أبو بكر الداني هو الأديب الشاعر المجيد ذو الباع المديد والانطباع الفريد أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة عفى الله عنه.
فمن شعره قوله يتغزل:
تولى السرب خفية من يليه وأفلت من حبائل قانصيه
على شرف الخميلة كان حتى توجس نبأةً من خاتليه
فمر على مهب الريح يعدو بأسرع من مدامع عاشقيه
تعلق آخر البطحاء هضبا تأمل منه خيفة آمليه
وصادف عنده مرعى مريعًا فاصبح يشرئب ويرتعيه
توجه حيث لم تقفى خطاه بمنسوب إلى آل الوجيه
بمياع الأديم يكاد يغشي بنقبته نواظر مبصريه
ودخل ميورقة وتلقاه ملكها ناصر الدولة فأكرمه وزاد في إكرامه فمدحه بقوله:
حنيت جوانحه على جمر الغضى لما رأى برقًا أضاء بذي الاضا
واشتم في ريح الصبا ارج الصبا فقضى حقوق الشوق فيه بأن قضى
والتف في حبراته فحسبتها من فوق عطفيه رداء فضفضا
قالوا الخيال حياته لو زاره قلت الحقيقة قلتم لو غمضا
يهوى العقيق وساكنيه وان يكن خبر العقيق وساكنيه قد انقضى
ويود عودته إلى ما اعتاده ولقلما عاد الشباب وقد مضى
ألف السرى فكأن نجمًا ثاقبًا صدع الدجى منه وبرقًا مومضا
طلب الغنى من ليله ونهاره فله على القمرين مال يقتضى
مهما بدت شمس يكون مذهبا وإذا بدى بدر يكون مفضضا
هذا أفاد وفاد غير مقصر جهد المقل بأن يموت مفوضا
ولرب ربة حانة نبهتها والجو لؤلؤ طله قد رضرضا
وقد انطفت نار القرى وبقي على مسك الدجى مذرور كافور الغضى
والليل قد سدى والحم ثوبه والفجر يرسل فيه خيطًا أبيضا
ومتى ركبت لها أعالي أيكة نشرت جناحًا للرياض معرضا
والبحر يسكن خفية من ناصر أرضى الرياسة بعد فقد المرتضى
ملك سمت علياه حتى دوخت وزكى ثرى نعماه حتى روضا
ماء الغمائم جرعة مما سقى وسنى الأهلة خلعة مما نضا
حفت عليه راية وذؤابة فكأن صلًا نحو صل نضنضا
وكان المرتضى رحمه الله تعالى هو الذي أورث ناصر الدين الملك، قلم يزل يكرم أولياءه، ويبرهم ويتفقدهم بما يسرهم. وقال يمدحه بقصيدة أولها:
هلا ثناك علي قلب مشفق فترى فراشًا في فراش يحرق
أتت المنية والمنى فيك استوى ظل الغمامة والهجير المحرق
[ ١٢٠ ]
لك قد ذابلة الوشيج ولونها لكن سنانك أكحل لا ازرق
ويقال انك ايكة حتى إذا غنيت قيل هو الحمام الأورق
يامن رشقت إلى السلو فردني سبقت جفونك كل سهم يرشق
لو في يدي سحر وعندي أخذلجعلت قلبك بعد حين يعشق
جسدي من الأعداء فيك لأنه لا يستبين لطرف طيف يرمق
لم يدر طيفك موضعي من مضجعي فعذرته في انه لا يطرق
جفت لديك منابعي ومنابتي فالدمع ينشع والصبابة تورق
وكأن أعلام الأمير مبشر نشرت على قلبي فأصبح يخفق
الخيزرانة تلتظي في كفه والتاج فوق جبينه يتألق
وكأن صوب حيًا وصعقه بارق ما ضم منه نديه والمأزق
متباعد الطرفين جود غافل عما يحل به وعزم مطرق
بأس كما جمد الحديد وراءه كرم يسيل كما يسيل الزئبق
لا تعجب الأملاك كثرة مالهم النبع أصلب والأراكة أورق
ضدان فيه لمعتد ولمعتف السيف يجمع والعطاء يفرق
ومنها:
وبنو الحروب على الحرابي التي تردي كما تردي الجياد السبق
خاضت غدير الماء سابحة به فكأنما هي في سراب أنيق
ملأ الكماة بطونها وظهورها فأتت كما يأتي السحاب المغدق
وقال فيه:
رأت بك أوجه العليا مباها وعاد على لواحظها كراها
وجاءت فيك السنة المعالي بآيات تشرف من تلاها
سواك يسير في أرض فأما خطاك فبالمجرة لا سواها
كأن الشهب إذا تجري لسعد تخط لك الطريق على ذراها
وله أيضا:
بكت عند توديعي فما علم الركب إذاك سقيط الرأم لؤلؤ رطب؟
