تعرّت الحضرمية يوماُ وَزوجهَا ينظر إِلَيْهَا، فَقَالَت: مَا ترى فِي خلق الرَّحْمَن من تفَاوت، فَأَشَارَ إِلَى ركبهَا وَقَالَ: أرى هَاهُنَا شَيْئا من فطور. ضرط ابْن لعبد الْملك صَغِير فِي حجره فَقَالَ لَهُ: قُم إِلَى الكنيف. قَالَ لَهُ: أَنا فِيهِ يَا أَبَانَا. قَالَ مُعَاوِيَة لعقيل: إِن فِيكُم شبقًا يَا بني هَاشم. قَالَ: هُوَ منا فِي الرِّجَال ومنكم فِي النِّسَاء. قَالَ بَعضهم لآخر: يَا خائن. فَقَالَ: تَقول لي ذَلِك وَقد ائتمنك الله على مِقْدَار دِرْهَم من جسدك فَلم تُؤَد الْأَمَانَة فِيهِ. دخل إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي الْحمام، فَرَأى رجلا عَظِيم الذّكر، فَقَالَ: يَا فَتى، مَتَاع الْبَغْل! قَالَ: لَا، بل نحملك عَلَيْهِ. فَلَمَّا خرج أرسل إِلَيْهِ بصلَة وَكِسْوَة وَقَالَ لرَسُوله: قل لَهُ اكتم هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ كَانَ مزاحا، فَرده وَقَالَ: لَو قبلت حملاننا لقبلنا صلتك. قيل لرجل قدم من الْحَج: كَيفَ خلفت سعر النِّعَال بِمَكَّة. تعريضًا لَهُ بالهدية، فَقَالَ: الفلعة بِحمْل ونبيجة فَاكِهَة. شتم عِيسَى بن فرخانشاه رجلا نَصْرَانِيّا، فَقَالَ: يَا ابْن الزَّانِيَة. فَقَالَ لَهُ: أَنْت مُسلم وَلَا اقدر على شتمك، وَلَكِن أَخُوك يحيى بن فرخانشاه هُوَ ابْن الزَّانِيَة. قَالَ الفرزدق لزياد الْأَعْجَم: يَا أقلف. فَقَالَ زِيَاد: يَا ابْن النمامة أمك أَخْبَرتك بِهَذَا.
[ ٢ / ١٤٤ ]
قَالَ رجل لأبي الْأسود: كَأَن وَجهك فقاح مجتمعة. قَالَ: فَهَل ترى فقحة أمك فِيهَا؟ . قَالَ العطوي: قلت لجارية: اشتهي أَن أقبلك. قَالَت: وَلم؟ قلت: لِأَنَّك زَانِيَة. قَالَت: وكل زَانِيَة تقبلهَا؟ قلت: نعم. قَالَت: فابدأ بِمن تعول. قَالَ غُلَام ثُمَامَة لثمامة: قُم صل واسترح. قَالَ: أَنا مستريح إِن تَرَكتنِي. اشْترى عَليّ بن الْجَعْد جَارِيَة بثلاثمائة دِينَار، فَقَالَ لَهُ ابْن قادم النَّحْوِيّ: أَي شَيْء تصنع بِهَذِهِ الْجَارِيَة؟ فَقَالَ: لَو كَانَ هَذَا شَيْئا يجرب على الإخوان لجربناه عَلَيْك. أشرف رجل على أبي الْأسود وَهُوَ مختضب عُرْيَان بَين رجلَيْهِ خرقَة، فَقَالَ: يَا أَبَا السود، لَيْت أيري فِي سرتك. قَالَ: أفتدري أَيْن تكون فقحتك؟ فَخَجِلَ الرجل وَانْصَرف. قَالَ بعض الرؤساء لبَعض الْخُلَفَاء: أَنا اشتهي أَن أرى النِّسَاء كَيفَ يتساحقن. قَالَ: ادخل دَارك قَلِيلا قَلِيلا. وَقَالَ آخر لبَعض المجان: مَا الدُّنْيَا إِلَّا الْمَجُوس، يدْخل الْأَب ف ك، وَيدخل الإبن ف ك، فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ، لَا يسمع ذَاك أهل دَارك فيرتدوا. سمع بَعضهم رجلا يَقُول: أبي كَانَ لَا يدْخل سكَّة إِلَّا قَامَ النَّاس لَهُ. فَقَالَ: نعم، صدقت، لِأَنَّهُ كَانَ يتقدمه حمل شوك. نظر أَبُو الشمقمق إِلَى رجل يمازح غُلَاما قد التحى، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَأْكُل التَّمْر لِأَنَّهُ كَانَ رطبا. قَالَ: فَكل الخرى لِأَنَّهُ كَانَ جوذابًا. كَانَ حَمَّاد الراوية يتهم بالزندقة وَكَانَ يصحب ابْن بيض، فدخلا يَوْمًا على وَالِي الْكُوفَة، فَقَالَ لِابْنِ بيض: قد صالحت حمادًا؟ قَالَ: نعم أَيهَا الْأَمِير، على أَلا آمره بِالصَّلَاةِ، وَلَا ينهاني عَنْهَا.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وَكَانَ من حمقاء قُرَيْش سُلَيْمَان بن يزِيد بن عبد الْملك، وَكَانَ وضيئًا. قَالَ يَوْمًا لعن الله الْوَلِيد أخي، فَإِنَّهُ كَانَ فَاجِرًا، وَالله لقد راودني عَن نَفسِي. فَقَالَ لَهُ قَائِل: اسْكُتْ. فوَاللَّه إِن كَانَ همّ لقد فعل. أنْشد حضري أَعْرَابِيًا شعرًا لنَفسِهِ، وَقَالَ: تراني مطبوعا؟ قَالَ: نعم على قَلْبك. قَالَ أَبُو عُثْمَان: رَأَيْت رجلا من الْمُنَافِقين كَانَ أَرَادَ أَن يكون على جَبهته سجادة فَوضع عَلَيْهَا ثومًا وشده، فَلَمَّا نَام انقلبت السجادة، وَصَارَت على الْجَانِب الْأَيْمن، فَسَأَلته عَن ذَلِك، فَقَالَ: وَمن النَّاس من يعبد الله على حرف. اعْترض عَمْرو بن اللَّيْث فَارِسًا من جَيْشه، فَكَانَت دَابَّته بغاية الهزال. فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، تَأْخُذ مَالِي تنفقه على امْرَأَتك وتسمنها، وتهزل دابتك الَّتِي عَلَيْهَا تحارب، وَبهَا تَأْخُذ الرزق، امْضِ لشأنك فَلَيْسَ لَك عِنْدِي شَيْء. فَقَالَ الجندي: أَيهَا الْأَمِير، لَو اسْتعْرضت امْرَأَتي لاستسمنت دَابَّتي. فَضَحِك عَمْرو، وَأمر بإعطائه رزقه. قيل للنتيف الْأَصْبَهَانِيّ: لم تنتف لحيتك؟ فَقَالَ: وَأَنت فَلم لَا تنتفها؟ رأى ابْن مكرم منجمًا عِنْد أبي العيناء، فَقَالَ: مَا يصنع هَذَا؟ قَالَ: يعْمل مولد ابْني. قَالَ فسله أَولا هَل هُوَ ابْنك أم لَا؟ . سَأَلَ رجل آخر عَن درب الْحمير، قَالَ: ادخل أَي درب شِئْت. قَالَ أَبُو بكر الْمُقْرِئ: رَأَيْت امْرَأَة منكشفة بِبَاب الْمَسْجِد، فَقلت لَهَا: أما تستحيين؟ قَالَت: مِمَّن؟ اسْتعَار رجل من آخر حمارا فَأخْرج إِلَيْهِ إكافًا وَقَالَ: اجْعَلْهُ على من شِئْت. تزوج رجل بِامْرَأَة قد مَاتَ عَنْهَا خَمْسَة أَزوَاج، فَمَرض السَّادِس، فَقَالَت: إِلَى من تَكِلنِي؟ فَقَالَ: إِلَى السَّابِع الشقي.
