قَالَ عَليّ رَحْمَة الله عيه: من لم يجد مس نقص الْجَهْل فِي عقله، وذلة الْمعْصِيَة فِي قلبه، وَلم يستبن مَوضِع الْخلَّة فِي لِسَانه عِنْد كلال حَده عَن حد خَصمه، فَلَيْسَ مِمَّن ينْزع عَن ريبةٍ، وَلَا يرغب عَن حَال معْجزَة، وَلَا يكترث لفصل مَا بَين حجةٍ وشبهةٍ. وَقَالَ: سادة النَّاس فِي الدُّنْيَا الأسخياء، وَفِي الْآخِرَة الأتقياء. وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ وَذكر رجلا من أَهله: إِنِّي لأكْره أَن يكون لعمله فضلٌ على عقله كَمَا أكره أَن يكون لِلِسَانِهِ فضلٌ على علمه: وَقَالَ أَبُو مُسلم: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الإِمَام يَقُول: يَكْفِي من حَظّ البلاغة أَلا يُؤْتى السَّامع من سوء إفهام النَّاطِق، وَلَا يُؤْتى النَّاطِق من سوء فهم السَّامع. وَكَانَ من الخطباء دَاوُد بن عَليّ، وَهُوَ الَّذِي يَقُول: الْملك فرع نبعةٍ نَحن أفنانها، وذروة هضبةٍ نَحن أَرْكَانهَا. وخطب بِمَكَّة فَقَالَ: شكرا شكرا، إِنَّا وَالله مَا خرجنَا لنحفر فِيكُم نَهرا، وَلَا لنبني فِيكُم قصرًا. أَظن عَدو الله أَن لن نظفر بِهِ؟ أرْخى لَهُ فِي زمامه، حَتَّى عثر فِي فضل خطامه. فَالْآن عَاد الْأَمر فِي نصابه، وطلعت الشَّمْس من مطْلعهَا،
[ ١ / ٢٩٩ ]
والآن أَخذ الْقوس باريها. وعادت النبل إِلَى النزعة، وَرجع الْحق إِلَى مستقره، فِي أهل بَيت نَبِيكُم أهل الرَّحْمَة والرأفة. وخطب فَقَالَ: أحرز لسانٌ رَأسه، اتعظ المرؤ بِغَيْرِهِ، اعْتبر عاقلٌ قبل أَن يعْتَبر بِهِ، فامسك الْفضل من قَوْله، وَقدم الْفضل من عمله. ثمَّ أَخذ بقائم سَيْفه وَقَالَ: إِن بكم دَاء هَذَا دواؤه، وَأَنا زعيمٌ لكم بشفائه. وَمَا بعد الْوَعيد إِلَّا الوقع، وَمَا بعد التهديد غير إنجاز الْوَعيد. " وَقد خَابَ من افترى ". " إِنَّمَا يفتري الْكَذِب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بآيَات الله وَأُولَئِكَ هم الْكَاذِبُونَ ". وَلما قَامَ أَبُو الْعَبَّاس السفاح فِي اول خِلَافَته على الْمِنْبَر، قَامَ بوجهٍ كورقة الْمُصحف، فاستحيا فَلم يتَكَلَّم، فَنَهَضَ دَاوُد حَتَّى صعد الْمِنْبَر - قَالَ الْمَنْصُور: فَقلت فِي نَفسِي: شَيخنَا وَكَبِيرنَا يَدْعُو إِلَى نَفسه؛ فانتضيت سَيفي وغطيته بثوبي؛ فَقلت: إِن فعل ناجزته - فَلَمَّا رقى عتبًا اسْتقْبل النَّاس بِوَجْهِهِ دون أَب يالعباس، ثمَّ قَالَ: يَا ايها النَّاس إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يكره أَن يتَقَدَّم قَوْله فعله، ولأثر الفعال عَلَيْكُم أجدى من تشقيق الْكَلَام، وحسبكم كتاب الله متسلى فِيكُم وَابْن عَم رَسُول الله ﷺ خَليفَة عَلَيْكُم. وَالله - قسما برا لَا أُرِيد بهَا إِلَّا الله - مَا قَامَ هَذَا الْمقَام بعد رَسُول الله ﷺ وعَلى آله أَحَق بِهِ من عَليّ بن أبي