أبي فراس الحمداني قال:
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر أما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ولكن مثلي لا يذاع له سر
[ ١٠٠ ]
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى وأذللت دمعًا من خلائقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانحي إذا هي أذكتها الصبابة والفكر
معللتي بالوصل والموت دونه إذا مت ظمآنًا فلا نزل القطر
بدوت وأهلي حاضرون لإنني أرى أن دارًا لست من أهلها قفر
وحاربت قومي في هواك وإنهم وإياي لولا حبك الماء والخمر
وإن كان ما قال الوشاة ولم يكن فقد يهدم الإيمان ما شيد الكفر
وفيت وفي بعض الوفاء مذلة لآنسة في الحي شيمتها الغدر
وقور وريعان الصبا يستفزها فتأرن أحيانًا كما يأرن المهر
تسائلني من أنت وهي عملية قتيلك قالت أيهم فهم كثر
فقلت لها لو شئت لم تتعنتي ولم تسألني عني وعندك بي خبر
ولا كان للأحزان لولاك مسلك إلى القلب لكن الهوى للبلى جسر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق وأن يدي مما علقت به صفر
فقالت لقد أزرى بك الدهر بعدنا فقلت معاذ الله بل أنت لا الدهر
وقلبت أمري لا أرى لي راحة إذا البين إنساني الح بي الهجر
فعدت إلى حكم الزمان وحكمها لها الذنب لا تجزي به ولي العذر
وتجفل حينًا ثم تدنو كأنما تراعي طلًا بالواد أعجزه الحضر
وإني لنزال بكل مخوفة كثير إلى نزالها النظر الشزر
وإني لجرار لكل كتيبة معودة أن لا يخل بها النصر
فأظمأ حتى ترتوي البيض والقنا وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر
ولا أصبح الحي الخلوف بغارة ولا الجيش ما لم تأته قبلي النذر
ويا رب دار لم تختفي منيعة طلعت عليها بالردى أنا والفجر
وساحبة الأذيال نحوي لقيتها فلم يلقها جافي اللقاء ولا وعر
وهبت لها ما حازه الجيش كله وراحت ولم يكتشف لأبياتها ستر
ولا راح يطغيني بأثوابه الغنى ولا بات يثنيني عن الكرام الفقر
وما حاجتي في المال أبغي وفوه إذا لم يفر عرضي فلا وفر الوفر
أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى ولا فرسي مهر ولا ربه غمر
ولكن إذا حم القضاء على امرئ فليس له بر يقيه ولا بحر
وقال أصيحابي الفرار أو الردى فقلت هما أمران أحلاهما مر
ولكنني أمضي لما لا يعيبني وحسبك من أمرين خيرهما الأسر
يمنون أن خلو ثيابي وإنما علي ثياب من دمائهم حمر
قائم سيف فيهم أندق نصله وأعقاب رمح فيهم حطم الصدر
سيذكرني قومي إذا جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
ولو سد غيري ما بددت أكتفو به ولو كان يغني الصفر ما نفق التبر
ونحن أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر
أعز بني الدنيا وأعلى ذوي العلى وأكرم من فوق التراب ولا فخر
وله أيضًا:
غيري يغيره الفعال الجافي ويحول عن شيم الكريم الوافي
لا أرتضي ودًا إذا هو لم يدم عند الجفاء وقلة الإنصاف
تعس الحريص وكل ما يأتي به عوضًا من الإلحاح والإلحاف
إن الغني هو بنفسه ولو أنه عاري المناكب حافي
ما كل ما فوق البسيطة كافيًا فإذا قنعت فكل شيء كافي
وتعاف لي طمع الحريص أبوتي ومروءتي وقناعتي وعفافي
ما كثرة الخيل الجياد بزائدي شرفًا ولا عدد السوام الضافي
ومكارم عدد النجوم ومنزلي بيت الكرام ومنزل الأضياف
لا أقتضي لصروف كثير عدة حتى كأن صروفه أحلافي
خيلي وإن قلت بهن مذ أنا يافع ولقد عرفت بمثلها أسلافي
ولأبي فراس أيضًا:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا هل تشعرين بحالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ولا خطرت منك الهموم ببال
أتحمل محزون الفؤاد قوادم على غصن غالي المسافة عالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا تعالي أقاسمك الهموم تعالي
