كتب إِلَيْهِ أَبُو بكر بن حزم - وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَة من جِهَته؛ إِن الْأَمِير يقطع لي من الشمع والقراطيس مَا كَانَ يقطع لعمال الْمَدِينَة، فَكتب إِلَيْهِ: جَاءَنِي كتابك وَإِن عهدي بك تخرج من بَيْتك فِي اللَّيْلَة الظلماء بِغَيْر سراج. وَأما الْقَرَاطِيس فأدق الْقَلَم، وأوجز الْإِمْلَاء، واجمع الْحَوَائِج فِي صحيفَة. وَذكر لَهُ سُلَيْمَان بن عبد الْملك يزِيد بن أبي مُسلم بالعفة عَن الدِّرْهَم وَالدِّينَار، وهم بِأَن يستكفيه مهما من أمره. فَقَالَ لَهُ عمر: أَفلا أدلك على من هُوَ أزهد فِي الدِّرْهَم وَالدِّينَار مِنْهُ وَهُوَ شَرّ الْخلق؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: إِبْلِيس لَعنه الله. وَكَانَ يَقُول: أَيهَا النَّاس إِنَّمَا خلقْتُمْ لِلْأَبَد، وَإِنَّمَا تنقلون من دَار إِلَى دَار. وخطب فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، إِنَّكُم لم تخلقوا عَبَثا، وَلنْ تتركوا سدى، وَإِن لكم معادًا ينزل الله للْحكم فِيكُم، والفصل بَيْنكُم، فخاب وخسر من خرج من رَحْمَة الله الَّتِي وسعت كل شَيْء، وَحرم الْجنَّة الَّتِي عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض. وَاعْلَمُوا أَن الْأمان غَدا لمن خَافَ، وَبَاعَ قَلِيلا بِكَثِير، وفانيًا بباق، أَلا ترَوْنَ أَنكُمْ فِي أسلاب الهالكين؟ وسيخلفها من بعدكم الْبَاقُونَ، حَتَّى تردوا إِلَى خير الْوَارِثين.
[ ٢ / ٨٣ ]
ثمَّ أَنْتُم فِي كل يَوْم تشيعون غاديًا ورائحًا إِلَى الله، قد قضى نحبه، وَبلغ أَجله، ثمَّ تغيبونه فِي صدع من الأَرْض، ثمَّ تَدعُونَهُ غير موسد وَلَا ممهد، قد خلع الْأَسْبَاب، وَفَارق الأحباب، وَوجه إِلَى الْحساب، غَنِيا عَمَّا ترك، وَفَقِيرًا إِلَى مَا قدم. وأيم الله إِنِّي لأقول لكم هَذِه الْمقَالة وَمَا أعلم عِنْد أحد مِنْكُم من الذُّنُوب أَكثر مِمَّا عِنْدِي. وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم، وَمَا بلغت حَاجَة يَتَّسِع لَهَا مَا عندنَا إِلَّا سددناها، وَلَا أحد مِنْكُم إِلَّا وددت أَن يَده معي وَمَعَ لحمتي الَّذين يلونني، حَتَّى يَسْتَوِي عيشنا وعيشكم. وَايْم الله لَو أردْت غير هَذَا من عَيْش لَكَانَ اللِّسَان مني ناطقًا ذلولًا عَالما بأسبابه، وَلكنه مضى من الله كتاب نَاطِق وَسنة عادلة، دلّ فِيهَا على طَاعَته وَنهى فِيهَا عَن مَعْصِيَته. وَسَأَلَهُ رجل عَن الْجمل وصفين، فَقَالَ عمر: تِلْكَ دِمَاء كف الله يَدي عَنْهَا، فَأَنا أحب أَلا أغمس لساني فِيهَا. وَكَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك رضوانك، وَإِلَّا أكن لَهُ أَهلا فعفوك. وَقَالَ لأَصْحَابه: إِذا كتبتم إليّ فَلَا تكْتبُوا الْأَمِير، فَلَيْسَتْ الْإِمَارَة أفضل من أبي. كتب إِلَيْهِ عدي بن أَرْطَأَة يَسْتَأْذِنهُ فِي عَذَاب الْعمَّال، فَكتب إِلَيْهِ عمر: الْعجب لَك يَا ابْن أم عدي، حِين تستأذنني فِي عَذَاب الْعمَّال كَأَنِّي لَك جنَّة، وَكَأن رضاي ينجيك من سخط الله. من قَامَت عَلَيْهِ بَيِّنَة وَأقر بِمَا لم يكن مضطهدًا فِيهِ فَخذه، فَإِن كَانَ يقدر على أَدَائِهِ فاستأده، وَإِن أَبى فاحبسه، وَإِن لم يقدر على شَيْء فَخَل سَبيله بعد أَن تخلفه على أَنه لَا يقدر على شَيْء، فَلِأَن يلْقوا الله بخياناتهم أحب إليّ من أَن أَلْقَاهُ بدمائهم. وَقَالَ: من أحب الْأُمُور إِلَى الله ﷿ الاقتصاد فِي الْجدّة، وَالْعَفو فِي الْقُدْرَة، والرفق فِي الْولَايَة.
