[ ١٨ ]
فمن ذلك قول الشيخ شهاب الدين محمود: ينهي وصول ما أنعم به من الخيل التي وجد الخير في نواصيها، واعتد صهواتها حصونًا يعتصم في الوغى بصياصيها، "فمن أشهب غطاه النهار بحلته، وأوطأه الليل على أهلته، يتموج أديمه ريا، ويتأرج ريا، ويقول من استقبله في حلي لجامه هذا الفجر قد طلع بالثريا، إن التقت المضايق انساب انسياب الأيم. وإن انفرجت المسالك مر مرور الغيم، كما أبصر فارسه يومًا أبيض بطلعته، وكم عاين السنان مقاتل العدا في ظلام النقع بنور أشعته لا يسير ذو حسن في مضماره، ولا تطمع الغبراء في شق غباره، ولا يظفر لاحق من لحاقه بسوى آثاره، تسابق يداه مرامي طرفه، ويدرك شوارد ثانيًا من عطفه* ومن أدهم حالك الأديم، حالي الشكيم له مقلة غانية وسالفة ديم، قد ألبسه الليل برده، فأطلع بين عينيه سعده، يظن من نظر إلى سواد طرته، وبياض حجوله وغرته، أنه خال النهار نهرًا فخاضه، فألقى بين عينيه نقطة من رشاش تلك المخاضة، لين الأعطاف، سريع الانعطاف، يقبل كالليل، ويمر كجلمود صخر حطه السيل، يكاد يسبق ظله، ومتى جارى السهم إلى غرضه بلغه قبله، ومن أشقر وشاه الغدو بلهبه، وغشاه الأصيل بذهبه، يتوجس لديه برقيقتين، وينفض وقرتيه على عقيقتين، وينزل عذار لجامه بين سالفتيه على شقيقتين، له من الراح لونها، ومن الريح لينها، إن أجري فبرق خفق، وإن أسرج فهلال على شفق، لو أدرك أوائل حرب بني وائل لم يكن للوجيه وجاهة، ولا للنعامة نباهة، ولكان ترك إعارة سكاب لؤمًا وتحريم بيعها سفاهة، يركض ما وجد أرضًا، وإذا اعترض به راكبه بحرًا وثبه عرضًا، ومن كميت نهد، كان راكبه مهد، عندمي الإهاب، شمالي الذهاب، يزل الغلام الخفيف عن صهواته، كأنه نغم القريض أو معبد في لهواته، فسيح الخطا، قصير المطا، إن ركب للصيد قيد الأوابد، وأعجل عن الوثوب الوحوش اللوابد، وإن جنب إلى حرب لم يزور من وقع القنا بلبانه، ولم يشك لو علم الكلام بلسانه، ولم ير دون بلوغ الغاية وهي غرض راكبه ثانيًا من عنانه، وإن سار في سهل اختال براكبه كالثمل، وإن أصعد في جبل طار في عقابه كالعقاب وانحط في مجريه كالوعل، متى ما ترق العين فيه تسهل، ومتى أراد البرق مجاراته قال له الوقوف عند قدره ما أنت هناك فيهمل، ومن حبشي أصفر يروق العين ويشوق القلب لمشابهته العين، كأن الشمس ألقت عليه من أشعتها جلالًا، وكأن نفر من الدجى فاعتنق منه عرفًا واعتلق حجالًا، ذو كفل زين سرجه، وذيل يسد إذا استدبر فرجه، قد أطلعته الرياضة على مراد فارسه وأغنته نضارة لونه ونظارته عن ترصيع قلائده، وتوشيح ملابسه، له من البرق خفة وطئه وخطفه، ومن النسيم لين مروره ولطفه، ومن الريح هزيزها إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه يطير باللمز، ويدرك بالرياضة مواقع الرمز، ويعدو كألف الوصل في استغناء مثلها عن الهمز، ومن أخضر حكى من الروض تفويفه، ومن الوشي تقسيمه وتأليفه، قد كساه النهار والليل حلتي وقار وسنا، واجتمع فيه من البياض والسواد ضدان لما اجتمعا حسنًا، ومنحه الباري حلية وشية، ونحلته الرباح ونسماتها قوة ركضه وخفة مشيه، يعطيك أفانين الجري قبل سؤاله، ولما لم يسابقه شيء من الخيل أغراه حب الظفر بمسابقة خياله، كأنه تفاريق شيب في سواد عذار أو طوالع فجر خالط بياضه الدجى فما سجى، ومازج ظلامه النهار فما