سَأَلَهُ الْفضل بن سهل فِي مجْلِس الْمَأْمُون، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحسن؛
[ ١ / ٢٤٩ ]
الْخلق مجبرون؟ فَقَالَ: الله أعدل أَن يجْبر ثمَّ يعذب قَالَ: فمطلقون؟ قَالَ: الله أحكم، أَن يهمل عَبده ويكله إِلَى نَفسه. أَتَى الْمَأْمُون بنصراني قد فجر بهَا شمية، فَلَمَّا رَآهُ أسلم؛ فَغَاظَهُ ذَلِك؛ وسال الفهاء فَقَالُوا: أهْدر الْإِسْلَام مَا قبل ذَلِك. فَسَأَلَ الْمَأْمُون الرِّضَا ﵁، فَقَالَ: اقتله؛ لِأَنَّهُ أسلم حِين رأى الْبَأْس؛ قَالَ الله ﷿: " فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا قَالُوا ءامنا بِاللَّه وَحده " إِلَى آخر السُّورَة. قَالَ عَمْرو بن مسْعدَة: بَعَثَنِي الْمَأْمُون إِلَى عَليّ ﵁ لأعلمه مَا أَمرنِي بِهِ من كتابٍ فِي تقريظه، فأعلمته ذَلِك، فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثمَّ قَالَ: يَا عَمْرو إِن من أَخذ برَسُول الله ﷺ لحقيقٌ أَن يعْطى بِهِ. وَسُئِلَ ﵁ عَن صفة الزَّاهِد، فَقَالَ: متبلغٌ بِدُونِ قوته، مستعد ليَوْم مَوته متبرمٌ بحياته. وَسُئِلَ عَن القناعة، فَقَالَ: القناعة تجمع إِلَى صِيَانة النَّفس، وَعز الْقدر طرح مُؤَن الاستكثار والتعبد لأهل الدُّنْيَا، وَلَا يسْلك طَرِيق القناعة إِلَّا رجلَانِ: إِمَّا متقللٌ يُرِيد أجر الْآخِرَة، أَو كريمٌ متنزه عَن لئام النَّاس. امْتنع رجلٌ عَن غسل الْيَد قبل الطَّعَام؛ فَقَالَ ﵁: اغسلها، فالغسلة الأولى لنا، وَأما الثَّانِيَة فلك. إِن شِئْت فاتركها. أَدخل إِلَى الْمَأْمُون رجلٌ أَرَادَ ضرب عُنُقه وَالرِّضَا حَاضر؛ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: مَا تَقول فِيهِ يَا أَبَا الْحسن؟ فَقَالَ: أَقُول إِن الله لَا يزيدك بِحسن الْعَفو إِلَّا عزا، فَعَفَا عَنهُ. حدث أَبُو الصَّلْت قَالَ: كنت مَعَ عَليّ بن مُوسَى ﵁ وَقد دخل نيسابور، وَهُوَ راكبٌ بغلة شهباء، فغدا فِي طلبه عُلَمَاء الْبَلَد: أَحْمد ابْن
[ ١ / ٢٥٠ ]
حَنْبَل، وَيسن بن النَّضر، وَيحيى، وعدةٌ من أهل الْعَمَل؛ فتعلقوا بلجامه فِي المربعة، فَقَالُوا لَهُ: بِحَق آبَائِك الطاهرين حَدثنَا بِحَدِيث سمعته من أَبِيك؛ فَقَالَ: حَدثنِي أبي الْعدْل الصَّالح مُوسَى بن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنِي أَب يباقر - علم الْأَنْبِيَاء - مُحَمَّد بن عَليّ، قَالَ: حَدثنِي أبي سيد العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدثنِي أبي سيد شباب أهل الْجنَّة الْحُسَيْن بن عَليّ، قَالَ: سَمِعت أبي سيد الْعَرَب عَليّ بن أَب يُطَالب قَالَ: سَمِعت رَسُول الله سلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: الْإِيمَان معرفَة بِالْقَلْبِ، وإقرارٌ بِاللِّسَانِ، وعملٌ بالأركان. قَالَ: فَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: لَو قَرَأت هَذَا الْإِسْنَاد على مَجْنُون لبرئ من جُنُونه. وروى عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم مثلب ذَلِك يحكيه عَن أَبِيه، وَأَنه قَرَأَهُ على مصروعٍ فأفاق. وَلما عقد الْمَأْمُون اليعة لَهُ بعده قَالَ: يَا أُمِّي رالمؤمنين؛ إِن النصح وَاجِب لَك، والغش لَا يَنْبَغِي لمؤمنٍ، إِن الْعَامَّة تكره مَا فعلت بِي، وَإِن الْخَاصَّة تكره مَا فعلت بِالْفَضْلِ بن سهل، فَالرَّأْي لَك أَن تنجينا عَنْك حَتَّى يصلح أَمرك. فَكَانَ إِبْرَاهِيم الصولي يَقُول: كَانَ هَذَا وَالله السَّبَب فِيمَا آل الْأَمر إِلَيْهِ. حدث بَعضهم قَالَ: خطب الْمَأْمُون الْمَدِينَة، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس؛ أَتَدْرُونَ من ولى عهدكم؟ هَذَا على بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن الْحُسَيْن ين عَليّ: سِتَّة أباء هم مَا هم هم خير من يشرب صوب الْغَمَام
