ذكر أَن مُوسَى الْهَادِي قد هم بِهِ، فَقَالَ لأهل بَيته: بن تشيرون؟ قَالُوا: نرى أَن تتباعد عَنهُ، وَأَن اغيب سخطك، فَإِنَّهُ لَا يُؤمن شَره، فَقَالَ: زعمت سخينة أَن ستغلب رَبهَا وليغلبن مغالب الغلاب ثمَّ رفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ: إلهي، كم من عَدو لي قد شحذ لي ظبة مدسته، وأرهف لي شبا حَده، وذاف لي قواتل سمومه، وَلم تنم عني عين
[ ١ / ٢٤٧ ]
حراسته، فَلَمَّا رَأَيْت ضعْفي عَن احْتِمَال الفوادح، وعجزي عَن ملمات الجوائح صرفت ذَلِك عني بحولك وقوتك، لَا بحولي وقوتي؛ فألقيته فِي الحفير احتفره لي، خائبًا مِمَّا أمله فِي دُنْيَاهُ، متباعدًا مِمَّا رجاه فِي آخرته، فلك الْحَمد على ذَلِك تدر استحقاقك. سَيِّدي؛ اللَّهُمَّ فَخذه بعزتك، وافلل حَده عني بقدرتك، وَاجعَل لَهُ شغلا فِيمَا يَلِيهِ، وعجزًا عَمَّن يُنَادِيه، اللَّهُمَّ واعدني عَلَيْهِ عدوي حاضرةٌ تكون من غيظي شِفَاء، وَمن حنقي عَلَيْهِ وَفَاء، وصل اللَّهُمَّ دعائي بالإجابة، وانظم شكايتي بالعبير، وعرفه عَمَّا قليلٍ مَا وعدت بِهِ الظَّالِمين، وعرفني مَا وعدت فِي إِجَابَة الْمُضْطَرين؛ إِنَّك ذُو الْفضل الْعَظِيم، والمن الْكَرِيم. قَالَ: ثمَّ تفرق الْقَوْم، فَمَا اجْتَمعُوا إِلَّا لقِرَاءَة الْكتاب الْوَارِد بِمَوْت مُوسَى الْهَادِي، فَفِي ذَلِك يَقُول بَعضهم فِي وصف دُعَائِهِ: وساريةٍ لم تسر فِي الأَرْض تبتغي محلا، وَلم يقطع بهَا السّفر قَاطع وَهِي أَبْيَات مليحةٌ مَا قيل فِي وصف الدُّعَاء المستجاب أحسن مِنْهَا. وَسَأَلَهُ الرشيد، فَقَالَ: لم زعمتم أَنكُمْ أقرب إِلَى رَسُول الله ﷺ - منا؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَو أَن رَسُول الله ﷺ - أنشر فَخَطب إِلَيْك كريمتك هَل كنت تجيبه؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، وَكنت أفتخر بذلك على الْعَرَب والعجم، فَقَالَ: لكنه لَا يخْطب إِلَيّ وَلَا أزَوجهُ، لِأَنَّهُ ولدنَا وَلم يلدكم. وَقد روى أَنه قَالَ: هَل كَانَ يجوز أَن يدْخل على حَرمك وَهن فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: لكنه كَانَ يدْخل على حرمي كَذَلِك وَكَانَ يجوز لَهُ. وَقيل: إِنَّه سَأَلَهُ أَيْضا: لم قُلْتُمْ إِنَّا ذُرِّيَّة رَسُول الله ﷺ وجوزتهم للنَّاس أَن ينسبوكم إِلَيْهِ، فَيَقُولُونَ: يَا بني رَسُول الله، وَأَنْتُم بَنو عَليّ؛ وَإِنَّمَا ينْسب الرجل إِلَى أَبِيه دون جده؛ فَقَالَ: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. " وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان وَأَيوب ويوسف ومُوسَى وَهَارُون وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ وزَكَرِيا وَيحيى وَعِيسَى وإلياس ". وَلَيْسَ
[ ١ / ٢٤٨ ]
لعيسى أَب، وَإِنَّمَا ألحق بذرية الْأَنْبِيَاء من قبل أمه، وَكَذَلِكَ ألحقنا بذرية النَّبِي ﷺ وَأَزِيدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ - قَالَ الله تَعَالَى: " فَمن حاجك فِيهِ من بعد مَا جَاءَك من اعْلَم فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ". وَلم يدع ﵇ عِنْد مباهلة النَّصَارَى غير عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن والخسين وهم الْأَبْنَاء. وَمَات ﵁ فِي حبس الرشيد. وَقيل: سعى عَلَيْهِ جمَاعَة من أهل بَيته، وَمِنْهُم مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد أَخُوهُ، وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر ابْن أَخِيه وَالله أعلم. وَسمع مُوسَى ﵁ رجلا يتَمَنَّى الْمَوْت، فَقَالَ: هَل بَيْنك وَبَين الله قرابةٌ يحابيك بهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَل لَك حسناتٌ قدمتها تزيد على سيئاتك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَنت إِذا تتمنى هَلَاك الْأَبَد. وَقَالَ ﵀: من اسْتَوَى يوماه فَهُوَ مغبونٌ، وَمن كَانَ آخر يوميه شرهما فَهُوَ مَلْعُون، وَمن لم يعرف الزِّيَادَة فِي نَفسه فَهُوَ فِي النُّقْصَان، وَمن كَانَ فِي النُّقْصَان فالموت خير لَهُ من الْحَيَاة. وروى عَنهُ أَنه قَالَ: اتَّخذُوا القيان؛ فَإِن لَهُنَّ فطنًا وعقولا لَيست لكثير من النِّسَاء؛ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ النجابة من أَوْلَادهنَّ.