[ ٢ / ٨٤ ]
خرج يَوْم الْجُمُعَة إِلَى الصَّلَاة وَقد أَبْطَأَ، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس؛ إِنَّمَا بطأني عَنْكُم أَن قَمِيصِي هَذَا كَانَ يرقع - أَو كَانَ يغسل - وَلَا وَالله مَا أملك غَيره. وَعرضت عَلَيْهِ جَارِيَة وَأَرَادَ شراءها وَلم يحضر تَمام الثّمن، فَقَالَ لَهُ الرجل: أَنا أؤخرك إِلَى الْعَطاء؛ فَقَالَ: لَا أُرِيد لَذَّة عاجلة بذلة آجلة. وَقَالَ عمر يَوْمًا وَقد قَامَ من عِنْده عَليّ بن الْحُسَيْن ﵄: من أشرف النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ؟ فَقَالُوا: أَنْتُم. فَقَالَ: كلا! أشرف النَّاس هَذَا الْقَائِم من عِنْدِي آنِفا، من أحب النَّاس أَن يَكُونُوا مِنْهُ، وَلم يحب أَن يكون من أحد. وَقَالَ: لَو جَاءَت كل أمة بخبيثها وَجِئْنَا بالحجاج لزدنا عَلَيْهِم. قيل: أول من اتخذ المنابر فِي الْمَسَاجِد للأذان عمر بن عبد الْعَزِيز، وَإِن أول من دعِي لَهُ على المنابر عبد الْملك. وَكَانَ عمر يَقُول: إِن أَقْوَامًا لزموا سلطانهم بِغَيْر مَا يحِق الله عَلَيْهِم، فَأَكَلُوا بخلاقهم، وعاشوا بألسنتهم، وخلفوا الْأمة بالمكر والخديعة والخيانة، وكل ذَلِك فِي النَّار. أَلا فَلَا يصحبنا من أُولَئِكَ أحد وَلَا سِيمَا خَالِد بن عبد الله. وَعبد الله بن الْأَهْتَم فَإِنَّهُمَا رجلَانِ لسنان، وَإِن بعض الْبَيَان يشبه السحر، فَمن صَحِبنَا بِخمْس خِصَال، فأبلغنا حَاجَة من لَا يَسْتَطِيع إبلاغها، ودلنا على مَا لَا نهتدي إِلَيْهِ من الْعدْل، وأعاننا على الْخَيْر، وَسكت عَمَّا لَا يعنيه، وَأدّى الْأَمَانَة الَّتِي حملهَا منا وَمن عَامَّة الْمُسلمين فحيّهلا، وَمن كَانَ على غير ذَلِك فَفِي غير حلّ من صحبتنا وَالدُّخُول علينا. وَأتي بِقوم أخذُوا على شراب وَفِيهِمْ شيخ، فَظَنهُ شَاهدا، فَقَالَ لَهُ: بِمَ تشهد؟ فَقَالَ: لست شَاهدا وَلَكِنِّي مبتلى، فرق لَهُ عمر، وَقَالَ: يَا شيخ؛ لَو كُنْتُم حِين اجْتَمَعْتُمْ على شرابكم قُلْتُمْ: اللَّهُمَّ تولنا وَلَا تولنا غَيْرك لم يعلم بكم أحد.
