[ ١٤ ]
وأنواعه خمسة: أدهم حالك وأحوى وأحم وأصدى وأخضر. فالأدهم الحالك أشد هذه الأنواع سوادًا وأصفاها. والأحوى ما علا سواده حمرة. والأحم ما شابه الأحوى، إلا أنه أقل حمرة، والأصدى ما خالط سواده شقرة، والأخضر ما خالط سواده غبرة.
روي عن يزيد بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ: "الخير في الأدهم الأقرح الأرثم محجل الثلاث طلق اليمنى" (القرحة في وجه الفرس بياض دون الغرة) . وعن عتبة عنه ﷺ: "إذا أردت أن تغزو فاشتر فرسًا أدهم محجل الثلاث مطلق اليمنى، فإنك تغنم وتسلم، فإن لم يكن أدهم فكميتًا على هذه الشية" أي على هذه الصفة. وعن أبي قتادة الأنصاري عنه ﷺ: "خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميتًا على هذه الشية" وعن أبي وهب الجشمي عنه ﷺ "تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة، واربطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأكفالها، وعليكم بكل كميت أغر محجل، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجل"، وذكر الخيل عند النبي ﷺ فقال: "خضرها أحبلها، وكمتها ديباجها وشقرها حيادها اللهم بارك في الأخضر اللهم بارك في الأشقر".
وحكى ابن بسام في الذخيرة: كان للمتوكل ابن الأفطس الأندلسي فرس أدهم محجل، على كفله ست نقط بيض، فندب الشعراء لوصفه فقال أبو الوليد البجلي ارتجالًا:
ركب البدر جوادًا سابحًا تقف الريح لأدنى مهله
لبس الليل قميصًا سابغًا والثريا نقط في كفله
وغدير الصبح قد خيض به فبدا تحجيله من بلله
كل مطلوب وإن طالت به رجله من أجله في أجله
وقال ابن اللبانة فيه:
لله طرف جال يا ابن محمد فجنت به حوباؤه التأميلا
لما رأى أن الظلام أديمه أهدى لأربعه الهدى تحجيلا
وكأنما في الردف منه مباسم تبغي هناك لرجله تقبيلا
وقال ابن نباتة:
وأدهم اللون حندسي في جريه للورى عجائب
تقصر سعي الرياح عنه فكلها خلفه جنائب
وقال الصفي الحلي:
ولقد أروح إلى القنيص وأغتدي في متن أدهم كالظلام محجل
رام الصباح من الدجى استنقاذه حسدًا فلم يظفر بغير الأرجل
فكأنه صبغ الشباب إهابه وخط المشيب فجاءه من أسفل
وقال الطاهر الجزولي:
وأدهم كالليل البهيم مطهم فقد عز من يعلو بساحة عرفه
يفوت هبوب الريح سبقًا إذا جرى تراهن رجليه مواقع طرفه
وقال غيره:
قد سابق الطرف بطرف سابق كأنه يريد إدراك القدر
دهمته تبدي سوادًا حالكًا كأنها ليل إذا الليل اعتكر
صهيله يطرب من يسمعه كأنه رعد إذا الرعد زجر
أو سابق الريح جرى من قبلها والبرق لا يسبقه إذا ظهر
وقال ابن خفاجة:
وأدهم نم آل الوجيه ولاحق له الليل لون والصباح حجول
ترقرق ماء الحسن فوق أديمه فلولا التهاب الخصر ظل يسيل
كأن هلال الفطر لاح بوجهه فأعيننا شوقًا إليه تميل
كأن الرياح العاصفات تقله إذا ابتل منه مخرم وتليل
إذا عابد الرحمن في متنه علا بدا الزهو في العطفين منه يجول
فمن رام تشبيهًا له قال موجزًا وإن كان وصف الحسن منه يطول
هو الفلك الدوار في صهواته لبدر الدياجي مطلع وأفول
وامتدح ابن دنينير اللخمي القابوس الملك المنصور مستمنحًا منه فرسًا بقوله:
ملك الورى دعوة مني على مضض من الزمان الذي أخنى بلا سبب
أودى تلادي وولى بعده تبعًا حتى طريفي وما جمعت من نشب
وكان قد غفلت عني حوادثه في بغلة كنت أقضي فوقها أربي
حتى ألم بها منه الردى فغدا قلبي قتيل الأسى والهم والنصب
