الْحَمد لله، أَحْمَده وَأَسْتَعِينهُ، وأستغفره وأومن بِهِ وَأَتَوَكَّل عَلَيْهِ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عبد وَرَسُوله، أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق " لِيظْهرهُ علىالدين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ ". من اعْتصمَ بِاللَّه وَرَسُوله فقد اعْتصمَ بالعروة الوثقى، وَسعد الْآخِرَة وَالْأولَى وَمن لم يعتصم بِاللَّه وَرَسُوله فقد ضل ضلالا بَعيدا، وخسر خسرانًا مُبينًا، أسأَل الله أَن يجعلنا وَإِيَّاكُم مِمَّن يطيعه ويطيع رَسُوله، وَيتبع رضوانه ويجتنب سخطه؛ فَإِنَّمَا نَحن بِهِ وَله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعه، وأرضى لكم مَا عِنْد الله، فَإِن تقوى الله أفضل مَا تحاث عَلَيْهِ الصالحون وتداعوا إِلَيْهِ، وَتَوَاصَوْا بِهِ. وَاتَّقوا الله مَا اسْتَطَعْتُم وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ.
[ ١ / ٣١٠ ]
وَكَانَ محمدٌ من رجال بني هَاشم وشجعانهم، وَأمه وَأم أَخِيه جَعْفَر وَأُخْته زَيْنَب أم حسنٍ بنت جَعْفَر بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ وَكَانَ لَهُ خَمْسُونَ ألف مولى أعتق مِنْهُم عشْرين ألفا. وَخرج يَوْمًا إِلَى بَاب دَاره بالمربد فِي عشيةٍ من عشايا الصَّيف، فَرَأى الْحر شَدِيدا، فَقَالَ: رشوا هَذَا الْموضع، فَخرج من دَاره خَمْسمِائَة عبد بِخَمْسِمِائَة قربةٍ مَمْلُوءَة مَاء، فرشوا الشَّارِع حَتَّى أَقَامُوا المَاء فِيهِ. وَكَانَت غَلَّته فِي كل يَوْم مائَة ألف دِرْهَم، وَسمع دعاؤه فِي السحر اللَّهُمَّ أوسع عَليّ؟ فَإِنَّهُ لَا يسعني إِلَّا الْكثير. وَلما مَاتَ امنصو بِمَكَّة، وتلوى النَّاس على الرّبيع فِي تَجْدِيد الْبيعَة للمهدي، جرد مُحَمَّد سيقه، وَقَالَ: وَالله لَئِن امْتنع أحدٌ مِنْكُم عَن الْبيعَة لأرمين بِرَأْسِهِ، فبادروا إِلَى الْبيعَة، فَشكر الْمهْدي ذَلِك فرفعه وزوجه ابْنَته العباسة، ونقلها إِلَيْهِ، وَهِي أول بنت خليفةٍ نقلت من بلدٍ إِلَى بلد. وَلما أَرَادَ أَن يدْخل بالعباسة شاور كَاتبه حمادًا فِي اللبَاس الَّذِي يلْبسهُ فِي كل يَوْم، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بألا يتصنع، ويقتصر على مَا كَانَ يلْبسهُ فِي كل يَوْم، فَلم يقبل مِنْهُ، وَعمد إِلَى ثِيَاب دبيقية كَأَنَّهَا غرقى الْبيض فلبسها، فرأتها عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَد دخل عَلَيْهَا وَإِذا هِيَ فِي دارٍ قد فرشت بالدبيقى الَّذِي يشابه مَا لبس أَو يزِيد عَلَيْهِ، فَعلم أَن كَاتبه كَانَ قد نصحه وتمثل: أَمرتكُم أَمْرِي بمنعرج اللوى فَلم تستبينوا الرش إِلَّا ضحى الْغَد وَكَانَ يتَصَدَّق فِي كل سنةٍ بخمسائة ألف درهمٍ، وَيَوْم الْفطر بِمِائَة ألف وَفِي كل يَوْم بكرين من الدَّقِيق. وَلم يكن لَهُ ولدٌ إِلَّا بنتٌ وَاحِدَة، وَمَاتَتْ قبله، فَذكر أَنه قَالَ: أشتهى وَالله أَن يصفو لي يومٌ لَا يُعَارض سروري فِيهِ هم.
