قَالَ لَهُ عمر ﵁ لما دون الدَّوَاوِين: مَعَ من نكتبك؟ قَالَ: مَعَ الَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض. قَالُوا: أضَاف سلمَان الْفَارِسِي رجلا فَقدم إِلَيْهِ كسرًا وملحًا، فَقَالَ: أما من جبن! فرهن سلمَان ركوته وَاشْترى لَهُ خبْزًا وجبنًا، فَلَمَّا أكل وشبع قَالَ: رضيت بِمَا قسم الله لي. فَقَالَ سلمَان: لَو رضيت بِمَا قسم الله لم ترهن الركوة. وَكَانَ سلمَان يتَعَوَّذ بِاللَّه من الشَّيْطَان وَالسُّلْطَان والعلج إِذا استعرب. وَقَالَ: الْقَصْد والدوام وَأَنت السَّابِق الْجواد. اشْترى رجل بِالْمَدَائِنِ شَيْئا، فَمر سلمَان وَهُوَ أَمِير بهَا فَلم يعرفهُ، فَقَالَ: احْمِلْ هَذَا معي يَا علج. فَحَمله، فَكَانَ من يتلقاه يَقُول: ادفعه إِلَيّ أَيهَا الْأَمِير، وَالرجل يعْتَذر، وَهُوَ يَقُول: لَا وَالله مَا يحملهُ إِلَّا العلج، حَتَّى بلغ منزله. وَرُوِيَ أَنه أَخذ من بَين يَدي النَّبِي ﷺ تَمْرَة من تمر الصَّدَقَة فوضعها فِي فِيهِ فانتزعها ﵇ من فَمه. وَقَالَ: إِنَّمَا يحل لَك من هَذَا مَا يحل لنا. وَقَالَ: النَّاس أَرْبَعَة: أَسد، وذئب، وثعلب، وضأن، فَأَما الْأسد فالملوك يفرسون ويأكلون، وَأما الذِّئْب فالتجار، وَأما الثَّعْلَب فالقراء المخادعون؛ وَأما الضَّأْن فالمؤمن ينهشه من رَآهُ.
[ ٢ / ٥٣ ]
وَدخل عَلَيْهِ سعد يعودهُ فَجعل يبكي. فَقَالَ سعد: مَا يبكيك يَا أَبَا عبد الله؟ . قَالَ: وَالله مَا أبْكِي جزعًا من الْمَوْت، وَلَا حزنا على الدُّنْيَا. وَلَكِن رَسُول الله ﷺ عهد إِلَيْنَا: " ليكف أحدكُم مثل زَاد الرَّاكِب " وَهَذِه الأساود حَولي، وَمَا حوله إِلَّا مطهرة وإجانة وجفنة. وَقَالَ: أحيوا مَا بَين العشاءين فَإِنَّهُ يحط عَن أحدكُم من جزئه، وَإِيَّاكُم وملغاة أول اللَّيْل، فَإِن ملغاة أول اللَّيْل مهدنة لآخره. وَقَالَ: إِن صَاحب عمورية قَالَ لي: قد أظلك زمَان نَبِي يبْعَث بدين إِبْرَاهِيم ﵇ مهاجره أَرض ذَات نخل، فَقدمت وَادي الْقرى فَرَأَيْت بهَا النّخل فطمعت أَن تكون، وَمَا حقت لي أَن تكون. وَقَالَ سلمَان: الْبر لَا يبْلى وَالْإِثْم لَا ينسى. وَكتب إِلَى أبي هُرَيْرَة: إِن نافرت النَّاس نافروك، وَإِن تَركتهم لم يتركوك، فأقرضهم من عرضك ليَوْم فقرك، وَكفى بك ظَالِما ألاّ تزَال مخاصمًا. وَكتب سلمَان أَيْضا إِلَى أبي هُرَيْرَة: إِنَّك لن تكون عَالما حَتَّى تكون متعلمًا، وَلنْ تكون بِالْعلمِ عَالما حَتَّى تكون بِهِ عَاملا.