كَانَ يحيى بن الْحُسَيْن يُسمى ذَا الدمعة، وَكَانَت عينه لَا تكَاد تَجف من الدُّمُوع، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: وَهل ترك السهْمَان فِي مضحكا، يَعْنِي: السهْم الَّذِي رمى بِهِ زيد - ﵀ - والسهم الَّذِي رمى بِهِ يحيى بن زيد. كَانَ عِيسَى بو زيد - ﵀ - خرج مَعَ النَّفس الزكية مُحَمَّد بن عبد الله، وَأَشَارَ عَلَيْهِ لما كثر عَلَيْهِ الْجَيْش أَن يلْحق بِالْيمن، فَإِن لَهُ هُنَاكَ شيعَة، وَطَلَبه
[ ١ / ٢٦٢ ]
يبعد، فَلم يقبل مِنْهُ؛ فَلَمَّا أحس بِالْقَتْلِ نَدم على ترك الْقبُول مِنْهُ، وَقَالَ لمن حوله من شيعته: الْأَمر من بعدِي لأخي إِبْرَاهِيم؛ فَإِن أُصِيب فلعيسى بن زيد. فَلَمَّا قتل مُحَمَّد استتر عِيسَى مُدَّة أَيَّام الْمَنْصُور وَفِي أَيَّام الْمهْدي، فَطلب طلبا شَدِيدا إِلَى أَن مَاتَ فِي الاستتار فِي آخر أَيَّام الْمهْدي. وَحدث شبيب بن شيبَة، قَالَ: كنت أجالس الْمهْدي فِي كل خَمِيس، خَامِس خَمْسَة، فَخرج إِلَيْنَا عَشِيَّة وَهُوَ غَضْبَان لخَبر بلغه عَن عِيسَى بن زيد، فَقَالَ: لعن الله كتابي وعمالي وَأَصْحَاب بردى وأخباري، هَذَا ابْن زيد قد غمض على أمره فَمَا ينجم لي مِنْهُ خبر، فَقلت: لَا تشكون مِنْهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَمَا يكربك من خبر ابْن زيد؟ فوَاللَّه مَا هُوَ بحقيقٍ أَن يتبع وَأَن يجْتَمع عَلَيْهِ اثْنَان. قَالَ: فَنظر إِلَى نظرة منكرٍ لقولي، ثمَّ قَالَ: كذبت، وَالله هُوَ وَالله الْحقيق بِأَن يتبع، وَأَن يجْتَمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ. وَمَا يبعده عَن ذَلِك؟ لقد حطبت فِي حُبْلَى، وَطلبت هواي بِفساد أَمْرِي. يَا فضل - للفضل بن الرّبيع - احجبه عَن هَذَا الْمجْلس. قَالَ: فحجبت عَنهُ مُدَّة. ولعيس بن زيدٍ شعرٌ حسن، وَمَات وَله سِتُّونَ سنة، كَانَ ثلث عمره عشْرين سنة فِي الاستتار. وَكَانَ ابْنه أَحْمد بن عِيسَى من أفاضل أهل الْبَيْت علما وفقها وزهدا، وَكَانَ الرشيد حَبسه ثمَّ أطلقهُ، ثمَّ طلبه لما بلغه كَثْرَة شيعته من الزيدية، فاستتر، فَلم يزل فِي الاستتار سِتِّينَ سنة، فَلَمَّا قتل المتَوَكل وَقَامَ بعده الْمُنْتَصر، وبلغه عطفه على العلوية وإحسانه إِلَيْهِم، أَرَادَ أَحْمد بن عِيسَى أَن يظْهر نَفسه، فاعتل وَتوفى بِالْبَصْرَةِ. قيل مَاتَت ابْنة لِأَحْمَد بن عِيسَى فَوجدَ بهَا وجدا شَدِيدا، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنِّي أعلم النَّاس الصَّبْر وَآمرهُمْ بِهِ، وَمَا أنسيته وَلَا أغفلته، وَلَيْسَ جزعي لموتها، وَلَكِنِّي لَا أخبر الذّكر من أَوْلَادنَا بنسبه حَتَّى يبلغ خمس عشرَة رَسُول الله ﷺ لِئَلَّا تبدر مِنْهُ بادرة يظْهر علينا، وَلَا الْأُنْثَى حَتَّى تبلغ عشْرين سنة، وَإِن
