خطْبَة لَهُ: أصدق الحَدِيث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التَّقْوَى، خير الْملَل مِلَّة إِبْرَاهِيم، وَأحسن السّنَن سنة مُحَمَّد ﷺ، شَرّ الْأُمُور محدثاتها، مَا قل وَكفى خير مِمَّا كثر وألهى، خير الْغنى غنى النَّفس، خير مَا ألقِي فِي الْقلب الْيَقِين، الْخمر جماع الآثام، النِّسَاء حبالة الشَّيْطَان، الشَّبَاب شُعْبَة من الْجُنُون، حب الْكِفَايَة مِفْتَاح المعجزة، من النَّاس من لَا يَأْتِي الْجَمَاعَة إِلَّا دبرًا، وَلَا يذكر الله إِلَّا هجرًا، أعظم الْخَطَايَا اللِّسَان الكذوب. سباب الْمُؤمن فسق، قِتَاله كفر، أكل لَحْمه مَعْصِيّة، من يتأل على الله يكذبهُ، وَمن يغْفر يغْفر لَهُ. مَكْتُوب فِي ديوَان الْمُحْسِنِينَ: من عَفا عُفيَ عَنهُ.
[ ٢ / ٤٩ ]
وَمن كَلَامه ﵁: حدث النَّاس مَا حدجوك بأسماعهم، ورموك بِأَبْصَارِهِمْ، فَإِذا رَأَيْت مِنْهُم فَتْرَة فَأمْسك. وَكَانَت لَهُ ثَلَاث خِصَال: أَولهَا السرَار، وَهُوَ سرار رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ: إذنك عليّ أَن تسمع سوَادِي. وَكَانَ مَعَه سواك رَسُول الله ﷺ، أَو عَصَاهُ. وَقيل لَهُ فِي مَرضه: لَو نظر إِلَيْك الطَّبِيب. فَقَالَ: الطَّبِيب أَمْرَضَنِي. وَقَالَ: مَا الدُّخان على النَّار بأدل من الصاحب على الصاحب. قَالَ بَعضهم: اسكتتني كلمة عبد الله بن مَسْعُود عشْرين سنة حَيْثُ يَقُول: من كَانَ كَلَامه لَا يُوَافق فعله، فَإِنَّمَا يوبخ نَفسه. وَقَالَ: الدُّنْيَا كلهَا غموم، فَمَا كَانَ مِنْهَا من سرُور فَهُوَ ربح. وَدخل عَلَيْهِ عُثْمَان ﵄ فِي مَرضه، فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تشْتَهي؟ قَالَ: رَحْمَة رَبِّي. وَقَالَ: الْقُلُوب تمل كَمَا تمل الْأَبدَان، فابتغوا لَهَا طرائف الْحِكْمَة. وَقَالَ: كفى بِالرجلِ دَلِيلا على سخافة دينه كَثْرَة صديقه. وَقَالَ: كونُوا ينابيع الْعلم مصابيح اللَّيْل، جدد الْقُلُوب، خلقان الثِّيَاب، أحلاس الْبيُوت، تخفون فِي الأَرْض، وتعرفون فِي السَّمَاء. وَقَالَ: جردوا الْقُرْآن ليربو فِيهِ صغيركم، وَلَا ينأى عَنهُ كبيركم؛ فَإِن الشَّيْطَان يخرج من الْبَيْت تقْرَأ فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة. وَقَالَ: إِن التمائم والرقى والتولة من الشّرك. وَقَالَ: إِنَّكُم مجموعون فِي صَعِيد وَاحِد يسمعهم الدَّاعِي، وَينْفذهُمْ الْبَصَر. وَقَالَ: انْتَهَيْت إِلَى أبي جهل يَوْم بدر وَهُوَ صريع، فَقلت: قد أخزاك الله يَا عَدو الله، وَوضعت رجْلي على مذمّره. فَقَالَ: يَا رويعي الْغنم، لقد
[ ٢ / ٥٠ ]
ارتقيت مرتقى صعبًا، لمن الدبرة؟ فَقلت: لله وَلِرَسُولِهِ. فَقَالَ: أعمد من سيد قَتله قومه. قَالَ: ثمَّ اجنززت رَأسه فَجئْت بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ. وَقَالَ: إِن طول الصَّلَاة وَقصر الْخطْبَة مئنة من فقه الرجل. وَقَالَ: لَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على شرار النَّاس، من لَا يعرف مَعْرُوفا وَلَا يُنكر مُنْكرا، يتهارجون كَمَا تهارج الْبَهَائِم، كرجراجة المَاء الْخَبيث الَّتِي لَا تطعم. وَقَالَ: لِأَن أزاحم جملا قد هيئ بالقطران أحب إليّ من أَن أزاحم امْرَأَة عطرة. وَقَالَ: مَا شبهت مَا غبر من الدُّنْيَا إِلَّا بثغب ذهب صَفوه، وَبَقِي كدره. وَذكر الْفِتْنَة فَقَالَ: الزم بَيْتك. فَقيل: فَإِن دخل عليّ بَيْتِي؟ قَالَ: كن مثل الْجمل الأورق الثفال الَّذِي لَا ينبعث إِلَّا كرها، وَلَا يمشي إِلَّا كرها. وَسَار سبعا من الْمَدِينَة إِلَى الْكُوفَة فِي مقتل عمر ﵁ فَصَعدَ الْمِنْبَر وَقَالَ: إِن أَبَا لؤلؤة قتل أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر. قَالَ: فَبكى النَّاس. قَالَ: ثمَّ إِنَّا أَصْحَاب مُحَمَّد اجْتَمَعنَا فأمّرنا عُثْمَان وَلم نأل عَن خبرنَا ذَا فَوق. وَقَالَ: إِذا ذكر الصالحون فَحَيَّهَلا بعمر. وَقَالَ: إِذا وَقعت فِي آل حم وَقعت فِي روضات دمثات أتأنق فِيهِنَّ. وَقَالَ: إِن هَذَا الْقُرْآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته. وَقَالَ: لِأَن أعض على جَمْرَة حَتَّى تبرد، أحب إِلَيّ من أَن أَقُول لأمر قَضَاهُ الله ﷿: ليته لم يكن.
[ ٢ / ٥١ ]
وَقَالَ: لَا أَعرفن أحدكُم جيفة ليل، قطرب نَهَار. وَقَالَ لَهُ رجل: إِنِّي أردْت السّفر فأوصني. فَقَالَ لَهُ: إِذا كنت فِي الوصيلة فأعط راحلتك حظها، فَإِذا كنت فِي الجدب فأسرع السّير وَلَا تهود وَإِيَّاك والمناخ على ظهر الطَّرِيق فَإِنَّهُ منزل للوالجة. وَقَالَ: لَا تهذوا الْقُرْآن كهذّالشعر، وَلَا تنثروه نثر الدقل - يَقُول: لاتعجلوا فِي تِلَاوَته. وَقَالَ لرجل: إِنَّك إِن أخرت إِلَى قريب بقيت فِي قوم كثير خطباؤهم، قَلِيل علماؤهم، كثير سائلوهم، قَلِيل معطوهم، يُحَافِظُونَ على الْحُرُوف ويضيعون الْحُدُود، أَعْمَالهم تبع لأهوائهم. وَقَالَ: لَا تعجلوا بِحَمْد النَّاس وَلَا بذمهم، إِلَّا عِنْد مضاجعهم، فَإِن الرجل يُعْجِبك الْيَوْم، ويسوءك غَدا، ويسوءك الْيَوْم ويسرك غَدا. وَقَالَ: تجوزون الصِّرَاط بِعَفْو الله، وتدخلون الْجنَّة برحمة الله، وتقتسمونها بأعمالكم. وَقَالَ: أد مَا افْترض الله تكن أعبد النَّاس، وَارْضَ بِمَا قسم الله لَك تكن أزهد النَّاس، واجتنب مَا حرم الله عَلَيْك تكن أورع النَّاس. وَقَالَ: من الْيَقِين أَلا تطلب رضَا أحد من النَّاس بسخط الله، وَلَا تحمد أحدا من النَّاس فِي رزق آتاك الله، وَلَا تلوم أحدا من النَّاس فِيمَا لم يؤتك الله؛ فَإِن الله جعل الرّوح والراحة فِي الْيَقِين وَالرِّضَا، وَجعل الْهم والحزن فِي الشَّك والسخط. وَقَالَ: عَلَيْكُم بِالْعلمِ؛ فَإِن أحدكُم لَا يدْرِي مَتى يفْتَقر إِلَى مَا عِنْده. عَلَيْكُم بِالْعلمِ قبل أَن يقبض، وَقَبضه ذهَاب أَهله.
[ ٢ / ٥٢ ]
وَاتبعهُ قوم، فَقَالَ: لَو علمُوا مَا أغلق عَلَيْهِ بَابي مَا اتبعني رجلَانِ. وَقَالَ: مَا أُبَالِي أبالفقر بليت أم بالغنى، إِن حق الله فيهمَا لواجب؛ فِي الْغنى البرّ والعطف، وَفِي الْفقر الصَّبْر وَالرِّضَا. وَقَالُوا: لَا تعادوا نعم الله فَإِن الحسود عَدو النعم.