ينبغي أن يكون في فصل الربيع لتكون ولادة الفرس فيه، لأن المولود في الشتاء لا ينجح، ويختلف وقته باختلاف الأقاليم. ففي الإقليم الحار تقفز في شباط، وفي المتوسط في نيسان، وفي البارد في أيار، ليأكل الفلو القصيل، ويكون قوي البنية صحيح البدن.
وفي دمشق يقفزون الخيل مرتين في السنة، أولاهما في الربيع والثانية في الخريف عند قطف الزيتون، ولذا يسمونه الزيتوني، لإدراك نبات الفصة والبيقية عند نتاج الفلو فيتغذى منهما.
وينبغي أن تكون الفرس عند النزو في أرض منحدرة، ليتمكن منها الفحل، وأن يجعل قبل وجهها غزال ليأتي الفلو مشابهًا له في الخلقة، وأن يغسل ذكر الفحل وفرج الأنثى بعد النزو بماء بارد وتسير سيرًا عنيفًا كيلا تلقي ماء الفحل من رحمها وتلتزم الراحة ولا تطعم الخضرة ولا تسمع صهيل فحل، إلى أحد وعشرين يومًا. فإن انكمش الفرج وسال منه شبه المني ونفرت من الفحل فقد علقت، وإلا أنزي عليها الفحل مرةً أخرى.
[ ٦٣ ]
فإن نفضت مرارًا وظهرت علامات الرطوبة كالسيلان مثلًا، يرغى الصابون على اليد ويغسل الرحم بلطف ثم يعاد النزو أو تؤخذ قطعة صغيرة من الرصاص وتجعل في شيء من صوف إبط الغنم ثم يدخل في فرج الفرس فإذا وجد فيها فتق يجمع طرفاه ويؤخذ من النمل الصغير واحدة وتضع فمها عليهما فإذا عضتهما قطع رأس النملة وترك متعلقًا بهما. ثم تؤخذ ثانية ويفعل بها كالأولى إلى أن يلتئم الفتق وينزى عليها الفحل.
وذكر داود أن الفرس إذا لم تحمل وسقيت من الراوند التركي مع دبس العنب وحملت صوفة من نشارة العاج ولبن الخيل تحمل وهو مجرب.
ومن علامات الحمل صغر طرف الفرج وانكماشه وحدة النظر. والفرس تطلب الفحل إذا بلغت ثلاث سنين. فإذا طلبته وحنت إليه، قيل لها مستأنفة، كما يقال للناقة متنافرة، وللبقرة منابتة، وللحمارة طالبة، ومدة الحمل أحد عشر شهرًا. قال أرسطو: إن مدة الحمل في كل حيوان مضبوطة إلاّ في الإنسان فإن لم تضع قيل جرت، وكلما جرت كان فلوها أقوى، وأكثر زمن الجر خمسة عشرة يومًا، فإن درت الحلمة اليمنى قبل اليسرى أو كانت الحلمتان سوداوين أو مضغ شيء من حليبها على الظفر فسال كان الحمل ذكرًا.