[ ١ / ٢٦٣ ]
هَذِه الصبية توفيت وَلها سِتّ عشرَة سنة، وَلم تعلم النّسَب بَينهَا وَبَين رَسُول الله ﷺ وَلم يَقع بَأْس مِنْهَا فَأَخْبرهَا، حَتَّى مَاتَت وَهِي لَا تعلم بذلك؛ فَلهَذَا غمى وأسفى. وَأنْشد: أَلَيْسَ من العظائم أَن يورى حذار النَّاس عَن نسبٍ كريم يعمر ذُو الفخار وَلَيْسَ يدْرِي أيعزى للأغر أَو البهيم يذل بَنو النَّبِي حذار ظلمٍ ويحوي الْعِزّ ذُو النّسَب اللَّئِيم قَالَ الصولي: كنت يَوْمًا مَعَ الْغلابِي، وَنحن نقصد المربد، فمررنا بدربٍ يعرف بدرب الْحَرِيق، فَقَالَ لي: أَتَدْرِي لم سمي هَذَا بدرب الحري؟ قلت: لَا. قَالَ: كَانَ هَذَا الدَّرْب يُسمى الْمُعْتَرض، فَجَلَسَ اثْنَان على دكان بَين يَدي الدَّرْب مِمَّا يَلِي المربد، فطالب أَحدهمَا صَاحبه بِمِائَة دِينَار دينا لَهُ عَلَيْهِ، وَالرجل المطالب معترف، وَهُوَ يَقُول: يَا هَذَا: لَا تمض بِي إِلَى الْحَاكِم؛ فَإِنِّي قد تركت فِي منزلي أطفالًا قد مَاتَت أمّهم، لَا يَهْتَدُونَ لشرب المَاء إِن عطشوا، وَإِن تَأَخَّرت عَنْهُم سَاعَة مَاتُوا، وَإِن أَقرَرت عِنْد الْحَاكِم حَبَسَنِي فتلفوا؛ فَلَا تحملنِي على يمينٍ فاجرةٍ، فَإِنِّي وَالله أَحْلف لَك ثمَّ أُعْطِيك مَالك، وَصَاحبه يَقُول لَهُ: لَا بُد من تقديمك وحبسك أَو تحلف. فَلَمَّا كثر هَذَا مِنْهُمَا إِذا صرة قد سَقَطت بَينهمَا، وَمَعَهَا رقْعَة: يَا هَذَا، خُذ هَذِه الْمِائَة الدِّينَار الَّتِي لَك قبل الرجل، وَلَا تحمله على الْحلف كَاذِبًا، وَليكن جَزَاء هَذَا أَن تكتماه فَلَا يعلم بِهِ غيركما، وَلَا تسألا عَن فَاعله، فسرا بذلك جَمِيعًا وافترقا، فند الحَدِيث من أَحدهمَا فشاع، فَقيل: مَا يفعل هَذَا الْفِعْل إِلَّا أَحْمد بن عِيسَى، فقصدوا الدَّار لطلبه فوجدوا آثارًا تدل على أَنه كَانَ فِيهَا وَتَنَحَّى، وهرب صَاحب الدَّار، فَأحرق السُّلْطَان الدَّار، فَسُمي مُنْذُ ذَاك درب الْحَرِيق. كَانَ أَبُو السَّرَايَا لما مَاتَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن طَبَاطَبَا أَقَامَ مقَامه مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن زيد فَلَمَّا ظفر بِهِ حمل إِلَى مرو إِلَى الْمَأْمُون، فأظهر إكرامه وَعجب من صغر سنه، وحبسه حبسا جميلا، فَقيل لَهُ: كَيفَ رَأَيْت صَنِيع ابْن عمك أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ظفره وَقدرته. فَقَالَ: وَالله لقد أغضى عَن الْعَوْرَة، وَنَفس الْكُرْبَة، وَوصل الرَّحِم، وَعَفا عَن الجرم وَحفظ النَّبِي - ﷺ - فِي وَلَده، واستوجب
[ ١ / ٢٦٤ ]
الشُّكْر من جَمِيع أهل بَيته، وَمَات بمرو من شَيْء سقيه، فَلَمَّا أحس بِالْمَوْتِ كَانَ يَقُول: يَا جدي، يَا أبي يَا أُمِّي: اشفعوا لي إِلَى رَبِّي؛ فَكَانَ ذَلِك هجيراه إِلَى أَن مَاتَ، وَكَانَت سنة يَوْم توفى عشْرين سنة. كَانَ يحيى بن عمر بن يحيى بن الْحُسَيْن شريفًا جَلِيلًا زاهدا أيدا شَدِيدا، جوادًا حسن الْوَجْه محبيا إِلَى النَّاس، خرج إِلَى سر من رأى، وَكَانَ قد أضاق بِالْكُوفَةِ يستميح المستعين، فَرد عَلَيْهِ وصيفٌ ردا غليظًا، وَكَانَ يَلِي الْأَمر إِذْ ذَاك، فَخرج فِي سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ، وَاجْتمعَ عَلَيْهِ النَّاس، وظفر بِالْكُوفَةِ بأصحاب السُّلْطَان، وأنفذ إِلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر من بَغْدَاد جَيْشًا، فَقتل، وَحمل رَأسه إِلَى بَغْدَاد، وَحمله مُحَمَّد إِلَى سر من رأى إِلَى المستعين، فنصب سَاعَة، ثمَّ كره المستعين ذَلِك، فَأمر برده إِلَى بَغْدَاد، فنصبه مُحَمَّد سَاعَة فَكثر النَّاس، وأثنوا على يحيى، وَقَالُوا: رجل صَالح منع الْقُوت فَخرج، فَمَا آذَى أحدا وَلَا ظلم، وَقتل فَمَا معنى صلب رَأسه؟ ولعنوا مُحَمَّد بن عبد الله فَأنْزل، وَقَالَ أَبُو هَاشم الْجَعْفَرِي لمُحَمد بن عبد الله - وَقد هنأه النَّاس بالظفر - إِنَّك لتهنأ بقتل رجلٍ لَو كَانَ رَسُول الله حَيا لعزى عَلَيْهِ، فَأخذ ذَلِك ابْن الرُّومِي فِي قصيدة رثاه بهَا: أكلكم أَمْسَى اطْمَأَن فُؤَاده بِأَن رَسُول الله فِي الْقَبْر مزعج وَقَالَ: ليهنكم يَا بني الْمَجْهُول نسبته فتحٌ تخرم أَوْلَاد النبلينا فتحٌ لَو أَن رَسُول الله حاضره كَانَ الْأَنَام لَهُ طرا معزينا وَقَالَ: بني طاهرٍ غضوا الجفون وطأطئوا رءوسكم مِمَّا جنت أم عَامر سمى مُحَمَّد بن عبد الله أم عَامر - وَهِي كنية الضبع - لِأَنَّهُ كَانَ أعرج، والضبع عرجاء. وَانْقَضَت دولة آل طَاهِر بعد قَتله، فَمَا انتعشوا بعد ذَلِك. لعنة الله على جَمِيع من ظلم آل مُحَمَّد ﵇.
