ابن معتوق الموسوي هو شاعر العراق في عصره، وسابق حلبته في رقة شعره، ولد سنة ١٠٢٥ ألف وخمسة وعشرين، ونشأ بالبصرة، وبها تعلم الأدب، وقال الشعر، وأجاد، واتصل بالسيد خان أحد أمراء البصرة من قبل الدولة الإير انية، وكان وقتئذ يملك العراق والبحرين، ومدحه مدحًا فائقتة، وأكثر شعره مقصور عليه، وعلى أهل بيته، فغمره بالأحساس، وهو من كبار شعراء الشيعة، فمجح عليا ﵁، وأهل البيت بما يخرج عن حد الشرع والعقل، ويمتاز شعره بالرقة وكثرة المجازات حتى تكاد الحقيقة تهمل فيه بالجملة توفي سنة١١١١ ألف ومئة وإحدى عشرة.
وقال يمدح السيد علي خان:
خفرت بسيف الغنج ذمة مغفري وفرت برمح القد درع تصبري
وجلت لنا من تحت مسكة خالها كافور فجر شق ليل العنبر
غدت تذب عن الرضاب لحاظها فحمت علينا الحور ورد الكوثر
ودنت إلى فمها أراقم فرعها فتكفلت بحفاظ كنز الجوهر
يا حامل السيف الصحيح إذا رنت إياك ضربة جفنها المتكسر
وتوق يا رب القناة الطعن إن حملت عليك من القوام بأسمر
برزت فشمنا البرق لاح ملثمًا والبدر بين مقر طق ومخمر
وسعت فمر بنا الغزال مطوقًا والغض بين موشح ومؤزر
بأبي مرا شفها التي قد لثمت فوق الأقاحي بالشقيق الأحمر
وبمهجتي الروض المقيم بمقلة ذهب النعاس بها ذهاب تحيري
تالله ما ذكر العقيق وأهله إلا وأجراه الغرام بمحجري
لولاه ما ذاب فرائد عبرتي بعد الجمود بحر نار تذكري
كم قد صحبت به من أبناء الظبا سربًا ومن أسد الثرى من معشر
وظللت من غسق الشعور بغيهب وهديت من تلك الوجوه بنير
يا للعشيرة من لمهجة ضيغم كمنت منيته بمقلة جؤذر
روحي الفداء لظبية الخدر التي بني الكناس لها بغاب القسور
لم أنسى زورتها ووجنات الدجى تباع زفرتها بمسك أزفر
أمت وقد هز السماك قناته وسطا الضياء على الظلام بخنجر
والقوس معترض أراشت سهمه بقوادم النسرين أيدي المشتري
فغدت تشنف مسمعي بلؤلؤ لولاه ناظم عبر تي لم ينثر
وتضم مني في القميص مهندًا وأضم منها بالنصيب السمهري
طورًا أرى طوقي الذراع وتارة منها أرى الكف الخضيب مسور
حتى بدا كسرى الصباح وأدبرت قوم النجاشي عن عساكر قيصر
لما رأت روض البنفسج قد ذوى من ليلنا وزهت رياض العصفر
والنجم غار على جواد أدهم والفجر أقبل فوق صهوة أشقر
نزعت فضرست العقيق بلؤلؤ سكنت فرائده غدير السكر
وتنهدت جزعًا فأثر كفها في صدرها فنظرت ما لم أنظر
أقلام مرجان كتبن بعنبرِ بصحيفة البلورِ خمسة أسطر
ومضت وحمرة خدها من أدمها لبست رماد الملك بعد تستر
لله در جمالها من زائرٍ رسم الخيال مثاله بتصور
لم ألقى أطيب بهجة من نشرها إلا البشارة في قدوم الحيدري
ابن الهمام أخ الغمام أبو الندى بركات شمس نهارنا المولى السري
الخاطب المعروف قبل فطامه والطالب العلياء غير مقدر
مصباح أهل الجود والصبح الذي ما إن جاب ليل البخل لو لم يسفر
قرن إذا سل الحسام حسبته نهرًا جرى من لج سبعة أبحر
قرن البراعة بالشجاعة والندى والرأي في عفو وحسن تدبر
إلى أن قال:
ومحا سواد الجور أبيضُ عدلهِ حتى تخوف كل طرف أحورِ
بعد المشقة نال لّذات العلى لا يستلذ نوم من لم يسهر
قل للذي في الجود يطلب شأوه أربيت في الغلواءِ ويحك فاقصر
بُدئ الندى منه فأفعال السخى عن غير مصدر ذاته لم تصدر
[ ١٥٥ ]
فالناس من ماءِ مهين وهو من ماء معين طاهر ومطهر
يا من بكنيته نزيد تيمنًا وبه يزول تشاؤم المتطير
إن عد قبلك في المكارم ماجد قد كان دونك في قديم الأعصر
فكذلك الإبهام وهو مقدم عند الحساب يُعد بعد الخنصر
بالفخر ساد أبوك سادات الورى وأبوك لو لاك ابنه لم يفخر
كالعين بالبصر المنير تفضلت والعين لولا نجلها لم تبصر
قسمًا ببارق مرهف قلدته وبعارض من مزن جودك ممطر
لولا إيابك للجزيرة ما صفت فيها مشارع أمنها المتكدر
أسكنت أهليها النعيم وطالما شهد الجحيم بها وهول المحشر
وكسوتها حلل الأمان وإنها لولاك أضحت عورة لم تستر
بوركت من شهم قدمت مشمرًا نحو العلى إذ يحجم الليث الشري
وقطفت أنوار الفخار بأنمل القني ات من روض الحديد الأخضر