وينبغي بعد قطع السرة أن يملس حدا الفلو، حين وضعه، وفمه، ويفتح منخراه، ويلين عسيبه، بحيث يرفعه إلى أعلاه برفق، ويقطع لحمة حافره المسماة بالنسر، ثم يحمل بلطف ويلقم ثدي أمه كي يعتاد، وأن لا يفطم إلاّ بعد سبعة أشهر، وأن يسقى بعد الفطام حليبًا شهرًا، ثم شهرين بعده مضافًا بدقيق الشعير، فإن أديم على ذلك سنة اشتد قوة، وعظم نجاحًا. وحليب الإبل أصلح للفلو من غيره وفيه خاصية للجري، ويزيد في المخ والعصب، وينقص اللحم، قال ابن خلدون: والمتغذى بلبن الإبل يؤثر في خلقه الصبر والاحتمال، والقدرة على حمل الأثقال إذ هي من أخلاق الإبل وتكون إمعاؤه في الغلظ والصحة كإمعائها لا يطرقها وهن ولا ضعف. والمطلوب أن يكون الفحل نجيبًا صحيح النسبة، خاليًا من العيوب لأن الفلو يأتي مشابهًا لأبيه في جميع حالاته، فإن لم يجد الرجل لفرسه فحلًا من نسبها أو ما يقاربه، يتركها بلا تقفيز إلى حين وجوده، ويطلبه وإن بعدت المسافة. ومنهم من يجعل على فرج الأنثى قفلًا لئلا ينزو عليها مجهول النسب ويسمونه الكتبة، يقال كتب على فرسه أو ناقته أي خزم حياءها بحلقة من حديد أو صفر، تضم شفري حيائها لئلا ينزى عليها، قال الشاعر:
لا تأمنن فزاريًا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار
ومن نزى على فرسه غير جواد غسل رحمها بأدوية مفسدة لماء الفحل، ولهم في غسله مهارة تامة، والحاصل أنهم يغارون على محافظة أنساب خيلهم كما يغارون على محافظة أنسابهم ويحضرون عند النزو شهودًا. قال صاحب إنسان العيون: "إن عروة بن زيد الخيل وفد على عبد الملك بن مروان وقاد إليه خمسًا وعشرين فرسًا، ونسب كل واحدة منهن إلى آبائها وأمهاتها وحلف على كل فرس يمينًا غير اليمين التي حلف بها على غيرها، فقال عبد الملك: عجبي من اختلاف أيمانه أشد من عجبي من معرفته بأنساب الخيل، وقد كانوا يعتنون بالمحافظة على أنساب جمالهم حيث أنهم كانوا يرسلون في الإبل فحلًا يسمونه سدومًا، ليهدر بينها، فإذا ضبعت أخرجوه عنها، لدناءة أصله، وأرسلوا فيها فحلًا كريمًا فإذا كان هذا اعتناؤهم بجمالهم فما بالك بمحافظتهم على أنساب خيلهم بل ما بالك بالمحافظة على أنسابهم من الخلل والطعن".
واعلم بأن العيوب التي يستحب أن يكون الفحل سالمًا منها، أن لا يكون أخذى: أي أصول أذنيه مسترخية، ولا أمغر، أي ذهب شعر ناصيته، ولا أدغم: أي غطت ناصيته عينيه، ولا أسعف: أي في ناصيته بياض، ولا أحول: أي أبيض مؤخر عينيه وغار السواد إلى مآقيه، ولا أقنى: أي في أنفه احديداب، ولا مغربًا: أي ابيضت أشفار عينيه مع زرقة العينين، ولا أدنى أي اطمأن عنقه من أصله، ولا أقصى: أي في عنقه قصر ويبس، ولا أكتف: أي في أعالي كتفيه انفراج، ولا أزور: أي يدخل إحدى فهدتيه ويخرج الأخرى، ولا مخطفًا: أي لحق ما خلف مخرمه من بطنه، ولا هضيمًا: أي مستقيم الضلوع التي دخلت أعاليه. قال الأصمعي: "لا يسبق في الحلبة أهضم". وقال النابغة:
خيط على زفرة فتم ولم يرجع إلى دقة ولا هضم
[ ٦٤ ]