[ ١٠١ ]
تعالي تري روحًا لدي ضعيفة تردد في جسم يعذب بالي
أيضحك مأسور وتبكي طليقة ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ولكن دمعي في الحوادث غالي
وأذكر هنا بعض المقاطيع الأدبية المشتملة على حكم ومكارم أخلاق من ذلك قول بعضهم:
قبيح من الإنسان ينسى عيوبه ويذكر عيبًا في أخيه قد اختفى
فلو كان ذا عقل لما عاب غيره وفيه عيوب لو رآها به أكتفى
إذا أنا عاتبت الملول فإنما أخط بأقلامي على الماء أحرفا
وهبه رعوى بعد العتاب ألم تكن مودته طبعًا فصارت تكلفا
ولغيره:
وذو يقظات مستمر مريره إذا الدهر لاقاها اضمحلت نوائبه
بصير بأعقاب الأمور كأنما يخاطبه من كل أمر عواقبه
وأين يفر الحزم منه وإنما مرائي الأمور المشكلات تجاربه
غيره:
إذا لم يكن للمرء فضل يزينه يدافع عن إخوانه لم يسود
وكيف يسود القوم من هو مثلهم بلا منة منه عليهم ولا يد
غيره:
غياك والحرص إن الحرص متعبة فإن فعلت فراع القصد في الطلب
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ويحرم المرء ذو الأسفار والتعب
فأزجر فؤادك عن حرص وعن نصب فما وربك يأتي الرزق بالنصب
ولغيره:
إني رأيت الصبر خير معول في النائبات لمن أراد معولا
ورأيت أسباب القناعة أكدت بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا
وإذا نبابي منزل جاوزته وجعلت منه غيره لي منزلا
وإذا غلا شيء علي تركته فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
ولمحمود البارودي لما نفي من مصر:
محا البين ما أبقيت عيون المهى مني فشبت ولم أقض اللبانة من سني
عناءً ويأسًا واشتياقًا وغربة الأشد ما ألقاه في الدهر من غبن
فأن أك فارقت الديار فلي بها فؤاد أضلته عيون المهى عني
بعثت به يوم النوى إثر لحظة فأوقعه المقدر في شرك الحسن
فهل من فتى في الدهر يجمع بيننا فليس كلانا عن أخيه بمستغن
ولما وقفنا للوداع واسبلت مدامعنا فوق الترائب كالمزن
دعوت اصطباري أن يعود فبزني وناديت حلمي أن يثوب فغيغن
وما هي إلا خطرة ثم أقلعت بنا عن شطوط الحي أجنحة السفن
وما كنت جربت النوى قبل هذه فلما دهاني كدت أقضي من الحزن
ولكنني راجعت حلمي فردني إلى الحزم رأي لا يحوم على أفن
فيا قلب صبرًا إن جزعت فربما جرت سنحًا طير الحوادث باليمن
فقد تورق الأغصان بعد ذبولها ويبدو وضياء البدر في ظلمه الوهن
وأي حسام لم تصبه كهامة ولهذم رمح لم يفل من الطعن
ومن شاغب الأيام لأن مريره وأسلمه طول المراس إلى الوهن
وما المرء في دنياه إلا كسالك مناهج لا تخلو من السهل والحزن
فإن تكن الدنيا تولت بخيرها فأهون بدنيا لا تدوم على فن
إذا عرف المرء القلوب وما انطوت عليه من البغضاء عاش على ضغن
يرى بصري مالا أود لقاءه وتسمع أذني ما تعاف من اللحن
تحملت خوف المن كل رزية وحمل رزايا الدهر أحلى من المن
وعاشرت أخدانا فلما بلوتهم تمنيت أن أبقي وحيدًا بلا خدن
لبعضهم:
إذا ما ضاق صدرك في بلاد ترحل طالبًا أرضًا سواها
عجبت لمن يقيم بدار ذل وأرض الله واسعة فضاها
فذاك من الرجال قليل عقل بليد ليس يعلم من طحاها
فنفسك فز بها إن خفت ضيمًا وخل الدار تنعي من بناها
فإنك واجد أرضًا بأرض ونفسك لا تجد نفسًا سواها
ومن كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها
ولسعيد بن حميد يستعطف بعض أصحابه وقد هجره:
أقلل عتابك فالبقاء قليل والدهر يعدل مرة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الصفاء جماعة إن حصلوا أفناهم التحصيل
وأجل أسباب المنية والردى يوم سيقطع بيننا ويطول
[ ١٠٢ ]
ولئن سبقت لتفجعن بصاحب حبل الصفاء بحبله موصول
فلعل أيام البقاء قليلة فعلام يكثر عتبنا ويطول
للعفيف التلمساني من أبيات:
رياض بكاها المزن فهي بواسم وناحت لغير الحزن فيها الحمائم
