقدم رَأسه - إِذا وَالله ليحملن بني معيط على رِقَاب النَّاس، فَكَأَنِّي قد نظرت إِلَى الْعَرَب حَتَّى تَأتيه فتقتله، وَالله لَئِن فعل ليفعلن، وَالله لَئِن فعل ليفعلن، ثمَّ قَالَ: أما إِن أحراهم - إِن وليهم - أَن يحملهم على كتاب الله وَسنة نَبِيّهم صَاحبك - يَعْنِي عليا - ﵇. وَقَالَ ﵁: اعتبروا عزمه بحميته وحزمه بمتاع بَيته. وَسمع رجلا يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْفِتَن. فَقَالَ: لقد استعذت مِمَّا تسأله، المَال وَالْولد فتْنَة. وَلَكِن قل يَا لكع: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من مضلات الْفِتَن. وَكَانَ عُيَيْنَة بن حصن كثيرا مَا ينظر إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ فِي إِزَار ورداء، فَيَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي أَرَاك تلبس إزارًا ورداءً، كَأَنِّي أنظر إِلَى سبنتي من الْعَجم قد وجأك فِي خاصرتك، ففجع بك الْمُسلمين، فيا لَهَا ثلمة لَا تسد، ووهيًا لَا يرقع ﴿﴾ فَأخْرجهُمْ من عيرك إِلَى عيرهم. فَمَا مكث إِلَّا أَيَّامًا، حَتَّى وجأه أَبُو لؤلؤة - أَخْزَاهُ الله - فَقَالَ عمر ﵁: لله در رَأْي بَين الرقم والحاجر لَو أَخذنَا بِهِ! أما إِنَّه قد خبرني بِهَذَا. وَكَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ اصلح بَين نسائنا، وَعَاد بَين إمائنا. وَقَالَ: الطمع فقر، واليأس غنى، وَفِي الْعُزْلَة رَاحَة من خليط السوء. وَكتب إِلَى أبي مُوسَى وَهُوَ على الْبَصْرَة: إِنَّك بِبَلَد جلّ أَهله تَمِيم وهم بخل، وَرَبِيعَة وهم كدر، وَفِي الأزد موق. فتأدب بأدبك.
[ ٢ / ٤٠ ]
افْتقدَ من بَيت المَال أَيَّام عمر أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم، وَكَانَ بَيت المَال فِي يَد وهب بن مُنَبّه. فَكتب إِلَيْهِ عمر: أما بعد، فَإنَّا لَا نتهم دينك وأمانتك، وَلَكِن نَخَاف تفريطك وتضييعك، وَهَذَا المَال للْمُسلمين، وَلَيْسَ لأشحهم عَلَيْك إِلَّا يَمِينك، فَإِذا صليت الْعَصْر من يَوْم الْجُمُعَة، فَاسْتقْبل الْقبْلَة واحلف بِاللَّه أَنَّك مَا أَخَذتهَا، وَلَا علمت لَهَا آخِذا، وَالسَّلَام. وَقيل لَهُ: جَزَاك الله عَن الْإِسْلَام خيرا. فَقَالَ: بل جزى الله الْإِسْلَام عني خيرا. وَقَالَ: لَا يطبق أَمر الله فِي عباده إِلَّا رجل لَا يصانع، وَلَا يضارع، وَلَا يتبع المطامع، وَلَا يطبق أَمر الله إِلَّا رجل يتَكَلَّم بِلِسَانِهِ كُله، وَلَا يحنق فِي الْحق على جرته. وَقَالَ ﵁: أكره لبستين: لبسة مَشْهُورَة، ولبسة محقورة. وَقَالَ ﵁: ثَلَاث خِصَال من لم تكن فِيهِ لم يَنْفَعهُ الْإِيمَان: حلم يرد بِهِ جهل الْجَاهِل، وورع يحجزه عَن الْمَحَارِم، وَخلق يُدَارِي بِهِ النَّاس. وَقَالَ: من مَلأ عينه من قاعه بَيت قل أَن يُؤذن لَهُ فقد فسق، وَمن اطلع على قوم فِي مَنَازِلهمْ بِغَيْر إذْنهمْ فليفقئوا عينه. وَقَالَ: لِأَن أَمُوت بَين شُعْبَتَيْ رحلي أَبْتَغِي فضل الله، أحب إِلَيّ من أَن أَمُوت على فِرَاشِي. وَقَالَ لبَعْضهِم: احذر النِّعْمَة كحذرك الْمعْصِيَة، وَهِي أخوفهما عَلَيْك عِنْدِي. وَقَالَ ﵁: أحذركم عَاقِبَة الْفَرَاغ، فَإِنَّهُ أجمع لأبواب الْمَكْرُوه من السكر.
