قال احمد بن أبي داود كان جميل بن تميم السدوسي بشاطئ الفرات اجتمع عليه كثير من الأعراب، فعظم أمره، وبعد ذكره، فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق في النهوض إليه، فبدد جمعه، وظفر به فحمله موثقًا إلى باب المعتصم. قال احمد: فما رأيت أحدًا عاين الموت فما هاله، ولا شغله عما كان يح=جب عليه فعله مثله، فإنه لما مثل بين يدي المعتصم، فأحضر السيف والنطع، وأوقف بينهم، تأمله المعتصم وكان جميلًا وسيمًا، فأوجب أن يعلم اين لسانه من منظره، فقال: تكلم يا تميم.
فقال أما إذا أذنت يا أمير المؤمنين، فأنا أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، جبر الله بك صدع الدين، لم بك شعث المسلمين، وأوضح بك سبيل الحق، وأخمد بك الشهاب الباطل. أن الذنوف تخرس الألسن الفصيحة، وتعيي الأفئدة الصحيحة، ولقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجة، ساء الظن، ولم يبق إلا عفوم أو انتقامك، وارجو أن يكون أقربهما مني وأضرعهما إلى أسبقهما بك، وأولاهما بكرمك، ثم أنشد:
ارى الموت بين السيف والنطع كامنًا يلاحظني من حيث ما أتلفت
[ ١٢٨ ]
وأكبر ظني انك ايوم قاتلي وأي امرئ مما قضى اله يفلت
وأي امرئ يأتي بعذر وحجة سيف المنايا بين عينيه مصلت
وما جزعي من أن أموت وإنني لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم وأكبادهم من حسرة تتفتت
فان عشت عاشوا سالمين بغبطة أذود الردى عنهم وان مت موتوا
وكم قائل لا يبعد الله داره وآخر جذلان يسر ويشمت
يعز على الاوس ابن تغلب موقف يسل علي السيف فيه وأسكت
فتبسم المعتصم، وقال: وقد وهبتك للصبية، وغفرت لك الصبوة.
كاد والله يا جميل أن يسبق السيف العذل، وأمر بفك قيةده، وخلع عليه وعقد له على شاطئ الفرات