[ ١ / ٣١١ ]
وَكَانَ جَعْفَر أَخُوهُ يَقُول: لَا تمتحن هَذَا فَقل من امتحنه إِلَّا امتحن فِيهِ. فَجَلَسَ يَوْمًا وأحضر جَمِيع من يحب حُضُوره، فَبينا هُوَ على أتم أمرٍن وَأسر حالٍ إِذْ سمع صراخا، فَسَأَلَ عَنهُ، فكتم، فألح، فَعرف أَن ابْنَته - وَلَا ولد لَهُ غَيرهَا - صعدت دَرَجَة فَسَقَطت مِنْهَا فَمَاتَتْ. فَلم يَفِ سروره صدر نَهَاره بِمَا عقب من غمه؛ فَكَانَ يَقُول كثيرا: تفردت بالكمال وبالعز والجلال وملكٍ بِلَا نفادٍ نرَاهُ وَلَا زَوَال. وشبيه بِهَذَا مَا اتّفق على يزِيد بن عبد الْملك فَإِنَّهُ أحب أَن يخلص لَهُ يومٌ بِأَن تطوى عَنهُ الْأَخْبَار، وأجلس حبابة عَن يَمِينه، وسلامة عَن يسَاره، يشرب وتغنيان، فَلَمَّا صليت الْعَصْر شربت حبابة قدحا، وتنقلت بحب رمانٍ فشرقت بِهِ وَمَاتَتْ، فكمد عَلَيْهَا يزِيد، وَمَات بعد خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَكَانَ جَعْفَر بن سُلَيْمَان نِهَايَة فِي الْجَلالَة والشرف، ولى الْمَدِينَة للمنصور بعد انْقِضَاء أَمر مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم. فَأعْطى الْأَمْوَال. وَوصل الشُّعَرَاء وَأمن النَّاس، وشفع فيهم. وَيُقَال إِنَّه سقط من ظَهره إِلَى الأَرْض مَا بِهِ نسمةٌ من ذكرٍ وَأُنْثَى. قَالَ الْأَصْمَعِي: مَا رَأَيْت أكْرم أَخْلَاقًا وَلَا أشرف فعالًا من جَعْفَر بن سليما؛ فتغدينا مَعَه فاستطاب الطَّعَام. فَقَالَ لطباخه: قد أَحْسَنت وسأعتقك وأزوجك. فَقَالَ الطباخ: قد قلت يَا سَيِّدي هَذَا غير مرّة وكذبت. قَالَ: فو الله مَا زَاد على أَن ضحك. وَقَالَ لي: يَا أصمعي. إِنَّمَا يُرِيد البائس " وأخلفت " قَالَ الْأَصْمَعِي: وَإِذا هُوَ قد رضى بأخلفت. ذكر الصمعي أَن ابْن ميادة امتدح جَعْفَر بن سُلَيْمَان فَأمر لَهُ بِمِائَة نَاقَة، فَقبل يَده وَقَالَ: وَالله مَا قبلت يَد قرشي غَيْرك إِلَّا وَاحِدًا. فَقَالَ: أهوَ الْمَنْصُور؟
[ ١ / ٣١٢ ]
قَالَ: لَا وَالله. قَالَ: فَمن هُوَ؟ قَالَ الْوَلِيد بن يزِيد فَغَضب، وَقَالَ: وَالله مَا قبلتها لله. قَالَ: وَلَا يدك وَالله قبلتها لله، وَلَكِن قبلتها لنَفْسي. فَقَالَ: وَالله لَا ضرك الصدْق عِنْدِي. أَعْطوهُ مائَة نَاقَة أُخْرَى. غزا اسماعيل بن صَالح بن عَليّ فَرَأى غُلَاما من أَبنَاء المقيمين بطرسوس من أَمْلَح النَّاس