عن ابن عمر ﵄: "أن النبيّ ﷺ كان يضمر الخيل ليسابق عليها". وذكر ابن بنين: "أنه ﷺ كان يأمر بتضمير خيله بالحشيش اليابس شيئًا بعد شيء، وطيًا بعد طيّ. ويقول: ارووها من الماء واسقوها غدوة وعشيًا، والزموها الجلال فإنها تلقي الماء عرقًا تحت الجلال، فتصفو ألوانها وتتسع جلودها". و"كان ﷺ يأمر بأن تقاد كل يوم مرتين، ويؤخذ منها بالجري الشوط والشوطين". ومدة التضمير أربعون يومًا ومنتهاه ستون. وشرطه أن تكون الخيل حائزة الأوصاف المحمودة، سالمة من العيوب رباعية أو خماسية غير مهزولة ولا قادمة من سفر، ولا قريبة العهد من الولادة. وزمانه فصل الربيع أو الخريف. وكيفيته أن تجعل في محل خال واسع مفروش بالرمل نظيف دائمًا، مجللة بخمسة أو ستة لتعرق تحتها ويذهب شحمها، لئلا تتنفس تنفسًا شديدًا إذا جرت ويسمونها: (الحناذ)، وإذا تم تعريقها وذهب شحمها، أجلتها كل يوم واحدًا على التدريج، فإن لم تعرق تحتها يقال كبت، وتعلف في أول التضمير الشعير والتبن المغربل نحو أسبوع، ثم يزداد لها الشعير وينقص التبن قليلًا قليلًا، إلى أن يصير علفها الشعير لا غير، وتمنع من شرب الحليب والمديد أي دقيق الشعير الممزوج بالماء. قال النابغة:
فلما أبى أن ينقص الفود لحمه نزعنا المذيذ والمديد ليضمرا
[ ٦٨ ]
المذيذ: الخبز الممروت، والمديد: دقيق الشعير الممزوج بالماء، وتمرغ بعد العلف على الرمل أو التراب الناعم، وتسير شوطًا أو شوطين بالغدو والعشي إلى أن تعرق آذانها، ويسمون عرق الخيل صراحًا، وهذا الاسم مخصوص بعرق الخيل. قال أبو النجم:
نطويه والطي الرفيق يجدله نظمئ الشحم ولسنا نهزله
أي: نعتصر ماء بدنه بالتعريق حتى يذهب رهله ويكتنز لحمه. قال عدي بن زيد:
فزلقته حتى ترفع لحمه أداويه مكنوبًا وأركب وادعا
سئل بعض أرباب الخيل متى بتلغ الخيل الغاية من التضمير فقال: إذا ذبل فريدها، وتفلقت غرورها، وبدا حصيرها، واسترخت شاكلتها.
الفريد: موضع محسة أعراف الخيل، والغرور: الغضون في جلدها، وتفلقت: انفتحت، والحصير: العصبة التي على أضلاع الجنب مما يلي الصلب، والشاكلة: الطفطفة، فإذا تمت مدة التضمير وقرب وقت الرهان ترسل من غاية نظير الغاية التي وقع الرهان عليها، فإن قطعتها ولم يضطرب منخرها وخاصرتها فقد تم تضميرها، وإلا تزداد منه حتى تقطعها بدون اضطراب، فإذا تعب ونزل عنه يمسح وجهه ودخل منخريه وتحت عسيبه ومراق بطنه بخرقة مبلولة بماء، ثم يقاد برفق كثير، ويترك قدر ساعة، ويقاد ثانيًا إلى أن يبول، وعلامة جودة جريه أن يسمو بعنقه ويثبت رأسه، فلا يستعين به في حضره، وأن يجمع قوائمه فلا يفرقها، ويبسط يديه جميعًا ويقبض برجليه، كأنه يرفع قائمة واحدة وحافرًا واحدًا، ويمتد في الجري ولا يختلط. وأن يكون حضر الإناث وثبًا باجتماع القوائم، ويجب أن يكون السرج واللجام خفيفين، والركب قصيرة، والحزم غير مشدودة قويًا، والراكب خفيفًا مدربًا، لا يضطرب على ظهرها، ولا يضر بها ولا يلح عليها بالمهماز، ولا ينتصب بقامته، بل منحنيًا على القربوس الأول قليلًا، لأن شد الحزام ينبغي أن يكون بحذاقة تامة، ولذا كانوا يخاطرون عليه.
وعن الأصمعي: أن مدى الغاية للجذعان أربعون غلوة، وللثنيان ستون وللربعان ثمانون، وللقرح مئة، وهي اثنا عشر ميلًا ولا يجري من أكثر من ذلك.