الحلبة - بالتسكين - خيل تجمع للسباق من كل أوب، لا تخرج من موضع واحد، وتجمع على حلائب وحلبات. قال الشاعر:
نحن سبقنا الحلبات الأربعا الفحل والقرح في شوطٍ معا
وقال سويد بن شداد العبسي يخاطب فرسه:
أناصح أبرز للسباق فإنها غداة رهان جمعته الحلائب
فإنك مجلوب علي ضحى غد ومالك إن لم يجلب الله جالب
وقال عتاب بن الأصم:
يا حزم قد جد الرهان بالقدم ليس عليك اليوم في جري لوم
إن أنت جليت الوجوه ذي اليوم
وموضع المسابقة، يسمى: المبطان، أي: موضع الذي يوطن لترسل منه الخيل، ويسمى: المضمار، قال أبو عبيد الله بن الخطيب:
ما ضرني إن لم أكن متقدمًا فالسبق يعرف آخر المضمار
ولأن غدا ربع البلاغة بلقعًا فلرب كنز في أساس جدار
والمبنى والمبدا: هي غاية مدى السبق المتفق عليه، ويقدرونه بالغلوات قال غيلان الربع:
أمسوا فغادرهن حول المطاء بمئتين بغلا الغلاء
والغلوة: منتهى غاية المريح، وهو سهم خفيف يوضع في القوس ويرمى به، بشرط أن يرفع راميه يديه بقدر ما أمكنه، ويضعون السبق على رؤوس قصب الرماح عند منتهى الغاية.
روي أن سعيد بن العاص سابق بين الخيل في الكوفة فجعلها مئة قصبة، وجعل لأخيرها قصبة ألف درهم. ومنه قولهم: (حاز فلان قصب السبق) أو: يبنون في منتهى الغاية بناء يشبه المنارة، ويضعون السبق عليه ويسمونه: (الطربال)، قال دكين:
حتى إذا كان دوين الظربال رجعن منه بصهيل صلصال
مطهم الصورة كالتمثال
وينصبون قبل إرسال الخيل حبلًا يسمونه: (المقوس) يجعل في صدورها لتكون متساوية عند الإرسال، قال الشاعر:
إن البلاء لدى المقوس مخرج ما كان من عيب ورجم ظنون
وقال المتنبي:
وما الخيل إلا كالصديق قليلة وإن كثرت في عين من لا يجرب
[ ٧٣ ]
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها وأعضائها فالحسن عنك مغيب
أي: أن منزلة الخيل من الإنسان كمنزلة الصديق، فالجياد منهل قليلة وإن كثرت في العدد عند من لم يجربها، وعند الامتحان يكرم الشيء أو يهان. وفي الحديث: "الخيل تجري بأعراقها وعنقها، فإذا وضعت على المقوس جرت بجدود أربابها"، وفي الطلب: على إقبال فرسانها، وفي الهزيمة: على آجالهم، ومن الأمثال: (عند الرهان تعرف السوابق) . وقال الشاعر:
ولا يسبق المضمار في كل موطن من الخيل عند الجد إلا عرابها
وقد "نهى النبي ﷺ عن الجلب والجنب في المسابقة"، والجلب: أن يتبع الرجل فرسه، فغن قرب من الغاية زجره وجلب عليه، وهذا مما يعين الفرس على الجري. والجنب: أن يجنب مع الفرس الذي سابق عليه فرسًا آخر، فيرسل حتى إذا دنا تحول راكبه على الفرس المجنوب، فأحرز السبق. والأول: من نوع الخديعة وكانوا يرسلون خيل الحلبة عشرة عشرة ولكل واحد منها اسم، فالأول: المجلس ثم المصلي ثم المسلي ثم التالي ثم المرتاح ثم العاطف ثم المؤمل ثم الخطي ثم اللطيم ثم السكيت - بتشديد الكاف، وقد تخفف -.