أنار يختال لمشاركة اسم الجري بينه وبين الماء في السير كالسيل، ويدل بسبقه على المعنى المشترك بين البروق اللوامع وبين البرقية من الخيل، ويكذب المانوية لتولد اليمن بين إضارة النهار وظلمة الليل، ومن أبلق ظهره حرم وجريه ضرم إن قصد غاية، فوجود الفضاء بينه وبينها عدم، وإن صرف في حرب فعمله ما يشاء البنان والعنان، وفعله ما يرد الكف والقدم قد طابق الحسن بين ضدي لونه، ودل على اجتماع النقيضين علة كونه، وأشبه زمن الربيع باعتدال الليل فيه والنهار، وأخذ وصف الدجى في حالتي الإبدار والسرار لا تكل مناكبه، ولا يضل في حجرات الجيوش راكبه، ولا يحتاج ليله المشرق بمجاورة نهاره إلى أن تسترشد فيه كواكبه، ولا يجاريه الخيال فضلًا عن الخيل ولا يمل السرى إذا كل مشبهاه النهار والليل، ولا تتمسك البروق اللوامع من لحاقه بسوى الأثر فإن جهدت، فبالذيل فهو الأبلق الفرد، والجواد الذي لمجاريه العكس، وله الطرد قد أغنته شهرة لونه في جنسه عن الأوصاف،
[ ١٩ ]
وعدل بالرياح عن مباراته سلوكها في الاعتراف له جادة الإنصاف، وترقى المملوك إلى رتب العز من ظهورها وأعدها مطية الجنان إذ الجهاد عليها من أنفس مهورها، وكلف بركوبها فكلما أكمله عاد، وكلما مله سره، فلو أنه زيد الخيل لما زاد، ورأى من آدابها ما دل على أنها من أكرم الأصائل وعلم أنها ليومي سلمه وحربه، جنة الصائد، وجنة الصائل، وقابل إحسان مهديها بثنائه ودعائه، وأعدها في الجهاد لمقارعة أعداء الله وأعدائه. والله تعالى نشكر بره الذي أفرده في الندى بمذاهبه وجعل الصافنات الجياد من بعض مواهبه".
وقال الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة: "وأما الخيل المسيرة فقد وجد المملوك لذة أنسها، وأوجب على نفسه فروض خمسها، واستنهض لشكر محاسنها براعته فسعت ولكن على رأسها، واستنزلت الآمال من صياصها، وقبلها عوض أنامله الشريفة لأنها عددها، وما هي إلاّ زهرات أنبتها سحاب كفه الكريمة، وعقود طوق بها جيد العبد فسبح بمدامع نعمها العميمة، ومنابر قام عليها خطيبًا بمحاسنه التي من كتمها فكأنما كتم من المسك لطيمه، فمن أشهب كأنه طلعة لجج أو قطعة صبح أو غرة يغرب بأشعته إبدار جنح قد تزينت منه الأوضاع، وانقطعت دون غايته الأطماع، واعتذرت له الريح فصوب أذنيه للسماع، وأصبح لصاحبه نعم العون في السبق، والفوت يوم القراع، وكاد أن يطير مع الطيور، فكم له من غبار السبق أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ما حدث عن حسن إلاّ رآه، ولا امتطاه حازم إلاّ حمد عند صباح لونه سراه، يقرب الضرب سفرات عزائمه المسفرة، ويختال في الخيل كالنهار، فلا جرم أن آيته مبصرة، كم ثنى عنانه كبرًا عن مسابقة الرياح وأعرض، وكم تعب عليه عازم حتى فاز منه بالعيش إلاّ أنه الأبيض، ومن أشقر كأنه غزالة شرق فسيح اللبان، رقيق مجرى العنان بروق الأبصار ويدني الأوطان والأوطار، وتسمع بوقع حوافره صم الأحجار، يضعف البصر عن اقتناء ماله من السنن، ويعجز عن بلوغ غايته السيل إذا هجم الغيث أو هتن، وتعجز عن شأوه الرياح، فعن عذر إذا حثت في وجهها التراب فكأنما أصعد لأشعته النجوم فكسبها، أو راهن البرق على حلته فسلبها ولبسها. قرنت حركاته بحسن الاتفاق وحكمته في تطلعها الشموس عند الإشراق، فامتدت كف الثريا تمسح عن وجهه غبار السباق.
