أبي يعلى هو القاضي ابو يعلى حمزة بن عبد الرزاق بن أبي حصين ولم أقف له إلا على مرثيته التي رثي بها مقلد بن نضر بن منقذ الكناني، وهي من مختار المراثي، وفائق الشعر، فأثبتها بطولها وهي:
إلا كل حي مقصدات مقاتله وآجل ما يخسى من الدهر آجله
وهل يفرح الناجي السليم وهذه خيول الردى قدامه وحبائله
لعمر الفتى أن السلامة سلم إلى الحين والمغرور بالعيش آمله
فيسلب أثواب الحياة معارها ويقضي غريم الدين من هو ماطله
مضى قيصر لم تغن عنه قصوره وجدل كسرى ما حمته مجادله
وما صد هلكًا عن سليمان ملكه ولا منعت منه اباه سرابله
ولم يبق إلا من يروح ويغتدي إلى سفر ينأى عن الأهل قافله
وما نفس الإنسان إلا خزامة بأيدي المنايا والليالي مراحله
فهل غال بدءًا مخلص الدولة الردى وهل تنزوي عمن سواه غوائله
ولكنه حوض الحمام ففارط إليه وتال مسرعات رواحله
لقد دفن الأقوام أروع لم تكن بمدفونة طول الزمان فضائله
سقى جدثًا هالت عليه ترابه اكفهم طال الغمام ووابله
ففيه سحاب يرفع المحل هدبه وبحر ندىً يستغرق البر ساحله
كأن ابن نصر سائر في سريره حياء من الوسمي أقشع هاطله
يمر على الوادي فتثني رماله عليه وبالنادي فتبكي أرامله
[ ١٣٤ ]
سرى نعشه فوق الرقاب وطالما سرى جوده فوق الركاب ونائله
أناعيه أن النفوس منوطة بقولك فانظر ما الذي أنت قائله
بفيك الثرى لم تدر من حل بالثرى جهلت وقد يستصغر المرء جاهله
هو السيد المهتز للتم بدره وللجود عطفاه وللطعن عامله
أفاض عيون الناس حتى كأنما عيونهم سما تفيض انامله
فياعين سحي لا تشحي بوابل على ماجد لم يعرف الشح سائله
متى سألوه المال تندى بنانه وان سألوه الضيم تبدو عوامله
وكم عاد عنه بالخسار مقنع وكم نال منه قانع ما يحاوله
له الغلب القاضي على كل باسل يجادله أو كل خصم يجادله
مجالسه في روضة طلها الندى ولكنه في المجد مات مساجله
فيا عمره انى قصرت ولم تطل منازله بل كفه بل حمائله
جرت تحته اعلياء ملء فروجها إلى غاية طالت على من يطاوله
فما مات حتى نال أقصى مراده كما يستسر البدر تمت منازله
فتى طالما يعتاده الجيش عافيا فينزله أو عاديًا فينازله
صفوح عن الجاني وصفحة سيفه إذا هي لم تقتله فالصبح قاتله
وأدمى عسيب الطرف بعدك هلبه وعادته أن يقذف الدم كاهله
فياطرفه ما كان عجزك حاملًا أذى صارم لو أن ظهرك حامله
لقد كثر الملبوس بعد مروع جرت ببيان المشكلات شواكله
إذا ظن لا يخطي كأن ظنونه على ما يظن الناس عنه دلائله
فلا رحلت عنه نوازل رحمة صحاه بها موصولة وأصائله
وروى ثراه منهل العفر في غد فقد روت العافين أمس مناهله
قضى الله أن يردى الأمير وهذه صوافنه موقورة ومناصله
وكل فتىً كالبرق إبريق غمده إذا شامه أو كالذبابة ذابله
فليت ظباه صلت اليوم خلفه فظلت على غير الصيام صواهله
بني منقذ صبرًا فإن مصابكم يصاب به حافي ليس يوجد عاذله
إذا صوحت أيدي الرجال فانتم بني منقذ روض الندى وحمائله
سوان فر من وزر الزمان مفرح فإنكم أوزاره ومعاقله
وصاحب علي الصبر عنه فما غوى مصاحب صبر عن حبيب يزايله
وما نام حتى قام منك وراءه أخو يقظات وافر العقل كامله
كأنكما تؤمان في فلك العلى فطالعه هذا وذلك آفله
وما كلفوك الأمر إلا لعلمهم قيامك بالأمر الذي أنت كافله
سعيت إلى نيل المكارم سعيه ولو كنت لاتسعى كفتك فواضله
ولم تر أن ترقى بما كان فاعلًا أجل نما أمرفوع بالفعل فاعله
لعمرك اني في الذي عن كله شريك عنان ناصح الود ناهله
وكيف خلو القلب من ذلك الهوى
وقد خلدت بين الشغاف دواخله
تمت قصيدة القاضي أبي يعلى رحمه الله تعالى، ويليه الاختيار من شعر الشريف الرضي.