[ ٢ / ١٤٦ ]
وَمَات زوج امْرَأَة فراسلها فِي ذَلِك الْيَوْم رجل يخطبها، فَقَالَت: لَو لم يسبقك غَيْرك لفَعَلت. فَقَالَ الرجل: قد قلت لَك إِذا مَاتَ الثَّانِي فَلَا تفوتيني. كَانَ ليهودي غُلَام فَبَعثه يَوْمًا ليحمل نَارا يطْبخ بهَا قدرا، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ ثمَّ عَاد بعد مُدَّة وَلَيْسَ مَعَه نَار، فَقَالَ: أَيْن النَّار؟ قَالَ: يَا سَيِّدي. قد جئْتُك بأحر من النَّار، هَذَا صَاحب الجوالي بِالْبَابِ يُطَالب بالجزية. غنّت قينة عِنْد بعض الرؤساء فطرب وشق ثَوْبه، وَقَالَ لغلامه: شقّ ثَوْبك. فَقَالَ: كَيفَ أعمل وَلَيْسَ لي غَيره؟ قَالَ: أَنا أكسوك غَدا. فَقَالَ: وَأَنا أشقه غَدا. أَدخل رجل بغلة إِلَى سوق الدَّوَابّ يَبِيعهَا فَلَقِيَهُ رجل فَقَالَ: بكم البغلة؟ . قَالَ بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم. قَالَ: لَا بأربعمائة. قَالَ صَاحبهَا: زِدْنِي شَيْئا آخر. قَالَ: أزيدك أ. . ر حمَار، فَقَالَ: اقعد أَنْت على سومك، فَإِن زادنا غَيْرك وَإِلَّا أَنْت أَحَق بِهِ. كَانَ عَفَّان بن مُسلم يروي الحَدِيث، فَقَالَ بعض من حَضَره: إِن رَأَيْت أَن تزيد فِي صَوْتك فَإِن فِي سَمْعِي ثقلًا. قَالَ: الثّقل فِي كل شَيْء مِنْك. قَالَ زيادي لرجل: يَا ابْن الزَّانِيَة. قَالَ: أتسبني بِشَيْء شرفت بِهِ؟ . قَالَ أَبُو مُوسَى ابْن المتَوَكل لرجل: لم انْقَطَعت عَنَّا؟ . فَقَالَ: بَيْتك حر، مَا خرج مِنْهُ أحد فَعَاد إِلَيْهِ. قَالَ النَّخعِيّ: مَا رَأَيْت أسْرع جَوَابا من نَصْرَانِيّ رَأَيْته بالرقة. فَإِنِّي دخلت عَلَيْهِ فِي الْحمام، وَهُوَ يصب عَلَيْهِ مَاء فَأطَال وَمَنَعَنِي الدنو من الْحَوْض، فَقلت وَقد دخلني الغيظ: تَنَح وَيلك فَإنَّك بغيض. فَترك مَا كَانَ فِيهِ وَقَالَ لي: قد فعلت، وَلَكِن لَا تُفَارِقنِي حَتَّى تَقول لي من أَيْن حكمت عليّ بِأَنِّي بغيض! قَالَ فَقلت: لِأَنَّك جعلت مَعَ الله ﷿ شَرِيكا. فَقَالَ لي: أسْرع من اللحظ: لَا
[ ٢ / ١٤٧ ]
وَالله مَا جعلت مَعَه شَرِيكا، فَإِن كنت فعلت، فَخذ كتابي إِلَيْهِ بالانصراف السَّاعَة. فأخجلني. قيل لبَعْضهِم: زوجت أمك؟ فَقَالَ: نعم، حَلَالا طيبا. فَقَالَ: أما حَلَال فَنعم، وَأما طيب فَلَا. قَالَت امْرَأَة لرائض دَوَاب: بئس الْكسْب كسبك، إِنَّمَا كسبك باستك. فَقَالَ: لَيْسَ بَين مَا أكتسب بِهِ وَبَين مَا تكتسبين بِهِ إِلَّا إصبعان. قَالَت امْرَأَة لزَوجهَا: يَا مُفلس يَا قرنان. قَالَ: إِن كنت صَادِقَة فَوَاحِدَة مِنْك وَوَاحِدَة من الله. قيل لبَعض الظرفاء من أهل الْعلم: أتكره السماع؟ قَالَ: نعم، إِذا لم يكن مَعَه شرب. كتب الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون، فِي رقْعَة: أَي دَوَاة لم يلقها قلمه؟ وَأَلْقَاهَا بَين يَدي يحيى بن أَكْثَم، فقرأها وَوَقع فِيهَا: دواتك ودواة أَبِيك. فأقرأها الْعَبَّاس أَبَاهُ الْمَأْمُون، فَقَالَ: صدق يَا بني، وَلَو قَالَ غير هَذَا لكَانَتْ الفضيحة. كَانَ ليعضهم ابْن دميم فَخَطب لَهُ إِلَى قوم، فَقَالَ الابْن لِأَبِيهِ يَوْمًا: بَلغنِي أَن الْعَرُوس عوراء، فَقَالَ الْأَب: يَا بني، بودي أَنَّهَا عمياء حَتَّى لَا ترى سماجة وَجهك. سمع رجل بِهِ وجع الضرس آخر ينشد: قَضَاهَا لغيري وابتلاني بحبها فَقَالَ: وَالله لَو ابتلاك بوجع الضرس لم تفزع لهَذَا. اعتلت امْرَأَة ابْن مضاء الرَّازِيّ، فَجعلت تَقول لَهُ: وَيلك، كَيفَ تعْمل أَنْت إِن مت أَنا؟ وَابْن مضاء الرَّازِيّ يَقُول: وَيلك، أَنا إِن لم تموتي كَيفَ أعمل؟ .
[ ٢ / ١٤٨ ]
قَالَ عبَادَة يَوْمًا لأبي حَرْمَلَة المزين: خُذ ذقني. قَالَ: يَا مخنث، أَضَع يَدي على وَجهك وَأَنا أضعها على وَجه أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿فَقَالَ لَهُ: يَا حجام أَنْت تضعها على بَاب أستك كل يَوْم خمس مَرَّات لَا يجوز أَن تضعها على وَجْهي؟﴾ . قيل لبَعْضهِم: غلامك سَاحر. قَالَ: قُولُوا لَهُ يسحر لنَفسِهِ قبَاء وَسَرَاويل. قَالَ ابْن مكرم لأبي العيناء: بَلغنِي أَنَّك مأبون. قَالَ: مَكْذُوب عليّ وَعَلَيْك. نظر رَئِيس إِلَى أبي هفان وَهُوَ يسارّ آخر، فَقَالَ: فيمَ تُكَذِّبَانِ؟ قَالَ: فِي مدحك. وَقيل لبَعض ولد أبي لَهب: الْعَن مُعَاوِيَة. فَقَالَ: مَا أشغلني: " تبت ". كَانَ لخازم بن خُزَيْمَة كَاتب ظريف أديب وَكَانَ يتنادر عَلَيْهِ، فَقَامَ يَوْمًا من بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ ابْن خُزَيْمَة: إِلَى أَيْن يَا هامان؟ فَقَالَ: أبني لَك صرحًا. قيل لرجل كَانَت امْرَأَته تشارّه: أما أحد يصلح بَيْنكُمَا؟ قَالَ: لَا، قد مَاتَ الَّذِي كَانَ يصلح بَيْننَا. يَعْنِي ذكره. قَالَ بَعضهم لصَاحب لَهُ: مَتى عَهْدك بالن. . ك؟ قَالَ: سل أمك فقد نسيت. كَانَ رجل يكثر الْحلف بِالطَّلَاق، فعوتي فِي ذَلِك، فَقَالَ: أحضروها فَإِن كَانَت تصلح لغير الطَّلَاق فاقتلوني. قيل لبَعْضهِم وَهُوَ مقنع: إِن لُقْمَان قَالَ: إِن القناع مذلة بِالنَّهَارِ معْجزَة بِاللَّيْلِ. فَقَالَ: إِن لُقْمَان لم يكن عَلَيْهِ دين. حمل إِلَى مُعَاوِيَة مَال من الْعرَاق، وعَلى رَأسه خصيّ يذب عَنهُ، فَقَالَ: يَا سَيِّدي، من لي بكف مِنْهُ؟ فَقَالَ: وَيحك، وَمَا تصنع بِهِ؟ إِنَّك إِن مت وَتركته كويت بِهِ يَوْم الْقِيَامَة. فَقَالَ: يَا مولَايَ إِن كَانَ هَذَا حَقًا فَإِن جِلْدك لَا يشترى يَوْم الْقِيَامَة بفلس.