ومن كميت يسر الناظر ويشوق الخاطر، كأنه جذوة نار أو كأس عقار أحلى من الضرب، له من نفسه طرب، كم خدمه من النصر أعوان، وأسكره اسمه، فاختال تحت راكبه كالنشوان، وزاد لونه حتى كأنما هو بهرام، وأجله أن أقول بهرام، سريع شوطه وأضيع ما في عدته سوطه، يجمع لراكبه ما بين الطرب والجلالة، وتحتجب الشمس إذا تصدى للصيد خوفًا من تسميتها بالغزالة، كم أرعد بصهيله وأبرق وكم لقي من الموت الأحمر العدو الأزرق، تقصر عن غاياته الهمم، واسود ذنبه فكأنما لذوب نار جسمه حمم، يوسع أهل الحي سيرًا، ويقد بخنجر نعله أديم الأرض سيرًا، ومن أصفر يسر النظار ويسمو على النضار، وربما شق سعيه على الأبصار، ويخفق البرق وراءه في المضمار، كم أوسع رمقه في ليل السرى من سهر، وكم نقش بنعله ظهر جبل، فجاء كما قيل نقش على حجر، يطلع بسماء الطلب أهلة هو عيدها، وإذا امتطاه عازم رأى الأرض تطوي له ويدنو بعيدها، كم حسن خبرًا وخبرًا وتأثيرًا وأثرًا، وكم غشي إلى نار سنابكه طارق فأجزل له من قصده القرى، كأنما خلع عليه الدهر حلة ذهب، ووهبته صفرة لونها الراح حين تجلى بالحبب، لو أمكن أول الفجر لما سما في زمنه بالسرحان، ولو كتب اسمه على مقدمة طليعة، قرنها باليمن والأمان.
ومن أدهم كأنما التحف أو دخل تحت ذيل الدجى تخضع عواصي الذرى لطرته وينشق الصباح غيظًا من تحجيله وغرته، كأنما لطمت يد الفجر في إحسائه، وورد عين المجرة فطارت لجبهته نقطة من مائه، فسيح المنتشق، متدرع ملابس القلوب والحدق، كم عنت شوامخ الجبال لجلاله، وقصرت عنه الخيل حتى لم يسابق إلاّ ظل إدباره وإقباله، وخاف سطوته الليل، فجاءه بمثل أنجمه وأنعله بمثل هلاله، ويأتي من صباح تحجيله وليل تكوينه بالعجائب، فكلها من خلفه جنائب". ولا برح سيدنا يجيد في القول ويجود في العمل ويتطول من حفي كرمه ومفيد كلمه، بما لا ترتقي إليه همة الأمل.