طَالب وأمير الْمُؤمنِينَ هَذَا؛ فليظن ظانكم، وليهمس هامسكم. قَالَ أَبُو جَعْفَر: ثمَّ نزل فشمت سَيفي. وبلغه وَهُوَ بِمَكَّة أَن قوما أظهرُوا الشكاة لأبي الْعَبَّاس، فافترع الْمِنْبَر، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: أعذرا غدرا: يَا أهل الْجُبْن والتبديل ألم يزعكم الْفَتْح الْمُبين عَن الْخَوْض فِي ذمّ أَمِير الْمُؤمنِينَ. كلا وَالله، حَتَّى تحملوا أوزاركم، وَمن أوزار الَّذين كانو قبلكُمْ. كَيفَ فاهت شفاهكم بالشكوى لأمير الْمُؤمنِينَ؟ بعد أَن حانت آجالكم فأرجأها، وانثعبت دماؤكم فحقنها؟ الْآن يَا منابت الدمن مشيتم الضراء، ودببتم
[ ١ / ٣٠٠ ]
الْخمر. أما ومحمدٍ وَالْعَبَّاس لَئِن عدتم لمثل مَا بدأتم لأحصدنكم بظبات السيوف. ثمَّ يُغني رَبنَا عَنْكُم، ويستبدل قوما غَيْركُمْ ثمَّ لَا يَكُونُوا أمثالكم. مهلا مهلا يَا روايا الإرجاف، وَأَبْنَاء النِّفَاق، وأنسال الْأَحْزَاب وَكفوا عَن الْخَوْض فِيمَا كفيتم، والتخطي إِلَى مَا حذرتم قبل أَن تتْلف نفوسٌ، ويقل عذرٌ، ويذل عز. وَمَا أَنْتُم وَتلك؟ وَلم؟ ألم تَجدوا مَا وعد ربكُم حَقًا من إيراث الْمُسْتَضْعَفِينَ مَشَارِق الأَرْض ومقاربها؟ بلَى، وَالْحجر وَالْحجر. وَلكنه حسدٌ مضمرٌ، وحسك فِي الصُّدُور. فرغمًا للمعاطس، وبعدًا للْقَوْم الظَّالِمين. وَلما أَتَى الْخَبَر بقتل مَرْوَان بن مُحَمَّد خطب عِيسَى بن عَليّ فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي لَا يفوتهُ من طلب، وَلَا يعجزه من هرب. خدعت وَالله الأشيقر نَفسه، أَو ظن أَن الله ممهله؟ " ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره ". فحتى مَتى؟ وَإِلَى مَتى؟ لقد كذبتهم العيدان الَّتِي افترعوها، وَأَمْسَكت السَّمَاء درها، وَالْأَرْض رِيقهَا، وقحل الزَّرْع، وجفر فنيق الْكفْر، واشتمل جِلْبَاب الشّرك، وأبطلت الْحُدُود، وأهدرت الدِّمَاء، وَكَانَ رَبك بالمرصاد، " فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم فسواها وَلَا يخَاف عَقبهَا ". وانتاشكم عباد الله لينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ. فالشكر الشُّكْر عباد الله؛ فَإِنَّهُ من دواعي الْمَزِيد. أعاذنا الله وَإِيَّاكُم من نفثات الْفِتَن. وخطب عبد الله بن عَليّ لما قتل مَرْوَان بن مُحَمَّد فَقَرَأَ: " ألم تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا نعمت الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار ". ركض بكم يَا أهل الشَّام آل حربٍ وَآل مَرْوَان، يتسكعون بكم الظُّلم، ويخوضون بكم مداحض المراقي، ويوطئونكم محارم اله ومحارم رَسُوله. فَمَا يَقُول عُلَمَاؤُكُمْ غَدا عِنْد الله؟ إِذْ يَقُولُونَ: " رَبنَا هَؤُلَاءِ أضلونا فأتهم عذَابا ضعفا من النَّار ". فَيَقُول: " لكل ضعفٌ وَلَكِن لَا تعلمُونَ ".