وآدبهم، فاستصحبه، فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: بَلغنِي أَن فِيك مِلَّة قَالَ إِسْمَاعِيل: هِيَ فِي لَهَا. فَضَحِك الْغُلَام وَقَالَ: الْآن طابت صحبتك. فصحبه. دخل مُحَمَّد بن عبد الْملك بن صَالح على الْمَأْمُون بعد موت أَبِيه عبد الْملك - وَقد أَمر بِقَبض ضياعهم - فَقَالَ - وَهُوَ غُلَام أَمْرَد: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. مُحَمَّد بن عبد الْملك، سليل نِعْمَتك، وَابْن دولتك، وعصنٌ من أَغْصَان دوحتك، أتأذن لَهُ فِي الْكَلَام؟ قَالَ: نعم. تكلم. فَحَمدَ اله، وَأثْنى عَلَيْهِ، وَصلى على النَّبِي ﷺ وَآله وَسلم، ثمَّ قَالَ: نسْأَل الله لحياطة ديننَا ودنيانا، ورعاية أقصانا وأدنانا ببقائك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ونسأله أَن يزِيد فِي عمرك من أعمارنا، وَفِي أثرك من آثارنا. ويقيك الْأَذَى بأسماعنا وأبصارنا، هَذَا مقَام العائذ بك تَحت ظلك، الهارب إِلَى كنفك وفضلك، الْفَقِير إِلَى رحمتك وعدلك. فوصله وَأمر برد ضيَاع أَبِيه على ورثته. ومدح أَبُو تَمام مُحَمَّد بن عبد الْملك، فَقَالَ فِي قصيدة: أمت بِنَا عيسنا إِلَى ملك نَأْخُذ من مَاله وَمن أدبه فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: كَأَنِّي بك قد قلت: نَأْخُذ من مَاله ونسخر بِهِ
[ ١ / ٣١٣ ]
فلجلج أَبُو تَمام فَقَالَ: يَا بن الفاعلة. لقد كنت أستقل لَك مائَة ألف دِرْهَم. وَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. وَكَانَ الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ من مَشَايِخ بني هَاشم، وَكَانَ أسرى أهل عصره، وَكَانَ لبسه من الثِّيَاب الَّتِي ينسجها أَوْلَاد عبيده، وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا يفرشه، وَلَا يَخْدمه فِي سَائِر خدمته غَيرهم، وَكَانَ لَا يَأْكُل من النّخل وَمن سَائِر الْفَوَاكِه إِلَّا مَا كَانَ من غرسه. وَكَانَ ابْنه إِسْحَق يَرْمِي بالواط. وَحج مرّة فَرجع النَّاس وهم يتحدثون بِأَن غُلَاما لَهُ كَانَ يعادله نَهَارا، فَإِذا كَانَ اللَّيْل صَار مَعَه فِي شقّ محمل، وَوضعت حيالهما صَخْرَة بوزنهما. وَرَأى أَبوهُ الْعَبَّاس يَوْمًا غُلَاما لَهُ، وَقد كشف الرّيح قباءه، فَإِذا عَلَيْهِ سَرَاوِيل وشي إسكنرداني منسوجٍ بِالذَّهَب فَقَالَ لاسحق: أَكَانَ الْعَبَّاس ابْن عبد الْمطلب لوطيًا؟ قَالَ: معَاذ الله. قَالَ: أفعبد اله بن الْعَبَّاس؟ قَالَ: معَاذ الله. قَالَ أفعلي بن عبد الله؟ قَالَ: لَا وَالله. قَالَ: أفعرفت فِي شَيْئا مِنْهَا؟ قَالَ: المير أجل دينا ومروءةً من ذَاك. قَالَ: فَمَا دعَاك إِلَيْهِ؟ قَالَ: مكذوبٌ على بِمَا يُضَاف إِلَيْهِ مني. قَالَ: وَالله مَا كسا أحدٌ غُلَامه هَذِه الْكسْوَة إِلَّا وَهُوَ مريب. فَأَرَادَ إٍحق أَن يحلف فَقَالَ لَهُ: لَا تحلف. فواللله لَئِن لم يكن هَذَا لما اتهمت بِهِ إِنَّه لأعظم قبحًا مِنْهُ. فَأمْسك وَتب إِلَى الله. قَالَ: أَنا تائب إِلَى الله من جَمِيع الذُّنُوب. قَالَ الْعَبَّاس: قبح الله ابنهرمة، فَلَقَد حرمنا من أَمِير الْمُؤمنِينَ خيرا كثيرا. كُنَّا نساله الشَّيْء فيأباه، فنعاوده فِيهِ فيفعل مَا نُرِيد حَتَّى قَالَ ابْن هرمة: إِذا مَا أَتَى شَيْئا، مضى كَالَّذي أَتَى وَإِن قَالَ إِنِّي فاعلٌ فَهُوَ فَاعل.
[ ١ / ٣١٤ ]
فَكَانَ إِذا عاودناه فِي شيءٍ قَالَ لنا: فلست إِذا كَمَا قَالَ ابنهرمة، وَأنْشد هَذَا الْبَيْت، وَكَانَ يشاورنا فِي اموره إِلَى أَن قَالَ ابنهرمة: إِذا مَا أَرَادَ الْأَمر ناجى ضَمِيره فناجى ضميرًا غير مُضْطَرب الْعقل وَلم يُشْرك الدنين فِي جلّ رَأْيه إِذا اضْطَرَبَتْ بالحائرين قوى الْحَبل فخضنا بالْقَوْل فِي أَلا يشاورنا، فَكَانَ لَا يشاورنا بعد ذَلِك. كَانَ عبد الصَّمد بن عَليّ ثقيل الرجل، لَا يقدم على أحد من أهل بَيته إِلَّا مَاتَ، فَقدم على أَخِيه سُلَيْمَان بن عَليّ بِالْبَصْرَةِ، فاعتل وَمَات، فصلى عَلَيْهِ، ثمَّ رَحل، وَقدم الْبَصْرَة بعد مُدَّة وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان صحيحٌ، فاعتل يَوْم قدومه وَمَات، فصلى عَلَيْهِ، ثمَّ قدم وجعفر بن سُلَيْمَان صَحِيح، فاضطرب وَقَالَ: لأمر مَا قدم عمي، فاعتل، وَاشْتَدَّ جزعه، ثمَّ عوفى، فَتصدق بِمِائَة ألف دينارٍ. وَلما مَاتَ عبد الصَّمد قَالَ الرشيد: الْحَمد لله الَّذِي أمات عنوان الْمَوْت. لَا يحمل عمي غَيْرِي. فَكَانَ أحد حَملته إِلَى حفرته. وَقد روى أَيْضا أَنه مَاتَ جَعْفَر، وَقد قدم عَلَيْهِ عبد الصَّمد وَأَن إِسْمَاعِيل ابْن جَعْفَر كَانَ يَقُول: مَا رَأَيْت أشأم مِنْهُ، وَإنَّهُ عمي فِي ذَلِك الْوَقْت. فَقَالَ إِسْمَاعِيل: أَخذنَا بعض ثَأْرنَا. وَولى عبد الرَّحْمَن بن جَعْفَر الْيمن، وَكَانَ وعد أَبَا زيد، عمر بن شبة أَن يحسن إِلَيْهِ إِذا ولي. فَلَمَّا ولي قَالَ: يَا أَبَا زيد، لَيْسَ بعد الْيمن شَيْء وَكَانَ يُرْسل بالبرود وَغَيرهَا، فَيُقَال لَهُ: اذكر أَبَا زيد. فَيَقُول: أَبُو زيد إِلَى الدَّنَانِير