[ ١ / ٢٥١ ]
روى عَن الرِّضَا - ﵀ - أَنه قَالَ: من شبه الله بخلقه فَهُوَ مُشْرك، وَمن نسب إِلَيْهِ مَا نهى عَن فَهُوَ كَافِر. وروى عَن بعض أَصْحَابه أَنه قَالَ: دخلت عَلَيْهِ بمرو فَقلت لَهُ: يَا بن رَسُول الله، روى لنا عَن الصَّادِق - ﵁ - أَنه قَالَ: لَا جبر وَلَا تَفْوِيض، أَمر بَين أَمريْن فَمَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: من زعم أَن الله يفعل أفعالنا ثمَّ يعذبنا فقد قَالَ بالجبر، وَمن زعم أنالله فوض أَمر الْخلق والرزق إِلَى خلقه، فقد قَالَ بالتفويض وَالْقَائِل بالجبر كَافِر، وَالْقَائِل بالتفويض مُشْرك. فَقلت: يَا بن رَسُول الله؛ فَمَا أَمر بَين أَمريْن؟ قَالَ: وجود السَّبِيل إِلَى إتْيَان مَا أمروا بِهِ وَترك مَا نهوا عَنهُ. وَقَالَ فِي قَول الله تَعَالَى: " فاصفح الصفح الْجَمِيل " - قَالَ: عفوٌ بِغَيْر عتاب. وَفِي قَوْله: " خوفًا وَطَمَعًا " خوفًا للْمُسَافِر وَطَمَعًا للمقيم. وَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: يَا أَبَا الْحسن؛ أَخْبرنِي عَن جدك عَليّ بن أَب يُطَالب بِأَيّ وجهٍ هُوَ قسيم الْجنَّة وَالنَّار؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ألم ترو عَن أَبِيك عَن آبَائِهِ عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " حب عَليّ إيمانٌ وبغضه كفرٌ ". فَقَالَ: بلَى. قَالَ الرِّضَا: فَقَسمهُ الْجنَّة وَالنَّار إِذا كَانَت على حبه وبغضه فَهُوَ قسيم الْجنَّة وَالنَّار. فَقَالَ الْمَأْمُون: لَا أبقاني الله بعْدك يَا أَبَا الْحسن، أشهد أَنَّك وَارِث علم رَسُول الله ﷺ. قَالَ أَبُو الصَّلْت الْهَرَوِيّ: فَلَمَّا رَجَعَ الرِّضَا إِلَى منزله أَتَيْته فَقلت: يَا بن رَسُول الله مَا أحسن مَا أجبْت بِهِ أُمِّي رالمؤمنين! فَقَالَ: يَا أَبَا الصَّلْت، إِنَّمَا كَلمته من حَيْثُ هُوَ، لقد سَمِعت أبي يحدث عَن آبَائِهِ عَن عَليّ ﵁، قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ: يَا عَليّ، أَنْت قسيم الْجنَّة وَالنَّار يَوْم الْقِيَامَة، تَقول للنار هَذَا لي وَهَذَا لَك ". وَدخل عَلَيْهِ بخراسان قومٌ من الصُّوفِيَّة، فَقَالُوا لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون نظر فِيمَا ولاه الله من الْأَمر فرآكم - أهل الْبَيْت - أولى اناس بِأَن تؤموا النَّاس، وَنظر فِيكُم - أهل الْبَيْت - فرآكم أولى النَّاس بِالنَّاسِ، فَرَأى أَن يرد هَذَا
[ ١ / ٢٥٢ ]
الْأَمر إِلَيْك، وَالْأمة تحْتَاج إِلَى من يَأْكُل الجشب ويلبس الخشن، ويركب الْحمار، وَيعود الْمَرِيض. قَالَ: وَكَانَ الرِّضَا - ﵁ - مُتكئا فَاسْتَوَى جَالِسا، ثمَّ قَالَ: كَانَ يُوسُف نَبيا يلبس أقبية الديباج المزررة بِالذَّهَب، وَيجْلس على متكآت آل فِرْعَوْن وَيحكم؛ إِنَّمَا يُرَاد من الإِمَام قسطه وعدله؛ إِذا قَالَ صدق، وَإِذا حكم عدل، وَإِذا وعد أنْجز؛ إِن الله تالى لم يحرم لبوسًا وَلَا مطعمًا، وتلا: " قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والكيبات من الرزق ".