[ ٢ / ٨٥ ]
وَدخل على عبد الْملك وَهُوَ صبي، فَقَالَ لَهُ: كَيفَ نَفَقَتك فِي عِيَالك؟ فَقَالَ عمر: حَسَنَة بَين سيئتنين. فَقَالَ لمن حوله: أَخذه من قَول الله تَعَالَى: " وَالَّذين إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا وَلم يقترُوا وَكَانَ بَين ذَلِك قوامًا ". وَكتب عمر إِلَى عدي بن أَرْطَأَة فِي شَيْء بلغه عَنهُ: إِنَّمَا يعجل بالعقوبة من يخَاف الْفَوْت. وَقَالَ: لَو كنت فِي قتلة الْحُسَيْن وَأمرت بِدُخُول الْجنَّة مَا فعلت؛ حَيَاء أَن تقع عليّ عين مُحَمَّد ﷺ. وَشَتمه رجل فَقَالَ: لَوْلَا يَوْم الْقِيَامَة لأجبتك. وأهدي إِلَيْهِ تفاح لبناني، وَكَانَ قد اشتهاه، فَرده. فَقيل لَهُ: قد بلغك أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْكُل الْهَدِيَّة، فَقَالَ: يَا عَمْرو بن المُهَاجر: إِن الْهَدِيَّة كَانَت لرَسُول الله هَدِيَّة، وَلنَا رشوة. وَقَالَ لجارية فِي صباه بِحَضْرَة مؤدبه: أعضّك الله بِكَذَا؟ . فَقَالَ لَهُ الْمُؤَدب: قل أعضّك عبد الْعَزِيز. فَقَالَ: إِن الْأَمِير أجلّ من ذَلِك. قَالَ: فَلْيَكُن الله أجلّ فِي صدرك. فَمَا عاود بعْدهَا كلمة حَيَاء. وَقَالَ: مَا أَطَاعَنِي النَّاس فِيمَا أردْت من الْحق حَتَّى بسطت لَهُم طرفا من الدُّنْيَا. وَدخل عَلَيْهِ مَيْمُون بن مهْرَان فَقَالَ لَهُ - وَقد قعد فِي أخريات النَّاس -: عظني. فَقَالَ مَيْمُون: إِنَّك لمن خير أهلك إِن وقيت ثَلَاثَة. قَالَ: مَا هنّ؟ قَالَ: إِن وقيت السُّلْطَان وَقدرته، والشباب وغرته، وَالْمَال وفتنته. قَالَ: أَنْت أولى بمكاني مني. ارْتَفع إليّ، فأجلسه مَعَه على سَرِيره. قَالَ بَعضهم: كُنَّا نعطي الغسال الدَّرَاهِم الْكَثِيرَة، حَتَّى يغسل ثيابنا فِي إِثْر ثِيَاب عمر بن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ أَمِير؛ من كَثْرَة الطّيب والمسك فِيهَا. وَلما نزل بعمر الْمَوْت قَالَ: يَا رَجَاء، هَذَا وَالله السُّلْطَان، لَا مَا كُنَّا فِيهِ.
[ ٢ / ٨٦ ]
وَقيل لَهُ: لم لَا تنام؟ قَالَ: إِن نمت بِاللَّيْلِ ضيعت نَفسِي، وَإِن نمت بِالنَّهَارِ ضيعت الرّعية. أَمر عمر بعقوبة رجل قد كَانَ نذر لَئِن أمكنه الله مِنْهُ ليفعلن وليفعلن، فَقَالَ لَهُ رَجَاء بن حَيْوَة: قد فعل الله مَا تحب من الظفر، فافعل مَا يحب الله من الْعَفو. وعزل عمر بعض قُضَاته، فَقَالَ لَهُ: لم عزلتني؟ فَقَالَ: بَلغنِي أَن كلامك أَكثر من كَلَام الْخَصْمَيْنِ إِذا تحاكما إِلَيْك. وَأتي بِرَجُل كَانَ واجدًا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: لَوْلَا أَنِّي غَضْبَان لضربتك. وأسمعه رجل كلَاما، فَقَالَ لَهُ: أردْت أَن يستفزني الشَّيْطَان بعز السُّلْطَان، فأنال مِنْك الْيَوْم مَا تناله مني غَدا، انْصَرف رَحِمك الله. وَكتب أَن امنعوا النَّاس من المزاح، فَإِنَّهُ يذهب الْمُرُوءَة، ويوغر الصَّدْر. وَكتب إِلَى بعض عماله: لَا تجاوزنّ بظالم فَوق حَده فَتكون أظلم الظَّالِمين. وَقَالَ: لَو تخابثت الْأُمَم فَجِئْنَا بالحجاج لغلبناهم. مَا كَانَ يصلح لدُنْيَا وَلَا آخِرَة، لقد ولي الْعرَاق فأخربه حَتَّى لم يؤد إِلَّا أَرْبَعُونَ ألف ألف دِرْهَم، وَقد أُدي إليّ فِي عَامي هَذَا ثَمَانُون ألف ألف دِرْهَم، وَإِن بقيت إِلَى قَابل رَجَوْت أَن يُؤدى إليّ مَا أُدي إِلَى عمر بن الْخطاب: مائَة ألف ألف وَعِشْرُونَ ألف ألف دِرْهَم. وَأتي بخصيٍ ليشتريه فَرده وَقَالَ: أكره أَن يكون لَهُ بِشِرَائِهِ مَعُونَة على الخصاء. وَكَانَ إِذا قدم عَلَيْهِ بريد قَالَ: هَل رَأَيْت فِي النَّاس غرسات؟ يُرِيد الخصب. وَكَانَ يَقُول: التقى ملجم. وعزّي عَن ابْنه عبد الْملك، فَقَالَ: إِن هَذَا أَمر لم نزل نتوقعه، فَلَمَّا وَقع لم ننكر.