[ ١ / ٣١٥ ]
أحْوج؛ فَلَمَّا طَال ذَلِك كتب إِلَيْهِ: قد رضيت من ولايتك بِشِرَاك نعلٍ. قَالَ عمر: فَكتب إِلَى: مَا رَأَيْتُك فِي شَيْء أَعقل مِنْك فِي هَذَا علمت مَا تسْتَحقّ فرضيت بِهِ. كَانَ جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن عَليّ يشغف بجاريةٍ كَانَت من أحسن فتيات عصرها وَجها وغناءً وَضَربا، ثمَّ اشْتَرَاهَا بِعشْرَة آلَاف دِينَار، ومائتي نَاقَة، وَأَرْبَعَة أعدٍ من النّوبَة يرعونها - فَإِن مولاتها استامت فِيهَا ذَلِك - وحظيت عِنْده وَولدت مِنْهُ سيد أَهله فِي زَمَانه أَحْمد بن جَعْفَر. وَكَانَ بلغ عبد الْملك بن صَالح شغفه بهَا، فَكتب إِلَيْهِ: خصك الله يَا أخي بالتنبه على حظك، وَأَقْبل بك إِلَى رشدك، وأنقذك من شَرّ هوى نَفسك. إِنِّي لما نأت عني دَارك، وانقطعت أخبارك استهديت مِمَّن يُرَاعى أمورك مَا انطوى عني من تصرفك فِي أحوالك، لِأَن نَفسِي لم تزل موكلةً بالشفقة عَلَيْك، والمراعاة لأمورك. فَأَتَانِي عَنْك أَنَّك سمحت بِنَفْسِك وجليل قدرك، وَنبيه ذكرك، وعالي شرفك وَمَا ورثته من دينك ومروءتك عَن سلفك، فِي طَاعَة هَوَاك، وَأَنَّك وهبت كلك لمن لم يهب بعضه لَك، وآثرت لَذَّة امتزج ظَاهرهَا بموافقتك وكمنت فِي عواقبها المكارة لَك. فليتك إِذْ طغت نَفسك، وَلم تجنح مَا يزينك أغليت السّوم بِنَفْسِك، وصرفتها إِلَى من يستحقك. وَلَئِن كنت رَأَيْت مَا بذلته من نَفسك وافيًا بِقِيمَة من سمحت بِهِ لَهُ، لقد رَأَيْت نَفسك بِعَين غير صَادِقَة التخيل، وقومتها بقيمةٍ مبخوسة الْقدر، فليت شعري من أَيْن أَتَاك سوء الِاخْتِيَار؟ أَمن طَاعَتك التصابي؟ أم منقبولك مشروة وسيط. فلعمري إِنَّه لضد الناصح الْأمين. أم أحدثت لَك هَذَا الرَّأْي سُورَة الشَّرَاب، وارتياح الطَّرب، والإصغاء إِلَى اقتران غزل الشّعْر بنغم الأوتار، وامتزاج رَقِيق الْمعَانِي بِسحر الأغاني؟ فَلَقَد حكمت غير الْعدْل، وآثرت غير الْمُسْتَحق للأثرة. وهلا فَكرت فِي أَنَّك قد ملكت قيادك قينة أَنْت بالتهمة لَهَا أولى من الثِّقَة بهَا. وَلم حملتها على الشاذ من وَفَاء القيان؟ وَلم تتحرز فِيهَا من مَشْهُور غدرهن. أما وَالله لَئِن راجعت رَأْيك، وتدبرت مشورتي عَلَيْك لتعلمن أَنِّي لَك أنصح من نَفسك وَمن نضحائك، وَلَئِن أَقمت على تماديك إِن الْمُصِيبَة بك لعظيمةٌ مَعَ
