ابن عبد ربه الأندلسي لم أظفر من شعره إلا بمقاطيع غزلية فأحببت نقله هنا لجودتها، فمنها قوله في رقة التشبيب:
صحا القلب إلا نظرة تبعث الاسى لها زفرة موصولة بحنين
بلى ربما حلت عرى عزماته سوالف آرام وأعين عين
لواقط حبات القلوب إذا زنت بسحر عيون وانكسار جفون
وريط من المواشي أينع تحته ثمار صدور لا ثمار غصون
برود كأنوار الربيع لبسنها ثياب خضاب لا ثياب مجون
فرين أديم الليل عن نور أوجه تجن بها الألباب كل جنون
وجوه جرى فيها النعيم فكللت بورد خدود يجتنى بعيون
سألبس للأيام درعًا من الأسى وإن لم يكن عند اللقا بحصين
فكيف ولي قلب إذا هبت الصبا أهاب بشوق في الضلوع دفين
ويهتاج منه كلما كان ساكنًا دعاء حمام لم يبت بوركون
وإن ارتياحي من بكاء حمامة كذي شجن داويته بشجون
كأن حمام الأيك حين تجاوبت حزين بكى من رحمه لحزرين
ومما عارض به صريع الغواني في قوله:
أدير علي الراح لا تشربا قبلي ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي
فيا حزني إني أموت صبابة ولكن على من لا يحل له قتلي
فديت التي صدت وقالت لتربها دعيه الثريا منه أقرب من وصلي
فقال على رويه:
أتقتلني وتجحدني قتلي وقد قام من عينك لي شاهد أعدل
أطلاب ذحلي ليس بي شادن بعينيه سحر فاطلبوا عنده ذحلي
أغار على قلبي فلما أتيته أطالبه فيه أغار على عقلي
بنفسي التي ضنت برد سلامها ولو سألت قتلي وهبت لها قتلي
إذا جئتها صدت حياءً بوجهه فتهجرني هجرًا ألذ من الوصل
وإن حكمت جارت علي بحكمها ولكن ذاك الجور أشهى من العدل
كتمت الهوى جهدي فحرره الأسى بماء البكا هذا يخط وذا يملي
وأحببت فيها العذل لذكرها فلا شيء في فؤادي من العذل
أقول لقلبي كلما ضامه الأسى إذا ما أبيت العز فأصبر على الذل
برأيك لا رأيي تعرضت للهوى وأمرك لا أمري وفعلك لا فعلي
وجدت الهوى نصلًا من الموت مغمدًا فجرته ثم أتكيت على النصل
فإن تك مقتولًا على غير ريبة فأنت الذي عرضت نفسك للقتل
قال الناظم: فمن رأى سهولة هذا الشعر مع بديع معناه، ورقو طبعه، لم يفضل شعر صريع الغواني عليه إلا بفضل التقدم، ولا سيما إذا قرن قوله في هذا الشعر.
كتمت الذي ألقى من الحب عاذلي فلم يدر ما بي فاسترحت من العذل
بقوله:
وأحببت فيها العذل حبًا لذكرها فلا شيء أشهى في فؤادي من العذل
ومن قوله في رقة التشبيب:
أدعو عليك فلا دعائي يسمع يا من يضر مناظريه وينفع
للورد حين ليس يطلع دونه والورد عندك كل يوم يطلع
لم تنصدع كبدي عليك لضعفها لكنها ذابت فما تتصدع
من لي بأجرد ما يبين لسانه خجلًا وسيف جفونه ما يقلع
منع الكلام سوى إشسارة مقلة فيها يكلمني ومنها يسمع
ومن قوله في البين:
هيج البين دواعي سقمي وكسى جسمي ثوب الألم
أيها البين أقلني مرة فإذا عدت فقد حل دمي
يا خلي الذرع نم في غبطة إن من فارقته لم ينم
ولقد هاج لقلبي سقمًا ذكر من لو شاء دواى سقمي
ومن قوله في المعنى:
[ ١٢٩ ]
ودعتني بزفرة وأعتناق ثم نادت متى يكون التلاقي
وتصدت فأشرق الوجه منها بين تلك الجيوب والأطواق
باسقم الجفون من غير سقم بين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أفظع يوم ليتني مت قبل يوم الفراق
ومنه قوله:
فرزت من اللقاء إلى الفراق فحسبي ما لقيت وما ألاقي
سقاني البين كأس الموت صرفًا وما ظني أموت بكف ساقي