[ ١ / ٢٦٥ ]
قَالَ الصولى: كَانَ يحيى بن عمر كثير الْمقَام بِبَغْدَاد، وَمَا شرب شرابًا يسكر قطّ، وَلكنه كَانَ مستهترًا بِالسَّمَاعِ يُحِبهُ ويوثره، وَكَانَ أسمح النَّاس أَخْلَاقًا. فَحكى من سَمعه يَقُول يَوْمًا لجاريةٍ غنت فأحسنت: غفر الله لَك مَا قلت، وَلنَا مَا سمعنَا. قَالَ الصولى: أعرق النَّاس فِي الشّعْر أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن زيد بن عَليّ بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب. وَهُوَ شاعرٌ، وآباؤه إِلَى قصي بن كلاب من مرّة، وَهُوَ الْمَعْرُوف بالحماني وَكَانَ ينزل فِي بني حمان ابْن كَعْب بن سعد بن زيد بن مَنَاة بن تيم؛ فَعرف بذلك. وَله شعرٌ كثير مليح. قَالَ بَعضهم: لقِيت عَليّ بن مُحَمَّد بِالْكُوفَةِ بعد خلاصه من حبس الْمُوفق. وَكَانَ حبس مرَّتَيْنِ، مرّة لكفالته بعض أَهله، وَمرَّة لسعاية لحقته، فهنأته بالسلامة، وَقلت لَهُ: قد عدت إِلَى وطنك الَّذِي تلذه، وإخوانك الَّذين تحبهم، فَقَالَ لي: يَا أَبَا عَليّ؛ ذهب الأتراب والشباب وَالْأَصْحَاب. وَأنْشد: هبني بقيت على الْأَيَّام والأبد ونلت مَا نلْت من امالٍ وَمن ولد من لي بِرُؤْيَة من قد كنت آلفه؟ وبالشباب الَّذِي ولى وَلم يعد؟ كَانَ الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن بن عبيد الله بن الْعَبَّاس بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ - شَاعِرًا عَالما محسنا فصيحا، وَكَانَ يُقَال: من أَرَادَ لَذَّة لَا تبعة فِيهَا فليسمع كَلَام الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن. وَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس: أَنْت وَالله يَا أَبَا الْفضل أشعر بني هَاشم، فَقَالَ: لَا أحب أَن أكون بالشعر مَوْصُوفا؛ لِأَنَّهُ أرفع مَا فِي الوضيع، وأوضع مَا فِي الرفيع. وَهَذَا يشبه مَا قَالَه الرشيد لِلْمَأْمُونِ فَإِنَّهُ قَالَ - وَقد كتب إِلَيْهِ بِشعر - يَا بني مَا أَنْت وَالشعر؟ أما علمت أَن الشّعْر أرفع حالات الدنى، وَأَقل حالات السنى؟ وصف الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن الْعلوِي رجلا بفصاحته، فَقَالَ: مَا شبهته يتَكَلَّم إِلَّا بثعبانٍ ينهال بَين رمال، أَو ماءٍ يتغلغل بَين جبالٍ.
[ ١ / ٢٦٦ ]
كَانَ المعتصم قد قرر عِنْد الْمَأْمُون أَن الْعَبَّاس يبغضه، فحطه ذَلِك عِنْده، فَلَمَّا ركب الْمَأْمُون فِي اللَّيْل لقتل ابْن عَائِشَة رأى الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن قد ركب مَعَ أَهله ومواليه فِي السِّلَاح، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: سررت بالمخاض طَمَعا فِي الولاد، فَقَالَ: معَاذ الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أكون عَلَيْك مَعَ عَدو، وَمَا أعلم فِي بني أبي أحدا لَو ملك كَانَ لي مثلك. قَالَ: فَمَا هَذِه الْعدة وَالْعدة؟، قَالَ: اتباعٌ لأمر الله وَقَوله: " مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة وَمن حَولهمْ من الْأَعْرَاب أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفسِهِم عَن نَفسه ". قَالَ: أَنْت الْمُصدق. فَلَمَّا قتل ابْن عَائِشَة وَانْصَرف، قَالَ لَهُ الْعَبَّاس: الله الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الدِّمَاء الَّتِي لَا بَقِيَّة مَعهَا، وَلَا عُقُوبَة بعْدهَا، والبس رِدَاء الْعَفو الَّذِي ألبسك الله إِيَّاه وجملك بِهِ، وأسعدك بِاسْتِعْمَالِهِ، فَإِن الْملك إِذا قتل أغرى بِالْقَتْلِ حَتَّى يصير عَادَة من عاداته، وَلَذَّة من لذاته، فَقَالَ: وَالله يَا أَبَا الْفضل لَو سَمِعت هَذَا مِنْك قبل قَتْلِي لِابْنِ عَائِشَة مَا قتلته. ولطفت حَاله عِنْد الْمَأْمُون بعد ذَلِك. وعزى الْعَبَّاس رجلا، فَقَالَ: إِنِّي لم أقل شاكًا فِي عزمك، وَلَا زَائِدا فِي علمك، وَلَا مُتَّهمًا لفهمك، وَلكنه حق الصّديق، وَقَول الشفيق؛ فاسبق السلوة بِالصبرِ، وتلق الْحَادِثَة بالشكر يحسن لَك الله الذخر، ويكمل لَك الْأجر. قَالَ إِسْحَاق: أتيت الْعَبَّاس مرّة فَسلمت عَلَيْهِ، ثمَّ تَأَخَّرت عَنهُ، فَقَالَ لي: أذقتنا، فَلَمَّا اشتقناك لفظتنا. وَقَالَ لَهُ رجل: كم سنك؟ فَقَالَ: خلفت الْخمسين، وَإِن التقاتي لطويل إِلَيْهَا. وَسَأَلَهُ الْمَأْمُون عَن رجل، فَقَالَ: رَأَيْت لَهُ حلمًا وأناةً وَلم أر سفها وَلَا عجلة، وَوجدت لَهُ بَيَانا وإصابةً، وَلم أر لحنا وَلَا إِحَالَة، يَجِيء بِالْحَدِيثِ على مطاويه. وينشد الشّعْر على مَعَانِيه، ويروي الْأَخْبَار المتقنة، وَيَرْمِي بالأمثال المحكمة.