[ ١ / ٣٠١ ]
أما أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد أَسف بكم إِلَى التَّوْبَة، وَغفر لكم الزلة، وَبسط لكم الْإِقَالَة بفضله. فليفرج روعكم، وليعظكم مصَارِع من كَانَ قبلكُمْ. فَهَذِهِ الحتى مِنْكُم مضرعةٌ، وَبُيُوتهمْ خاويةٌ بِمَا ظلمُوا، وَالله لَا يحب الظَّالِمين. ثمَّ نزل عَن الْمِنْبَر، وَصعد صَالح بن عَليّ بعده فَقَالَ: يَا أهل النِّفَاق، وَعمد الضَّلَالَة، أعزكم لين الإبساس وَطول الإيناس، حَتَّى ظن جاهلكم أَن ذَلِك لفلول حد، وخور قناةٍ. فَإِذا استوبأتكم الْعَافِيَة فعندي نكالٌ وفطام، وسيفٌ يعَض بالهام. وَمن خطب دَاوُد: أَيهَا الْقَوْم. حَتَّى مَتى يَهْتِف بكم صريخكم؟ أما آن لراقدكم أَن يهب من رقدته؟ بلَى و" كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ". طَال الْإِمْهَال حَتَّى حسبتموه الإهمال. هَيْهَات كَيفَ يكون ذَلِك وَالسيف مشهورٌ؟ لَا وَالله، حَتَّى يجوسكم خلال الديار. حَتَّى تبيد قبيلةٌ وقبيلةٌ ويعض كل مهند بالهام ويقمن ربات الْخُدُور حواسرًا يمسحن عرض ذوائب الْأَيْتَام وَلما خرج دَاوُد إِلَى مَكَّة واليًا حم فِي بعض طَرِيقه، فَكَانَ يَدْعُو الله وَيَقُول: يَا رب. الثأر ثمَّ النَّار. قَالَ عبد الصَّمد بن عَليّ: كنت عِنْد عبد الله بن عَليّ فِي عسكره بِالشَّام لما خَالف الْمَنْصُور ودعا إِلَى نَفسه، وَكَانَ أَبُو مُسلم بإزائه يقاتله، فاستؤذن لرَسُول أبي مُسلم عَلَيْهِ، فاذن لَهُ، فَدخل رجلٌ من أهل الشَّام فَقَالَ لَهُ: يَقُول لَك الْأَمِير: علام قتالك إيَّايَ وَأَنت تعلم أَنِّي أهزمك؟ فَقَالَ لَهُ: يَا بن الزَّانِيَة، وَلم تقاتليني عَنهُ وَأَنت تعلم أَنه يقتلك؟ قَالَ الْعَبَّاس بن محمدل بن عَليّ للرشيد: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. إِنَّمَا هُوَ سَيْفك ودرهمك، فازرع بِهَذَا من شكرك، واحصد بِهَذَا من كفرك.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وَلما ضرب عبد الله بن عَليّ أَعْنَاق بني أُميَّة قَالَ قَائِل: هَذَا وَالله جهد الْبلَاء فَقَالَ عبد الله: مَا هَذَا وشرطة الْحجام إِلَّا سواءٌ. إِنَّمَا جهد الْبلَاء فقرٌ مدقعٌ بعد غنى موسع. وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ: كَفاك من عَم الدّين أَن تعرف مَا لايسع جَهله، وَكَفاك من علم الْأَدَب أَن تروى الشَّاهِد والمثل. كتب الْمَنْصُور إِلَى صَالح بن عَليّ أَن يطْلب بشر بنعبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان ابْن عبد الْملك ويقتله. فَأتى بِهِ إِلَى صَالح، فَقَالَ لَهُ: قد كَانَ لأبي خَالِد عندنَا بلَاء يشْكر. قَالَ بشر: فلينفعني ذَلِك عنْدك. قَالَ: أما مَعَ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَا بُد من قَتلك. وَلَكِنِّي أقدم السَّاعِي بك، فَأَضْرب عُنُقه بَين يَديك، وَأعْطِي الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْك ألف دِينَار؛ فَفعل ذَلِك ثمَّ قَتله. أوصى الْعَبَّاس بن مُحَمَّد معم وَلَده فَقَالَ: إِنِّي قد كفيتك أعراقه فَاكْفِنِي آدابهم. اغذهم بالحكمة فَإِنَّهَا ربيع الْقُلُوب، وعلمهم النّسَب وَالْخَبَر؛ فَإِنَّهُ أفضل علم الْمُلُوك، وابدأهم بِكِتَاب الله، فَإِنَّهُ قد خصهم ذكره، وعمهم رشده، وَكفى بِالْمَرْءِ جهلا أَن يجهل فضلا عَنهُ آخذ. وخذهم بالإعراب فَإِنَّهُ مدرجة الْبَيَان، وفقههم فِي الْحَلَال وَالْحرَام فَإِنَّهُ حارسٌ من أَن يظلموا، ومانع من أَن يظلموا. كَانَ دَاوُد بن عَليّ يَقُول: الْمعرفَة شكرٌ، وَالْحَمْد نعمةٌ يجب فِيهَا الشُّكْر. وخطب سُلَيْمَان بن عَليّ فَقَالَ: " وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالون ". قضاءٌ فصلٌ، وقولٌ مبرمٌ، فَالْحَمْد لله الَّذِي صدق عَبده، وأنجز وعده، وبعدًا للْقَوْم الظَّالِمين الَّذين اتَّخذُوا الْكَعْبَة غَرضا، وَالدّين هزوا، والفئ إِرْثا، وَالْقُرْآن عضين، لقد حاق بهم مَا كَانُوا يستهزئون وكأين ترى من بئرٍ معطلةٍ وقصرٍ مشيد، بِمَا قدمت أَيْديهم، وَمَا الله بظلام للعبيد. أمهلهم حَتَّى اضطهدوا العترة، ونبذوا السّنة، " وخاب كل جبارٍ عنيد " ثمَّ أَخذهم فَهَل تحس مِنْهُم من أحدٍ أَو تسمع لَهُم ركزًا ".
