قَالَ: ثَلَاث لَا أملهن: جليسي مَا فهم عني، وثوبي مَا سترني، ودابتي مَا حملت رحلي.
[ ٢ / ٥٨ ]
وَقَالَ لعبد الله بن عَبَّاس يَوْم صفّين: إِن هَذَا الْأَمر الَّذِي نَحن وَأَنْتُم فِيهِ لَيْسَ بِأول أَمر قَادَهُ الْبلَاء، وَقد بلغ الْأَمر بِنَا وبكم مَا ترى، وَمَا أبقت لنا هَذِه الْحَرْب حَيَاة وَلَا صبرا، ولسنا نقُول: لَيْت الْحَرْب عَادَتْ، لَكنا نقُول: ليتها لم تكن فَانْظُر فِيمَا بَقِي بِعَين مَا مضى، فَإنَّك رَأس هَذَا الْأَمر بعد عَليّ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمِير مُطَاع، ومأمور مُطِيع، ومشاور مَأْمُون، وَأَنت هُوَ. نصب مُعَاوِيَة قميس عُثْمَان على الْمِنْبَر، فَبكى أهل الشَّام. فَقَالَ: هَمَمْت أَن أَدَعهُ على الْمِنْبَر. فَقَالَ لَهُ عَمْرو: إِنَّه لَيْسَ بقميص يُوسُف، وَإنَّهُ إِن طَال نظرهم إِلَيْهِ وَبَحَثُوا عَن السَّبَب وقفُوا على مَا لَا تحب، وَلَكِن لذعهم بِالنّظرِ إِلَيْهِ فِي الْأَوْقَات. وَقَالَ لِابْنِهِ وَقد ولي ولَايَة: انْظُر حاجبك فَإِنَّهُ لحمك ودمك، فَلَقَد رَأينَا بصفين وَقد اشرع قوم رماحهم فِي وُجُوهنَا، مَا لنا ذَنْب إِلَيْهِم إِلَّا الْحجاب. وَقَالَ: مَا وضعت سري عِنْد أحد قطّ فأفشاه فلمته، لِأَنِّي أَحَق باللوم أَن كنت أضيق صَدرا مِنْهُ. وَكَانَ بَين طَلْحَة بن عبيد الله وَالزُّبَيْر مداراة فِي وَاد بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَا: نجْعَل بَيْننَا عَمْرو بن الْعَاصِ، فَأتيَاهُ فَقَالَ لَهما: أَنْتُمَا فِي فضلكما وقديم سوابقكما ونعمة الله عَلَيْكُمَا تختلفان، وَقد سمعتما من رَسُول الله ﷺ مثل مَا سَمِعت، وحضرتما من قَوْله مثل الَّذِي حصرت، فِيمَن اقتطع شبْرًا م، أَرض أَخِيه بِغَيْر حق أَنه يطوقه من سبع أَرضين. وَالْحكم أحْوج إِلَى الْعدْل من الْمَحْكُوم عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَن الحكم إِذا جَار رزئ فِي دينه، والمحكوم عَلَيْهِ إِذا جير عَلَيْهِ رزئ عرض الدُّنْيَا. إِن شئتما فأدليا بحجتكما، وَإِن شئتما فاصطلحا، وَأعْطى كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه الرِّضَا. وَقَالَ: لَيْسَ الْعَاقِل الَّذِي يعرف الْخَيْر من الشَّرّ، وَلكنه الَّذِي يعرف خير الشرين.