وأودعت الأنواء فيهن سرها فنمت عليهن الرياح النواسم
يبيت الندى في أفقها وهو ناثر ويضحي على أجبالها وهو ناظم
كأن الأقاحي والشقيق تقابلًا خدود جلاهن الصبا ومباسم
كان بها للنرجس الغض أعينًا تنبه منها البعض والبعض نائم
كأن ظلال القضب فوق غديرها إذا اضطربت تحت الرياح الأرقم
كأن غناء الورق ألحان معبد إذا رقصت تلك القدود النواعم
كأن نثار الشمس تحت غصونها دنانير في بعض وبعض دراهم
كلأن ثمارًا في غصون توسوست لعارض خفاق النسيم تمائم
كأن القطوف الدانيات مواهب ففي كل غصن ماس في الدوح خائم
حوار بن إسرائيل:
عسى الطيف بالزوراء منك يزور فقد نام عنه كاشح وغيور
وكيف يزور الطيف صبًا مسهدًا له النجم بعد الظاعنين سمير
سرورًا في ضياء من شموس خدودهم فكان سراهم في الظلام ينير
ظعائن تغزو الجيش وهي رديفة عليهن من سمر الرماح ستور
إذا نزلوا أرضًا تولت محولها وأضحت وفيها روضة وغدير
وإن فارقوا أرضًا غدت ورمالها من الطيب مسك والتراب عبير
أأحبابنا الناؤون أدعو وبيننا سهول عسير قطعها ووعور
سقى الأبرق الحنان حيث مصيفكم من المزن داني الهيدبين مطير
وداركم بالبان من أيمن الحمى يلوح عليها نضرة وسرور
قريبة عهد بالخليط رسومها مواثل ما محيت لهن سطور
ولابن الخياط:
خذا من صبا نجد أمانًا نقلبه فقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنه متى هب كان الوجد أيسر خطبه
خليلي لو أحببتما لعلمتما محل الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى يتوق ومن يعلق به الجب يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائه وشق على بعد المزار وقربه
وفي الركب مطوي الضلوع على الجوى متى يدعه داعي الغرام يلبه
إذا خطرت من جانب الغور نفحة تضمن منها داءه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنة معرض وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنه حذارًا عليه أن تكون لحبه
ويوم الرضى والصب يحمل سخطه بقلب ضعيف عن تحمل خطبه
جلى لي براق الثنايا تبينها ولا لي إلا بارد الورد عذبه
كأني لم أقض به الليل زائرًا تجول يدي بين المهاد وجبنه
ولا ذقت أمنًا من شرار حجوله ولا أرتعت خوفًا من نميمة حقبه
فيا لسقامي من هوى متعنت بكى عاذلوه رحمة لمحبه
ومنة ساعة للبين غير حميدة سمحت بطل الدمع فيها وسكبه
ألا ليت أني لم أجل بين حاجر وبين ذرى أعلام رضوى وهضبة
وليت الرياح الرائحات خوالص إلي ولو لاقين قلبي بكر به
أهيم إلى ماء ببرقة عاقل ظمئت على طول الورود بشربه
وأستاف حر الرمل شوقًا إلى اللوى وقد أودعتني السقم قضبان كثبه
ولست على وجدي بأول عاشق أصابت سهام الحب حبة قلبه
صبرت على وعك الزمان وقد أرى خبيرًا بداء الحادثات وطبه
وأعرضت عن نظم القوافي ومنطقي ملي لمرتاد الكلام بخصبه
وما غزني لو شئت ملك مهذب يرى أن صون الحمد غاية كسبه
لقد طال ما هو في سنة الكرى ولا بد لي من يقظة المتنبه
روي عن عوف بن محلم قال كنت: آتي عبد الله بن طاهر في كل سنة، وكانت صلتي عنده خمسة آلاف درهم فأتيته فشكوت إليه الكبر وضعف حالي ثم أنشدته:
أفي كل عام غربة ونزوح أما للنوى من وثبة فنريح؟
لقد طلح البين المشت ركائبي فهل أرين البين وهو طليح
وأرقني بالري نوح حمامة فنحت وذو الشجو الحزين ينوح
[ ١٠٣ ]
على أنها ناحت ولم تذر دمعة ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك لا تبك حاضرًا وغصنك مياد ففيم تنوح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى فتضحي عصا الترحال وهي طريح
فإن الغنى يدني الفتى من صديقه وعدم الغنى بالمقترين نزوح
قال عوف: فتوجع لي عبد الله ب طاهر وقال: صلتك عشرة آلاف درهم توافيك في منزلك في كل سنة إن شاء الله ولا تتكلف المسير والمشقة يا عم.