[ ٢ / ٨٧ ]
وكلم رجلا من بني أُميَّة قد وَلدته نسَاء مرّة، فعاب عَلَيْهِ جفَاء رَآهُ مِنْهُ، فَقَالَ: قبح الله شبها غلب عَلَيْك من بني مرّة، فَبلغ ذَلِك عقيل بن علّفة المرّي وَهُوَ بجنفاء من الْمَدِينَة على أَمْيَال فِي ولد بني مرّة، فَركب حَتَّى قدم على عمر وَهُوَ بدير سمْعَان، فَقَالَ: هيها يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، بَلغنِي أَنَّك غضِبت على فَتى من بني أَبِيك، فَقلت: قبح الله شبها غلب عَلَيْك من بني مره، وَإِنِّي أَقُول: قبح الله ألأم طَرفَيْهِ، فَقَالَ عمر: وَيحك! دع هَذَا وهات حَاجَتك. فَقَالَ: لَا وَالله مَا لي حَاجَة غير هَذَا، ثمَّ ولى رَاجعا من حَيْثُ جَاءَ. فَقَالَ عمر: يَا سُبْحَانَ الله، من رأى مثل هَذَا الشَّيْخ؟ جَاءَ من جنفاء، لَيْسَ إِلَّا ليشتمنا؟ فَقَالَ لَهُ رجل من بني مرّة: إِنَّه وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا شتمك، وَمَا شتم إِلَّا نَفسه. نَحن وَالله ألأم طَرفَيْهِ. وَلما اسْتخْلف عمر بعث بِأَهْل بَيت الْحجَّاج إِلَى الْحَارِث بن عَمْرو الطَّائِي، وَكَانَ على البلقاء، وَكتب إِلَيْهِ: أما بعد، فَإِنِّي بعثت إِلَيْك بآل أبي عقيل، وَبئسَ وَالله أهل الْبَيْت فِي دين الله وأخلاق الْمُسلمين، فأنزلهم بِقدر هوانهم على الله وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَلما هرب يزِيد بن الْمُهلب من سجنه، وَكتب إِلَيْهِ: لَو علمت أَنَّك تبقى مَا فعلت، وَلَكِنَّك مَسْمُوم، وَلم أكن لأضع يَدي فِي يَدي ابْن عَاتِكَة فَقَالَ عمر: اللَّهُمَّ قد هاضني فهضه. وَقَالَ: كفى بِالْمَرْءِ غيا أَن تكون فِيهِ خلة من ثَلَاث: أَن يعيب شَيْئا ثمَّ يَأْتِي مثله، أَو يَبْدُو لَهُ من الْحَيَّة مَا يخفى عَلَيْهِ من نَفسه، أَو يُؤْذِي جليسه فِيمَا لَا يعنيه. وَقيل لَهُ: أَي الْجِهَاد أفضل؟ فَقَالَ: جهادك هَوَاك. وَقَالَ: ثَلَاث من كن فِيهِ كمل: من لم يُخرجهُ غَضَبه عَن طَاعَة الله، وَلم يستنزله رِضَاهُ إِلَى مَعْصِيّة الله، وَإِذا قدر عَفا وكف. حكى عَن عدي بن الفضيل قَالَ: خرجت إِلَى عمر أستحفره بِئْرا بالعذبة، فَقَالَ لَهُ: وَأَيْنَ العذبة؟ فَقلت: على لَيْلَتَيْنِ من الْبَصْرَة، فتأسف أَلا يكون بِمثل
[ ٢ / ٨٨ ]
هَذَا الْموضع مَاء، فأحفرني وَاشْترط عليّ أَنه أول شَارِب يَأْتِي السَّبِيل. قَالَ: فحضرته فِي جُمُعَة وَهُوَ يخْطب فَسَمعته يَقُول: أَيهَا النَّاس، إِنَّكُم ميتون، ثمَّ إِنَّكُم مبعوثون، ثمَّ إِنَّكُم محاسبون، فلعمري: لَئِن كُنْتُم صَادِقين لقصرتم، وَلَئِن كُنْتُم كاذبين لقد هلكتم، أَيهَا النَّاس، إِنَّه من يقدر لَهُ رزق بِرَأْس جبل أَو بحضيض أَرض يَأْته، فأجملوا فِي الطّلب. قَالَ: فأقمت عِنْده شهرا مَا بِي إِلَّا اسْتِمَاع كَلَامه. قيل: أُتِي الْوَلِيد بن عبد الْملك بِرَجُل من الْخَوَارِج، فَقَالَ لَهُ: أما تقولت فِي الْحجَّاج؟ قَالَ: مَا عَسَيْت أَن أَقُول فِي الْحجَّاج؟ وَهل الْحجَّاج إِلَّا خَطِيئَة من خطاياك؟ وشررة من نارك؟ فلعنك الله، وَلعن الْحجَّاج مَعَك. وَأَقْبل يشتمهما، فَالْتَفت الْوَلِيد إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز، فَقَالَ: مَا تَقول فِي هَذَا؟ قَالَ عمر: وَمَا أَقُول فِيهِ؟ هَذَا رجل يشتمكم، فإمَّا أَن تشتموه كَمَا شتمكم أَو تَعْفُو عَنهُ. فَغَضب الْوَلِيد وَقَالَ لعمر: مَا أَظُنك إِلَّا خارجيًا. فَغَضب عمر وَقَالَ: مَا أَظُنك إِلَّا مَجْنُونا. وَقَامَ وَخرج مغضبًا. ولحقه خَالِد بن الريان، فَقَالَ لَهُ: مَا دعَاك إِلَى مَا كلمت بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ وَالله لقد ضربت بيَدي إِلَى قَائِم سَيفي أنتظره مَتى يَأْمُرنِي بِضَرْب عُنُقك. فَقَالَ لَهُ عمر: وَكنت فَاعِلا لَو أَمرك! قَالَ: نعم. فَلَمَّا اسْتخْلف عمر جَاءَ خَالِد بن الريان، فَقَامَ على رَأسه كَمَا كَانَ يقوم على رَأس من كَانَ قبله من الْخُلَفَاء. قَالَ: وَكَانَ رجل من الْكتاب يضر وينفع بقلمه، فجَاء حَتَّى جلس مَجْلِسه الَّذِي كَانَ يجلس فِيهِ الْخُلَفَاء. قَالَ: فَنظر عمر إِلَى خَالِد بن الريان، وَقَالَ: يَا خَالِد ضع سَيْفك؛ فَإنَّك تطيعنا فِي كل أَمر نأمرك بِهِ، وضع أَنْت يَا هَذَا قلمك، فقد كنت تضر بِهِ وَتَنْفَع. ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قد وضعتهما لَك فَلَا ترفعهما. قَالَ: فوَاللَّه مَا زَالا وضيعين مهينين بشر حَتَّى مَاتَا. وَقَالَ: مَا كلمني رجل من بني أَسد إِلَّا تمنيت لَهُ أَن يمد لَهُ فِي حجَّته، حَتَّى يكثر كَلَامه فأسمعه. وَلذَلِك قَالَ يُونُس: لَيْسَ فِي أَسد إِلَّا خطيب أَو شَاعِر أَو قائف أَو راجز أَو كَاهِن أَو فَارس.
[ ٢ / ٨٩ ]
يرْوى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ يدْخل عَلَيْهِ سَالم مولى بني مَخْزُوم، وَقَالُوا: بل زِيَاد، وَكَانَ عمر أَرَادَ شِرَاءَهُ وعتقه، فَأعْتقهُ موَالِيه، وَكَانَ عمر يُسَمِّيه أخي فِي الله، فَكَانَ إِذا دخل وَعمر فِي صدر بَيته تنحى عَن الْقبْلَة، فَيُقَال لَهُ فِي ذَلِك، فَيَقُول: إِذا دخل عَلَيْك من لَا يهولك فَلَا تَأْخُذ عَلَيْهِ شرف الْمجْلس. وهمّ السراج لَيْلَة أَن يخمد، فَوَثَبَ رَجَاء بن حَيْوَة ليصلحه، فأقسم عَلَيْهِ عمر فَجَلَسَ، ثمَّ قَامَ عمر فأصلحه، فَقَالَ لَهُ رَجَاء بن حَيْوَة: أتقوم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! قَالَ: قُمْت وَأَنا عمر، وتعللت وَأَنا عمر. وَقَالَ: قيدوا النعم بالشكر، وقيدوا الْعلم بِالْكتاب. وَقَالَ لمؤديه: كَيفَ كَانَت طَاعَتي إياك وَأَنت تؤدبني؟ فَقَالَ: أحسن طَاعَة. قَالَ: فأطعني الْآن كَمَا كنت أطيعك إِذْ ذَاك، خُذ من شاربك حَتَّى تبدو شفتاك وَمن ثَوْبك حَتَّى يَبْدُو عقباك. ويروى أَن عمر خرج يَوْمًا فَقَالَ: الْوَلِيد بِالشَّام، وَالْحجاج بالعراق، وقرة بن شريك بِمصْر، وَعُثْمَان بن حَيَّان بالحجاز، وَمُحَمّد بن يُوسُف بِالْيمن. امْتَلَأت الأَرْض وَالله جورًا. وَقَالَ عبد الْملك ابْنه لَهُ يَوْمًا: يَا أَبَت إِنَّك تنام نوم القائلة، وَذُو الْحَاجة على بابك غير نَائِم. فَقَالَ: يَا بني إِن نَفسِي مطيتي، وَإِن حملت عَلَيْهَا فِي التَّعَب خسرتها. وَذكر عمر زيادًا، فَقَالَ: قَاتل الله زيادًا. جمع لَهُم كَمَا تجمع الذّرة، وحاطهم كَمَا تحوط الْأُم الْبرة، واصلح الْعرَاق بِأَهْل الْعرَاق، وَترك أهل الشَّام فِي شامهم، وجبى من الْعرَاق مائَة ألف ألف، وَثَمَانِية عشر ألف ألف دِرْهَم.
