اعلم أن الخيل أصح الحيوانات مزاجًا، ولذا تؤثر فيها الرياضة، ويؤيده ما روي عن جابر بن زيد أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "أرموا واركبوا الخيل، وإن ترموا أحب إلي من كل لهو لها به المؤمن، فهو باطل إلاّ ثلاث خلال: رميك عن قوسك وتأديبك فرسك وملاعبتك أهلك فإنهن من الحق". وعن أبي أمامة: "عاتبوا الخيل فإنها تعتب"، أي أدبوها، ف"، أي أدبوها، فإن فيها قوة تدرك بها العتاب فتفعل ما تؤمر به، وتنهى عما تنهى عنه قال زهير:
وخرجها صوارخ كل يوم فقد جعلت عرائكها تلين
أي: خرجها، كما يخرج المعلم تلميذه.
وقال الأفوه:
وأفراسٍ مذللة وبيض كأن متونها فيها الوهاج
أي مؤدبة ومتونها ملساء صافية.
[ ٦٧ ]
سمعت سيدي الوالد يقول: أخبرني ثقة من أشراف وادي أشلف بالجزائر، أنه كان عنده فرس أنثى من الجياد، أراد الذهاب عليها إلى مكة المكرمة، فلما خرج من بيته ركبها والناس يشعيونه فعثرت، فضربها بسوط فتحركت وقفزت، ولما رجع تلقته الناس لاستقباله، وساروا إلى أن وصل إلى المكان الذي ضربها فيه فقفزت، فعجب الناس من ذلك. وعن عطاء بن رباح قال: "رأيت جابر بن عبد الله وصابر بن عمير الأنصاري يرميان فمل أحدهما فجلس فقال الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو وسهو، إلاّ أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله وتعلم السباحة". وعن عقبة بن عامر أنه ﷺ قال: "إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به والممد به"، وقال يزيد بن مسلمة بن عبد الملك:
عودته فيما أزور حبائبي إهماله وكذاك كل مخاطر
وإذا احتبى قربوسه بعنانه علك الشكيم إلى انصراف الزائر
أي: أدبته حتى إذا نزلت عنه وألقيت عنانه في قربوس سرجه وقف مكانه إلى أن أعود إليه. والقربوس: - بفتح الراء - أحد حنوي السرج، والعنان: - بكسر العين - سير اللجام، والشكيمة: الحديدة في فم الفرس وفيها الفاس.
وينبغي أن لا يؤدبها ويدربها إلاّ عارف بما يحتاج إليه، ذو رفق، حاضر الذهن، ثابت في السرج، يركب بفخذيه مائلًا إلى يساره، متوسطًا في قبض العنان، يحثها بالتدريج بدون ضرب ولا همز عنيف، ويعودها رؤية الشيء الهائل، ووثوب السواقي، والحفر والجدر القصيرة، والنزول حضرا من الجبال الخالية عن الصخر الأملس، وأن تحنى يديها على الأرض إذا غمزها في إبطها.
وأحسن ما يكون التعليم في الصباح والمساء، وأن لا يقف مع الناس وهو راكبها، كيلا تعتاد الوقوف إذا رأت أحدًا، ولا يركضها أول ركوبها ولا يجذبها باللجام فإن يعلمها الطموح واللوص، أي خروج اللسان وعضه، فإن حصل ذلك معه، يعالج بتبديل اللجام ويوقفها تدريجًا إذا أراد وقوفها.
حكي عن بعض الفرسان: كان إذا ركب الفرس بالسرج العربي يضع في ركابه تحت رجليه درهمين ثم يعدو وعند نزوله عنها يأخذهما من حيث وضعهما. ومنهم من يأخذ الحجر من الأرض والفرس في شدة العدو ويضرب فيه غريمه، وإذا وقع منه شيء تناوله بنفسه وهو راكب. ويعلمون بالكرة والصولجان على ظهورها، والصولجان: فارسي معرب، وهو عصا طويلة تنتهي بكف المستدير يضرب بها الكرم، وأول خليفة لعب بها هارون الرشيد. وينبغي أن لا يبدل اللجام الذي وافقها ولا يركبها جاهل بالركوب لئلا يسيء أخلاقها. ومن الأمثال المغربية (احفظني من برد الصيف وركب أبي طريف، أحفظك يوم السيف) والمراد بأبي طريف: الولد الصغير الذي لا يحسن الركوب.