[ ٢ / ٥٩ ]
قَالَ الْمَدَائِنِي: جعل لرجل جعل على أَن يسْأَل عَمْرو بن الْعَاصِ وَهُوَ على الْمِنْبَر عَن أمه، فَلَمَّا قَامَ على الْمِنْبَر، قَالَ لَهُ: يَا عَمْرو، من أمك؟ قَالَ: سلمى بنت خُزَيْمَة، تلقب بالنابغة، من بني جلان من عنزة، أصابتها رماح الْعَرَب فَصَارَت للفاكه بن الْمُغيرَة، ثمَّ صَارَت إِلَى عبد الله بن جدعَان، ثمَّ صَارَت للعاص بن وَائِل فَولدت فأنجبت؛ اذْهَبْ فَخذ جعلك الَّذِي جعل لَك. وَقَالَ عمر ﵁ يَوْمًا لجلسائه - وَفِيهِمْ عَمْرو بن الْعَاصِ -: مَا أحسن كل شَيْء؟ فَقَالَ كل رجل بِرَأْيهِ وَعَمْرو سَاكِت، فَقَالَ عمر: مَا تَقول؟ قَالَ: الغمرات ثمَّ ينجلين. وَكَانَ يَقُول: عَلَيْكُم بِكُل أَمر مزلقة مهلكة. أَي عَلَيْكُم بجسام الْأُمُور. وَنظر إِلَيْهِ على بغلة؟ قد شمط وَجههَا هرمًا، فَقيل لَهُ: أتركب هَذِه وَأَنت على أكْرم ناخرة بِمصْر؟ فَقَالَ: لَا ملل عِنْدِي لدابتي مَا حملت رحلي، وَلَا لامرأتي مَا أَحْسَنت عشرتي، وَلَا لصديقي مَا حفظ سري، إِن الْملَل من كواذب الْأَخْلَاق. وَقَالَ لعَائِشَة: لَوَدِدْت أَنَّك قتلت يَوْم الْجمل. فَقَالَت: وَلم؟ لَا أبالك! قَالَ: كنت تموتين بأجلك، وتدخلين الْجنَّة، ونجعلك أكبر تشنيع على عليّ. وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دخلت على عَمْرو بن الْعَاصِ وَقد احْتضرَ. فَقلت: يَا أَبَا عبد الله إِنَّك كنت تَقول: أشتهي أَن أرى عَاقِلا يَمُوت حَتَّى أسأله كَيفَ يجد، فَكيف تجدك؟ فَقَالَ: أجد السَّمَاء كَأَنَّهَا مطبقة على الأَرْض وَأَنا بَينهمَا، وَأرَانِي كَأَنِّي أتنفس من خرت إبرة. ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ خُذ مني حَتَّى ترْضى، ثمَّ رفع يَده فَقَالَ: اللَّهُمَّ أمرت فعصينا، ونهيت فَرَكبْنَا، فَلَا برِئ فأعتذر، وَلَا قوي فأنتصر، وَلَكِن لَا إِلَه إِلَّا الله. - ثَلَاثًا - ثمَّ فاظ.
[ ٢ / ٦٠ ]
وَقَالَ: إِذا أَنا أفشيت سري إِلَى صديقي فأذاعه فَهُوَ فِي حل. فَقيل لَهُ: وَكَيف؟ قَالَ: أَنا كنت أَحَق بصيانته. وَقَالَ لِبَنِيهِ: اطْلُبُوا الْعلم، فَإِن استغنيتم كَانَ جمالًا، وَإِن افتقرتم كَانَ مَالا. وَقدم على عمر من مصر، وَكَانَ واليه عَلَيْهَا، فَقَالَ: كم سرت؟ . قَالَ: عشْرين. فَقَالَ عمر: لقد سرت سير عاشق. فَقَالَ عَمْرو: إِنِّي وَالله مَا تأبطتني الْإِمَاء وَلَا حَملتنِي البغايا فِي غبرّات المآلي. فَقَالَ عمر: وَالله مَا هَذَا بِجَوَاب الْكَلَام الَّذِي سَأَلتك عَنهُ، وَإِن الدَّجَاجَة لتفحص فِي الرماد فتضع لغير الْفَحْل، والبيضة منسوبة إِلَى طرفها. فَقَامَ عَمْرو متربد الْوَجْه. قَالَ عَمْرو: يَا بني، إِمَام عَادل خير من مطر وابل، واسد حطوم خير من سُلْطَان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتْنَة تدوم، وَلِأَن تمازح وَأَنت مَجْنُون خير من أَن يمازحك مَجْنُون، وزلة الرجل عظم يجْبر، وزلة اللِّسَان لَا تبقي وَلَا تذر، واستراح من لَا عقل لَهُ. وَكتب إِلَى عمر ﵁: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن الْبَحْر خلق عَظِيم يركبه خلق ضَعِيف، دود على عود، بَين غرق وبرق. فَقَالَ عمر: لَا يسألني الله عَن أحد حَملته فِيهِ. وَقَالَ: إِن ابْن حنتمة بعجت لَهُ الدُّنْيَا معاها، وَأَطْعَمته شحمتها، وأمطرت لَهُ جودًا سَالَ مِنْهَا شعابها، ودفقت فِي محافلها فمصّ مِنْهَا مصّا، وقمص مِنْهَا قمصًا، وجانب غمرتها وَمَشى ضحضاحها وَمَا ابتلت قدماه، أَلا كَذَاك أَيهَا النَّاس؟ قَالُوا: نعم ﵀. وَقَالَ لعُثْمَان وَهُوَ على الْمِنْبَر: يَا عُثْمَان؟ إِنَّك قد ركبت بِهَذِهِ الْأمة نهابير من الْأَمر، وزغت وزاغوا فاعتدل أَو اعتزل.