[ ١ / ٣٠٣ ]
وَكَانَ أبوهم عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس سيدًا شريفًا بليغًا، وَكَانَ يُقَال إِن لَهُ خَمْسمِائَة أصل زيتون، يصلى فِي كل يَوْم إِلَى كل أصلٍ مِنْهَا رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَ يدعى ذَا الثفنات، وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان يُكرمهُ. وضربه الْوَلِيد مرَّتَيْنِ بِالسَّوْطِ، إِحْدَاهمَا فِي تزَوجه لبَابَة بنت عبد الله ابنجعفر، وَكَانَت عِنْد عبد املك فَطلقهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عض تفاحةً ثمَّ رمى بهَا إِلَيْهَا - وَكَانَ أبخر - فدعَتْ بسكينٍ. فَقَالَ لَهَا: مَا تصنعين بهَا؟ فَقَالَت: أميط عَنْهَا الْأَذَى، فَطلقهَا، فَتَزَوجهَا بعده عَليّ، فَضَربهُ الويد، وَقَالَ: إِنَّمَا تتَزَوَّج أُمَّهَات أَوْلَاد الْخُلَفَاء لتَضَع مِنْهُم كَمَا فعل مَرْوَان ابْن الحكم بِأم خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة. وَأما ضربه إِيَّاه فِي الكرة الثَّانِيَة فروى عَن بَعضهم قَالَ: رَأَيْت عليا مَضْرُوبا بِالسَّوْطِ يدار بِهِ على بعيرٍ، وَجهه مِمَّا يَلِي ذَنْب الْبَعِير، وصائحٌ يَصِيح عَلَيْهِ: هَذَا عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس الْكذَّاب، فَأَتَيْته فَقلت لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي سنبونك إِلَيْهِ من الْكَذِب؟ قَالَ: بَلغهُمْ قولي إِن هَذَا الْأَمر سَيكون فِي وَلَدي. وَالله لَيَكُونن حَتَّى يملكهم عبيدهم الصغار الْعُيُون، العراض الْوُجُوه، الَّذين كَأَن وُجُوههم المجان المطرقة. وروى أَنه دخل على هِشَام وَمَعَهُ ابْنا ابْنه الخليفتان أَبُو الْعَبَّاس وَأَبُو جَعْفَر، فَلَمَّا ولى قَالَ هِشَام: إِن هَذَا الشَّيْخ قد اخْتَلَّ وأسن، وَصَارَ يَقُول: إِن هَذَا الْأَمر سنتقل إِلَى وَلَده، فَسمع ذَلِك عليٌ فَالْتَفت إِلَيْهِ وَقَالَ: إِي وَالله، لَيَكُونن ذَلِك وليملكن هَذَانِ. وروى أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عليا ﵁ افْتقدَ عبد الله بن عَبَّاس وَقت صَلَاة الظّهْر، فَقَالَ لأَصْحَابه: مَا بَال أَب يالعباس لم يحضر؟ فَقيل لَهُ: ولد لَهُ مَوْلُود. فَلَمَّا صلى قَالَ: امضوا بِنَا إِلَيْهِ. فَأَتَاهُ فهنأه، فَقَالَ: شكرت الْوَاهِب فبورك لَك الْمَوْهُوب. مَا سميته؟ قَالَ: أَو يجوز لي أَن أُسَمِّيهِ حَتَّى تسميه، فَأمر بِهِ فَأخْرج إِلَيْهِ فَأَخذه وحنكه ودعا لَهُ ثمَّ رده إِلَيْهِ وَقَالَ: خُذْهُ إِلَيْك أَبَا الْأَمْلَاك. قد سميته عليا وكنيته أَبَا الْحسن. فَلَمَّا قَامَ مُعَاوِيَة بِالْأَمر قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: لَيْسَ لكم اسْمه وكنيته. لكم الِاسْم ولي الْمنية، وَقد كنيته أَبَا مُحَمَّد، فجرت عَلَيْهِ.
