خطب يَوْم الشورى، فَقَالَ: الْحَمد لله بديئًا كَانَ وآخرًا يعود. أَحْمَده كَمَا أنجاني من الضَّلَالَة وبصرني من العماية، فبرحمة الله فَازَ من نجا، وبهدي الله افلح من وعى، وَبِمُحَمَّدٍ بن عبد الله ﷺ استقامت الطّرق، واستنارت السبل، فَظهر كل حق وَمَات كل بَاطِل. وَإِيَّاكُم أَيهَا النَّفر وَقَول أهل الزُّور، وأمنية الْغرُور، فقد سلبت الْأَمَانِي قبلكُمْ قوما ورثوا مَا ورثتم، ونالوا مَا نلتم، فاتخذهم الله أَعدَاء ولعنهم لعنًا كثيرا. قَالَ الله ﷿: " لعن الَّذين كفرُوا من بني إِسْرَائِيل على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا
[ ٢ / ٨٠ ]
وَكَانُوا يعتدون. كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ". وَإِنِّي نكبت قَرْني، فَأخذت سهمي الفالج، وَأخذت لطلْحَة بن عبيد الله فِي غيبته مَا ارتضيت لنَفْسي فِي حضوري، فَأَنا بِهِ زعيم، وَبِمَا أَعْطَيْت عَنهُ كَفِيل، وَالْأَمر إِلَيْك يَا ابْن عَوْف بِصدق النَّفس وَجهد النصح، وعَلى الله قصد السَّبِيل، وَإِلَيْهِ الْمصير. وَقَالَ لعمر ابْنه حِين نطق مَعَ الْقَوْم فبذهم، وَكَانُوا كَلمُوهُ فِي الرِّضَا عَنهُ قَالَ: هَذَا الَّذِي أَغْضَبَنِي عَلَيْهِ، إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " يكون قوم يَأْكُلُون الدُّنْيَا بألسنتهم كَمَا تلحس الْبَقر الأَرْض بألسنتها ". وَكَانَ بَينه وَبَين خَالِد بن الْوَلِيد كَلَام، فَذهب رجل ليَقَع فِي خَالِد عِنْد سعد، فَقَالَ: مَه، إِن مَا بَيْننَا لم يبلغ ديننَا. وَسُئِلَ عَن الْمُتْعَة، فَقَالَ: فعلناها وَمُعَاوِيَة كَافِر بالعرش. الْعَرْش: مَوضِع بِمَكَّة. وَقَالَ لَهُ رجل: كَيفَ أسنانكم معشر الْمُهَاجِرين؟ قَالَ: كُنَّا من أعذار عَام وَاحِد. وَنظر يَوْم الْقَادِسِيَّة إِلَى أبي محجن، وَكَانَ قد حَبسه، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَال أطلقت عَنهُ امْرَأَة سعد، وأعطته فرسه البلقاء، فَخرج يُقَاتل عَلَيْهَا، وَنظر إِلَيْهِ سعد فَقَالَ: الضبر ضبر البلقاء، وَالْكر كرّ أبي محجن. وَكَانَ سعد يُسمى المستجاب الدعْوَة، وبلغه شَيْء فعله الْمُهلب فِي الْعَدو، والمهلب يَوْمئِذٍ فَتى، فَقَالَ سعد: اللَّهُمَّ لَا تره ذلًا، فيرون أَن الَّذِي ناله الْمُهلب بِتِلْكَ الدعْوَة. وَقَالَ سعد: ثَلَاثَة سَعَادَة، وَثَلَاثَة شقاوة، فَأَما الشقاوة فامرأة سَيِّئَة الْخلق، ودابة سوء، إِن أردْت أَن تلْحق بِأَصْحَابِك أتعبتك، وَإِن تركتهَا خلفتك عَن أَصْحَابك، ومسكن ضيق قَلِيل الْمرَافِق. وَأما السَّعَادَة فامرأة صَالِحَة مُوَافقَة، ودابة تضعك من أَصْحَابك حَيْثُ أَحْبَبْت، ومسكن وَاسع كثير الْمرَافِق.
[ ٢ / ٨١ ]