فيا برد اللقاء على فؤادي أجزني اليوم من حر الفراق
ومن قوله في الحمام:
ونائح في غصون الأيك أرقني وما عنيت بشيء ظل يعنيه
مطوق بخضاب ما يزايله حتى تزاوله إحدى تراقيه
قد بات يشكو بشجوٍ ما دريت به وبت أشكو بشجو ليس يدريه
ومن قوله:
أناحت حمامات اللوى أم تغنت فأبدت دواعي قلبه ما أجنت
فديت التي كانت ولا شيء غيرها منى النفس لو يقضي لها ما تمنت
ومن قوله في الرياض:
وروضة عقدت أيدي الربيع بها نورًا بنور وتزويجًا بتزويج
بملقح من سواريها وملقحة وناتج من غواديها ومنتوج
توشحت بملاةٍ غير ملحمة من نورها ورداء غير منسوج
ومنه قوله:
وموشية يهدي إليك نسيمها على مفرق الأرواح مسكًا وعنبرا
سداوتها من ناصع اللون أبيض ولحمتها من فاقع اللون أصفرا
يلاحظ لحظًا من عيون كأنها فصوص من الياقوت كلمن جوهرا
ومنه قوله:
وما روضة بالحزن حاك لها الندى بردوًا من المواشي حمر الشقائق
إذا ضاحكتها الشمس تبكي بأعين مكللة الأجفان صفر الحمالق
حكت أرضها لون السماء وزانها نجوم كأمثال النجوم الخوافق
بأطيب نشرًا من خلائقه التي لها خضعت في الحسن زهر الخلائقد
وله أيضًا:
وروضة ورد حف بالسوسن الغض تحلت بلون السام والذهب المحض
رأيت بها بدرًا على الأرض ماشيًا ولم أر بدرًا قط يمشي على الأرض
إلى مثلها فلتصب إن كنت صابيًا فقد كاد منها البعض يصبو إلى بعض
وله أيضًا:
وحامله راحًا على راحة اليد موردة تسقى بلون مورد
متى ما ترى الإبريق للكأس راكعًا تصلي له من غير طهر وتسجد
على ياسمين كاللجين ونرجس كأطراق در في قضيب زبرجد
بتلك وهذي فاله ليلك كله وعنها فسل لا تسأل الناس عن غد
وله أيضًا:
أيقتلني دائي وأنت طبيبي قريب وهل من لا يرى بقريب
لئن خنت عهدي إنني غير خائن وأي محب خان عهد حبيب
وساحبة فضل الذيول كأنها قضيب من الريحان فوق كثيب
إذا ما بدت من خدرها قال صاحبي أطعني وخذ من وصايا بنصيب
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه وما كل مؤت نصحه بلبيب
يا وميض البرق بين الغمام لا عليها بل عليك السلام
أن في الاحداج مقصورة وجهها يهتك ستر الظلام
تحسب الهجر حلالا لها وترى الوصل عليها حرام
ما تأسيك لدار خلت ولشعب شت بعد التآم
وله أيضا:
تجافى النوم عن جفوني ولكن ليبس تجفوها الدموع
يذكرني تبسمك الأقاحي ويحكى لي توردك الربيع
يطير إليك من شوق فؤادي ولكن ليس تتركه الضلوع
كأن الشمس لما غبت غابت فليس لها على الدنيا طلوع
فما لي من تذكرك امتناع ودون لقائك الحصن المنيع
إذا لم تستطيع شيئافدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وله أيضا:
يا وجه معتذر ومقلة ظالم كم من دم ظلمًا سفكت بلا دم
أوجدت وصلي في الكتاب محرما ووجدت قتلي فيه غير محرم
كم جنة لك قد سكنت ظلالها متفكها في لذة وتنعم
وشربت من خمر العيون تعللًا فإذا انتشيت أجود جود المرزم
"وإذا صحوت فما اقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي"
وله أيضا:
حال الزمان فبدل الآمالا وكسى المشيب مفارقًا وقذالا
غنيت غواني الحي عنك وربما طلعت إليك أكلة وحجالا
[ ١٣٠ ]
أضحى عايك حلالهن محرمًا ولقد يكون حرمهن حلالا
أن الكواعب أن رأينك طاويا برد الشباب طوين عنك وصالا
"وإذا دعونك عمهن فانه نسب يزيدك عندهن خبالا"
تم الاختيار من شعر أحمد بن عبد ربه ويليه الاختيار من شعر عبد بن أيوب التيمي