[ ٢٠ ]
وقال المقر الفتحي ابن الشهيد: "وصل الجواد الأدهم من الخيل كأنما ألبسه الليل حلة سابغة الكم والذيل وفهم المملوك من نعته حالك السواد، أن الأمر العالي اقتضى أن المملوك يكتم هذا الإحسان في سواد الفؤاد ويستره عن الحساد، كما ستر الليل على الرقباء اجتماع أهل الوداد، فتسلمه المملوك كما تسلمت الجفون طيف الحبيب، وأسر السرور به، لما علم من صدقة السر التي أخفتها اليد الكريمة عن الرقيب. ولا يعزب عن الله تعالى مثقال ذرة فيها ولا يغيب، واتخذ المملوك ظهر الجواد حرزًا، لأنه من الهياكل، وتصيد بعنانه عزًّا، لأن الأعنة لصيد العز حبائل، وجعله ذخيرة وعزًا لأنه أدهم لا يندم صاحبه، إن نابت النوائب، أو غالت الغوائل وصل، والظهر قد أعوز والسفر قد أحفل، فجلت دهمته الغمة، وجاءت باليد البيضاء فكذبت القائلين: لا خير في الظلمة، فرأيت منها بياض العطايا في سواد المطالب، وركبت على سرجه المحلى بالذهب، فما حرت في ليل إهابه، إلاّ اهتديت من تلك الحلي بأنوار الكواكب وقرت به عيني كأنما حل من سوادي واستوطأت ظهره في السرى فنمت لما طرق كأنه يريد رقادي".
وقال المستنصر بالله الأندلسي: "انظر إليه سليم الأديم، كريم القديم، كأنما نشأ بين الغبراء والنجوم؛ نجم إذا بدا، ووهم إذا عدا، يستقبل بغزال، ويستدبر برئبال، ويتحلى بشيات تقسيمات الجمال"، وقال يصف سرجًا: "بزة جياد، وركب أجواد، جميل الظاهر، رحيب بين القادمة والآخر، كأنما قدود الخدود أديمه، واختص بإتقان الحبك تقويمه"، وقال يصف لجامًا: "متناسب الأشلاء، صريح الانتماء إلى ثريا السماء، فكله نكال وسائره جمال". وقال ابن حبيب الحلبي: "وفد عليّ يومًا ذو الوك يدعوني إلى حضرة بعض الملوك فلبيت مناديه، ويممت في الحال ناديه، فرحب بي على عادته، وقرب مجلسي من وسادته، ثم قال لي: عرض لي أن أعرض العتاق وأتبعها بالنجائب من النياق، فأحببت حضورك، وقصدت نزهتك وسرورك، فشكرت فيض فضله، ودعوت بتوفير خيله ورجله، فما استتم المقال، إلاّ والجنائب تقاد بأيدي الرجال، فمن أشهب يقق إن طلب لخق، وإن طلب سبق، طرف يحار الطرف في حسنه، ويرى الناظر شخصه في مرآة متنه، بعيد المنار والمنال، طلعته الفجر وسرجه الهلال، لا يخطر معه الخطار ولا تعلق له الغبراء بغبار، يهتدي فارسه من حافره بسنا السنابك، ويغتدي عند امتطاء صهوته من الذين ينظرون على الأرائك، ومن أدهم غريب لا يعلم أجنوب هو أم جنيب يسبق السيل في السير، معقود بناصيته الخير، ينساب كالثعبان وينعطف انعطاف السرحان، زاد على زاد الراكب، وزاحم النكباء بالمناكب، يسلب العقول بحسن وسبعه وتليله، ويخطف الأبصار برق غرته وتحجيله، ومن أشقر خلوقي الجلباب، ألبسه الأصيل حلة تفتن الألباب، الراح تحكيه في لباسه، والرياح لا تقدم على مجاراته لباسه، متقلد بالذهب متقلب في اللهب، يشفق من مناظرته الشفق، ويسرق من لون شعره السرق، ينقص