ذي الوزارتين أحمد بن عبد الله بن زيدون الأندلسي القرطبي فمن قوله:
يا قمرًا مطلعه المرب قد ضاق بي في حبك المذهب
ألزمتني الذي الذنب جئته صدقت فاصفح أيها المذنب
وان من أغرب ما مر بي أن عذابي منك مستعذب
ومن قوله أيضا يتذكر معاهد أصحابه وأحبابه:
خليلي لا فطر يسر ولا أضحى فما حال من أسمى مشوقًا كما أضحى
لئن شاقني شرق العقاب فلم أزل أخص بممحوض الهوى ذلك السفحا
وما انفك جو في الرصافة مشعري دواعي بث تعقب الأسف البرحا
ويهتاج ذميما عهد مجلس ناصح فاقبل في فرط الولوع به نصحًا
كأني لم أشهد لدى عين شهدة نزال عتاب كان اخره الفتحا
وقائع جانيها التجني وان مشى سفير خضوع بيننا أكد الصلحا
وأيام وصل بالععتيق اقتضيته فالايكن ميعاده العيد فالفصحا
وآصال لهو في مسناة مالك معاطة ندمان إذا شئت أو سبحا
لدى راكد ييبك من صفحاته قوارير خضر خلتها مردت صرحا
معاهد لذات وأوطان صبوة أجلت المعلى في الأماني بهها قدحا
ألا هل إلى الزهراء أوبة نازح تقضى تنائيها مدامعه نزحا؟
مقاصير ملك أشرقت جنباتها فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحا
يمثل قرطيها لي الوهم جهرة فقبتها فالكواكب الرحب فالسطحا
محل ارتياح يذكر الخلد طيبه إذا عز أن يصدى الفتى فيه أو يضحى
هناك الجمام الزرق تندى حفافها ظلال عهدت الدهر فيها فتى سمحا
تعوضت من شدو القيان خلالها صدى فلوات قد أطار الكرى ضبحا
أجل أن ليلي فوق شاطئ نيطة لأقصر من ليلي بآنة فالبطحا
وهذه معاهد لبني أيمة بالأندلس، ومنتزهات حال ملكهم لتلك البلاد، وكان ابن زيدون يكلف بولادة المهدي فمن قوله فيها:
يا نازحًا وضمير القلب مثواه أنستك دنياك عبدًا أنت دنياه
الهتك عنه فكاهات تلذ بها فليس يجري ببال منك ذكراه
عل الليالي تبقيني إلى أمل الدهر يعلم والأيام معناه
وقال يعاتبها على إغفال عهده:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا والأفق طلق ووجه الأرض قد راق
وللنسيم اعتلال في أصائله كأنه رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائه الفضي مبتسم كما شققت عن اللبات أطواقا
يوم كلذات أيام لنا انصرمت بتنا لها حين نام الدهر سراقا
نلهو بما يستميل العين من زهر جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأن اعينه إذا عاينت أرقي بكت لما بي فجال الدمع رقراقا
ورد تألق في ضاحي منابته فازداد منه الضحى في العين إشراقا
كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا الك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا
لو كان وفى المنى في جمعنا بكم لكان من أكرم الأيام أخلاقا
لا سكن الله قلبا عن ذكركم فلم يطر بجناح الشوق خفاقا
لو شاء حملي نسيم الصبح حين سرى وافاكم بفتى أضناه ما لاقى
يا علقي الأخطر الأسنى الحبيب إلى نفسي إذا ما اقتنى الأحباب إعلاقا
طكان التجاري بمحض الود مذ زمن ميدان انس جرينا فيه إطلاقا
[ ١١٤ ]
فالآن احمد ما كنا لعهدكم سلوتم وبقينا نحن عشاقا
وقال يمدح المعتضد:
أما في نسيم الريح معرق لناهل لذات الوقف بالجزع موقف
فنقضي أوطار المنى من زيارة لنا كلف منها بما نتكلف
ضمان علينا أن تزار ودونها رقاق الظبى والسمهري المثقف
وقوم عدىً يبدون عن صفحاتهم وازهرها من ظلمة الحقد اكلف
يودون لو يثني الوعيد زماعنا وهيهات ريح الشرق من ذاك أعصف
كفانا من الوصل التحية خلسة فيومئ طرف أو بنان مطرف
واني ليستهويني البرق صبوة إلى برق ثغر أن بدا كاد يخطف
وما ولعي بالراح إلا توهمًا لظلم لها كالراح لو يترشف
وتذكرني العقد المرن جمانه مرنات ورق في ذرى الأيك تهتف
فما قبل من أهوى البدر هودج ولا صان ريم القفر خدر مسجف
ولا قبل عباد حوى البحر مجلس ولا حمل الطود المعظم رفرف
هو الملك الجعد الذي في ظلاله تكف صروف الحادثات وتصرف