[ ١ / ٣٠٤ ]
أشرف عبد الله بن عَليّ وَهُوَ مستخفٍ بِالْبَصْرَةِ عِنْد أَخِيه سُلَيْمَان بن عَليّ فَرَأى رجلا لَهُ جمالٌ يجر ثِيَابه ويتبختر، فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: فلَان الْأمَوِي. فَقَالَ يَا أسفا. وَإِن فِي طريقنا بعد مِنْهُم لوعثاء. وَقَالَ لمولى لَهُ: بحقي عَلَيْك إِلَّا جئتني بِرَأْسِهِ. ثمَّ أنْشد قَول سديف: علام وفيم يتْرك عبد شمسٍ لَهَا فِي كل راعية ثُغَاء فَمَا فِي الْقَبْر فِي حران مِنْهَا وَلَو قتلت باجمعها وَفَاء فَمضى مَوْلَاهُ إِلَى سُلَيْمَان وَأخْبرهُ بِمَا قَالَ: فَنَهَاهُ سُلَيْمَان فَعَاد إِلَيْهِ واعتل بِأَنَّهُ فَاتَهُ. حدث ابْن عَائِشَة أَن امْرَأَة من نسَاء بن يأمية قَالَت لعبد الله بن عَليّ: قتلت من أَهلِي وذويهم اثنى عشر ألفا فيهم لحيةٍ خضبةٍ. وَدخلت ابْنة مَرْوَان عَلَيْهِ فَقَالَت: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. فَقَالَ: لست بِهِ. فَقَالَت: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْأَمِير. قَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام. فَقَالَت: ليسعنا عدلكم. قَالَ: إِذا لَا يبْقى على الأَرْض مِنْكُم أحدٌ؛ لأنكم حَارَبْتُمْ عَليّ بن أبي طَالب ودفعتم حَقه وسممتم الْحسن ونقضتم شَرطه، وقتلتم الْحُسَيْن وسيرتم رَأسه، وقتلتم زيدا وصلبتم جسده، وقتلتم يحيى بن زيد ومثلتم بِهِ، ولعنتم عَليّ بن أبي طَالب على منابركم وضربتم عَليّ بن عبد الله ظلما بسياطكم، وحبستم الإِمَام فِي حبسكم، فعدلنا أَلا نبقي أحدا مِنْكُم. قَالَت: فليسعنا عفوكم. قَالَ: أما هَذِه فَنعم. ثمَّ أَمر برد أَمْوَالهم عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ: سننتم علينا الْقَتْل لَا تُنْكِرُونَهُ فَذُوقُوا كَمَا ذقنا على سالف الدَّهْر حدث بَعضهم قَالَ: رحت عَشِيَّة من قريةٍ بطرِيق مَكَّة مَعَ عبد الله بن حسن، فضمنا الْمسير وَدَاوُد وَعِيسَى وَعبد الله بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ: فَسَار عبد الله وَعِيسَى أَمَام الْقَوْم فَقَالَ دَاوُد لعبد الله بن حسن: لم لَا تظهر مُحَمَّدًا؟ فَقَالَ عبد الله: لم يَأْتِ الْوَقْت الَّذِي يظْهر فِيهِ مُحَمَّد بعد، ولسنا بالذين
[ ١ / ٣٠٥ ]
نظهر عَلَيْهِم، وليقتلنهم الَّذِي يظْهر قتلا ذريعا. قَالَ: فَسمع عبد الله بن عَليّ الحَدِيث، فَالْتَفت إِلَى عبد الله بن حسن وَقَالَ: أَبَا مُحَمَّد سيكفيك الْجعَالَة مستميتٌ خَفِيف الحاذ من فتيَان حزمٍ أَنا وَالله الَّذِي أظهر عَلَيْهِم وأقتلهم وانتزع ملكهم. كتب عِيسَى بن مُوسَى بن عَليّ بنعبد الله إِلَى الْمَنْصُور كتابا جَوَابا عَن كتاب لَهُ إِلَيْهِ يسومه تَقْدِيم الْمهْدي بالعهد عَلَيْهِ والبيعة لَهُ: فهمت كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ المزيل عَنهُ نعم الله، والمعرض لسخطه بِمَا قرب من القطيعة، وَنقض بِهِ الْمِيثَاق أوجب مَا كَانَ الشُّكْر لله عَلَيْهِ. وألزم مَا كَانَ الْوَفَاء لَهُ، فأعقب سيوغ النعم كفرا، وأتبع الْوَفَاء بِالْحَقِّ غدرا، وَأمن الله أَن يَجْعَل مَا مد