قال أبو الفرج: هو حبيب بن أوس الطائي ومنشؤه منبح بقرية منها يقال لها: جاسم. شاعر مطبوع لطيف الفطنة دقيق لمعاني غواص على ما يستصعب منها ويعسر متناوله على غيره والسليم من شعره لا يتعلق به أحد. ومن الناس من يتعصب له ويفضله على جميع الشعراء من سالف وخالف، وقوم يعتمدون الرديء من شعره فينشرونه ويطوون محاسنه. وليست إساءة من أساء في القليل وأحسن في الكثير مسقطة إحسان، والتوسط في كل شيء أجمل والحق أحق أن يتبع وقد فضل أبا تمام من الرؤساء والكبراء والشعراء من لا يشق الطاعنون عليه غباره، ولا يدكون وإن وجدوا آثاره. وروي أن محمد بن الزيات كان يقول: أشعر الناس طرًا الذي قول يعني أبا تمام:
وما أبالي وخير القول أصدقه حقنتَ لي ماءَ وجهي أو حقنتَ دمي
وسئل إبراهيم بن العباس من أشعر أهل زماننا؟ فقال: الذي يقول يعني أبا تمام:
مطر أبوكَ أبو أهلة وائلِ ملأ البسيطة عدةً وعديدا
نَسَبٌ كلأنَّ ليه من شمس الضحى نورًا ومن فلق الصباح عمودا
قال أبو الفرج: قدم عمارة بن عقيل بغداد فاجتمع الناس إليه فكتبوا شعره وشعر أبيه وعرضوا عليه الأشعار فقال بعضهم ها هنا شاعر يزعم أنه أشعر الناس طرًا فقال: أنشدوني من قوله فأنشدوه:
غدت تستجيرُ الدمعَ خوف نوى غدِ وعادَ قتادًا عندها كلُّ مرقدِ
وأنقذها من غمرة الموتٍ أنه صُدودُ فراقٍ لا صُدود تعمد
فأجرى لها الإشفاقُ دمعًا موردًا من الدم يجري فوق خدٍّ مورد
هي البدر يكفيها تودُّد وجهها إلى كلّ من لاقت وإن لم تودَّد
ثم قطع الإنشاد فقال عمارة زدنا من هذا فوصل إنشاده فقال:
ولكنّني لم أحو وفرًا مَجمعًا ففزتُ به إلاّ بشملِ مبدد
ولم تعطني الأيام نومًا مسكنًا ألذُّ به إلا بنومِ مُشرَّد
فقال عمارة لله دره لقد تقدم في هذا من سبقه إليه على كثرة القول فيه حتى حبب الاغتراب هيه فأنشده:
وطولُ مُقام المرء في الحي مخلقٌ لديباجتيهِ فاغتربْ تتجدد
فإني رأيت الشمسَ زيدت محبةً إلى الناس إن ليست عليهم بسرمد
فقال عمارة كمل والله لئن كان الشعر بجودة اللفظ وحسن المعاني واطراد المراد واتساق الكلام فإن صاحبكم هذا أشعر الناس. وكان علي بن الجهم يصف أبا تمام ويفضله فقال له رجل والله لو كان أبو تمام أخاك ما زدت على مدحك هذا فقال إن لم يكن أخًا بالنسب فإنه أخ بالأدب والمودة أما سمعت ما خاطبني به حيث يقول:
إن يُكِد مطرّفُ الإخاء فإننا تَغدو ونَسري في إخاءٍ تالد
أو يختلف ماءُ الوصال فماؤنا عذبٌ تحدّرَ من غمام واحد
أو يفترقْ نسبٌ يؤلف بيننا أدبٌ أقمناهُ مقامَ الوالد
وكان محمد بن حازم يفضل أبا تمام ويقدمه ويقول لو لم يقل إلا مرثيته التي أولها:
أصمّد بك الناعي وإن كان أسمعا وأصبح مغنى الجودِ بعدكَ بلقعا
وقوله:
لو يقدرونَ مشوا على وجناتهم وجباههم فضلًا عن الأقدام
لكفاه، وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر كان عمارة بن عقيل عندنا يومًا فسمع مؤدبًا كان لولد أخي يرويهم قصيدة أبي تمام:
الحقُّ أبلج والسيوفُ عَوار فحذارِ من أسد العرين حذارِ
فلما بلغ قوله:
سود اللباس كأنما نسجت لهم أيدي السموم مدارعًا من قارِ
بكروا وأسروا في متون ضوامرٍ قيدَت لهم من مربط النجّار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم أبدًا على سَفرٍ من الإسفار