[ ٢ / ٤١ ]
وَقَالَ: أَفْلح من حفظ من الطمع وَالْغَضَب والهوى نَفسه، وَلَا خير فِيمَا دون الصدْق من الحَدِيث، وَمن كذب فجر، وَمن فجر هلك. وَقَالَ ﵁: قلت: بِأبي وَأمي يَا رَسُول الله، مَا بالنا نرق على أَوْلَادنَا وَلَا يرقون علينا؟ قَالَ: لأَنا ولدناهم، وَلم يلدونا. وَقَالَ لرجل أَرَادَ طَلَاق امْرَأَته: لم تطلقها؟ قَالَ: لِأَنِّي لَا أحبها. فَقَالَ لَهُ: أكل الْبيُوت بنيت على الْحبّ؟ فَأَيْنَ الرِّعَايَة والتذمم وَالْوَفَاء؟ وَقَالَ: تضيق أنصارنا، وتقسو ثقيفنا، وَمن ولى من الْعَرَب قرا فِي حَوْضه، وملأ وعاءه، وَلم أر لهَذَا الْأَمر مثل رجل من قُرَيْش أكل على ناجذه. وَقَالَ ﵁ فِي خطْبَة لَهُ حِين بُويِعَ: غَنِي قد علمت أَن قد كرهتم قيامي عَلَيْكُم، وَمن كرهه مِنْكُم مِمَّن سَاءَهُ أَخذ بِحَق، وَدفع عَن بَاطِل، وَضرب عنق من خَالف الْحق، وَتمنى الْبَاطِل، ودعا إِلَيْهِ، فَلَيْسَ لأولئك هوادة، وَلَا مناظرة، وَلَا مصانعة، فليمت أُولَئِكَ بغيظهم، وَلَا يَلُومن إِلَّا أنفسهم وَلَا يبْقين إِلَّا عَلَيْهَا. وَالله مَا لمن خَالف إِلَى الْبَاطِل من عُقُوبَة دون ضرب عُنُقه، فَإِن السَّيْف نعم الْوَزير هُوَ للحق وَأَهله، وَقد أَمر رَسُول الله ﷺ بِالْقِتَالِ على الْحق، وَقَاتل عَلَيْهِ، فَخُذُوا مني مَا أُعْطِيكُم وأعطوني مَا أَسأَلكُم، إِنِّي آخذكم بِالْحَقِّ غير مُعْتَد بِهِ، وأعطيكم الْحق غير قَاصِر عَنهُ، كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ بيني وَبَيْنكُم، لَا يسألن أحد غير ذَلِك، وَلَا يطمعن فِيهِ عِنْدِي. وَكَانَ عمر ﵁ إِذا رأى مُعَاوِيَة قَالَ: هَذَا كسْرَى الْعَرَب. وخطب فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس، لَا تَأْكُلُوا الْبيض فَإِن أحدكُم يَأْكُل الْبَيْضَة أَكلَة وَاحِدَة، فَإِن حضنها خرجت مِنْهَا دجَاجَة فَبَاعَهَا بدرهم.
[ ٢ / ٤٢ ]