من بسطته إختبارا، وتمكينه إِيَّاه استدراجًا، وَكفى بِاللَّه من الظَّالِم منتصرا وللمظلوم ناصرًا، وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَهُوَ حسبي وَإِلَيْهِ الْمصير. وَلَقَد حزبتك أمورٌ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو قعدت عَنْك فِيهَا، فضلا عَن معونتك عَلَيْهَا، لقام بك الْقَاعِد، ولطال عَلَيْك الْقصير. وَلَقَد كنت واجدًا فِيهَا بغيتي، وآمنا مَعهَا نكث بيعتي، فلزمت الطَّرِيقَة بِالْوَفَاءِ إِلَى أَن أوردتك شَرِيعَة الرَّجَاء، وَمَا أَنا يائسٌ من انتقام الله، وَرفع حلمه فَوق وَتَحْت وَبعد ذَلِك. بَدَت لي أمارتٌ من الْغدر شمتها أَظن رواياها ستمطركم دَمًا وَهِي أَبْيَات. وَكتب إِلَيْهِ أياضا لما هدده بِأَهْل خُرَاسَان بِالْقَتْلِ إِن لم يخلع نَفسه: لَو سامني غَيْرك مَا سمتني لاستنصرتك عَلَيْهِ، ولاستشفعت بك إِلَيْهِ، حَتَّى بقر الحزم مقرة، وَينزل الْوَفَاء مَنْزِلَته، وَنحن أول دولة يستن بعملنا، وَينظر إِلَى مَا اخترناه مِنْهَا، وَقد استعنت بك على قومٍ لَا يعْرفُونَ الْحق معرفتك، وَلَا
[ ١ / ٣٠٦ ]
يلحظون العواقب لحظك. فَكُن لي عَلَيْهِم نَصِيرًا، وَمِنْهُم مجيرًا، يجزك جزائك عَن صلَة الرَّحِم وَقطع الظُّلم إِن شَاءَ الله. وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " والموفون بعهدهم إِذا عهدوا وَالصَّابِرِينَ فِي البأسآء والضرآء وَحين الْبَأْس ". وَقَالَ ﷿: " وأوفوا بالعهد إِن الْعَهْد كَانَ مسئولا ". قَرَأت كتاب أُمِّي رالمؤمنين وتفهمته، وأمعنت النّظر فِيهِ كَمَا أَمر وتبحرته، فَوجدت أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا يزيدني لينقصني، ويقربني ليبعدني، وَمَا أَجْهَل مَا لي فِي رِضَاهُ من الْحَظ الجزيل، والأثر الخطير. وَلَكِن سامني مَا تشح بِهِ الْأَنْفس وتبذل دونه، وَمَا لَا يسمح بِهِ والدٌ لوالده مَا دَامَ لَهُ حَظّ. وَقد علم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه يُرِيد هَذَا الْأَمر لِابْنِهِ لَا لَهُ، وَهُوَ صائرٌ إِلَيْهِ أشغل مَا يكون عَنهُ، وأحوج إِلَى حسنةٍ قدمهَا وسيةٍ احتنبها. وَلَا صلَة فِي مَعْصِيّة الله، وَلَا قطيعة مَا كَانَت فِي ذَات الله. وَقد دعيت إِلَى مَا لَا صَبر عَلَيْهِ وَمَا لم ير غَيْرِي أجَاب إِلَيْهِ، من حل العقد وَنقض الْعَهْد، وَهَذَا هِشَام بن عبد الْملك، ملك عجز دولةٍ طَالَتْ أيامهم فِيهَا، وَكَثُرت صنائعهم بهَا. فَلم يمت حَتَّى حضر بَين يَدَيْهِ عشرةٌ من وَلَده، أسغرهم فِي سنّ من يُرِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ رَفعه بوضعي وصلته بقطعي، فَلم ير أَن ينْقض مَا عقده أَخُوهُ يزِيد بن عبد الْملك لِابْنِهِ الْوَلِيد بن يزِيد بعده، وَهُوَ يقاسي مِنْهُ عنتًا، ويتجرع لَهُ غيظًا، خوفًا على الْملك، وإشفاقًا من الْملك، وحذرًا من مغبة الظُّلم وتأسيس الْغدر، حَتَّى سلم إِلَيْهِ الْأَمر أَغضّ مَا كَانَ وأنضره - وَرَآهُ غَالِبا على أمره موكلًا بخزائنه، وروحه بعد فِي جسه، وَلسَانه دائرٌ فِي فَمه، وَأمره نافذٌ فِي رَعيته. لَو تقدم بسوءٍ فِيهِ لأسرع بِهِ إِلَيْهِ، فَكَانَ أَكثر مَا عِنْده لما عرف، وامتلأ بِأَصْحَابِهِ دَاره - تحسرا وتأسفًا: إِنَّا لله. لَا أَرَانِي إِلَّا خَازِنًا للوليد إِلَى الْيَوْم. اللَّهُمَّ أَنْت لي، فقد حضر أَجلي على سوءٍ من عَمَلي. وَمَا هشامٌ بِأَعْلَم من أَمِير الْمُؤمنِينَ بِاللَّه، وَلَا أقرب إِلَى رَسُول الله ﷺ. وَإِذا أمضى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِهَذَا سنة فِي حَدَاثَة ملك وأوائل دولةٍ، لَا يُؤمن أَن
[ ١ / ٣٠٧ ]
يستن بِهِ وَلَده وَيَقَع مِنْهُ مَا تلاقى لَهُ، وَلَا بقيا مَعَه وأمير الْمُؤمنِينَ يعلم أَن من جعل هَذَا الْأَمر إِلَيْهِ وَله، منغير شَرط فِيهِ عَلَيْهِ - محكمٌ فِي تَدْبيره، مخبر فِي تصريفه، وَلَا شَرط على فِي تَسْلِيم المر من بعدِي إِلَى أحد ذكر وَلَا شخص عين، وَقد جعلته لمُحَمد بعدِي، طَالبا بذلك رضَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وتابعًا مُوَافَقَته، وتاركًا مُخَالفَته؛ فَإِن رأى أُمِّي رالمؤمنين أَن يرْعَى سالفتي وَقَرَابَتِي، وَيعرف اجتهادي ومناصحتي، وَيذكر مخالطتي وكفايتي، وَيقبل ذَلِك مني، وَيَأْمُر بكف الذى عني فعل إِن شَاءَ الله. فَكتب إِلَيْهِ الْمَنْصُور جَوَابا أغْلظ فِيهِ وخوفه بادرة أهل خُرَاسَان فأنعم لَهُ بِمَا أَرَادَ من تَقْدِيم الْمهْدي على نَفسه، ثمَّ سَأَلَهُ الْمهْدي لما أفْضى الْأَمر إِلَيْهِ أَن يخلع نَفسه وَيجْعَل الْعَهْد لمُوسَى ابْنه، فَفعل. وَكَانَ يَقُول: مَا لقى أحدٌ مَا لقِيت. كل أَهلِي أمنُوا بعد خوفٍ، وَأَنا خفت بعد أَمن، وسممت مرَّتَيْنِ، وخلعت مرَّتَيْنِ. مَعَ قديم بلائي، وَطول غنائي. كَانَ عبد الْملك بن صَالح واليًا للرشيد على الشَّام. فَكَانَ إِذا وَجه سَرِيَّة إِلَى أَرض الرّوم أَمر عَلَيْهَا أَمِيرا شهما، وَقَالَ لَهُ: اعْلَم أَنَّك مضَارب الله بخلقه؛ فَكُن بِمَنْزِلَة التَّاجِر الْكيس، إِن وجد ربحا تجر، وَإِلَّا احتفظ بِرَأْس المَال، وَكن من احتيالك على عَدوك أَشد حذرا من احتيال عَدوك عَلَيْك. وَولى الْعَبَّاس بن زفر الثغر، فودعه فَقَالَ يَا عَبَّاس: إِن حصن الْمُحَارب من عدوه حسن تَدْبيره، والمقاتل عَنهُ جليد رَأْيه وَصدق بأسه؛ وَقد قَالَ ابْن هرمه: يُقَاتل عَنهُ النَّاس مجلود رَأْيه لَدَى الْبَأْس، والرأي الجليد مقَاتل وَقَالَ لَهُ الرشيد مرّة وَقد غضب عَلَيْهِ: يَا عدي الْملك، وَالله مَا أَنْت لصالح بولدٍ. قَالَ: فَلِمَنْ أَنا؟ قَالَ: لمروان بن مُحَمَّد، أخذت أمك وَهِي حُبْلَى بك، فَوَطِئَهَا على ذَاك أَبوك فَقَالَ عبد الْملك: فحلان كريمان، فَاجْعَلْنِي لمن شِئْت مِنْهُمَا. وَهَذَا شبيهٌ بِمَا قَالَه مَرْوَان بن مُحَمَّد حِين بلغه أَن النَّاس يَقُولُونَ إِن هَذِه الشجَاعَة الَّتِي لأمير الْمُؤمنِينَ لم تكن لِأَبِيهِ وَلَا لجده، وَإِنَّمَا جَاءَتْهُ من قبل
[ ١ / ٣٠٨ ]