[ ٢ / ٩٠ ]
وخطب النَّاس لما مَاتَ ابْنه عبد الْملك، فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي جعل الْمَوْت حتما وَاجِبا على عباده، فسوى فِيهِ بَين ضعيفهم وقويهم، ورفيعهم وَدينهمْ، فَقَالَ ﵎: " كل نفس ذائقة الْمَوْت ". فَليعلم ذَوُو النهى مِنْهُم أَنهم صائرون إِلَى قُبُورهم، مقرون بأعمالهم، وَاعْلَمُوا أَن لله مَسْأَلَة فاحصة، قَالَ ﵎: " فوربك لنسئلنهم أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ " وَقَالَ: إِذا اسْتَأْثر الله بِشَيْء فاله عَنهُ. وَقَالَ فِي خطْبَة لَهُ: أَيهَا النَّاس، إِنَّمَا الدُّنْيَا أمل مخترم، وَأجل منفض، وبلاغ إِلَى دَار غَيرهَا، وسير إِلَى الْمَوْت لَيْسَ فِيهِ تعريج. فرحم الله امْرَءًا فكر فِي أمره، ونصح نَفسه، وراقب ربه، واستقال ذَنبه. أَيهَا النَّاس، قد علمْتُم أَن أَبَاكُم أخرج من الْجنَّة بذنب وَاحِد، وَأَن ربكُم وعد على التَّوْبَة، فَلْيَكُن أحدكُم من ذَنبه على وَجل، وَمن ربه على أمل. وَقَالَ: لَا يتَزَوَّج من الموَالِي فِي الْعَرَب إِلَّا الأشر البطر، وَلَا يتَزَوَّج من الْعَرَب فِي الموَالِي إِلَّا الطمع الطَّبْع. ألأا وَقَالَ لِابْنِهِ عبد الله: يَا بني، التمس الرّفْعَة بالتواضع، والشرف بِالدّينِ، وَالْعَفو من الله بِالْعَفو عَن النَّاس، وَلَا تحقرن أحدا؛ فَإنَّك لَا تَدْرِي لَعَلَّ بعض من تزدريه عَيْنك أقرب إِلَى الله مِنْك وَسِيلَة، وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا، وَلَا تنس نصيب النَّاس مِنْك. وَكتب إِلَيْهِ عدي بن أَرْطَأَة لما حفر نهر عدي بِالْبَصْرَةِ: إِنِّي حفرت لأهل الْبَصْرَة نَهرا، أعذبت بِهِ مشربهم، وجادت عَلَيْهِ أَمْوَالهم، فَلم أر لَهُم على ذَلِك شكرا، فَإِن أَذِنت لي قسمت عَلَيْهِم مَا أنفقته عَلَيْهِ. فَكتب إِلَيْهِ عمر: إِنِّي لَا أَحسب أهل الْبَصْرَة عِنْد حفرك لَهُم هَذَا النَّهر خلوا من رجل قَالَ: الْحَمد لله. وَقد رَضِي الله بهَا شكرا من جنته، فارض بهَا شكرا من نهرك. وخطب بِعَرَفَات فَقَالَ: إِنَّكُم قد أنضيتم الظّهْر وأرملتم؛ وَلَيْسَ السَّابِق الْيَوْم من سبق بعيره وَلَا فرسه، وَلَكِن السَّابِق الْيَوْم من غفر لَهُ.