فقال عمارة لله دره ما يعتمد معنى إلا أصاب أحسنه كأنه موقوف عليه. قال إبراهيم بن العباس ما تكلمت في مكاتبتي إلا على ما جاش به صدري إلا أني قد استحسنت قول أبي تمام:
إذا مارقٌ بالغدرِ حاول غدرةً فذاك حريٌّ أن تئيم حلائله
فإن باشر الإصحارَ فالبيض، والقنا قراه وأحواضُ المنايا مناهله
وإن يبنِ حيطانًا عليه فإنما أولئك عُقالاتُه لا معاقله
وإلا فاعلمهُ بأنك ساخطٌ ودعه فإنَّ الخوف لا شك قاتله
[ ١ ]
فأخذت هذا المعنى في بعض رسائلي فقلت ما كان يجرزهم يبرزهم وما كان يعقلهم يعتقلهم. ثم قال: إن أبا تمام اخترم بخاطره ولا نزح ركي فكره حتى انقطع رشأ عمره. قال يزيد المهلبي: ما كان أحد من الشعراء يقدر أن يأخذ درهمًا في حياة أبي تمام بالشعر فلما مات اقتسم الشعراء ما كان يأخذه. لما قدم أبو تمام خراسان اجتمع الشعراء إليه وسألوه أن ينشدهم فقال قد وعدني الأمير أن أنشده غدًا وستسمعونني فلما دخل على عبد إله بن طاهر أنشده:
أهنَّ عوادي يوسفٍ وصواحبه فعزمًا ما أدْركَ السؤلَ طالبه
فلما بلغ إلى قوله:
وقلقل نأيٌ من خراسان جأشها فقلتُ اطمئنّي أنضرُ الروض عازبه
وركب كأطرافِ الأسنةِ عرسوا على مثلها والليلُ تسطو غياهبه
لأمرٍ عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبه
فصاح الشعراء بالأمير أبي العباس ما يستحق هذا الشاعر غير الأمير حفظه الله وقال شاعر منهم يعرف بالرياحي لي عند الأمير أعزه الله جائزة وعدني بها وقد جعلتها لهذا جزاء عن قوله للأمير، فقال بل نضعها لك ونقوم له بما يجب علينا لما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينار فلقطها الغلمان ولم يمس منها شيئًا فوجدا عليه عبد الله وقال يترفع عن بري ويتهاون بما أكرمته به فلم يبلغ ما أراده منه بعد ذلك فقال أبو تمام:
لم يبقَ للصيفِ لا رسمٌ ولا طللُ ولا قشيبٌ فيسكتسى ولا سمل
عدل من الدمع أن يُبكى المصيف كما يُبكى الشبابُ ويُبكى اللهو الغزل
يمنى الزمان طوت معروفها وغدت يسراه وهي لنا من بعده بدل
فدخل أبو العميثل شاعر آل طاهر على عبد الله فقال: أيها الأمير أتتهاون بمثل أبي وتجفوه فوالله لو يكن له من النباهة في قدرة والإحسان في شعره والشائع من ذكره لكان الخوف من شره والتوقي لذمه يوجب على مثلك رعايته ومراقبته فكيف له وينزوعه إليك من الوطن وفراقه السكن وقد قصدك عاقدًا بك أمله معملًا إليك ركابه متعبًا فيك فكره وجسمه وفي ذلف ما يلزمك قضاء حقه حتى ينصرف راضيًا ولو لم يأت بفائدة ولا سمع فيك منه ما سمع إلا قوله:
يقول في قومسَ صحبي وقد أخذتْ منا السُّرى وخطي المهَرية القودِ
أمطلعَ الشمس تبغي أن تؤمَّ بنا فقلتُ كلاّ ولكنْ مطلعَ الجودِ
لكفى فقال عبد الله نبهت فأحسنت وشفع فلطفت وعاتبت فأوجعت ولك ولأبي تمام العتبى، وأمر له بألف دينار وما يحمله من الظهر وخلع عليه خلعة تامة وزاد في إكرامه قال جابر الكوخي حضرت أبا دلف وعنده أبو تمام وقد أنشده قصيدته:
على مثلها من أربع وملاعبِ أذيلت مصوناتُ الدموع السواكب
فلما بلغ قوله:
إذا افتخرت يومًا تميمٌ بقوسها وزادتْ على ما وطدت من مناقب
فأنتم بذي قارٍ أمالت سيوفكم عروشَ الذين استرهنوا قوس حاجب
محاسن من مجدٍ متى تقرنوا بها محاسنَ أقوام تكن كالمعايب