وقال الجاحظ: كانت العرب تعد السوابق ثمانية ولا تجعل لما وراءها حظًا. فأولها: السابق، ويسمى: متجردًا؛ لأنه انجرد من الحلبة وتقدمها، ثم المصلي، ثم المقفي، ثم التالي، ثم العاطف، ثم المزمر، ثم البارع، ثم اللطيم، وما جاء بعد ذلك لا يعتد به. وكانت العرب تلطم وجه التاسع وإن كان له حظ. وقال أبو عبيدة: لم نسمع في سوابق الخيل ممن يوثق بعلمه أسماء لشيءٍ منها، إلا المصلي للثاني، والسكيت للعاشر، وما سوى ذلك يقال له: الثالث والرابع وهكذا إلى التاسع، وحكى المسعودي قال: جاء غلام الرقي إلى المتقي بالله العباسي فتحادثا واتصل الحديث بأخبار الحلائب ومراتب الخيل فيها فقال الغلام: يا أمير المؤمنين أذكر لك قولًا جامعًا أخبرني به كلاب بن حمزة العقيلي قال: كانت العرب ترسل خيلها عشرة عشرة أو أسفل، والقصب تسعة، ولا يدخل الحجر المحجر إلا ثمانية، وهذه أسماؤها: الأول السابق: وهو المجلي؛ لأنه جلى عن صاحبه ما كان فيه من الكرب والشدة، والثاني: المصلي؛ لأنه وضع جحفلة على قطاة المجلي، وهي صلاته، والصلاة: عجب الذنب، والثالث: المسلي؛ لأنه سلى عن صاحبه بعض همه، والرابع: لأنه تلى المسلي، والخامس: المرتاح مأخوذ من راحة الكف؛ لأن فيها خمس أصابع والعربي إذا أومأ إلى خمسة من العدد فتح يده وفرق أصابعه، فالخامس: مثل خامسة الأصابع. والسادس: حظيًّا، فقد أعطى النبي ﷺ السادس قصبة. ذكر ابن بنين: "أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل، والمصلي حلتين، والثالث حلة، والرابع دينارًا، والخامس درهمًا، والسادس قصبة. وقال: بارك الله فيك وفي كلكم وفي السابق". ويسمون السابع: العاطف؛ لأنه قد عطف بشيءٍ وإن قل ودخل المحجرة، أي: الحظيرة التي اتخذوها لدخول السابق منها، والثامن: المؤمل تفاؤلًا، كما يسمون الفلاة: مفازة، واللديع: سليمًا، لأنه يؤمل سبقه حيث قرب من بعض ذوات الحظوظ، والتاسع: اللطيم؛ لأنه لو رام المحجرة للطم دونها. والعاشر: السكيت؛ لأن صاحبه يسكت حزنًا وحياءً، وكانوا يجعلون في عنق السكيت حبلًا، ويجعلون عليه قردًا، ويعطون للقرد سوطًا، فيركضه تعييرًا لصاحبه، قال الوليد بن حصين الكلبي:
إذا أنت لم تسبق وكنت مخلفًا سبقت إذا لم تدع بالقرد والحبل
وإن تك حقًا بالسكيت مخلفًا فتورث مولاك المذلة بالنبل
وأشر بقوله: (فتورث مولاك المذلة بالنبل) إلى ما يفعله البعض من رمي السكيت بالنبل حتى ينجعف، كما يفعل النعمان بن المنذر بفرسه النهب، وكانوا يمسحون وجه السابق. قال ابن عبد ربه:
وإذا جياد الخيل ما طلها المدا وتقطعت في شأوها المبهور
فالووا عناني في الحلائب وامسحوا مني بغرة أشقر مشهور
وقال جرير:
إذا شئتم أن تمسحوا وجه سابق جواد فمدوا في الرهان عنانيا
وقال كلاب بن حمزة: لم نعلم أحدًا من العرب في الجاهلية والإسلام وصف خيل الحلبة العشرة بأسمائها وصفاتها ومراتبها غير محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان بقوله:
[ ٧٤ ]
شهدنا الرهان غداة الرهان بجمعية ضمها الموسم