[ ٢ / ٩١ ]
وخطب فَقَالَ: أَيهَا النَّاس؛ لَا تَسْتَكْثِرُوا شَيْئا من الْخَيْر أتيتموه، وَلَا تستقلوا شَيْئا مِنْهُ أَن تفعلوه، وَلَا تستصغروا الذُّنُوب، والتمسوا تمحيص مَا سلف من ذنوبكم بِالتَّوْبَةِ، وَالْعَمَل الصَّالح فِيمَا غبر من آجالكم، فَإِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات. وَقد ذكر الله ﷿ قوما، فَقَالَ: " وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ " وَإِيَّاكُم والإصرار على الذُّنُوب؛ فَإِن الله ذكر قوما بِذُنُوبِهِمْ فَقَالَ: " كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون. ثمَّ إِنَّهُم لصالوا الْجَحِيم. ثمَّ يُقَال هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون " نَار لَا تطفأ، وَنَفس لَا تَمُوت، فَهِيَ كَمَا وصف الله ﷿: " كلما أَرَادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا أعيدوا فِيهَا ". و" كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب " فَهَل لأحد بِهَذَا طَاقَة؟ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَلا يَحْجُبهُ الله فَلْيفْعَل. وخطب فَقَالَ: أما بعد؛ فَإنَّك نَاشِئ فتْنَة، وقائد ضَلَالَة قد طَال جثومها، واشتدت غمومها، وتلونت مصايد عَدو الله فِيهَا، وَمَا نصب لأهل الْغَفْلَة من الشّرك عَمَّا فِي عواقبها، فَلَنْ يهد عمودها، وَلنْ ينْزع أوتادها إِلَّا الَّذِي بِيَدِهِ ملك الْأَشْيَاء، وَهُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم. أَلا وَإِن لله بقايا من عباده، لم يتحيروا فِي ظلمتها، وَلم يشايعوا أَهلهَا على شبهها، مصابيح النُّور فِي قُلُوبهم تزهر، وألسنتهم بحجج الْكتاب تنطق، ركبُوا نهج السَّبِيل، وَقَامُوا على اللقم الْأَكْبَر الْأَعْظَم. وهم خصماء الشَّيْطَان الرَّجِيم. وبهم يصلح الله الْبِلَاد، وَيدْفَع عَن الْعباد، فطوبى لَهُم وللمستصبحين بنورهم، أسأَل الله أَن يجعلنا مِنْهُم. وخطب فَقَالَ: مَا أنعم الله على عبد نعْمَة، فانتزعها مِنْهُ فغاضه من ذَلِك الصَّبْر، إِلَّا كَانَ مَا عاضه الله من ذَلِك أفضل مِمَّا انتزعه مِنْهُ، ثمَّ قَرَأَ: " إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب ". وَمر بِرَجُل يسبح بالحصى، فَقَالَ لَهُ: ألق الْحَصَى، وأخلص الدُّعَاء.
[ ٢ / ٩٢ ]
وَكتب إِلَى الْجراح بن عبد الله الْحكمِي: إِن اسْتَطَعْت أَن تدع مِمَّا أحل الله لَك مَا يكون حاجزًا بَيْنك وَبَين مَا حرم الله عَلَيْك فافعل، فَإِنَّهُ من استوعب الْحَلَال كُله تاقت نَفسه إِلَى الْحَرَام. وَسمع وَقع الصَّوَاعِق، ودوي الرّيح، وَصَوت الْمَطَر، وَرَأى فزع النَّاس، فَقَالَ: هَذِه رَحمته، فَكيف نقمته؟ . وَقَالَ لَهُ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي: من كَانَت الْخلَافَة زينته فقد زينتها. وَمن كَانَت شرفته فقد شرفتها، فَأَنت كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وَإِذا الدّرّ زَان حسن وُجُوه كَانَ للدر حسن وَجهك زينا فَقَالَ عمر: إِن صَاحبكُم أعْطى مقولًا وَحرم معقولًا. وَقَالَ: مَا قرن شَيْء إِلَى شَيْء أفضل من حلم إِلَى علم، وَمن عَفْو إِلَى قدرَة، وَقَالَ رهم مولى عمر بن عبد الْعَزِيز: ولاني عمر ثمَّ قَالَ: يَا رهم إِذا دعتك نَفسك إِلَى ظلم من هُوَ دُونك فاذكر قدرَة الله ﷿ عَلَيْك، وانتقامه مِنْك، وفناء مَا يكون مِنْك إِلَيْهِ عَنهُ، وَبَقَاء مَا يكون مِنْك إِلَيْهِ عَلَيْك. أَتَى عمر منزله فَقَالَ: هَل من طَعَام؟ فَأصَاب تَمرا وَشرب مَاء، فَقَالَ: من أدخلهُ بَطْنه النَّار؛ فَأَبْعَده الله. وَقَالَ: أحسن الظَّن بأخيك حَتَّى يَغْلِبك. وَقَالَ: الْقُلُوب أوعية السرائر، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فَلْيحْفَظ كل امْرِئ مِنْكُم مِفْتَاح سره. وَقَالَ لِابْنِهِ: بت على بَيَان من أَمرك، وَليكن لَك مطوي من سرك. وَدخل عَلَيْهِ مسلمة بن عبد الْملك فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أفقرت أَفْوَاه ولدك من هَذَا المَال، وتركتهم عَالَة لَا أحد لَهُم وَلَا مَال لَهُم، فَلَو أَنَّك أوصيت بهم إليّ أَو إِلَى أشباهي من قَوْمك مِمَّن يَكْفِيك مئونتهم. فَقَالَ: أقعدوني، ثمَّ قَالَ: يَا مُسلم؛ أما مَا ذكرت من إيصائي بولدي إِلَيْك أَو إِلَى أشباهك من قومِي ليكفوني مئونتهم، فَإِن وصيي فيهم ووليي الله
[ ٢ / ٩٣ ]
الَّذِي نزل الْكتاب وَهُوَ يتَوَلَّى الصَّالِحين، وَأما مَا ذكرت من إفقاري إيَّاهُم من هَذَا المَال فوَاللَّه مَا ظلمتهم حَقًا هُوَ لَهُم، وَمَا كنت لأعطيهم حق غَيرهم. وَمَا ولد عمر إِلَّا أحد رجلَيْنِ: رجل اتَّقى الله فسيرزقه، وَرجل غدر أَو فجر، فَلَنْ يكون عمر أول من قواه بِالْمَالِ على الْمعْصِيَة. ثمَّ قَالَ: عليّ بهم. فأدخلوا عَلَيْهِ وهم يَوْمئِذٍ اثْنَا عشر، فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم اغرورقت عَيناهُ بالدموع وَقَالَ: بنفسي فتية تَركتهم، وَلَا أحد لَهُم. بلَى يَا بني، إِنِّي قد تركتكم بِخَير من الله، لَا تمرون بِمُسلم وَلَا معاهد إِلَّا وَلكم عَلَيْهِ حق. يَا بني، إِنِّي ميلت بَين رأيين: بَين أَن تفتقروا، أَو يدْخل أبوكم النَّار، فَرَأَيْت أَن تفتقروا إِلَى آخر يَوْم من الْأَبَد أحب إِلَى أبيكم من أَن يدْخل النَّار. وَكتب إِلَى الْجراح بن عبد الله الْحكمِي، وَهُوَ على خُرَاسَان: أما بعد؛ فَإِن اسْتَطَعْت أَن تدع مِمَّا أحل الله لَك مَا يكون حاجزًا بَيْنك وَبَين مَا حرم الله فافعل؛ فَإِن من استوعب الْحَلَال كُله تاقت نَفسه إِلَى الْحَرَام. وَكتب إِلَى ابْن حزم: أما بعد؛ فَإِن الطالبين الَّذين نجحوا، والتجار الَّذين ربحوا، الَّذين اشْتَروا الْبَاقِي الَّذِي يَدُوم بالفاني المذموم، فاغتبطوا ببيعهم، وحمدوا عَاقِبَة أَمرهم، فَالله الله، وبدنك صَحِيح، وَأَنت مريح، قبل أَن تَنْقَضِي أيامك، وَينزل بك حمامك، فَإِن الْيَسِير الَّذِي أَنْت فِيهِ يقلص ظله، ويفارقه أَهله، فالسعيد الْمُوفق من أكل فِي عاجلته قصدا، وَقدم ليَوْم فقره غَدا، وَخرج مَحْمُودًا من الدُّنْيَا قد انْقَطع عَنهُ علاج أمورها، وَصَارَ إِلَى نعيم الْجنَّة. وَكتب إِلَى بعض عماله: أما بعد؛ فلتخفّ يدك عَن دِمَاء الْمُسلمين، وبطنك عَن أَمْوَالهم، وَلِسَانك عَن أعراضهم، فَإِذا فعلت ذَلِك فَلَا سَبِيل عَلَيْك " إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم ". وَكَانَ من دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي من الدُّنْيَا مَا تكفني بِهِ عَن شهواتها، وتعصمني بِهِ من فتنتها، وتغنيني بِهِ عَن جَمِيع أَهلهَا.
[ ٢ / ٩٤ ]