ابن حيوس هو أبو افتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس الشاعر المشهور، وأحد الشعراء الشاميين المحسنني، ومن فحولهم المجيدين، له ديوان كبير، وكان نقطعًا إلى بني مرداس أصحاب حلب، وله فيهم القصائد الأنيقة، وقصته مشهورة مع الأمير جلال الدولة أبي المظفر نصر بن محمود بن مرداس الكلابي صاحب حلب، فانه كان مدح أباه محمود بن نصر، فأجازه ألف دينار فلما مات وقام ابنه نصر المذكور قصده ابن حيوس المذكور بقصيدته الرائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه وهي:
كفى الدين عزًا ما قضاه لك الدهر فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر
ومنها:
ثماتية لم تفترق مذ جمعتها فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر
يقينك والتقوى وجودك والغنى ولفظك والمعنى وعزمك والنصر
وذكر فيه وفاة أبيه توليه الأمر بعده بقوله:
صبرنا على حكم الزمان الذي سطا على انه لولاك لم يكن الصبر
غزانا ببؤسى لا يماثلها الأسى تقارن نعمى لا يقوم بها الشكر
ومنها:
تباعدت عنكم حرقة لا زهادة وسرت إليكم حين مسني الضر
فلا قيل ظل الامن ما عنه حاجز يصد وباب العز ما دونه ستر
وطال مقامي في اسار جميلكم فدامت معإليكم ودام لي الأسر
وأنجز لي رب السماوات وعده الكريم بأن العسر يتبعه اليسر
فجاد ابن نصر لي بألف تصرمت واني عليم أن سيخلفها نصر
[ ١٣٢ ]
لقد كنت مأمولا ترجى لمثلها فكيف وطوعا أمرك النهي والأمر
وما بي إلى الإلحاح والحرص حاجة وقد عرف المبتاع وانفصل السعر
وإني بآمالي لديك مخيم وكم في الورى ثاو وآماله سفر
وعندك ما أبغي بقولي تصنعا بأيسر ما توليه يستعبد الحر
فلما فرغ من انشادها، قال الامير نصر: والله لو قال عوض قوله: سيخلفها سيضعفها نصر لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة، وكان الامير نصر سخيًا، واسع العطاء. ومن محاسن شعر ابن حيوس القصيدة اللمية التي مدح بها أبا الفضل سابق ابن محمود هو أخو الامير نصر المذكور فمن مديحها قوله:
طالما قلت للمسائل عنكم واعتمادي هداية الضلال
أن ترد علم حالهم عن يقين فالقهم في مكارم أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار النقع خضر الأكف حمر النصال
قال ابن خالكان: ما احسن هذا التقسيم الذي اتفق له، وقد الم فيها بقول أبي سعيد الرستمي من جملة قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد، وهي من فاخر الشعر وذلك قوله:
من النفر العالين في السلم والوغى وأهل المعالي والعوالي وآلها
إذا نزلوا اخضر الثرى من نزولهم وان نازلوا احمر القنا من نزالها
ثم قال: هذا والله الشعهر الخالص الذي لا يشوبه من الحشو: وكان ابن حيوس المذكور قد أثرى، وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس، فبنى دارًا بمدينة حلب، وكتب على بابها من شعره:
دار بنيناها وعشنا بها في نعمة من آل مرداس
قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا علي للأيام من باس
قل لبني الدنيا إلا هكذا فليصنع الناس مع الناسس
ومن غرر قصائده السائرة قوله:
هو هو ذاك ربع المالكية فاربع واسأل مصيفًا عافيًا عن مربع
واستسق للدمن الخوالي بالحمى غر السحائب واعتذر من أدمعي
فلقد فنين أمام دان هاجر في قربه ووراء ناء مزمع
لو يخبر الركبان عني حدثوا عن مقلة عبرى وقلب نوجع
ردي لنا زمن الكثيب فإنه زمن متى يرجع وصالك يرجع
لو كنت عالمة بأدنى لوعتي لرددت أقصى نيلك المسترجع
بل لو قنعت من الغرام بمظهر عن مضمر بين الحشا والأضلع
أعتبت اثر تعتب ووصلت غب تجنب وبذلت بعد تمنع
لو إنني أنصفت نفسي صنتها عن أن أكون كطالب لم ينجع
ومنها:
اني دعوت ندى الكرام فلم يجب فلأ شكرن ندى أجاب وما دعي
ومن العجائب والعجائب جمة شكر بطيء عن ندى متسرع