[ ٢ / ١٤٩ ]
وقف رجل مفرط الطول على بعض العيارين وَهُوَ يبيه الرُّمَّان، فَقَالَ: هَذَا رمان صَغِير. فَقَالَ لَهُ صَاحب الرُّمَّان: لَو نظرت أَنا إِلَيْهِ حَيْثُ تنظر إِلَيْهِ أَنْت مَا كَانَ فِي عَيْني إِلَّا عفصًا. قَالَت امْرَأَة عقيل لَهُ: وَالله لَا يجمع رَأْسِي ورأسك وساد أبدا. فَقَالَ عقيل: لَكِن أستاهنا تَجْتَمِع. قَالَ بَعضهم: كنت نَائِما على سطح لي، فَسمِعت فِي بعض اللَّيْل كَلَام امْرَأَة من وَرَاء الْحَائِط تَقول لزَوجهَا: أَنا عُرْيَانَة بجنبك، وَأَنت تجلد عميرَة ﴿فَقَالَ لَهَا: يَا وَيلك، إِذا كَانَ عميرَة أفره مِنْك كَيفَ أعمل؟ قَالَ الْوَلِيد بن يزِيد لبديح: خُذ بِنَا فِي التَّمَنِّي فوَاللَّه لأغلبنك. قَالَ: وَالله لَا تغلبني أبدا﴾ قَالَ: بلَى وَالله مَا تتمنى شَيْئا إِلَّا تمنيت ضعفيه. قَالَ بديح: فَإِنِّي أَتَمَنَّى كِفْلَيْنِ من الْعَذَاب، وَأَن الله يلعنني لعنًا كَبِيرا، فَخذ ضعْفي ذَلِك. قَالَ: غلبتني لعنك الله. كَانَت رقية بنت عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان، وَأمّهَا فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن عِنْد هِشَام، وَكَانَ يُحِبهَا وتبغضه، فاعتلت فَجَلَسَ عِنْد رَأسهَا، فَقَالَ: مَا تشتكين؟ قَالَت: بغضك. فَسكت عَنْهَا سَاعَة، ثمَّ قَالَ لَهَا: مَا تشتهين؟ قَالَت: فقدك. كَانَ بِالْبَصْرَةِ رجل طَبِيب يُقَال لَهُ: حوصلة، وَكَانَ لَهُ جَار يعشق ابْنا لَهُ، فوجّه حوصلة بِابْنِهِ إِلَى بَغْدَاد فِي حَاجَة لَهُ، وَلم يعلم جَاره بذلك، فجَاء لَيْلَة يَطْلُبهُ، فصاح بِالْبَابِ: أعطونا نَارا. فَقَالَ حوصلة: المقدحة بِبَغْدَاد. شكا رجل جَارِيَته إِلَى إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي - وَكَانَ قبيحًا دميمًا - فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: هَل رَأَيْت وَجهك فِي الْمرْآة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أفرضيته لنَفسك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَكيف تلومها على كَرَاهِيَة مَا تكرههُ لنَفسك.
[ ٢ / ١٥٠ ]
كَانَ رجل دميم قَبِيح الْخلقَة قد رزق ابْنَيْنِ مليحين، فَدخل يَوْمًا إِلَى بعض الْأُمَرَاء وهما مَعَه، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا فلَان والدتهما حرَّة أم أمة؟ فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير أَفِي الدُّنْيَا حرَّة تمكن نَفسهَا من مثلي؟ ! . سمع رجل بعض الحمقى يَقُول: اللَّهُمَّ لَا تأخذنا على غَفلَة، فَقَالَ: إِذا لَا يأخذك أبدا. قَالَ غُلَام لِأَبِيهِ: يَا أبه. أَخْبرنِي مستملي أبي خَيْثَمَة: أَن أَبَا خَيْثَمَة يستثقلني، فَقَالَ: يَا بني، فَأَنت ثقيل بِإِسْنَاد. كتب رجل إِلَى صديق لَهُ: وَجه غليّ بدستيجة نَبِيذ، وغط رَأسك من الْحر، وسر إِلَيْنَا، فَقَالَ فِي الْجَواب: وَلم لَا أكشف رَأْسِي فِي بَيْتِي، واشرب الدستيجة وحدي؟ . قَالَ بعض الْبَصرِيين: كُنَّا عِنْد رجل ومعنا رجل من آل أبي معيط، وَأَبُو صَفْوَان حَاضر، فَأتيَا بفالوذجة حارة، فكاع الْقَوْم عَنْهَا لحرارتها، وأهوى إِلَيْهَا المعيطي، وَجعل يَأْكُل، فَقَالَ أَبُو صَفْوَان: انْظُرُوا إِلَى صَبر آل أبي معيط على النَّار. اتخذ ابْن أَخ لإِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس منجمًا وطبيبًا، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: وَالله مَا أعرف لَك فِي السَّمَاء نجمًا وَلَا فِي الأَرْض طبعا، فَمَا تصنع بالطبيب والمنجم. دخل بعض الْوُلَاة والمتغلبين إِلَى بلد واستتر مِنْهُ الْوَالِي قبله، فَطَلَبه، وَأخذ أَصْحَابه وطالبهم بِالدّلَالَةِ عَلَيْهِ إِلَى أَن أَخذ وَكيلا لَهُ، فألح عَلَيْهِ إلحاحًا شَدِيدا، فَلَمَّا علم ذَلِك ووقف عَلَيْهِ لم يلبث أَن خرج الأول من الاستتار، وَوجد أعوانًا فَقبض على الآخر وحبسه، وانتقل هُوَ إِلَى دَار الْإِمَارَة، فجَاء هَذَا الْوَكِيل إِلَى الْحَبْس، وَدخل على الْمَحْبُوس، وَقَالَ: كنت قد حلفتني أَن أدلك
[ ٢ / ١٥١ ]
على مَوضِع الْأَمِير إِذا عَرفته، وَقد عرفت ذَلِك، وَهُوَ فِي دَار الْإِمَارَة فِي الإيوان، فَخذه إِن أردْت أَخذه. مدح رجل رجلا عِنْد الْفضل بن الرّبيع، فَقَالَ لَهُ الْفضل: يَا عَدو الله؛ ألم تذكره عِنْدِي بِكُل قَبِيح؟ ﴿قَالَ: ذَاك فِي السِّرّ. جعلت فدَاك. تزوج أعمى امْرَأَة قبيحة، فَقَالَت: رزقت أحسن النَّاس وَأَنت لَا تَدْرِي﴾ فَقَالَ: يَا بظراء، فَأَيْنَ كَانَ البصراء عَنْك؟ ! . قَالَ رجل لآخر أصلع: إِن صلعتك هَذِه لمن نَتن دماغك، فَقَالَ: لَو كَانَ كَذَلِك مَا كَانَ على حرأمك طَاقَة شعر. دخل أَبُو العيناء إِلَى ابْن مكرم، فَقَالَ لَهُ: كَيفَ أَنْت؟ قَالَ أَبُو العيناء: كَمَا تحب؟ قَالَ: فَلم أَنْت مُطلق؟ . أهْدى رجل إِلَى إِسْمَاعِيل الْأَعْرَج فالوذجة زنخة، وَكتب مَعهَا: إِنِّي اخْتَرْت لعملها جيّد السكر السُّوسِي، وَالْعَسَل الماذي، والزعفران الْأَصْبَهَانِيّ، فَأَجَابَهُ: بَرِئت من الله إِن لم تكن عملت هَذِه الفالوذجة قبل أَن تمصر أَصْبَهَان، وَقبل أَن تفتح سوس، وَقبل أَن أوحى الله إِلَى النَّحْل. قيل للنتيف الْأَصْبَهَانِيّ: مَا بَقِي مَعَك من آلَة الْجِمَاع؟ قَالَ: البزاق. قيل للجاحظ: لم هربت فِي نكبة ابْن الزيات؟ قَالَ: خفت أَن أكون ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي التَّنور. رمى المتَوَكل عصفورًا بالبندق فَلم يصبهُ، فَقَالَ ابْن حمدون: أَحْسَنت يَا سَيِّدي، فَقَالَ: هُوَ ذَا تهزأ بِي، كَيفَ أَحْسَنت؟ قَالَ: إِلَى العصفور. كَانَ بعض الْكتاب يكْتب كتابا وَإِلَى جنبه رجل يتطلع فِي كِتَابه، فَلَمَّا شقّ عَلَيْهِ ذَلِك كتب فِي كِتَابه: وَلَوْلَا ابْن زَانِيَة أَخُو قحبة كَانَ يتطلع فِي كتابي لأطلته وشرحت فِيهِ جَمِيع مَا فِي نَفسِي، فَقَالَ الرجل: يَا سَيِّدي وَالله مَا كنت أتطلع فِي كتابك، فَقَالَ: يَا بغيض، فَمن أَيْن قَرَأت هَذَا الَّذِي كتبته؟ قيل لأبي عُرْوَة الزبيرِي: أَيَسُرُّك أَنَّك قَائِد؟ فَقَالَ: إِي وَالله، وَلَو قَائِد عُمْيَان.
[ ٢ / ١٥٢ ]
تجارى قوم فِي مجْلِس لَهُم حَدِيث الْكَمَال فِي الرِّجَال، وَدخُول النُّقْصَان عَلَيْهِم للآفات، فَقَالَ بَعضهم: من كَانَ أَعور فَهُوَ نصف رجل، وَمن لن يحسن السباحة فَهُوَ نصف رجل، وَمن لم يكن متزوجًا فَهُوَ نصف رجل. وَكَانَ فيهم أَعور، وَلم يكن يحسن السباحة وَلَا متزوجًا، فَالْتَفت إِلَى ذَلِك الْإِنْسَان وَقَالَ لَهُ: إِن كَانَ عليّ مَا تَقول فَأَنا أحتاج إِلَى نصف رجل حَتَّى أكون لَا شَيْء. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت بمنجم قد صلب، فَقلت لَهُ: هَل رَأَيْت فِي نجمك وحكمك هَذَا؟ قَالَ: كنت رَأَيْت رفْعَة، وَلَكِن لم اعْلَم أَنَّهَا فَوق خَشَبَة. قَالَ بَعضهم: نزلت بعض الْقرى، وَخرجت فِي اللَّيْل لحَاجَة فَإِذا أَنا بأعمى على عَاتِقه جرة وَفِي يَده سراج، فَلم يزل يمشي حَتَّى أَتَى النَّهر، وملأ الجرة وَانْصَرف رَاجعا، فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، أَنْت أعمى، وَاللَّيْل وَالنَّهَار عَلَيْك سَوَاء، فَمَا معنى هَذَا السراج؟ قَالَ: يَا فُضُولِيّ، حَملته معي لأعمى الْقلب مثلك يستضئ بِهِ، فَلَا يعثر بِي فِي الظلمَة فَيَقَع عليّ وَيكسر جرتي. صدم اعور فِي بعض الْأَسْوَاق امْرَأَة، فالتفتت إِلَيْهِ وَقَالَت: أعمى الله بَصرك، فَقَالَ: يَا ستي، قد اسْتَجَابَ الله نصف دعائك. دخل إِلَى بعض العور رجل من جِيرَانه - وَمَعَهُ حمَار - فَقَالَ: أَيهَا الْأُسْتَاذ اشْتريت هَذَا الْحمار فَأَحْبَبْت أَن أتبرك بنظرك إِلَيْهِ فكم يُسَاوِي عنْدك؟ فَتَأَمّله، ثمَّ قَالَ: يُسَاوِي خمسين درهما. وَكَانَ الرجل قد اشْتَرَاهُ بِمِائَة دِرْهَم، فَقَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله مَا أَخْطَأت بفلس، فَإِنِّي اشْتَرَيْته بِمِائَة، وَأَنت رَأَيْت نصفه. غنت مغنية بِصَوْت فِيهِ " الله يعلم. . " فكررته مرَارًا، فَقَالَ ابْن مكرم: أَنَّك بغيضة. سُئِلَ رجل عَن سنّ امْرَأَته - وَكَانَت قديمَة الصُّحْبَة لَهُ - فَقَالَ: خُذُوا عيار رَأسهَا من لحيتي. قَالَ أَبُو حنيفَة لشيطان الطاق: مَاتَ إمامك - يَعْنِي جَعْفَر الصَّادِق ﵇ - فَقَالَ لَهُ: لَكِن إمامك لَا يَمُوت إِلَى يَوْم الدّين. يَعْنِي، إِبْلِيس.