رويته في الحادث الإد لحظة وتوقيعه الجالي دجا الخطب أحرف
طلاقة وجه في مضاء كمثل ما يروق فرند السيف والحد مرهف
على السيف من تلك الشهامة ميسم وفي الروض من تلك الطلاقة زخرف
ولما قضينا ما عنانا أداؤه وكل بما يرضيك داع فملحف
أظن الأعادي أن حزمك نائم لقد تعد الفسل الظنون فتخلف
رأيناك في أعلى المصلى كأنما تطلع من محراب داود يوسف
ولما حضرنا الأذن والدهر خادم تشير فيمضي والقضاء مصرف
وصلنا فقبلنا الندى منك في يد بها يتلف المال الجسيم ويخلف
لك الخير أني لي بشكرك نهضة وكيف أؤدي شكر ما أنت مسلف
أفدت بهيم الحال مني غرة يقابلها طرف الحسود فيطرف
ولولاك لم يسهل من الدهر جانب ولا ذل مقتاد ولا لان معطف
ولما مات المعتضد رثاه وذكر إكرام المعتمد له وبره فقال:
أعباد يا أوفى الملوك لقد سطا عليك زمان من سجيته الغدر
فهلا عداه أم علياك حلية وذكرك في أردان أيامه عطر
أأنفس نفس في الورى أقصد الردى وأخطر علق للندى أفقد الدهر
إذا الموت أضحى قصر كل معمر فان سواء طال أو قصر العمر
ومنها:
فهل علم المقدس إنني مسوغ حال ضل في كنهها الفكر
وان متابي لم يضعه محمد خليفتك العدل الرضى وابنك البر
وأرغم في بري انوف عصابة لقاؤهم جهم ومنظرهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوة وقام سماط حافل فلي الصدر
وله بعد فراره من سجن أبي الحزم ابن جهور وقد أقام بقرطبة متواريا ويخاطب الأديب أبا بكر له عند أبي الحزم:
شحطنا وما الدار نأي ولا شحط وشط بمن نهوى المزار وما شطوا
أأحبابنا ألوت بادث عهدنا حوادث لا عقد عليها ولا شرط
لعمركم أن الزمان الذي قضى بشت جميع الشمل منا لمشتط
واما الكرى مذ لم أزركم فهاجر زيارته غب وإلمامه فرط
وما شوق مقتول الجوانح بالصدى إلى نطفة زرقاء أضمرها وقط
بأبرح من شوقي إليكم ودون ما أدير المنى عنه القتادة والخرط
وفي الربرب الإنسي أهوى كناسه نواحي فؤادي لا الكثيب ولا السقط
غريب فنون الحسن ترتاح درعه متى ضاق ذرعا بالذي حازه المرط
كأن فؤادي يوم أهوى مودعا هوى خافقًا منه بحيث هوى القرط
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره فمن زفرتي شكل ومن عبرتي نقط
إلا هل اتى افتيان أن فتاهم فريسة من يعدو ونهزة من يسطو
وان الجواد الفائت الشأو صافن تخونه شكل وأزرى به ربط
وان الحسام العضب ثاو بجفنه وما ذم من غربيه قد ولا قط
عليك أبا بكر بكرت بهمة لها الخطر العالي وان نالها حط
أبي بعدما هيل التراب على أبي ورهطي فذًا حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندى ظلالها علي ولا جحد لدي ولا غمط
[ ١١٥ ]
ولولاك لم تثقب زناد قريحتي فينتهب الظلماء من نارها سقط
ولا الفت أيدي الربيع بدائعي فمن خاطري نثر ومن روضه لقط
هرمت ما للشيب وخط بمفرقي ولكن لشيب الهم في كبدي وخط
وطاول سوء الحال نفسي فاذكرت من الروضة الغناء طاولها القحط
مئون من الأيام خمس قطعتها اسيرًا وان لم يبد شد ولا ربط
أتت بي كما ميص الإناء من الأذى واذهب مابالثوب من دون مسط
أتدنو قطوف الجنتين لمعشر وغايتي السدر القليل أو الخمط
وما كان ظني أن تغرني المنى وللغر في العشواء من ظنه خبط
أما وأرتني النجم موطئ أخمصي لقد أوطأت خدي لا خمص من يخطو
ومستبطئ العتبي إذا قلت قد أنى رضاه تمادى العتب واتصل السخط
وما زال يدنيني وينأى قبوله هوى سرى منه وصاغية فرط
ونظم ثنائي في نظام ولائه تحلت به الدنيا لآلئه وسط
على خصرها منه وشاح مفصل وفي رأسها تاج وفي جيدها سمط
عدا سمعه عني وأصغى إلى عدى لهم في أديمي كلما استمكنوا عط
بلغت المدى إذا قصروا فقلوبهم مكامن أضغان اساودها رقط
يولونني عرض الكراهة والقلى وما دهرهم إلا النفاسه والغبط
ولما انتخوني بالتي لست أهلها ولم يمن أمثالي بأمثالها قط
فررت فإن قالوا الفرار أرابة فقد فر موسى حين هم به القبط