فقال أبو دلف: يا معشر ربيعة ما مدحتم بمثل هذا الشعر قط فما عندكم لقائله فبادروه بمطارفهم يرمون بها عليه فقال أبو دلف قد قبلها منكم وأعاركم لبسها وسأنوب عنكم في ثوابه. تمم القصيدة يا أبا تمام فأتمها فأمر له بخمسين ألف درهم وقال والله ما هي بإزاء استحقاقك وقدرك فاعذرنا فشكره وقام يقبل يده فحلف أن لا يفعل ثم قال أنشدني قولك في ابن حميد فأنشده:
وما ماتَ من ماتَ مضربُ سيفه من الضربِ واعتلّت عليه القنا السمرُ
وقد كانَ فوت الموت سهلًا فرده إليه الحفاظُ المرُّ والخلق الوعر
ونفسٌ تعافُ العار حتى كأنه هو الكفرُ يومَ الروع أو دونه الكفر
فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجله وقال لها من تحتِ أخمصك الحشر
غدا غدوةً والحمدُ نسج ردائه فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر
كلأنَّ بني نبهان يوم مصابه نجومُ سماء خرّ من بينها البدر
يُعزونَ عن ثاوٍ تعزَّى به العلى ويبكي ليه البأسُ والجُودُ والشعر
[ ٢ ]
فلما أنشده إياها قال والله لوددت أنها في. قال بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي وأكون المقدم دونه فقال إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر. قدم أبو تمام مادحًا للحسن بن رجاء فاستنشده قصيدته اللامية التي مدحه بها فلما انتهى إلى قوله:
أنا ذو عرفتِ فإن عرتكِ جهالةٌ فأنا المقيمُ قيامةَ العذال
عطفت ملامتها على ابنِ ملمةٍ كالسيف جأب الصبر شخت الآل
عادت له أيامه مسودة حتى توهم أنَّهنَّ ليالي
قال الحسن والله ما تسود عليك بعد اليوم فلما قال:
لا تنكري عطلَ الكريم من الغنى فالسيلُ حربٌ للمكانِ العالي
وتنظري خبب الركاب ينصها محيي القريض إلى مميت المال
قام الحسن على رجليه وقال والله لا تتمها إلا وأنا قائم فقام أبو تمام لقيامه وقال:
قد قلت وهي تنال من عرض الفلا بملاطسِ بالوخد غير أوال
أحوامل الأثقال إنك في غدٍ بفناء أحمل منك للأثقال
لما وردنا ساحة الحسن انقضى عنا تعجرف دولة الإمحال
أحيى الرجاء لنا برغم نوائبٍ كثرت بهنَّ مصارع الآمال
أغلى عذارى الشعر أن مهورها عند الكرام وإن رخصن غوالي
ترد الظنون بنا على تصديقها ويحكم الآمال في الأموال
أضحى سمي أبيك فيك مصدقًا بأجل فائدة وأيمن فال
ورأيتني فسألت نفسك سيبها لي ثم جدت وما انتظرت سؤالي
كالغيث ليس له أريد نواله
أو لم يرد
بدٌّ من التّهطال
فتعانقا وجلسا فقال له الحسن ما أحسن ما جلوت به هذه العروس فقال والله لو كانت من الحور العين لكان قيامك لها أوفى مهورها. كان دعبل عند الحسن بن رجاء يضع من أبي تمام فقال له قائل يا أبا علي اسمع مني ما قاله فإن أنت رضيته فذاك وإلا وافقتك على ما تذمه منه وأعوذ بالله فيك من ألا ترضاه ثم أنشده:
أما إنه لولا الخليط المودع ومغنى عفا منه مصيفٌ ومربع
فلما بلغ إلى قوله:
هو السيل إن واجهته انقدت طوعهُ وتقتاده من جانبيه فيتبع
ولم أر نفعًا عند من ليس ضائرًا ولم أر ضرًا عند من ليس ينفع
معاد الورى بعد الممات وسيبه معادٌ لنا قبل الممات ومرجع
فقال دعبل لم ندفع فضل هذا الرجل ولكنكم ترفعونه فوق قدره وتقدمونه على من تقدمه وتنسبون إليه ما قد سرقه فقال له إحسانه صيرك له عائبًا وعليه عاتبًا.