الزائد لديه، ويفوت أعوج ثم يعود متهكمًا عليه، ومن كميت طاب عرفه واسود ذنبه وعرفه، أسيل الخدين بارز النهدين عندمي اللباس، يحول بين الظباء والكناس، إن وثب ألحق العنان بالعنان، وإن وقف عاينت في كل عضو وردة كالدهان، يجد السير في حزن الفلاة وسهلها ويرد الوديعة محمولة إلى أهلها، ومن أصفر لونه فاقع كم له في الحلبة من طائر خلفه واقع ينتمي إلى الحبشان، ويعير بلونه الزعفران، الدجى على عرفه قابض، وماء القار على ذيله فائض، يتجلى في الرياض الشمسية، ويسبح في الجداول الورسية، لا يمل من التقريب والإلهاب، ويأتي من عدوه بغرائب يشيب منها الغراب، ومن أخضر حسن وشيًا وراق للعيون جريًا ومشيًا، زرزوري الإهاب يجمع بين الشيب والشباب، زبرجدي الحافر، أين منه الغزال النافر، يظهر عجز مكتوم، وتخمد عنده جمرة اليحموم، يخجل بتفويفه الرياض، ويسابق أسهم راكبه إلى الأغراض، ومن أبلق عظمت فصوصه، واشتهر حسنه وشهر قميصه طويل الحزام والذيل، هامته وشامته من الليل، يمرح في جلاله ويولع إذا غابت الخيل بمسابقة خياله، ينحط الوجيه عن أوجه، ويغرق الفياض في موجه، يسبق النعامى والنعامة، وينظر بعيني زرقاء اليمامة:
جرد بهن لكل عين جنة فإذا جرين أتين بالنيران
يحكين في البيدا النعام رشاقة ويسرن في الأنهار كالحيتان
[ ٢١ ]
ثم إن الملك أمر، برد الجنائب، وأذن في عرض النجائب، فأقبلت تتهادى صحبة سواسها، وتتبختر في مصبغات أكوارها وأحلاسها. فمن حرة لونها أحمر، وليل مسراها واضح أقمر، عنكرة غيطموس، تميل إليها الخواطر والنفوس، موراة اليدين بعيدة وخد الرجلين، أنحلها التيار وهذبتها الأسفار، ومن سرداح لونها أرمك، يكاد خيال السماك بها يتمسك، ملئت بالذوح والإسئاد تخالط حمرتها السواد، جميلة الصفات، مرقال حسنة الشمائل، شملال رحبة الصقل والخطا، لا يعرف لها عدول عن الطريق ولا خطا.
ومن رقوب لونها أزرق، تطفو في بحر العراب كالزورق، ظهيرة دوسرة، منوفة بهزرة تطس الآكام وتثبت في أثواب ورق الحمام، موصوفة بالإعصاف معروفة بالأعناق والإيجاف، ومن أمون لونها جون، وكون مثلها في محاسن الكون، تميل أن شبهتها إلى الدجى، ولا تمل من السير ولو براها الوجا، لها فخذان لحمهما وافر، وذنب تكنفه جناحا طائر، تسابق الريح في خطراتها، وتطأ جمر القيظ بجمراتها، ومن وجناء لونها أصهب ورباطها الدمقسي مذهب، ترعى الحدائق وترعى الحادي والسائق، شكول عسبور، تسامي رأسها أعواد الكور غائرة الأحداق، سريعة الاندفاع والانطلاق.
ومن مصاح لونها أغمش، وكل من قوائمها أحمش، يخالط بياضها شقرة، يولد الاجتماع بها طريقًا إلى النصرة، هوجاء وفاق روعاء مزاق، ترض الحصا برصها وتستطلع الإخبار بنصها، ومن شمردلة لونها أحوى، مهارق البيض بغيرها لا تطوى، تجوب القفار وتجوس خلال الديار، مشفرها رقيق وسبيب وظيفتها وثيق، تختال في شنفها وزمامها، وتدهش الأبصار بسنا سنامها.