إِبْرَاهِيم بن الأشتر - فَإِن أمه كَانَت لَهُ، وَصَارَت لمُحَمد بن مَرْوَان - وَهِي حاملٌ - بعده - فَقَالَ: مَا أُبَالِي الفحلين كنت، كِلَاهُمَا شريفٌ كريم. وَقَالَ الرشيد مرةٌ لعبد الْملك: كَيفَ هُوَ أوكم بمنبج؟ قَالَ: سحرٌ كُله. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن التَّيْمِيّ: قَالَ لي عبد الْملك: يَا عبد الرَّحْمَن؛ كن على التمَاس الْحَظ بِالسُّكُوتِ أحرص من على التماسه بالْكلَام. فقد قيل: إِذا أعْجبك الْكَلَام فاصمت، وَإِذا أعْجبك الصمت فَتكلم. وَلَا تساعدني على قبيحٍ، وَلَا تردن على فِي محفل، وكلمني بِقدر مَا استنطقتك وَاعْلَم أَن حسن الِاسْتِمَاع أحسن من حسن القَوْل. فأرني فهمك فِي نظرك، وَاعْلَم أَنِّي جعلتك جَلِيسا مقربًا، بعد أَن كنت معلما مباعدًا. وَمن لم يعرف نُقْصَان ماخرج مِنْهُ لم يعرف رُجْحَان مَا دخل فِيهِ. وَلما دخل الرشيد إِلَى منبج قَالَ لعبد الْملك: أَهَذا الْبَلَد مَنْزِلك؟ قَالَ: هُوَ لَك ولي بك. قَالَ: وَكَيف بناؤك بِهِ؟ قَالَ: دون منَازِل أَهلِي وفْق منَازِل غَيرهم. قَالَ: فَكيف صفة مدينتك هَذِه؟ قَالَ هِيَ عذبة المَاء، بَارِدَة الْهَوَاء، قَليلَة الأدواء. قَالَ: فَكيف لَيْلهَا؟ قَالَ: سحرٌ كُله. قَالَ: صدقت إِنَّهَا لطيبةٌ. قَالَ: لَك طابت، وَبِك كملت، أَيْن بهَا عَن الطّيب؟ وَهِي تربةٌ حَمْرَاء، وسنبلةٌ صفراء، وشجرةٌ خضراء، أفياف فيحٌ بَين قيصوم وشيح. فَقَالَ الرشيد لجَعْفَر بن يحيى: هَذَا الْكَلَام أحسن من الدّرّ المنظوم. وروى أَن صَالح بن عَليّ قَالَ لعبد الْملك ابْنه وه صبي مَا بلغ الْحلم - فِي شَيْء فعله: أَتَاك هَذَا من قبل أمك الزَّانِيَة، فَقَالَ: " والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زانٍ أَو مشركٌ ". ثمَّ ولى مغضبًا وَهُوَ يَقُول: عَن الْمَرْء لَا تسْأَل وَأبْصر قرينه فَكل قرينٍ بالمقارن يقْتَدى وَلما ولى الرشيد عبد الْملك الْمَدِينَة قيل ليحيى بن خَالِد: كَيفَ ولاه الْمَدِينَة من بَين اعماله؟ قَالَ: أحب أَن يباهى بِهِ قُريْشًا، وَيُعلمهُم أَن فِي بني الْعَبَّاس مثله.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وَسمع عبد الْملك أصوات الحرس بِاللَّيْلِ لما خرج من الْحَبْس فِي أَيَّام المين، فَقَالَ للسندي: مَا هَذَا الْعَار الَّذِي ألزمته السُّلْطَان؟ حق بلدان الْمُلُوك أَن تضبط بالهيبة لَا بِكَثْرَة الأعوان. وَوجه عبد الْملك إِلَى الرشيد فَاكِهَة فِي أطباق خيزران وَكتب إِلَيْهِ: أسعدك الله أَمِير الْمُؤمنِينَ وأسعد بك، دخلت بستانًا لي، أفادنيه كرمك، وعمرته لي نعمك، وَقد أينعت أشجاره، وآتت أثماره، فوجهت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ من كل شيءٍ شَيْئا على الثِّقَة والإمكان، فِي أطباق القضبان، ليصل إِلَى من بركَة دُعَائِهِ، مثل مَا وصل من كَثْرَة عطائه. فَقَالَ رجل: يَا أُمِّي رالمؤمنين، مَا سَمِعت أطباق القضبان، فَقَالَ الرشيد: يَا أبله، إِنَّمَا كنى عَن الخيزران إِذْ كَانَ اسْما لأمنا. عَاتب عبد الْملك يحيى بن خَالِد فِي شيءٍ، فَقَالَ لَهُ يحيى: أعينك بِاللَّه أَن تركب مَطِيَّة الحقد. فَقَالَ عبد الْملك: إِن كَانَ الحقد عنْدك بَقَاء الْخَيْر وَالشَّر لأهلهما عِنْدِي إنَّهُمَا لباقيان. فَلَمَّا ولى قَالَ يحيى: هَذَا خير قُرَيْش. احْتج للحق حَتَّى حسنه فِي عَيْني.