مر بِبَاب قوم، وجاريةٌ تغنيهم؛ فَلَمَّا سمع غناءها دخل من غير أَن اسْتَأْذن، فرحبوا بِهِ، وَقَالُوا: كَيفَ دخلت يَا أَبَا جَعْفَر؟ قَالَ: لأنكم أذنتم لي قَالُوا: وَكَيف؟ قَالَ: سَمِعت الْجَارِيَة تَقول: قل لكرامٍ ببابنا يلجوا مَا فِي التصابي على الْفَتى حرج وَقَالَ لابنته: يَا بنية. إياك والغيرة فَإِنَّهَا مِفْتَاح الطَّلَاق، وَإِيَّاك والمعاتبة فَإِنَّهَا تورث الضغينة، وَعَلَيْك بالزينة، واعلمي أَن أزين الزِّينَة الْكحل، وَأطيب الطّيب المَاء. وَقَالَ: لَا تَسْتَحي من إِعْطَاء الْقَلِيل؛ فَإِن الْبُخْل أقل مِنْهُ. وربى يماكس وَكيله فِي دِرْهَم؛ فَقَالَ لَهُ قَائِل: أتماكس فِي درهمٍ وَأَنت تجود بِمَا تجود بِهِ؟ قَالَ: ذَلِك مَالِي جدت بِهِ وَهَذَا عَقْلِي بخلت بِهِ. وَقَالَ: لَا خير ف يالمعروف إِلَّا أَن يكون ابْتِدَاء؛ فَأَما أَن يَأْتِيك الرجل بعد تململٍ على فرَاشه، وأرق عَن وسنته، لَا يدْرِي أيرجع بنجج الْمطلب أم بكآبة المتقلب، فَإِن أَنْت رَددته عَن حَاجته تصاغرت إِلَيْك نَفسه، وتراجع الدَّم فِي وَجهه، تمنى أَن يجد فِي الأَرْض نفقا فَيدْخل فِيهِ - فَلَا. وَأنْشد: إِن الصنيعة لَا تكون صَنِيعَة حَتَّى تصيب بهَا طَرِيق المصنع فَقَالَ: هَذَا شعر رجل يُرِيد أَن يبخل النَّاس أمطر الْمَعْرُوف مَطَرا فَإِن صادفت الْموضع الَّذِي قصدت، وَإِلَّا كنت أَحَق بِهِ. وَقَالَ لَهُ الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄: إِنَّك قد أسرفت فِي بذل المَال؛ فَقَالَ: بِأبي أَنْتُمَا وَأمي! إِن الله عودني أَن يفضل عَليّ، وعودته أَن أفضل على عباده، فَأَخَاف أَن أقطع الْعَادة فَيقطع عني.
[ ١ / ٢٩٤ ]
وافتقد عبد الله صديقا لَهُ من مَجْلِسه، ثمَّ جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: أَيْن كَانَت غَيْبَتِك؟ فَقَالَ: خرجت إِلَى عرض من أَعْرَاض الْمَدِينَة مَعَ صديقٍ لي؛ فَقَالَ لَهُ: إِن لم تَجِد من صُحْبَة الرِّجَال بدا فَعَلَيْك بِصُحْبَة من إِن صحبته زانك، وَإِن خففت لَهُ صانك، وَإِن احتجت إِلَيْهِ مانك، وَإِن رأى مِنْك خلة سدها، أَو حَسَنَة عدهَا، وَإِن أكثرت عَلَيْهِ لم يرفضك؛ إِن سَأَلته أَعْطَاك، وَإِن أَمْسَكت عَنهُ ابتداك. وامتدحه نصيب، فَأمر لَهُ بخيل وإبلٍ وأثاث ودنانير ودراهم. فَقَالَ لَهُ رجل: أمثل هَذَا الْأسود يعْطى مثل هَذَا المَال؟ فَقَالَ عبد الله: إِن كَانَ المادح أسود فَإِن شعره أَبيض؛ وَإِن ثناءه لعربي؛ وَلَقَد اسْتحق بِمَا قَالَ أَكثر مِمَّا نَالَ، وَهل أعطيناه إِلَّا ثيابًا تبلى، ومالا يفنى، ومطايا تنضى، وأعطانا مدحًا يرْوى وثناءً يبْقى. وَقيل لَهُ: إِنَّك تبذل الْكثير إِذا سُئِلت، وتضيق فِي الْقَلِيل إِذا توجرت؛ فَقَالَ: إِنِّي أبذل مَالِي وأضن بعقلي. قَالَ بديح: كَانَ فِي أذن عبد الله بن جَعْفَر بعض الوقر إِذا سمع مَا يكره. وروى أَن النَّبِي ﷺ مر بِعَبْد الله بن جَعْفَر وَهُوَ صبي يصنع شَيْئا من طينٍ من لعب الصّبيان، فَقَالَ: مَا تصنع بِهَذَا؟ قَالَ: أبيعه. قَالَ: مَا تصنع بِثمنِهِ؟ قَالَ: أَشْتَرِي بِهِ رطبا آكله؛ فَقَالَ ﵇: اللَّهُمَّ بَارك لَهُ فِي صَفْقَة يَمِينه. فَكَانَ يُقَال: مَا اشْترى شَيْئا قطّ إِلَّا ربح فِيهِ. وأخبار عبد الله بن جَعْفَر فِي السخاء مَعْرُوفَة. وَذكر أَن شَاعِرًا أَتَاهُ فأنشده: رَأَيْت أَبَا جعفرٍ فِي الْمَنَام كساني من الْخَزّ دراعةً فَقَالَ لغلامه: ادْفَعْ إِلَيْهِ دراعتي الْخَزّ، ثمَّ قَالَ لَهُ: كَيفَ لم تَرَ جبتي المنسوجة بِالذَّهَب الَّتِي اشْتَرَيْتهَا بثلاثمائة دِينَار؟ فَقَالَ لَهُ الشَّاعِر: بِأبي أَنْت دَعْنِي أغفى فلعلي أَرَاهَا. فَضَحِك؛ ثمَّ قَالَ: ادْفَعْ إِلَيْهِ جبتي، فَدفعت إِلَيْهِ.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وَذكر أَن رجلا جلب إِلَى الْمَدِينَة سكرا فكسد عَلَيْهِ؛ فَقيل لَهُ: لَو أتيت ابْن جَعْفَر قبله مِنْك وأعطاك الثّمن؛ فَأَتَاهُ فَأخْبرهُ؛ فَأمره بإحضاره، ثمَّ أَمر بِهِ فنثر وَقَالَ للنَّاس: انتهبوا؛ فَلَمَّا رأى الرجل النَّاس ينتهبون قَالَ لَهُ: جعلت فدَاك آخذ مَعَهم؟ قَالَ: نعم؛ فَجعل الرجل يهيل فِي غرارته، ثمَّ ثال لعبد الله: أَعْطِنِي الثّمن، فَقَالَ: وَكم ثمن سكرك؟ قَالَ: أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم، فَأمر لَهُ بهَا، فَقَالَ الرجل للنَّاس: إِن هَذَا مَا يدْرِي مَا يفعل أَخذ أم أعْطى، لأطالبنه بِالثّمن فغدا عَلَيْهِ وَقَالَ: ثمن سكري؛ فَأَطْرَقَ عبد الله مَلِيًّا ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام؛ أعْطه أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم؛ فَقَالَ الرجل: قد قلت لكم إِن هَذَا الرجل لَا يعقل أَخذ أم أعْطى، لأطلبنه بِالثّمن؛ فغدا عَلَيْهِ وَقَالَ: أصلحك الله. ثمن سكري؛ فَأَطْرَقَ ثمَّ رفع رَأسه إِلَى رجلٍ وَقَالَ: ادْفَعْ إِلَيْهِ أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم، فَلَمَّا ولى الرجل قَالَ لَهُ عبد الله: يَا أَعْرَابِي هَذِه تَمام اثنى عشر ألف درهمٍ فَانْصَرف الرجل وَهُوَ يعجب من فعله. وَلما ولى الْملك بن مَرْوَان جَفا عبد الله ورقت حَاله؛ فراح يَوْمًا إِلَى الْجُمُعَة وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنَّك عودتني عَادَة جريت عَلَيْهَا؛ فَإِن كَانَ ذَلِك قد انْقَضى فاقبضني إِلَيْك، فتوفى فِي الْجُمُعَة الْأُخْرَى. وَأوصى