وحوص غدت سفن المهامه والفلا ألم ترها تطفو على بحر آلها
تخط حروفًا بالمناسم في الثرى يقصر عن تحريرها ابن هلالها
فلما تكامل العرض بعد الطول، وأفلت أقمار الإبل وغابت شموس الخيول، أخذ الحاضرون في تذكر أشكالها وأفاضوا في نعت محاسنها، وجمالها. ثم إن الملك أمر بإحضار الطعام، واشتغل الناس بالمائدة عن الأنعام". وامتدح البحتري سعيد بن حميد الكاتب طالبًا منه فرسًا بقوله:
جئناه إذ لا الترب في أفنائه يبس ولا باب العطاء بمرتج
والبيت لولا أن فيه فضيلة تعلو البيوت بفضلها لم يحجج
بطل يخوض الخيل وهي شوائل خلف الإسنة وهو غير مدجج
ومنها:
فأعن على غزو العدو بمنطوٍ أحشاؤه طي الرداء المدرج
إما بأشقر ساطع أغشى الوغى منه بمثل الكوكب المتأجج
متسربل شية طلت أعطافه بدم فما تلقاه غير مضرج
أو أدهمٍ صافي الأديم كأنه تحت الكمي مظهر بالنردج
ضرم يهيج السوط من شؤبوبه هيج الجنائب من حريق العرفج
خفت المراقع وطأه فلو أنه يجري برملة عالج لم يرهج
أو أشهب يققٍ يضي وراءه متن كمتن اللجة المترجرج
يخفي الحجول ولو بلغن لبانه في أبيضٍ متألقٍ كالدملج
أوفى بعرف أسودٍ متعرفٍ فيما يليه وحافرٍ فيروزج
أو أبلقٍ يلقى العيون إذا بدا من كل لون معجب بنموذج
جذلان تحسده الجياد إذا مشى عنقًا بأحسن حلة لم تنسج
أرمي به شوك القنا وأرده كالسمع أثر فيه شوك العوسج
وأقب نهدٍ للصواهل شطره يوم الفخار وشطره للشحج
خرق يتيه على أبيه ويدعي عصبية لني الضبيب وأعوج
مثل المزرع جاء بين عمومة في غافق وخؤولة في الخزرج
لاديزج يصف الرماد ولم أجد حالًا تحسن من رواء الديزج
وعريض أعلى المتن لو عليته بالزيبق المنهال لم يترجرج
خاضت قوائمه الوثيق بناؤها أمواج تجبيب بهن مدرج
ولأنت أبعد في السماحة همة من أن تضن بملجم أو مسرج
وقال علي بن موسى العنسي:
ولكم سرينا في متون ضوامر تثني أعنتها من الخيلاء
من أدهمٍ كالليل حجل بالضحى تنشق غرته عن ابن ذكاء
أو أشهبٍ يحكي غدائر أشيب خلعت عليه الشهب فضل رداء
أو أشقر قد نمقته بشعلةٍ كالمزج ثار بصفحة الصهباء
أو أصفر قد زينته غرة حتى بدا كالشمعة الصفراء
طيرٌ ولكن لا يهاض جناحه ريحٌ ولكن لم تكن برخاء
[ ٢٢ ]
وقال دريد بن الصمة:
فآبت سكيبًا من أناس تحبهم كئيبًا ولولا طلعتي لم تطلق
بخيلٍ تنادي لا هوادة بينها شهدت بمزلال المعاقم محنق
عظيم طويل غير جاف نما به سليم الشظا في مكربات المطبق
معرض أطراف العظام مشرف شديد مشك الجنب نعم المنطق
من الكاتمات الربو ينزع مقدمًا سبوق إلى الغايات غير مسبق
إذا ما استحمت أرضه من سمائه جرى وهو مودوع وواعد مصدق
وباض الشمال طعنه في عنانه وباع كبوع الخاضب المتطلق
دعته جواد لا يباع جنينها لمنسوبة أعرافها غير محمق
بصير بأطراف الحداب ترى له سراة تساوى بالطراف المروق