[ ١ / ٣١٦ ]
عظم قدرك فِي أَنْفُسنَا، وسعة آمالنا لَك وَبِك وفيك. وَالله يوفقك لما هُوَ أولى بك وأشبه بقدرك وَالسَّلَام. فَلَمَّا وصلت إِلَى جَعْفَر هَذِه الرسَالَة أقامته وأقعدته. وَلم يقدر على إِجَابَة عبد الْملك بِشَيْء، وَكَانَ بَينهمَا خصوصٌ ولصوقٌ شديدٌ فَبَاعَهَا. أَمر الْمهْدي عبد الصَّمد بن عَليّ أَن يقسم فِي أهل مَكَّة مائَة ألف دِرْهَم، فحواها وَلم يعطهم شَيْئا. فَلَمَّا عزل وَخرج صرخوا بِهِ: " أيتها العير إِنَّكُم لسارقون ". فَقَالَ ياأولاد الزِّنَا. مَاذَا تَفْقِدُونَ؟ قَالُوا: مائَة ألف دِرْهَم أَمرك أَمِير الْمُؤمنِينَ بقسمتها فِي أهل مَكَّة. فَقَالَ أَنا الْبَطْحَاء وَأَنا مَكَّة وَأَنا زَمْزَم، فَإِذا قسمتهَا فِي دَاري فقد قسمتهَا فِي أهل مَكَّة. ولعَبْد الصَّمد عجائب مِنْهَا: أَن أَسْنَانه كَانَت قِطْعَة وَاحِدَة، وَدخل قَبره بِأَسْنَانِهِ الَّتِي ولد بهَا؛ لم ينْبت لَهُ سنّ وَلم يثغر. وَمِنْهَا أَنه حج بِالنَّاسِ فِي سنة سبعين وَمِائَة. وَحج يزِيد بن مُعَاوِيَة بهم سنة خمسين وَبَينهمَا مائَة وَعِشْرُونَ سنة، وهما فِي القعدد سَوَاء فِي النّسَب إِلَى عبد منَاف. وَمِنْهَا أَنه دخل سربا فطارت ريشتان فلصقتا بِعَيْنيهِ، فَذهب بَصَره. وَمِنْهَا أَنه كَانَ يَوْمًا عِنْد الرشيد فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا مجلسٌ فِيهِ عمك، وَعم عمك وَعم عَم عمك، يَعْنِي سُلَيْمَان بن أبي جَعْفَر عَم الرشيد، وَالْعَبَّاس بن مُحَمَّد عَم الْمهْدي وَهُوَ عَم سُلَيْمَان، وَعبد الصَّمد وَهُوَ عَم الْعَبَّاس وَعم الْمَنْصُور. قيل: إِن أم عبد لاصمد هِيَ كَثِيرَة الَّتِي قَالَ فِيهَا ابْن الرقيات عادله من كَثِيرَة الطَّرب وَكَانَ مستترا عِنْدهَا فِي اول خلَافَة عبد الْملك وأحسنت إِلَيْهِ وَيجب أَن تكون ذَلِك الْوَقْت امْرَأَة بَرزَة. وَمَات عبد الصَّمد فِي سنّ خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَبَين ذَلِك وَبَين استتارة مائَة وَعِشْرُونَ سنة وَقيل هُوَ أول من سمى عبد الصَّمد.