[ ١ / ٢٦٧ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّد اليزيدي: كنت أَنا وَالْكسَائِيّ عِنْد الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن، فَجَاءَهُ غُلَامه، فَقَالَ: كنت عِنْد فلَان وَهُوَ يُرِيد أَن يَمُوت، فَضَحكت أَنا وَالْكسَائِيّ، فَقَالَ: مِم ضحكتما؟ قُلْنَا: من قَول الْغُلَام. وَهل يُرِيد الْإِنْسَان الْمَوْت؟ فَقَالَ الْعَبَّاس: قد قَالَ الله ﷿: " فوجدا فِيهَا جدارًا يُرِيد أَن ينْقض " فَهَل للجدار إرادةٌ؟ وَإِنَّمَا هَذَا مَكَان " يكَاد " فنبهنا وَالله عَلَيْهَا. دخل أَبُو دلف العجلى على الرشيد، وَهُوَ فِي طارمة على طنفسة، وَعند بَاب الطارمة شيخٌ على طنفسة مثلهَا، فَقَالَ الرشيد: يَا قَاسم مَا خبر الْجَبَل؟ قَالَ: خراب يبابٌ، اعتوره الأكراد والأعراب. قَالَ: أَنْت سَبَب خرابه وفساده، فَإِن وليتك إِيَّاه؟ قَالَ: أعْمرهُ وَأَصْلحهُ. قَالَ بعض من حضر: أَو غير ذَلِك، فَقَالَ أَبُو دلف: وَكَيف يكون غير ذَلِك؟ وأمير الْمُؤمنِينَ يزْعم أَنِّي ملكته فأفسدته وَهُوَ عَليّ، أفتراني لَا أقدر على إِصْلَاحه وَهُوَ معي؟ فَقَالَ الشَّيْخ: إِن همته لترمي بِهِ وَرَاء سنه مرمى بَعيدا، وأخلق بِهِ أَن يزِيد فعله على قَوْله؛ فَقبل الرشيد وولاه، وَأمر أَن يخلع عَلَيْهِ، فَلَمَّا خرج أَبُو دلف سَأَلَ عَن الشَّيْخ: فَقيل لَهُ: هُوَ الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن الْعلوِي، فَحمل إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دينارٍ، وشكر فعله فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس مَا أخذت على
[ ١ / ٢٦٨ ]
معروفٍ أجرا قطّ واضطرب أَبُو دلف وَقَالَ: إِن رَأَيْت أَن تكمل النِّعْمَة عِنْدِي، وتتمها على بقبولها، فَقَالَ: هَل لي عنْدك، فَإِذا لزمتني حُقُوق لقوم يقصر عَنْهَا مَالِي صككت عَلَيْك بِمَا تَدْفَعهُ عَلَيْهِم إِلَى أَن أستنفذها، فقنع أَبُو دلف بذلك، فَمَا زَالَ يصك عَلَيْهِ للنَّاس، حَتَّى أفناها من غير أَن يصل إِلَى الْعَبَّاس دِرْهَم مِنْهَا. وَسَأَلَ الْعَبَّاس الْفضل بن الرّبيع حَاجَة، فقضاها لَهُ سَرِيعا كَمَا أَرَادَ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاك الله خيرا، فَمَا فِي دون مَا أتيت بِهِ تَقْصِير وَلَا نقصانٌ، وَلَا فَوْقه إحسانٌ وَلَا رجحانٌ. وَوصف رجلا ثقيلًا، فَقَالَ: مَا الْحمام على الْأَحْرَار، وحلول الدّين مَعَ الإقتار، وَشدَّة السقم فِي الْأَسْفَار بآلم من لِقَائِه. وذم أَبَا عباد - وَهُوَ وَزِير - فَقَالَ: الذَّلِيل من اعتز بك، والحائن