عبد الله التيمي قال يمدح عمر بن مسعدة:
أعني على بارق ناضب خفي كوحيك بالحاجب
كأن تألقه في السماء يدا كاتب أو يدا حاسب
فروى منازل تذكارها يهيج من شوقك الغالب
غريب يحن لأوطانه ويبكي على عصره الذاهب
كفاك أبو الفضل عمرو الندى مطالعة الأمل الكاذب
عريض الفناء طويل البناء في العز والشرف الثاقب
بنى الملك طود له بيته وأهل الخلافة من غالب
هو المرتجى لصروف الزمان ومعتصم الراغب الراهب
جوادج بما ملكت كفه على الضيف والجار والصاحب
بأدم الركاب ووشي الثياب والطرف والطفلة الكاعب
نؤمله لجسام الأمور ونرجوه للجلل الكارب
خصيب الجناب مطير السحاب بشيمته لين الجانب
يروي القنا من نحور العدى ويغرق في الجود كالاعب
إليك تبدت بأكوارها حرجيج في مهمه لاحب
كأن نعاما تبارى بنا بوابل من برد حاصب
يزرن ندى كفك المرتجى ويقضين من حقك الواجب
ولله ما أنت من خابر بسجل لقوم ومن خارب
فتسقى العدى بكؤوس الردى وتسبق مسألة الطالب
وكم راغب نلته بالعطا وكم نلت بالعطف من راهب
وتلك الخلائق أعطيتها بفضل من المانع الواهب
كسبت الثناء وكسب الثناء أفضل مكسبة الكاسب
يقينك يجلو ستور الدجى وظنك يخبر بالغائب
قال صاحب زهر الآداب لما أورد هذه القصيدة.
هذا الشعر يتدفق طبعًا وسلاسة والكلام الجيد الطبع مقبول في السمع قريب المثاتل بعيد المنال أنيق الديباجة رقيق الزجاجة يدنو من فهم سامعه كدنوه من فهم صانعه، يطرد ماء البديع على وجناته ويجول رونق الحسن في صفحاته كما يجول السحر في الطرف الكحيل والأثر في السيف الصقيل.
وقال جمال الدين ابن نباتة معزيا عن ملك ومهنئًا بملك:
هناء محا ذاك العزاء المقدما فما عبس المحزون حتى تبسما
ثغور ابتسام في ثغور مدامع شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما
تدر مجارى الدمع والبشر واضح كوابل غيث في ضحى الشمس قدهما
سقى الغيث عنا تربة الملك الذي عهدنا سجاياه أبر وأكرما
ودامت يد النعمى على الملك الذي تدانت به الدنيا وعز به الحمى
مليكان هذا قد هوى لضريحه برغمي وهذا للأسرة قد سما
ودوحة فضل شاذوى تكافأت فغصن ذوى منها وآخر قد نما
كأن ديار الملك غاب إذا انقضى به ضيغم أنشا له الدهر ضيغما
فإن تلك أوقات المؤيد قد خلت فقد جددت علياك وقتًا وموسما
هو الغيث ولى بالثناء مشيعًا وأبقاك بحرًا بالمواهب مفعمًا
إذا الغيث صلى خلف جدواك راكعًا ثنت عزمه للاعتراف فسلما
يراعك يوم السلم ينهل ديمة وسيفك يوم الحرب ينهل في الدما
فعش للورى واسلم سعيدا مهنئًا فحظ الورى في أن تعيش وتسلما
أعدت زمان البشر والجود والثنا إلى أن ملأت العين والكف والفما
ولمحمد بن زريق البغدادي نادمًا على الإفراط في طلب الدنيا، وكان قصد الأندلس في طلب الغنى، فلم يرجع لبغداد، ووجدت هذه القصيدة تحت وساده هي قوله رحمه الله تعالى:
لا تعذليه فإن العزل يولعه قد قلت حقًا ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حدًا أضر به من حيث قدرتن أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا من عنفه فهو مضنى القلب موجعه
قد كان مضطلعًا بالخطب يحمله فضيقت بخطوب البين أضلعه
يكفيه من لوعة التنفيذ أن له من المنى كل يوم ما يروعه
ما آب من سفر إلا وأزعجه رأي إلى سفر بالعزم يجمعه
[ ١٣١ ]
كأنما هو في حل ومرتحل موكل بفضاء الأرض يذرعه
إذا الزمان أراه في الرحيل عغنى ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه
تأبى المطامع إلى أن تجشمه للرزق كدًا وكم ممن يودعه
وما مجاهدة الإنسان توصله رزقًا ولا دعة الإنسان تقطعه
والله قسم بين الخلق رزقهم لم يخلق الله من خلق يضيعه
لكنهم ملؤوا حرصا فلست ترى مسترزقًا وسى الغايات يقنعه
والسعي في الرزق والأرزاق قد قسمت بغي إلا أن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه يومًا ويمنعه من حيث يطمعه
أستودع الله في بغداد لي قمرا بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودى أن يودعني طيب الحياة واني لا أودعه
وكم تشفع بي أن لا أفارقه وللضرورة حال لا تشفعه
وكم تشبث بي يوم ارحيل ضحى وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا اكذب الله ثوب الصبر منخرق عنى بفرقته لكن أرقعه
إني أوسع عذري في جنايته بالبين عنه وقلبي لا يوسعه
أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابسًا ثوب النعيم بلا شكر عليه فعنا الله ينزعه
اعتضت من وجه خلي بعد فرقته كأسًا أجرع منها ما أجرعه
كم قائل لي ذنب البين قلت له الذنب والله ذنبي لست ادفعه
هلا أقمت فكان الرشد أجمعه لو إنني يوم بان الرشد أتبعه
إني لأقطع أيامي وأنفذها بحسرة منه في قلبي تقطعه
بمن إذا هجع النوام بت له بلوعة منه ليلي لست أهجعه
لا يطمئن لجنبي مضجع وكذا لا يطمئن له مذ بنت مضجعه
ما كنت احسب أن الدهر يفجعني به ولا أن بي الأيام تفجعه
حتى جرى الدهر فيما بيننا بيد عسراء تمنعني حظي وتمنعه
بلله يا منزل القصف الذي درست آثاره وعفت مذ غبت أربعه
هل الزمان معيد فيك لذتنا أم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله وجاد غيث على مغداك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيعه كما له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره وإذا جرى على قلبه ذكرى يصدعه
لأصبرن لدهر لا يمتعني به ولا بي في حال يمتعه
علمًا بأن اصطباري معقب فرجًا وأضيق الأمر أن فكرت أوسعه
عل الليالي التي أضنت بفرقتنا جسمي ستجمعني يومًا وتجمعه
وان يدم أبدًا هذا الفراق لنا فما الذي بقضاء الله نصنعه
تم الاختيار من شعر ابن زريق البغدادي وأخباره ويليه الاختيار من شعر ابن حيوس وأخباره.