واني لراج أن تعود كبدئها لي الشيمة الزهراء والخلق السبط
وحلم امرئ تعفى الذنوب لعفوه وتمحى الخطايا مثل ما محي الخط
فمالك لا تختصني بشفاعة يلوح على دهري لميسمها علط
يفي بنسيم العنبر الورد نفحها إذا شعشع المسك الأحم به خلط
فإن يسعف المولى فنعمى هنيئة تنفس عن نفس ألظبها ضغط
وان يأب الاقبض مبسوط فضله ففي يدمولى فوقه القبض والبسط
ولم يزل يروم دنو ولادة، ويتعذر عليه، فلما يئس من لقائها كتب إليها يستديم عهدها، ويعتذر من فراقها بالخطب الذي غشيه، ويعلمها انه ما سلا عنها وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم. وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعًا قصر عنه حبيب وابن الجهم أولها:
أضحى التنائي بديلا من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الاسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت سودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا
إذا جانب العيش طلق من تألفنا ومربع اللهو صاف من تصافينا
واذ هصرنا غصون الانس دانية قطوفها فجنينا منه ماشينا
ليسق عهدكم عهد السرور فما كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
من مبلغ ملبسينا بانتزاحهم حزنًا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
أن الزمان الذي ما زال يضحكنا أنسًا بقربكم قد عاد يبكينا
ما حقنا أن تقروا عين ذي حسد بنا ولا تسروا كاشحا فينا
غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا بأن نغص فقال الدهر آمينا
فانحل ما كان معقودًا بأنفسنا وانبت ما كان موصولا بأيدينا
وقد نكون وما يخشى تفرقنا فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم رأيًا ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا أن طالما غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلًا منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلًا عنك يشغلنا ولا اتخذنا بديلًا منك ينسينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق به من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا من لو على البعد حيا كان يحيينا
يا روضة طالما أجنت لواحظنا وردًا جلاه الصبا غضًا ونسرينا
ويا حياة تملينا بزهرتها منا ضروبًا ولذات أفانينا
ويا نعيمًا خطرنا من غضارته في وشي نعمى سحبنا زيله حينا
لسنا نسميك اجلالا وتكرمة وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
[ ١١٦ ]
إذا انفردت وما شوركت في صفة فحسبنا الوصف إيضاحا وتبيينا
يا جنة الخلد بدلنا بسدرتها والكوثر العذب زقومًا وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا والسعد قد غض من اجفان واشينا
أن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
سران في خاطر الظلماء يكتمنا حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لاغرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إذا قرأنا الأسى يوم النوى سورًا مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدل بمنهله شربًا وان كان يروينا فيطمينا
لم نجف أفق جمال أنت كوكبه سالين عنه ولم نهجزه قالينا
ولا اختيارًا تجنبناه عن كثب لكن عدتنا على كره عوادينا
دومي على العهد ما دمنا محافظة فالحر من دان انصافا كما دينا
فما استعضنا خليلا منك يحبسنا ولا استفدنا حبيبًا عنك يثنينا
ولو صبا نحوك من علو مطلعه بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أبكي وفاءً وان لم تبذلي صلة فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
وفي الجواب متاع لو شغفت به بيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيت صبابة بك نخفيها فتخفينا
تم الاختيار ن شعر ابن زيدون وأخباره ويليه الاختيار من شعر ابن شرف وأخباره.