[ ٢ / ١٥٣ ]
وناظره مرّة فِي الطَّلَاق، فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة: أَنْتُم معاشر الشِّيعَة لَا تقدرون على أَن تطلقوا نساءكم، فَقَالَ شَيْطَان الطاق: نَحن نقدر على أَن نطلق على جَمِيع من خَالَفنَا نِسَاءَهُمْ. فَكيف لَا نقدر على ذَلِك فِي نسائنا؟ وَإِن شِئْت طلقت عَلَيْك امْرَأَتك. قَالَ أَبُو حنيفَة: افْعَل. قَالَ: قد طَلقتهَا بِأَمْرك، فقد قلت لي: افْعَل. قَالَ بعض العلوية لأبي العيناء: أتبغضني وَلَا تصح صَلَاتك إِلَّا بِالصَّلَاةِ عليّ، إِذا قلت: اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وَآله؟ فَقَالَ أَبُو العيناء: إِذا قلت " الطيبين " خرجت مِنْهُم. أَتَى قوم بَعضهم وَقَالُوا: نحب أَن تسلف فلَانا ألف دِرْهَم، وتؤخره سنة. فَقَالَ: هَذِه حاجتان وَلَكِنِّي سأقضي لكم إِحْدَاهمَا، أما الْألف فَلَا يسهل عليّ، وَلَكِنِّي أؤخره مَا شَاءَ الله. وَسَأَلَ بعض الْخُلَفَاء من لَا يسْتَحق الْولَايَة، فَقَالَ: ولني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أرمينية، فَقَالَ: يبطئ على أَمِير الْمُؤمنِينَ خبرك. كَانَ لبَعْضهِم ابْن متحنف، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: مَا أطيب الثكل ﴿فَقَالَ الابْن: أطيب مِنْهُ وَالله يَا أبي الْيُتْم. قَالَ بعض الْقصاص - وَهُوَ يعظ: آه. . آه﴾ ! فَقَالَ بعض المجان: من تحتي؟ فَقَالَ الْقَاص: وَمَعِي ثَلَاثَة. يُرِيد: لحمل نعشه. قَالَ رجل لحميد الطوسي - وَكَانَ عاتيًا - رَأَيْت فِي النّوم كَأَن الْقِيَامَة قد قَامَت، وَكَأن الله قد دَعَا بك، وَغفر لَك، وأدخلك الْجنَّة. فَقَالَ: إِن كَانَت رُؤْيَاك حَقًا فالجور ثمَّ أَكثر من هَاهُنَا. مر الفرزدق وَهُوَ رَاكب بغلة فضربها فضرطت، فَضَحكت مِنْهُ امْرَأَة فَالْتَفت إِلَيْهَا وَقَالَ: مَا يضحكك؟ فوَاللَّه مَا حَملتنِي أُنْثَى قطّ إِلَّا ضرطت، فَقَالَت لَهُ الْمَرْأَة: فقد حَملتك أمك تِسْعَة أشهر يَا ابْن الضراطة. قيل لمفلس: يَا مربي. قَالَ: فأل حسن.
[ ٢ / ١٥٤ ]