ولم أجد سببًا يجني الزمان به على ذوي الفضل إلا حرفة الأدب
فاكبت عداي بأخرى مثلها فلقد قصرت عن كل ما أهوى من التعب
أولا فأدهم تفري الليل غرته نهد القصير شديد العظم والعصب
[ ١٥ ]
سامي التليل عريض المتن مرتفع عالي النواهق وافي الرسغ والذنب
صافي الأديم كأن البرق غرته رحب اللبان أشم الأنف والقصب
كاس من الليل بالظلماء ملتحف لكنما زانه التحجيل بالحبب
هقل إذا ما تولى مدبرًا فإذا أتى فظبي كناس ريع من كثب
يكاد يسبق لحظ العين كيف جرى فما يدانيه مر الريح في الخبب
ولو يباريه زاد الركب عن عرض في حلبة لكبا منه على الركب
فذاك بغية مثلي من نداك وأن أعود من جودكم بالمنظر العجب
وقال أبو سعيد المغربي:
ولما اغتدى والليل قد سل صبحه بليل بجلباب الصباح تلثما
وأحسبه خال الثريا لجامه فصير هاديه إلى الأفق سلما
وقال جمال الدين يوسف بن الحسن:
وأدهم اللون فاق البرق وانتظره فغارت الريح حتى غيبت أثره
فواضع رجله حيث انتهت يده وواضع يده أنى رمى بصره
إذن تراه يحاكي السهم منطلقًا وما له غرض مستوقف خبره
يعفر الوحش في البيداء فارسه وينثني وادعًا إن يستتر غبره
وقال أبو سويد شهد أبو دلف وقعة وتحته فرس أدهم عليه نضخ الدم فاستوقفه بعض الشعراء وأنشد:
كم ذا تجرعه المنون ويسلم لو يستطيع شكا إليك الأدهم
في كل منبت شعرة من جلده خط ينمقه الحسام المخدم
وكأنما عقد النجوم بطرفه وكأنما هو بالمجرة ملجم
وكأنه بين البوارق لقوةٌ شفواء كاسرة طوت ما تطعم
لا تدرك الأرياح أدنى شأوه لا بل يفوت الريح فهو مقدم
رجعته أطراف الأسنة أشقرًا واللون أدهم حين ضرجه الدم
فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:
تقبل المهر من أخي ثقة أرسل ريحًا به إلى المطر
مشتملًا بالظلام من شية لم يشتمل ليلها على سحر
منتسبًا لونه وغرته إلى سواد الفؤاد والبصر
تحسبه من علاك مسترقًا بهجة مرأى وحسن مختبر
حن إلى راحة تفيض ندى فمال ظل به على نهر
ترى به والنشاط يلهبه ما شئت من فحمة ومن شرر
لو حمل الليل حسن دهمته أمتع طرف المحب بالسهر
أحمى من النجم يوم معركة ظهرًا وأجرى به من القدر
اسود وابيض فعله كرمًا فالتفت الحسن فيه عن حور
كأنه والنفوس تعشقه مركب من محاسن الصور
فازدد سنا بهجة بدهمته فالليل أذكى لغرة القمر
ومثل شكري على تقبله بجمع بين النسيم والزهر
وقال لما استرجعت بلنسية من يد العدو:
من عسكر رجفت أرض العدو به حتى كأن بها من وطئه وهلا
ما بين ريح طراد سميت فرسًا جورًا وليث شرى يدعونه بطلا
من أدهم أخضر الجلباب تحسبه قد استعار رداء الليل واشتملا
وأشهب ناصع القرطاس مؤتلق كأنما خاض ماء الصبح فاغتسلا
ترى به ماء نصل السيف منسكبًا يجري وجاحم نار البأس مشتعلا
فغادر الطعن أجفان الجراح به رمدًا وصير أطراف القنا فتلا
وأشرق الدم في خد الثرى خجلا وأظلم النقع في جفن الوغى كحلا
وأقشع الكفر قسرًا عن بلنسية فانجاب عنها حجاب كان منسدلا
وقال ابن هاني:
من كل يعبوب سبوح سلهب نقش سياط عنانه الطيار
سلط السنابك باللجين مخدم وأذيب منه على الأديم نضار
وكأن وفرته غدائر غادة لم يلق بؤس لا ولا إقتار
وأحم حلكوك وأصفر فاقع منها وأشهب أمهق زهار
ومنها:
مرت لغايتها فلا والله ما علقت بها في عدوها الأبصار
وجرت فقلت أسابح أم طائر هلا استثار لوقعهن غبار
من آل أعوج والصريح وداحس فيهن منها ميسر ونجار