[ ٢ / ٦١ ]
وَكَانَ فِي سفر، ففرفع عقيرته بِالْغنَاءِ، فَاجْتمع النَّاس، فَقَرَأَ فَتَفَرَّقُوا. فعل ذَلِك وفعلوه غير مرّة. فَقَالَ: يَا بني المتكاء، إِذا أخذت فِي مَزَامِير الشَّيْطَان اجْتَمَعْتُمْ، وَإِذا أخذت فِي كتاب الله تفرقتم! وَقيل لَهُ فِي مَرضه: كَيفَ تجدك؟ قَالَ: أجدني أذوب وَلَا اثوب، أجدني نجوي أَكثر من رزئي. وَكتب إِلَى مُعَاوِيَة: إِنَّه لَيْسَ أَخُو الْحَرْب من يضع خور الحشايا عَن يَمِينه وشماله، ويعاظم الأكلاء اللقم، وَلكنه من حسر عَن ذِرَاعَيْهِ، وشمر عَن سَاقيه، وَأعد للأمور آلاتها، وللفرسان أقرانها. وَقَالَ لَهُ عُثْمَان ﵁: قُم فاعذرني عِنْد النَّاس فقد كثر طعنهم عَليّ، فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، وَذكر النَّبِي ﷺ، وَمَا أكْرمه الله بِهِ، ثمَّ قَالَ: إِنِّي قد صَحِبت رَسُول الله ﷺ ورأيته، وَقد سبق مِنْكُم من سبق فَرَأى مَا لم أر، فَرَأَيْت السعَة تكون فيعمها النَّاس دون نَفسه، وَتَكون الْخَصَاصَة فيخصها نَفسه وَأهل بَيته دون النَّاس. ثمَّ ولى النَّاس أَبُو بكر، فسلك سَبيله، حَتَّى خرج من الدُّنْيَا فِي ثوب لَيْسَ لَهُ رِدَاء. ثمَّ وَليهَا ابْن حنتمة فانبعجت لَهُ الدُّنْيَا فقمص مِنْهَا قمصا، ومصها مصا، وجانب غمرتها، وَمَشى فِي ضحضاحها حَتَّى خرج مشمرًا، مَا ابتلت عقبه. أكذاك أَيهَا النَّاس؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نعم. ثمَّ ولى عُثْمَان فقلتم تلومونه، وَقَالَ يعْذر نَفسه، فعلى رسلكُمْ، فَرب أَمر تَأْخِيره خير من تَعْجِيله، وَإِن الحسير يبلغ، والهزيل يبْقى ثمَّ جلس، فَقَالَ عُثْمَان
[ ٢ / ٦٢ ]
﵁: مَا زلت مُنْذُ الْيَوْم فِيمَا لَا ينفع أهلك. قَالَ: فَإِنِّي قلت بِمَا أعلم. وَقَالَ يَوْم صفّين: يَا أهل الشَّام، أقِيمُوا صفوفكم مثل قصّ الشَّارِب، وأعيرونا جماجمكم سَاعَة من نَهَار، فقد بلغ الْحق مقطعه، وَإِنَّمَا هُوَ ظَالِم أَو مظلوم. وَقَالَ لَهُ سَلامَة بن روح الجذامي: إِنَّه كَانَ بَيْنكُم وَبَين الْعَرَب بَاب فكسرتموه، فَمَا حملكم على ذَلِك؟ قَالَ: أردنَا أَن نخرج الْحق من حفير الْبَاطِل. وَلما أخرج عمر إِلَيْهِ - وَهُوَ بِمصْر واليًا لَهَا من جِهَته - مُحَمَّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ، فشاطره مَاله. قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: لعن الله زَمَانا كنت فِيهِ واليًا لعمر، وَالله لقد رَأَيْته فِي الْجَاهِلِيَّة وأباه، وعَلى رَأس كل وَاحِد مِنْهُمَا حزمة من حطب، وعَلى كل وَاحِد مِنْهُمَا عباءة قطوانية مَا تواري مآبض رُكْبَتَيْهِ، وَمَا كَانَ الْعَاصِ بن وَائِل يلبس فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَّا الديباج مزررًا بِالذَّهَب. فَقَالَ مُحَمَّد بن مسلمة: عمر - وَالله - خير مِنْك، فَأَما أَبوك وَأَبوهُ فَفِي النَّار، وأيم الله لَوْلَا الَّذِي سنيت لألفيت معتقلًا شَاة يَسُرك غزرها، ويسوؤك جمادها. قَالَ: صدقت، وَلَكِنِّي غضِبت فَقلت مَا قلت، وَهِي أَمَانَة عنْدك لن تذكرها لعمر. وَقَالَ عَمْرو لمعاوية: لَا يكن شَيْء آثر عنْدك فِي أَمر رعيتك، وَتَكون لَهُ اشد تفقدًا مِنْك كخصاصة الْكَرِيم، أَن تعْمل فِي سدها، وكطغيان اللَّئِيم أَن تقمعه، واستوحش من الْكَرِيم الجائع، وَمن اللَّئِيم الشبعان. فَإِن الْكَرِيم يصول إِذا جَاع، واللئيم يصول إِذا شبع. وَقَالَ: جمع الْعَجز إِلَى التواني، فنتج بَينهمَا الندامة، وَجمع الحزم إِلَى الكسل، فَخرج بَينهمَا الحرمان. وَقَالَ: من طلب لسره موضعا فقد أشاد بِهِ.
[ ٢ / ٦٣ ]