ابْن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا بن حسن بن حسن بن عَليّ - ﵃ -
[ ١ / ٢٦٠ ]
صَاحب أبي السَّرَايَا. خطب حِين انْتَهَت أَبُو السَّرَايَا قصر الْعَبَّاس بن مُوسَى ابْن عِيسَى، فَقَالَ: أما بعد، فَإِنَّهُ لَا يزَال يبلغنِي أَن الْقَبَائِل مِنْكُم تَقول: إِن بني الْعَبَّاس فَيْء لنا، نَخُوض فِي دِمَائِهِمْ، ونرتع فِي أَمْوَالهم، وَيقبل قَوْلنَا فيهم، وَتصدق دعوانا عَلَيْهِم، حكم بِلَا علم، وعزمٌ بِلَا روية. عجبا لمن أطلق بذلك لِسَانه، أَو حدث بِهِ نَفسه! أبكتاب الله حكم أم سنة نبيه صلى الله عَلَيْهِ اتبع؟ أَو بسط يَدي لَهُ بالجور أمل؟ هَيْهَات هَيْهَات، فَازَ ذُو الْحق بِمَا نوى، وَأَخْطَأ طَالب مَا تمنى، حق كل ذِي حق فِي يَده، وكل مدعٍ على حجَّته، ويل لمن اغتصب حَقًا، وَادّعى بَاطِلا، فلح من رضى بِحكم الله، وخاب من أرْغم الْحق أَنفه. الْعدْل أولى بالأثرة وَإِن رغم الجاهلون، حق لمن أَمر بِالْمَعْرُوفِ أَن يجْتَنب الْمُنكر، وَلمن سلك سَبِيل الْعدْل أَن يصبر على مرَارَة الجورن كل نفس تسمو إِلَى همتها. وَنعم الصاحب القناعة. أَيهَا النَّاس؛ إِن أكْرم الْعِبَادَة الْوَرع، وَأفضل الزَّاد التَّقْوَى؛ فاعملوا فِي دنياكم، وتزودوا آخرتكم. " اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ ". وَإِيَّاكُم والعصبية وحمية الْجَاهِلِيَّة؛ فَإِنَّهُمَا تمحقان الدّين، وتورثان النِّفَاق، خلَّتَانِ ليستا من ديني وَلَا دين آبَائِي رَحْمَة الله عَلَيْهِم. تعاونوا على الْبر وَالتَّقوى، وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان، يصلح لكم دينكُمْ وتحسن الْمقَالة فِيكُم. الْحق أَبْلَج، والسبيل مَنْهَج، وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ، وَلكُل فِي الْحق سعةٌ، من حاربنا حاربناه، وَمن سالمنا سالمناه، وَالنَّاس جَمِيعًا آمنون قَالَ فِينَا يتَنَاوَل من أعراضنا قلت؛ وَلَكِن حسب امرءٍ مَا اكْتسب، وسيكفي الله.
[ ١ / ٢٦١ ]
وَلما اشتدت بِهِ علته؛ قَالَ لَهُ أَبُو السَّرَايَا: أوصني يَابْنَ رَسُول الله؛ فَقَالَ: الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله والطيبين، أوصيط بتقوى الله فَإِنَّهَا أحصن جنَّة، وَأَمْنَع عصمَة، وَالصَّبْر فَإِنَّهُ أفضل منزلٍ وَأحمد معولٍ، وَأَن تستتم الْغَضَب لِرَبِّك، وتدوم على منع دينك، وتحسن صُحْبَة من اسْتَجَابَ لَك، وتعدل بهم عَن المزالق، وَلَا تقدم إذدام متهورن وَلَا تضجع تضجيع متهاونٍ، واكفف عَن الْإِسْرَاف فِي الدِّمَاء، مالم يوهن لَك دينا ويصدك عَن صَوَاب، وارفق بالضعفاء وَإِيَّاك والعجلة، فَإِن مَعهَا الهلكة وَاعْلَم أَن نَفسك موصولةٌ بنفوس آل مُحَمَّد ﵇، ودمك مختلط بدمائهم؛ فَإِن سلمُوا سلمت، وَإِن هَلَكُوا هَلَكت؛ فَكُن على أَن يسلمُوا أحرص مِنْك على أَن يعطبوا؛ وقر كَبِيرهمْ، وبر صَغِيرهمْ، وَاقْبَلْ رَأْي عالمهم. وَاحْتمل هفوةً إِن كَانَت من جاهلهم يرع الله حَقك، واحفظ قرابتهم يحسن الله نصرك، وول النَّاس الْخيرَة لأَنْفُسِهِمْ فِيمَن يقوم مقامى لَهُم من آل عَليّ؛ فَإِن اخْتلفُوا فَالْأَمْر إِلَى عَليّ بن عبد الله؛ رضيت دينه ورضيت طَرِيقَته فارضوا بِهِ، وأحسنوا طَاعَته تحمدوا رَأْيه وبأسه. وخطب النَّاس يَوْمًا، فَقَالَ بعد أَن حمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ: عباد الله، إِن عين الشتات تلاحظ الشمل بالبتات، وَإِن يَد الفناء تقطع مُدَّة الْبَقَاء، فَلَا يكبحنكم الركون إِلَى زهرتها عَن التزود لمقركم مِنْهَا؛ فَإِن مَا فِيهَا من عيمٍ بائد، والراحل عَنْهَا غير عَائِد. وَمَا بعْدهَا إِلَّا جنةٌ تزلف لِلْمُتقين، أَو نارٌ تبرز للغاوين. " من عمل صَالحا فلنفسه وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا وَمَا رَبك بظالمٍ للعبيد ".