من اعتزى إِلَيْك، والخائب من أملك، والسقيم من استشفاك. وَكَانَ ابْنه عبد الله شَاعِرًا فصيحًا يشبه بِأَبِيهِ، ووقف على بَاب الْمَأْمُون يَوْمًا فَنظر إِلَيْهِ الْحَاجِب ثمَّ أطرق، فَقَالَ عبد الله لقومٍ مَعَه: إِنَّه لَو أذن لنا لدخلنا، وَلَو صرفنَا لانصرفنا، وَلَو اعتذرنا لقبلنا. فَأَما الفترة بعد النظرة، والتوقف بعد التعرف فَلَا أفهمهُ. ثمَّ تمثل: وَمَا عَن ضًا كَانَ الْحمار مطيتي وَلَكِن من يمشي سيرضى بِمَا ركب وَانْصَرف؛ فَبلغ الْمَأْمُون كَلَامه فصرف الْحَاجِب، وَأمر لعبد الله بصلَة جزيلة وَعشر دَوَاب. وَكتب إِلَى الْمَأْمُون: النَّاس ثلاثةٌ: رجلٌ ورث خلَافَة أَو احتقب بِقرَابَة، فَهُوَ من قليلها فِي كثيرٍ، وَمن صغيرها فِي كبيرٍ، أَو رجلٌ ولي ولَايَة فَأطلق لَهُ من عمالته وأرزاقه مَا لَو سَأَلَ الْجُزْء مِنْهُ من أَجزَاء كَثِيرَة علىغيرها لما أُجِيب إِلَيْهِ. أَو رجلٌ خف عِيَاله وَقل مَاله، فصغر قدره عَن إساءة وإحسان. فَهُوَ كالخردلة تقع بَين طبقي الرحا، فَلَا الطَّحْن ينالها، وَلَا سلامتها يعْتد بهَا. فَأَما من كَانَ عِيَاله ثلثمِائة إِنْسَان، لَا يرجع إِلَى أثاثٍ وَلَا متجرٍ وَلَا صناعةٍ وَلَا
[ ١ / ٢٦٩ ]
ضيعةٍ، تَقْتَضِيه الْأَيَّام لأَهله مئونة جَارِيَة فَمَا أَسْوَأ حَاله إِن لم يتداركه أَمِير الْمُؤمنِينَ بفضلٍ مِنْهُ ﴿فَأمر لَهُ الْمَأْمُون بِخَمْسِمِائَة ألف دِرْهَم؛ فَأَتَاهُ عبد الله بن الْأمين وَالقَاسِم ابْن الرشيد، فَقَالَا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ أتأمر لعبد الله بن الْعَبَّاس بِمثل هَذَا المَال؟ فَمَا قصتنا وَنحن أمس بك رحما مِنْهُ؟ فَقَالَ: غلتكما فَوق غَلَّته، وخلتك مادون خلته، وعيالكما دون عِيَاله، وَقد أجلتكما شهرا؛ فَإِن تكلمتما بِمثل كَلَامه أضعفت لَكمَا مَا أمرت بِهِ لَهُ. وَكتب عبد الله إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي: مَا أَدْرِي كَيفَ أحتال؟ أغيب فأشتاق، ثمَّ نَلْتَقِي فَلَا نشتفي، ويجدد لي اللِّقَاء الَّذِي طلبت بِهِ الشِّفَاء صنفا من تَجْدِيد الحرقة بلوعة الْفرْقَة. فَكتب إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم: أَنا علمتك الشوق لِأَنِّي شكوته إِلَيْك فهيجته مِنْك. كَانَ الجمخي - القَاضِي بِبَغْدَاد بعد شريك للمنصور - متحاملا على الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ - ﵃ - فَقَالَ لَهُ الْحسن يَوْمًا فِي خصرمةٍ لَهُ: مَا أعرفني بتحاملك على يَا بن الْبَدنَة﴾ يُرِيد أبي ابْن خلف جد الجُمَحِي؛ لِأَن النَّبِي ﷺ أشعره بالحربة كَمَا تشعر الْبَدنَة؛ فَبلغ ذَلِك الْمَنْصُور فأضحكه. وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان قَاضِيا لهشام، فَلَمَّا قتل زيد - ﵀ - صعد الْمِنْبَر ونال مِنْهُ، وَلعن حسنا ﵁. وَكَانَ فصيحًا - لَعنه الله - فَمَا نزل عَن الْمِنْبَر حَتَّى عمى وفلج. وأتى الْحسن بن زيد - فِي ولَايَته الْمَدِينَة - بِرَجُل فِي رَسُول الله ﷺ فَأمر بِهِ فَضرب، فَقَالَ لَهُ: أَسأَلك بِحَق الثَّلَاثَة لما عَفَوْت عني: يُرِيد رَسُول الله ﷺ - وصاحبيه؛ فَقَالَ الْحسن: بِحَق الْوَاحِد عَليّ، وحقي على الْإِثْنَيْنِ لأحسنن أدبك. لما ولي الْحسن بن زيد الْمَدِينَة، منع ابْن جُنْدُب أَن يؤم بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْأَمِير. لم تمنعني من مقَامي ومقام آبَائِي؟ قَالَ الْحسن: مَنعك مِنْهُ يَوْم
[ ١ / ٢٧٠ ]
الْأَرْبَعَاء: يُرِيد قَول ابْن جُنْدُب: يَا للرِّجَال ليَوْم الْأَرْبَعَاء! أما يَنْفَكّ يحدث لي بعد النهى طَربا مَا إِن يزَال غزالٌ فِيهِ يفتنني يهوى إِلَى منزل الْأَحْزَاب منتقبًا وَدخل ابْن جُنْدُب هَذَا على الْمهْدي فِي الْقُرَّاء وَفِي الْقصاص وَفِي الشُّعَرَاء وَفِي المغنين؛ فَأَجَازَهُ فيهم كلهم. وَقَالَ الْحسن لِابْنِ هرمه: إِنِّي لست كمن بَاعَ لَك دينه رَجَاء مدحك وَخَوف ذمك. فقد رَزَقَنِي الله بِوِلَادَة نبيه ﷺ الممادح وجنبني المقابح، وَإِن من حَقه على أَلا أغضى على تَقْصِير فِي حق ربه، وَأَنا أقسم لَئِن أتيت بك سَكرَان لأضربنك حدا للخمر، وحدًا للسكر، ولأزيدن لموْضِع حرمتك بِي؛ فَلْيَكُن تَركك لَهَا لله تعن عَلَيْهِ، وَلَا تدعها للنَّاس فتوكل إِلَيْهِم. وَأخذ بعض الحرس زيد بن الْأَفْطَس - والأفطس: حسن بن عَليّ بن حُسَيْن ابْن عَليّ بن أَب يُطَالب - فِي شراب؛ فجَاء بِهِ إِلَى الْحسن بن زيد، فَقَالَ: قبحك الله؛ أيأخذك مثل هَذِه؟ ألم تستطع أَن تحمله فتطرحه فِي بِئْر؟ - وَكَانَ جلدا من الرِّجَال - فَقَالَ: الطَّاعَة للسُّلْطَان أصلحك الله. قَالَ: أما لأضربنك، وَلَا أضربك للشراب، وَلَكِنِّي أضربك للحمق، ثمَّ أَمر بِهِ فَضرب. وَلما قتل إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن حسن، وأتى بِرَأْسِهِ إِلَى أبي جَعْفَر. وَعِنْده حسن بن زيد، وَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، هَذَا رَأس إِبْرَاهِيم، قَالَ: أجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ وَالله كَمَا قَالَ الشَّاعِر: فَتى كَانَ يحميه من الضيم سَيْفه وينجيه من دَار الهوان اجتنابها. الْبَاب
[ ١ / ٢٧١ ]