أنشد أبو تمام أبا الحسن محمد بن الهيثم بالجبل قوله فيه:
أسقى ديارهم أجشُّ هزيمُ وغدت عليهم نظرة ونعيم
فلما فرغ أمر له بألف دينار وخلع عليه خلعة حسنة فلما كان من الغد كتب إليه أبو تمام:
قد كسانا من كسوة الصيف خِرْقٌ مكتسٍ من مكارم ومساع
حلةً سابريةً ورداء كسحا القيض أو رداء الشجاع
كالسراب الرقراق في النعت إلا أنه ليس مثله في الخداع
قصبيًا تسترجف الريح متني هـ بأمرٍ من الهبوب مطاع
رجفانًا كأنه الدهرَ من هـ كبد الضب أو حشى المرتاع
يطرد اليوم ذا الهجير ولو شب هـ في حره بيوم الوداع
حلةً من أغر أروع رحب الصدر رحب الفؤاد حب الذراع
سوف أكسوك ما يعفى عليها من ثناء كالبرد برد الصناع
حسن هاتيك في العيون وهذا حسنُهُ في القلوب والأسماع
فقال محمد بن الهيثم ومن لا يعطي هذا ملكه والله لا يبقى في داري ثوب إلا دفعته إلى أبي تمام فأمر له بكل ثوب كان يملكه له في ذلك الوقت جاء دعبل إلى الحسن بن وهب في حاجة بعد وفاة أبي تمام فقال له رجل في المجلس يا أبا علي أنت الذي تطعن على من يقول:
شهدتُ لقد أقوت مغانيكم بُعدي ومحت كما محت وشائع من برد
وأنجدتمُ من بعد إتهام داركم فيا دمع انجدني على ساكني نجد
فصاح دعبل: أحسن والله وجعل يردد (انجدني على ساكني نجد) ثم قال ﵀ لو كان ترك شيئًا م شعره لقلت أنه أشعر الناس. قال الواثق لابن أبي دؤاد بلغني أنك أعطيت أبا تمام الطائي في قصيدة مدحك بها ألف دينار قال لم أفعل ذلك يا أمير المؤمنين ولكني أعطيته خمسمائة دينار للذي قاله للمعتصم:
[ ٣ ]
فاشدد بهارون الخلافة إنه سكنٌ لوحشتها ودار قرار
فتبسم وقال إنه لحقيق بذلك. وتمام الأبيات:
بفتى بني عباس والقمر الذي حفّته أنجم يعربٍ ونزار
كرم الخؤولة والعمومة مجّه سلفًا قريشٍ فيه والأنصار
هو نوءٌ يُمنٍ فيهمُ وسعادةٍ وسراجُ ليلٍ فيهمُ ونهار
فاقمع شياطين النفاق بمهتد ترضى الرية هديهُ والباري
ليسير في الآفاق سيرة رأفةٍ ويسوسها بسكينة ووقار
فالصين منظومٌ بأندلسٍ إلى حيطان رومية فملك ذمار
وقد علمت بأن ذلك معصمٌ ما كنت تتركه بغير سوار
فالأرض دارٌ أقفرت ما لمي كن من هاشم ربٌّ لتلك الدار
سورُ القرآن الغر فيكم أنزلت ولكم تصاغ محاسن الأشعار
وذكر أنه لما مدح محمد بن الزيات بقصيدته التي أولها:
ديمة سمحة القياد سكوبُ مستغيثٌ بها الثرى المكروب
لو سعت بقعة العظام نعمى لسعى نحوها المكان الجديب
قال له ابن الزيات: يا أبا تمام إنك لتحلي شعرك بجواهر لفظك ودرر معانيك ما يزيد حسنًا على بهي الجواهر في أجياد الكواعب وما ندخر لك شيئًا من جزيل المكافأة إلا ويقصر عن شعرك في الموازاة، وكان بحضرته فيلسوف فقال: إن هذا الفتى يموت شابًا فقيل له من أين حكمت عليه بذلك فقال رأيت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس وجودة الخاطر ما علمت به أن النفس الروحانية تأكل جسمه كما يأكل السيف المهند غمده، وهو لم يتخط الأربعين سنة جملة.
