ما ورد في «الصحيحين» عن عائشة - ﵂ - قالت: دخل عليَّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تُغنِّيان بما تقاوَلَت به الأنصار يوم بُعاث، قالت: وليستا بمُغنِّيتين (١)؛
فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في
_________________
(١) . المقصود: الحداء وتزيين الصوت ورفعه، دون فحش وآلات محرمة، ورُخِّص الدف للنساء في: العيد والزواج والفرح. قال الخطَّابي (ت ٣٨٨ هـ) في «أعلام الحديث» (١/ ٥٩٤): (قد بُيِّن في هذه الرواية أنهما لم تكونا مغنيتين، والمغنية التي اتخذت الغناء صناعة وعادة، وذلك ما لا يليق أن يكون بحضرة الرسول - ﷺ -، فأما الترنم بالبيت والبيتين، وتطريب الصوت بذلك مما ليس فيه فحش أو ذكر محظور، فليس مما يسقط المروءة، أو يقدح في الشهادة، وكان عمر بن الخطاب لا ينكر من الغناء النَّصْبَ والحداء ونحوهما من القول، وقد رخص في ذلك غيرُ واحد من السلف - ﵏ -. =
[ ٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وحكم اليسير من الغناء خلافُ حكم الكثير منه كقول الشعر يسيره مباح وكثيره حتى يسمى به شاعرًا مكروه). والمراد بالغناء هنا ليس الغناء المحرم المعروف في زماننا بأدوات الطرب والموسيقى فهو محرم بإجماع المسلمين، بل المراد ما يُعرف بالنشيد والحداء، فهذا مما يطلق عليه الغناء لغةً. قال ابن حجر في «فتح الباري» (٢/ ٤٤٢): («ليستا بمغنيتين» فنَفَتْ عنهما من طريق المعنى ما أثبته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على: رفع الصوت، وعلى الترنُّم الذي تسميه العرب النَّصَب - بفتح النون وسكون المهملة ـ، وعلى الحداء، ولا يُسمَّى فاعلُه مُغنِّيًَا، وإنما يُسمَّى بذلك مَن ينْشُدُ بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. قال القرطبي: قولها «ليستا بمغنيتين» أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرِّك الساكن ويبعث الكامن ). انتهى المراد من «فتح الباري». والدف إنما هو للنساء والجواري، في أوقات معلومة، دون الرجال، وهو مستثنى من تحريم المعازف: قال ابن رجب (ت ٧٦٥ هـ) في «فتح الباري» (٨/ ٤٣٣): (وفي الحديث ما يدل على تحريمه في غير أيام العيد؛ لأن النَّبيّ - ﷺ - علَّل بأنها أيام عيد، فدل على أن المقتضي للمنع قائم، لكن عارضه معارض وهو الفرح والسرور العارض بأيام العيد. وقد أقرَّ أبا بكر على تسمية الدف مزمور الشيطان، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع).
[ ٥ ]
بيت رسول الله - ﷺ -؟ ! وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا أبا بكر إنَّ لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا».
وفي لفظ لمسلم: «جاريتان تلعبان بدُف». (١)
وفي رواية في «الصحيحين» أيضًا: دخل رسول الله - ﷺ - وعندى جاريتان تغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله - ﷺ -؟ فأقبل عليه رسول الله - ﷺ - فقال: «دعهما». فلما غفَل غمزتهما فخرجتا ــ وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب ـ
_________________
(١) . «صحيح البخاري» الحديث رقم (٩٥٢)، «صحيح مسلم» حديث رقم (٨٩٢). قال القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) - ﵀ -: في «إكمال المعلم» (٣/ ٣٠٨): (وفيه جواز اللعب بالدفِّ في النكاح والأعياد وأفراح المسلمين ما لم يكثر ذلك، وهو الدف العربى المدوَّر بوجهٍ واحد، المسمى بالغربال). قال ابن حجر في «فتح الباري» (٢/ ٤٤٣): (ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه).
[ ٦ ]
ـ فإما سألتُ رسول الله - ﷺ - وإما قال: «تشتهين تنظرين»؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدِّي على خدِّه، وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة». حتى إذا مللتُ قال: «حسبكِ»؟ قلتُ: نعم، قال: «فاذهبي».
وفي رواية: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان من أيام منى تغنيان وتضربان ورسول الله - ﷺ - مسجى بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله - ﷺ - عنه، وقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد». وقالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون، وأنا جارية، فاقدُروا قدْرَ الجارية العَرِبة الحديثة السن.
وفي رواية في «صحيح البخاري» عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كان الحبش يلعبون بحرابهم، فسترني رسول الله - ﷺ - وأنا أنظر، فما زلتُ أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، تسمع اللهو. (١)
_________________
(١) . «صحيح البخاري» حديث رقم (٥١٩٠)
[ ٧ ]
ففي قوله: «وهذا عيدنا» وإقراره الجاريتين دليل على مشروعية إظهار الفرح في العيد.
قال الخطَّابي (ت ٣٨٨ هـ) - ﵀ -: (وقوله: «وهذا عيدنا» يعتذرُ به عنها، يريد أنَّ إظهار السرور في العيد من شعار الدين وإعلان أمرِه والإشادَةِ بذكرِه، وليس كسائر الأيام سواء). (١)
قال ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ) - ﵀ -: (يريد إظهار السرور في العيد من شعائر الدين (٢)
وقال ابن حجر العسقلاني الشافعي (ت ٨٥٢ هـ) - ﵀ -): وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس وترويح البدن من كلَف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى.
وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين ). (٣)
_________________
(١) . «أعلام الحديث» (١/ ٥٩٥).
(٢) . «فتح الباري في شرح صحيح البخاري» لابن رجب (٨/ ٤٢٦).
(٣) . «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ٤٤٣).
[ ٨ ]
وذكر الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ) - ﵀ -: أن إظهار السرور في العيد مندوب، وهو من الشريعة التي شرعها الله لعباده (١) قال النووي (ت ٦٧٦ هـ) - ﵀ -): قولها: «وأنا جارية فاقدروا قدر الجارية العربة حديثة السن» معناه: أنها تحب اللهو والتفرج والنظر إلى اللعب حبًا بليغًا وتحرص على إدامته ما أمكنها، ولا تمل ذلك إلا بعذر من تطويل.
وقولها: «فاقدروا» هوا بضم الدال وكسرها لغتان حكاهما الجوهري وغيره، وهو من التقدير أي: قدروا رغبتنا في ذلك إلى أن تنتهي.
وقولها: «العَرِبة» هو بفتح العين وكسر الراء والباء الموحدة ومعناها المشتهية للعب المحبة له. (٢)