[ ١ / ٣١٧ ]
قَالَ الجاحظ: لما أَتَى عبد الْملك بن صَالح وَفد الرّوم وَهُوَ فِي الْبِلَاد أَقَامَ على رَأسه رجَالًا فِي السماطين لَهُم قصر وهامٌ، ومناكب وأجسامٌ، وشوارب وشعورٌ، فَبَيْنَمَا هم قيامٌ يكلمونه، وَوجه رجلٍ مِنْهُم فِي قفا البطريق إِذْ عطس عطسة ضئيبةً فلحظه عبد الْملك فقلم يدر أَي شَيْء أنكر عَلَيْهِ، فَلم خرج الْوَفْد قَالَ لَهُ: وَيلك. هلا إِذْ كنت ضيق المنخركز الخيشوم اتبعتها بصيحةٍ تخلع بهَا قلب العلج. وَقَالَ: مَا النَّاس إِلَى شَيْء أحْوج مِنْهُم إِلَى إِقَامَة ألسنتهم الَّتِي بهَا يَتَعَارَفُونَ الْكَلَام، ويتعاطون الْبَيَان، ويتهادون الحكم، ويستخرجون غوامض الْعلم من مخابئها، ويجمعون مِنْهَا. إِن الْكَلَام فاضٍ يحكم بَين الْخُصُوم، وضياءٌ يجلو الظُّلم حَاجَة النَّاس إِلَى مواده كحاجتهم إِلَى مواد الإغذية. وَقَالَ الجاحظ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن السندى، قَالَ: سَمِعت عبد الْملك يَقُول بعد إِخْرَاج المخلوع لَهُ من حبس الرشيد - وَذكر ظلم الرشيد لَهُ، وإقدامه عَلَيْهِ. وَكَانَ يأنس بِهِ، ويشق بمودته وعقله. وَالله إِن الْملك لشيءٌ مَا نويته وَلَا تمنيته وَلَا تصديت إِلَيْهِ وَلَا تَبعته. وَلَو أردته لَكَانَ أسْرع إِلَى من السَّيْل إِلَى الحدور، وَمن النَّار فِي يَابِس العرفج وَإِنِّي لمأخوذٌ بِمَا لم أجن، ومسئولٌ عَمَّا لَا أعرف، وَلَكِن حِين رَآنِي للْملك أَهلا، وَرَأى للخلافة خطرًا وَثمنا، وَرَأى أَن لي يدا تنالها إِذا مدت وتبلغها إِذا بسطت، ونفسا تكمل لَهَا بخصالها وتسحقها بخلالها، وَإِن كنت لم أختر تِلْكَ الْخِصَال، وَلَا اصطنعت تِلْكَ الْخلال، وَلم ارشح لَهَا فِي سر، وَلَا أَشرت إِلَيْهَا فِي جهر، وَرَآهَا تحن إِلَى حنين الواله، وتميل نحوي ميل الهلوك. وَخَافَ أَن ترغب إِلَيّ خيرٍ مرغب. وتنزع إِلَى أحصن منزع، عاقبني عِقَاب من قد سهر فِي طلبَهَا، وَنصب فِي التماسها وتقدر لَهَا بِجهْدِهِ، ونهيأ لَهَا بِكُل حيله. فَإِن كَانَ إِنَّمَا حَبَسَنِي على أَنِّي أصلح لَهَا لي، وأليق بهَا وتليق بِي، فَلَيْسَ ذَلِك بذنبٍ فأتوب مِنْهُ، وَلَا تطاولت لَهُ فأحط نَفسِي عَنهُ. فَإِن زعم أَنه لَا صرف لعقابه، وَلَا نجاة من أعطايه إِلَّا بِأَن أخرج لَهُ من الْحلم وَالْعلم، وَمن الحزم والعزم، فَكَمَا لَا ستطيع المضياع أَن
[ ١ / ٣١٨ ]
يكون حَافِظًا كَذَلِك الْعَاقِل لَا يَسْتَطِيع أَن يكون جَاهِلا. وَسَوَاء عاقبني على عَقْلِي وَعلمِي أم على نسبي وَسبي، وَسَوَاء عاقبني على خلالي أَو على طَاعَة النَّاس لي. وَلَو أردتها لأعجلته عَن التفكر، ولشغلته عَن التدبر، وَلما كَانَ فِيهِ من الخطار إِلَّا الْيَسِير، وَمن بذل الْجهد إِلَّا الْقَلِيل. تمّ الْجُزْء الأول بِحَمْد الله. الْجُزْء الثَّانِي
[ ١ / ٣١٩ ]