وقد أحببت أن أنقل من مختار قصائده لأنها من فائق الشعر ومما يرتاح لسماعه أهل الأدب والمروءة فمن ذلك قصيدته التي مدح بها الحسن ابن سهل وهي:
أبدت أسى إن رأتني مُخلِسُ القصب وآل ما كان من عجبٍ إلى عجب
ستٌ وعشرون تدعوني فأتبعها إلى المشيب ولم تظلم ولم تُجب
يومي من الدهر مثل الدهر مشتهرٌ عزمًا وحزمًا وساعي منه كالحقب
فأصغري أن شيبًا لاح بي حدثًا واكبري إنني في المهد لم أشب
فلا يؤرقك إيماض القتير به فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
رأت تغيُّرَه فاهتاج هائجها وقال لاعجُها للعبرة: انسكبي
لا يطردُ الهمَّ إلا الهمُّ من رجلٍ مقلقل لبنات القفرة النجب
ماضِ إذا الهمم التفّت رأيت له بوخدهنّ استطالات على النوب
لا تنكري منه تخديدًا تخللهُ فالسيف لا يزدرى إن كان ذا شطب
ستصبح العيس بي والليل عند فتى كثير ذكر الرضى في ساعة الغضب
صدفت عنه ولم تصدف مواهبه عني وعاوده ظني ولم يخب
كالغيث إن جئته وافاك رِيقُهُ وإن ترحلت عنه لجّ في الطلب
خلائق الحسن استوفي البقاء فقد أصبحت قرة عين المجد والحسب
كأنما هو من أخلاقه أبدًا وإن ثوى وحده في جحفل لجب
صيغت له شيمةٌ غراءُ من ذهبٍ لكنها أهلك الأشياء للذهب
لما رأى أدبًا في غير ذي كرمٍ قد ضاع أو كرمًا في غير ذي أدب
سما إلى السورةِ العلياء فاجتمعا في فعله كاجتماع النور والعشب
بلوتُ منه وأيامي مذمّمةٌ مودة وُجِدت أحلى من الشنب
من غير ما سببٍ ماضٍ كفا سببًا للحر أن يعتفي حرًا بلا سبب
وله يمدحه:
أأيامنا ما كنت إلا مواهبا وكنت بإسعاف الحبيب حبائبًا
سنغرب تجديدًا لعهدك في البكا فما كنت في الأيام غير غرائبا
ومعترك للشوق أهدى به الهوى إلى ذي الهوى نجل العيون ربائبا
كواعب زادت في ليال قصيرة تخيّلن لي من حسنهن كواعبا
سلبت غطاء الحسن عن حر أوجهٍ تظلُّ للبِّ السالبيها سوالبا
وجوه لو أن الأرض فيها كواكب توقد للساري لكانت كواكبا
سلي هل عمرت القفر وهو سباسبٌ وغادرتُ ربعي من ركابي سباسبا
وغربت حتى لم أجد ذكر مشرق وشرت حتى قد نسيت المغاربا
خطوبٌ إذا لاقيتهنّ رددنني جريحًا كأني قد لقيت كتائبا
ومن من لم يسلِم للنوائب أصبحت خلائقه طرًا عليه نوائبا
[ ٤ ]
وقد يكهم السيفُ المسمى منية وقد يرجع السهم المظفر خائبا
فآفة ذا أن لا يصادف راميًا وآفة ذا أن لا يصادف ضاربا
وملآن من ضغن كوه توقلي إلى الهمة القعسا سنامًا وغاربا
شهدت جسيمات العلا وهو غائبٌ ولو كان أيضًا شاهدًا كان غائبا
إلى الحسن اقتدنا ركائب صيرت لها الحزن من أرض الفلاة ركائبا
نبذت إليه همتي فكأنما كدرت بها نجمًا على الأرض ثاقبا
وكنت امرءًا ألقى الزمان مسالمًا فآليت لا ألقاه إلا محاربا
لو اقتسمت أخلاقه الغر لم تجد معيبًا ولا خلقًا من الناس عائبًا