نقود إليها مقاد الجميع ونحن بصنعتها أقوم
غدونا بمقوورة كالقداح غدت بالسعود لها الأنجم
مقابلة نسبة في الصريح فها هي للأكرم الأكرم
فمنهن أحوى طمر أغر يفوت الخطوط إذا يلجم
تلألأ في وجهه قرحة كأن تلألؤها المرزم
ومنها كميت بهي الصفات وأشقر ذو غرة أرثم
وأدهم ليس له غرة لقد حاز من فضلها الأدهم
فقيدت لمدخور ما عندها لمنتظري أنها تنجم
عليهم سحم صغار الشخوص وكالأسد صوتًا إذا تنجم
كأنهم فوق أثباجها زرازير في نعف حوم
فصفت على الحبل في محضر يلي أمره ثقة مسلم
تراضوا به حكمًا بينهم فبالحق بينهم يحكم
وربك بالسبق عن ساعة من الناس كلهم أعلم
فقلت ونحن على جدة من الأرض نيرها مظلم
لقد فرغ الله مما يكون ومهما يكن فهو لا يكتم
فأقبل في إثرنا نافر كما يقبل الوابل المنجم
وأتبع فوضي مرفضة كما أرفض من سلكه المنظم
أو السرب سرب القطا راعه من الجو شواذنق أظلم
فواصل من كل سقط له كأن عنابيبها العندم
وللمرء من قدح ما تستثير سنابكهن سنا يحذم
فجلى الأغر وصلّى الكميت وسلى فلم يذمم الأدهم
وأردفها رابع تاليا وأين من المنجد المتهم
وما ذم مرتاحها خامسًا وقد جاء يقدم ما يقدم
وجاء الحظي لها سادسًا فأسهم حصته المسهم
وسابعها العاطف المستحير يكاد لحيرته يحرم
وجاء المؤمل فيما نجيب وغنى له الطائر الأشيم
حذى سبعة وأتى ثامنًا وثامنه الخيل لا تسهم
وجاء اللطيم لها تاسعًا فمن كل ناحية يلطم
يخيب السكيت على إثره حياؤه من خزيه أعظم
كأن جوانبه بين ذي جمانة نيط بها قمقم
على ساقة الخيل يعدو به مليمًا وسائسه ألوم
إذا قيل من رب ذا لم يجب من الخزي بالصمت مستعصم
ومن لا يقد للحلاب الجياد وشيكًا لعمرك إن يندم
وما ذو اقتضاب لمحمولها كمن ينتميها ويستلزم
فرحنا بسبق شهرنا به ونيل به الفخر والمغنم
وأحرزنا عن قصبات الرهان رغائب أمثالها تقسم
برودًا من القصب موشية وأكيسة الخز والملحم
فراحت عليهن منشورة كأن حواشيهن الدم
ومن ورق صامت بدرة ينوء بها الأغلب الأعصم
ففضت لهن خواتيمها وبدرتنا الدهر لا تختم
نوزعها بين خدامها ونحن لها منهم أخدم
وإنا لنرتبط المعربا ت في اللدنات فلا ترزم
نعدلها المحض بعد الثليث كما يصلح الصبية المطعم
ونخلطها بصميم العيال بمن لم يخب وهو المحرم
مشاربها الصافيات العذاب ومطعمهن هو المطعم
فهن بأكناف أبياتنا صوافهن يصلهن أو حؤم
ونظمها الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي بقوله:
قالوا المجلي أول ثم المصلي بعده ثم المسلي ثالث والتالي طرف رابع
والخامس المرتاح ثم عاطف سادسهم ثم الحظي بعده وهو الجواد السابق
والثامن مؤمل ثم اللطيم تاسع سكيتهم عاشرهم أهلة طوالع
فكلهم آخرهم فلا يعد فيهم=إن المجلي أول وتسعة توابع ثم قال: المحفوظ عن العرب السابق ثم المصلي والسكيت الذي هو العاشر، والسابق هو الأول وهو المجلي والمبرز، وسائر ما ذكر من الأسماء؛ فإن بعض الحفاظ من أهل اللغة قال: أراها محدثة، والله أعلم.