وتابعها سرب واني لمخطئ نجوم الدياجي لا يقال لها سرب
لئن وقفت شمس النهار ليوشع فقد وقفت شمس الهدى لي والشهب
عقيلة بيت المجد لم ترها الدجى ولا لمحتها الشمس وهي لها ترب
ظبى الهند مما ذب عنها وإنما تلطف لي فيها بخدعته الحب
سرت وبروج النيرات قبابها وقدامها من كل خاطفة قب
وما دخلت إلا المجرة واديًا فليس لها إلا بإعطانها شرب
وبحر سوى بحر الهوى قد ركبته لأمر كلا البحرين مركبه صعب
غريب على جنبي غراب نهوضه بقادمتي ورقاء مطلبها شعب
كأني قذى في مقلة وهو ناظر بها والمجاذيف التي حولها هدب
ولما رأت عيني جناب ميورق امنت وحسب المرء بغيته حسب
نزلت بكافر وتبر وجوهر يقال لها الحصباء والرمل والترب
وقلت المكان الرحب اين فقيل لي ذوا ناصر العلياء اجمعه رحب
ثم أن الناصر تغير له وجفاه ولم يراع قديم صحبته وأخاه فكتب إليه يستعطفه بقوله:
نسيمك حتام لا ينبري وطيفك حتام لا يعتري؟
أتذكر أيامنا بالحمى وأيامنا بجوى الأعصر؟
ألا رأفة من وفي صفي ألا عطفة من سني سري
رمى زحل في أظفاره وحل يدًا عني المشتري
عطارد هل لك من عودة فأرجع منك إلى عنصري
سيطلبني الملك مهما أراد لباس نسيج من الفخر
ولو أن كل حصاة تزين لما جعل الفضل للجوهر
فلم يجبه.
وكتب إليه أيضًا:
اذكر من لم ينس عهدًا ولا ينسى وأبسط في أكناف ساحتنا النفسا
وأنشئها خلقًا جديدًا واغتدي بظل علاه اعتدي معه الأنسا
والبس ريعان الشباب وطالما لبست الخطوب السود ماذية ورسا
واني واياه لمزن روضة يباكرني سقيا وازكوله غرسا
صفا بيننا من خالص الود جوهر غلبنا به في نور جوهرها الشمسا
وما أنا إلا من علاه مكون غدوت له نوعًا وأصبح لي جنسا
مكارمه مرعى إلى جنب معقل أرود إذا أضحى وآوي إذا أمسى
وأورد خمسًا كل يوم بمائه وكم لي دهر قد مضى لم أرد خمسا
أبا لقاسم اشرب قهوة العز وانتقل ثنائي ومن فضل الكؤوس اسقني كأسا
وخذ بيدي من عثرة قصرت يدي وكنت أخا بأس فلم تبق لي بأسا
رميت لها فضفاضتي ومهندي وخطيتي والنبل وأقوس والترسا
[ ١٢١ ]
ثغور المعالي قابلتك ضواحكا فصل لثمها وامصص مراشفها اللعسا
وأجيادها مالت عليك نواعمًا كما مالت الأغصان فاتعم بها لمسا
ولا ذكر في الأفواه حاشاك انما صفاتك آيات ولعنا بها درسا
إليك بها درًا تلقب أحرفا وقطعة ديباج يسمونها طرسا
وفضلك في الاغضاء عما بعثته فليس يجيد الشعر من عدم الحسا
فلما لم يجبه الناصر عزم على الارتحال وقال يودع اخوانه:
أقول تحية وهي الوداع خداعًا لي وما يغني الخداع
أعلل بالمنى قلبًا شعاعًا ولن يتعلل القلب الشعاع
واترك جيرة جاروا وشدوا أضاعوني وأي فتى أضاعوا
إذا لم يرع لي أدب وبأس فلا طال الحسام ولا اليراع
لقد باعتني الأيام بخسًا وعهدي بالذخائر لا تباع
أجفتني ولم ينبت ربيع وحطتني ولم يثبت يفاع
ومكنت العدى مني فعاثت بلحمي ضعف ما عاث السباع
ثم قال يعاتب ناصر الدولة ويودعه:
سلام على المجد يندى بليلا كنشر الربى بكرة أو أصيلا
سلام وكنت أقول الوداع ولكن أدرج قلبي قليلا
أخاف عليه انصداع الصفاة ولا يكون زجاجا عليلا
جرحت لديك وكنت البري كما يجرح اللحظ خدًا أسيلا
ولو لم أكن ماضي الشفرتين لما فلني الدهر عضبا صقيلا
أتت ذلة منك محبوبة فلم أرض بالعز منها بديلا
تلقيت فيها سواد الخطوب فاشبه عندي طرفًا كحيلا
تم الاختيار من شعر الداني وأخباره، يليه الاختيار من شعر الأستاذ أبي محمد بن سارة الشنتريني الأندلسي عفى الله عنه.