إذا شئت أن تحصي فواضل كفته فكن كاتبًا أو فاخذ لك كاتبا
عطايا هي الأنواء إلا علامة دعت تلك أنواءً وهذي مواهبا
فأقسم لو أفرطت في الوصف عامدًا لأكذب في مدحيه لم أكُ كاذبًا
ثوى ماله نهب المعالي فأوجبت عليه زكاة الجود ما ليس واجبا
وتحسن في عينيه إن جئت زائرًا وتزداد حسنًا كلما جئت طالبا
خدين العلا أبقى له البذلُ والنهى عواقب من عرفٍ كفتهُ العواقبا
يطول استشارات التجارب رأيه إذا ما ذوو الرأي استشاروا التجارب
برئت من الآمال وهي كثيرة لديك وإن جاءتك حدبًا لواغبا
وهل كنتُ إلا مذنبًا يوم أنتحي سواك بآمالي فجئتك تائبا
وقال يمدح عياش بن لهيعة الحضرمي:
تقي جمحاتي لستُ طوعَ مؤنبي وليس جنبي إن عذلت بمصحبي
فلم توقدي سخطًا على متنصلٍ زلم تنزلي عتبًا بساحة معتب
رضيت الهوى والشوق خدنًا وصاحبًا فإن كنت لم ترض بذلك فاغضبي
تصرف حالات الفراق مصرفي على صعب حالات الأسى ومقلبي
ولي بدنٌ يأوي إذا الحب ضافه إلى كبدِ حرّى وقلب معذب
وحوطيةٍ شمسيةٍ رشية مهفهفةِ الأعلى رداحِ المحقب
تصدعُ شملَ القلب من كل وجهة وتشعبه بالبث من كل مشعب
بمختبل ساج من الطرف أحورٍ ومقتبلٍ صافٍ من الثغر أشنب
من المعطيات الحسن والمؤتياته مجلببة أو عاطلًا لم تجلبب
لو أن امرأ القيس بن حجر بدت له لما قال مرَّا بي على أم جندب
فتلك شقوري لا ارتيادك بالأذى محلي إلا تبكري تتأوَّبي
أحاولت إرشادي فعقلي مرشدي أم استمت تأديبي فدهري مؤدبي
هما أظلما حاليّ ثمة أجليا ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب
شجى في حلوق الحادثات مشرقٌ به عزمهُ في الترهات مغرب
رأيت لعياش خلائق لم تكن لتكمل إلا في اللباب المهذب
له كرمٌ لو كان في الماء لم يغض وفي البرق ما شام امرؤٌ برق خلّب
أخو أزماتٍ يذله بذل محسن إلينا ولكن عذره عذر مذنب
إذا أمّه العارفون ألفوا حياضه ملاءًا وألفوا روضه غير مجدب
إذا قال أهلًا مرحبًا نبعت لهم مياه الندى من تحت أهل ومرحب
يهولك أن تلقاه صدرًا لمحفل ونحرًا لأعداء وقلبًا لموكب
مصادٌ تلاقت لوَّذًا بريوده قبائل حيي حضرموت ويعرب
بأروع مضاء على كل أروع وأغلب مقدام على كل أغلب
كلوذِهم فيما مضى بجدوده بذي العرف والأحماد قَيْلٍ ومرحب
ذوون قيولٌ لم تزل كل حلبة تمزق منهم عن أغرَّ محبِّب
همامٌ كنصلِ السيف كيف هززته وجدت المنايا منه في كلّ مضرب
تركت حُطامًا منكبَ الدهر إذ نوى زحاميَ لمّا أن جعلتك منكبي
وما ضيق أقطار البلادِ أضافني إليك ولكنْ مذهبي فيك مذهبي
وأنتَ بمصرٍ غايتي وقرابتي بها وبنو أبيكَ فيها بنو أبي
ولا غر وأن وطأتَ أكناف مرتعي لمهمل أخ فاضي ورَفَّهت مشربي
فقومتَ لي ما اعوجَ من قصد همتي وبيَّضتَ لي ما اسودَّ من وجه مطلبي
وهاك ثياب المدح فاجرر ذيولها عليك وهذا مركبُ الحمد فاركب