إِلَى ابْنه مُعَاوِيَة - وَكَانَ فِي وَلَده من هُوَ أسن مِنْهُ، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي لم أزل أوملك لَهَا. وَكَانَ عَلَيْهِ دين، فاحتال مُعَاوِيَة فِيهِ وقضاه، وَقسم أَمْوَال أَبِيه فِي وَلَده وَلم يستأثر عَلَيْهِم بِشَيْء. قَالَ الْمَدَائِنِي: وَكَانَ عبد الله بن جَعْفَر لَا يُؤَدب وَلَده وَيَقُول: إِن يرد الله بهم خيرا يتأدبوا؛ فَلم ينجب فيهم غير مُعَاوِيَة. وَمن وَلَده عبد الله بن مُعَاوِيَة. وَكَانَ من فتيَان بني هَاشم وسمحائهم وشعرائهم وخطبائهم. دَعَا إِلَى نَفسه - وَقيل دَعَا إِلَى الرِّضَا من آل مُحَمَّد -
[ ١ / ٢٩٦ ]
وَغلب على الْكُوفَة، ثمَّ خرج مِنْهَا إِلَى فَارس، وَلبس الصُّوف وَأظْهر سِيمَا الْخَيْر. وَكَانَ يطعن فِي دينه، وينسب إِلَى الزندقة واللواط، فغلب على الْجَبَل والرى والأصفهان وَفَارِس والماهين. وقصده بَنو هَاشم - وَفِيهِمْ الْمَنْصُور والسفاح، وَعِيسَى بن عَليّ، وَمن بني أُميَّة سلمَان بن هَاشم بن عبد الْملك وَغَيره؛ فَمن أَرَادَ عملا ولاه، وَمن أَرَادَ صلَة وَصله؛ فَوجه إِلَيْهِ مَرْوَان بن مُحَمَّد عَامر بن ضبارة؛ فهرب عبد الله من فَارس وَلحق بخراسان، وَقد ظهر أَبُو مسلمٍ بهَا، فَأَخذه أَبُو مُسلم وحبسه ثمَّ قَتله. وَكَانَ جعل عَلَيْهِ عينا يرفع إِلَيْهِ أخباره؛ فَرفع إِلَيْهِ أَنه يَقُول: لَيْسَ على الأَرْض أَحمَق مِنْكُم يَا أهل خُرَاسَان، فِي طاعتكم هَذَا الرجل وتسليمكم إِلَيْهِ مقاليد أُمُوركُم منغير أَن تراجعوه فِي ئيءٍ، أَو تسألوه عَنهُ. وَالله مَا رضيت الْمَلَائِكَة بِهَذَا من الله ﷿ حَتَّى راجعته فِي أَمر آدم؛ فَقَالَت: " أَتجْعَلُ فِيهَا من يفس فِيهَا ويسفك الدِّمَاء ". حَتَّى قَالَ لَهُم: " إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ ". وَكتب إِلَى أبي مُسلم من الْحَبْس: من الْأَيْسَر فِي يَدَيْهِ بِلَا ذنبٍ إِلَيْهِ وَلَا خلاف عَلَيْهِ. أما بعد فآتاك الله حفظ الْوَصِيَّة، ومنحك نصيحة الرّعية، وألهمك عدل الْقَضِيَّة، فَإنَّك مستودع ودائع وَمولى صنائع، فاحفظ ودائعك بِحسن صنائعك، فالودائع مرعية، والصنائع عاريةٌ، وَمَا النعم عَلَيْك وعلينا فِيك بمستور نداها، وَلَا مبلوغ مداها، فاذكر الْقصاص، واطلب الْخَلَاص، وأنبه للتفكر قَلْبك، وَاتَّقِ الله رَبك، واعط من نَفسك من هُوَ تَحْتك مَا تحب أَن يعطيك من هُوَ فَوْقك من الْعدْل والرأفة والأمن من المخافة. فقد أنعم الله عَلَيْك إِذْ فوض أمرنَا إِلَيْك؛ فاعرف لنا شكر الْمَوَدَّة وأعتقنا من الشدَّة وَالرِّضَا بِمَا رضيت، والقناعة بِمَا هويت؛ فَإِن علينا من ثقل الْحَدِيد أَذَى شَدِيدا، مَعَ معالجة الأغلال، وَقلة رَحْمَة الْعمَّال، الَّذين تسهيلهم الغلظة، وتيسيرهم الفظاظة، وإيرادهم علينا الغموم، وتوجيههم إِلَيْنَا الهموم؛ زيارتهم الحراسةن وبشارتهم الإياسة، فإليك نرفع كربَة الشكوى، ونشكو شدَّة الْبلوى. وَمَتى تمل إِلَيْنَا طرفا وتزودنا مِنْك