ولا قليعًا: أي طويل الظهر، ولا أصقل: أي طويل الصقلة وهي الخاصرة، ولا أنجل: أي خرجت خاصرته من ورق صفاقه، ولا أفرق: أي أشرفت إحدى وركيه على الأخرى، ولا أرسح أي قليل لحم الصلا، ولا أعزل: أي معوج عسيب الذنب، ولا أشعل: أي في ذنبه بياض ولا ملوحًا: أي إذا ضربته حرك ذنبه، وفي المثل (عيب في الراس ولا عيب في الذنب)، ولا أشرح: أي ببيضة واحدة ويسمى أفرق، ولا أفجح: أي تباعد كعباه، ولا أيدًا: أي تباعدت ساقاه، ولا أصك: أي يصك كعبيه إذا مشى، ولا أفقد: أي منتصب الرسغ مقبلًا على الحافر، ويكون في الرجل خاصة، ولا أصدف: أي تدانى ذراعاه وتباعد حافراه، ولا أقسط: أي انتصبت رجلاه غير منحيتين، ولا أمدس: أي مصطك بواطن الرسغين، ولا أحنف: أي ملتوي الحافرين بحيث يقبل كل منهما على الآخر، ولا كردًا: أي يخبط الأرض بيده باستقامة لا يقلبها لجهة بطنه، ولا رموحًا: أي يضرب الأرض بيده حين المشي، ولا أجسر: أي مضطرب اليد والرجل، ولا مكواحًا: أي سريع العطش، ولا صلودًا: أي بطيء العرق، ولا أكوش: أي إذا جرى نكس كالحمار، ولا طموحًا: أي يسمو ببصره إلى السماء، ولا فاكسًا: أي يطأطئ رأسه إذا جرى، ولا جموحًا: أي قوي الرأس، ولا قطوفًا: أي لا تصل رجله إلى مكان يده حين يرفعها، ولا حرونًا: أي يقف إذا أريد منه الجري أو السير أولا لا يجري إلاّ بالضرب، ولا خفاشًا: أي يستتب حضرًا ثم يرجع القهقرى، ولا رواغًا: أي يحيد في حضره يمينًا وشمالًا، ولا شبوبًا: أي يقوم على رجليه ويرفع يديه، ولا عاجنًا: أي يعجن برجليه كقماص الحمار، ولا مفتلًا: أي يفرق بين قوائمه إذا رفعها كأنما ينزعها من وحل، ويخفق برأسه، ولا مجربدًا: أي يقارب الخطوة بقرب سنابكه من الأرض، ولا يرفعها رفعًا شديدًا، ولا مشاغرًا: أي يطمح بقوائمه جميعًا، ولا مواكلًا: أي لا يسير إلاّ بسير غيره، ولا خروطًا: أي يخرط رسنه عن رأسه، ولا رموحًا: أي يضرب بإحدى رجليه، ولا ضروحًا: أي يضرب بهما، ولا عضوضًا.
وكثرة الضراب على الفحل تحدث فيه أمراضًا وتصير منيه دمًا أحمر لاسيما إذا كان معدًا للركوب، فغاية ما يسمح له في السنة من خمس مرات إلى ثمان، إلاّ إذا كانت الإناث قريبة عهد بالولادة نحو شهر مثلًا، زيد له في العدد السابق، لأن ضرابها يصلح الفحل، وأما إذا كان غير معد للركوب لعلة منعت منه، فلا حد لعدد ضرابه ويكون كفحل بيت المال، وذلك أن عادة الملوك أن تجعل عند رئيس كل مقاطعة فحلًا ينتفع بضرابه لا يمنع منه أحد وليس على صاحب الأنثى إلاّ إكرام القائم بخدمة الفحل.
والعرب تستقبح بيع عسيب الفحل، لأنه مناف للكرم، ولما نهى رسول الله ﷺ عنه اشتد استقباحًا. روي عن ابن عمر ﵄: "أن رجلًا من بني كلاب سأل النبيّ ﷺ عن عسيب الفحل فنهاه فقال: إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة"، والعسيب ماء الفحل.
و"نهى ﷺ، عن نزو الحمير على الخيل، روي عن دحية بن خليفة الكلبي قال: قلت يا رسول الله ألا أحمل لك حمارًا على فرس فتنتج لك بغلة؛ فقال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعقلون". وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "أهديت رسول الله ﷺ، بغلة فقلنا: يا رسول الله! لو أنزينا الحمير على خيلنا لجاءت بمثل هذه فقال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون". قال ابن حبان: "أي الذين لا يعلمون النهي". وقال الخطابي: "إن الحمير إذا حملت على الخيل تعطلت منافع الخيل وقل عددها وانقطع نماؤها وهي محتاج إليها للغزو والركض والطلب، وعليها يجاهد العدو، وبها تحرز الغنائم، فأحب ﷺ أن ينمو عدد الخيل، ويكثر نسلها لما فيها من النفع". وقال الكميت:
وما حملوا الحمير على عتاق مطهمةٍ فيلفوا متلفينا