[ ١ / ٢٩٧ ]
عطفا تَجِد عندنَا نصحًا صَرِيحًا. وودًا صَحِيحا، وَلَا يضيع مثلك مثله، وَلَا يَتَّقِي مثلك أَهله؛ فارع حُرْمَة من أدْركْت حرمته، واعرف حجَّة من فلجت حجَّته؛ فَإِن النَّاس من حوضك رواءٌ، وَنحن مِنْهُ ظماءٌ. يَمْشُونَ فِي الأبراد، ونحجل فِي الأقياد، بعد الْخَيْر وَالسعَة، والخفض والدعة. وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان، صريخ الْأَخْبَار ومنجي الْأَبْرَار. النَّاس من دولتنا فِي رخاءٍ، وَنحن مِنْهَا فِي بلاءٍ:؛ حَيْثُ أَمن الخائفون، وَرجع الهاربون، رزقنا الله مِنْك التحنن، وَظَاهر علينا مِنْك المنن؛ فَإنَّك أَمِين للْمُؤْمِنين مستودع وذائد مصطنعٌ. وَكتب عبد الله إِلَى بعض إخوانه: أما بعدن فقد عاقني الشَّك فِي أَمرك عَن عَزِيمَة الرَّأْي فِيك. ابتدأتني بلطفٍ عَن غير خبرةٍ ثمَّ أعقبتني جفَاء من غير ذنبٍ، فأطمعني أولك فِي إخائك، وآيسني آخارك من وفائك. فَلَا أَنا فِي غير الرَّجَاء مجمعٌ لَك اطراحًا، وَلَا أَنا فِي غدٍ وانتظاره مِنْك على ثِقَة. فسبحان من لَو شَاءَ كشف بإيضاح الرَّأْي عَن عَزِيمَة الشَّك فِي أَمرك فَأَقَمْنَا على ائتلافٍ، أَو افترقنا على اختلافٍ. وَالسَّلَام. كَانَ عبد الله بن جَعْفَر إِذا غنته الْجَارِيَة يَقُول: أَحْسَنت إِلَيّ وَالله، وَكَانَ يتأثم أَن يَقُول: أَحْسَنت وَالله. ووفد على مُعَاوِيَة فأنزله فِي دَاره، فَقَالَت لَهُ ابْنة قرظة امْرَأَته: إِن جَارك هَذَا يسمع الْغناء فَاطلع عَلَيْهِ وجاريةٌ لَهُ تغنيه، وَتقول: إِنَّك وَالله لذُو ملةٍ يصرفك الْأَدْنَى عَن الْأَبْعَد وَهُوَ يَقُول: يَا صدقكاه! قَالَ ثمَّ قَالَ: اسقيني. قَالَت: مَا أسقيك؟ قَالَ: ماءٌ وَعَسَلًا. فَانْصَرف مُعَاوِيَة وَهُوَ يَقُول: مَا أرى بَأْسا.
[ ١ / ٢٩٨ ]
فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك قَالَت لَهُ: إِن جَارك هَذَا لَا يدعنا ننام اللَّيْل من قِرَاءَة الْقُرْآن قَالَ: هَكَذَا قومِي؛ رُهْبَان بِاللَّيْلِ، ملوكٌ بِالنَّهَارِ. وَقَالَ عبد الله: إِن بِأَهْل الْمَعْرُوف من الْحَاجة إِلَيْهِ أَكثر مِمَّا بِأَهْل الرَّغْبَة مِنْهُم فِيهِ؛ وَذَلِكَ أَن حَمده وأجره وَذكره وذخره وثناءه لَهُم، فَمَا صنعت من صَنِيعَة أَو أتيت من معروفٍ، فَإِنَّمَا تَصنعهُ إِلَى نَفسك، فَلَا تَطْلُبن من غَيْرك شكر مَا أتيت لي نَفسك. ويروى هَذَا الْكَلَام لِابْنِهِ جعفرٍ ﵁.