فليهنك المجد التليد وعاد العيد الجديد بنيل سعد أكبر
والبس قميص الملك يا طالوته واسحب ذيول الفضل فخرًا واجرر
واستجل بكر ثنًا فصاحة لفظها عبثت بحكمتها بسحر البحتري
أو يشعر الطائي بها لم يشعر لو يعلم الكوفي بها لم يزدر
لا زلت تاج علا وحلية منصبِ وطراز مكرمة وحلية منبر
وقال يمدح السيد بركة خان ويهنئه بعيد الأضحى:
رنا فسل على العشاق أحوره سيفًا عليهم ذمام البيض يخفره
وماس تيهًا فثنى في غلالتهِ قدًا بحمر المنايا صال أسمره
وافتر عن لؤلؤ ما لاح أبيضه إلا وياقوت دمعي سال أحمره
يا غيرة البان إذ يثني موشحه وخجلة البرق إذ يبدو مؤشره
بمهجتي دعج يجري بمقلته لا أعرف الموت إلا حين أنظره
وبالجفون جمالًا تحت برقعه لا يسفر الفجر إلا حين يسفره
له محيًا لحاظي إذ تعتدِمُهُ ثوب الدجنة من لون يعصفره
قاسمته الورد لونيه فأحمره في وجنتيه وفي خديّ أصفره
مهفهف القد لغوي النطاق حوى معنى كمحذوف نحوي يقدره
إلى أن قال:
إلام يا قلب تصفي الود ذا ملل لا يستقر ولا يصفو مكدره
إن الملول وإن صافاك ذو عجب إن حال مكسره أومج سكره
واخيبة السعي قد ولى الشباب ولا أدركت سؤلي وعمري فات أكثره
فما وفى لي حبيب كنت أعشقه ولا صفا لي خليل كنت أوثره
ولا اختبرت صديقًا كنت أمنحه صفو السرير إلا صرت أحذره
يا دهر ويحك إن الموت أهون من مذمم بك يؤذيني وأشكره
مالي ومالك ما تنفك تقعدني إن قمت للمجد أو حظي تعكره
لقد غدا البخل شخصًا نصب أعيننا فأصبح الجود عهدًا ليس نذكره
وعاد يطوي لواء الحمد رافعه لولا يدًا بركات المجد تنشره
رب النوال الذي لولا مواهبه سمط القوافي لدينا بار جوهره
المتبع البتة الأولى بثانية وأكرم المزن ما يوليك ممطره
يضم منه غدير الدرع بحر ندا ويحتوي منه بدر التم مغفره
سمح تحرج نهر السائلين ولا الدر اليتيم عن الراجي يقهقره
يعطي الجزيل فلا عذر يقدمه للطالبين ولا وعد يؤخره
تملك الحوز فلتهرب ثعالبهٌ فقد تكفل جيش الملك قسوره
مهذب فطن كادت فراسته عما بقلبك قبل القول تخبره
لا يلحق الذل جارًا يستعز به ولا يرى الأمن مرعوب يذعره
بعدله الظالم المرهوب يخذله وجانب البائس المخذول ينصره
إن زاره سائل عاف يعظمه وإن تأتاه جبار يحقره
لفت على الهامة العليا عمامته وشّد فوق عفاف الفرج مئزره
لا نعرف الجدب إلا عند غيبته ولا نرى الغيث إلا حين نبصره
قد حالف السيف منه أي داهية كبرى وصافح يمنى الموت خنجره
كم قد أغار وشهب الليل عاثرة والفجر ينبت بالكافور عنبره
فآب والأّسد في الغلال خاضعة وعاد بالنجح والأنفال عسكره
والدهم كمت وسمر الخط تحمده والبيض صفر مصونات تكبره
[ ١٥٦ ]
والجو كالغسق المسودّ أبيضه والسيف كالشفق المحمر أخضره
هو الهمام الذي صحت سيادته واشتقّ من أنبياء الله عنصره
همّ العدى بذهاب النور منه وما يطفون نورًا يريد الله يظهره
يبغون محو اسمه من صحف منصبه والله في لوحه المحفوظ يزبره
بغوا عليه ومن يجعل تجارته بضاعة البغي يومًاخاب متجره
وحاولوا الغدر فيه وهو أمنهم وصاحب الغدر يكفي فيه منكره
ودبروا الأمر سرًا وهو متكل وربه فوق أيديهم يدبره
فأدركوا الويل والحزن الطويل وما رأوا من الأمر شيئًا سرّ منظره
فكم عزيز لهم ولت ضراغمهم وكم كباس خبا قد فر جؤذره
مولاي فلتهنك الدنيا وعودتها إليك والعيد قد وافى مبشره
وليهننا حج بيت منك دار على شعائر البر والمعروف مشعره
وارم العدى بجمار الذل واسع إلى منى وغى يرهف الضرغام منحره
وبشر الخصم أن البغي يصرعه ومارد الجور أن الظلم يدحره
واستجل در قريض كاد في حكم نظم البديع بيان المرء يسحره
ودم مدا الدهر في عز وفي شرف يسمو على كل من ناداك مفخره
وقال يمدح السيد منصور خان ويهنئه بختان ولده:
تلثم بالعقيق على اللآلي فغشى الفجر من شفق الجمال
وهز قوامه فثنى قضيبًا إليه تنقلت دول العوالي
وقنع بالدجى شمس المحيا فبرقع بالضحى ليل القذال
تزاور عن خباه فثم شمس تبلج حولها فجر النصال
فحد عن وجنتيه فثم ورد حماه الهدب في شوك النبال
إلام ألام فيه ولا أحاشي ويرقبني الحمام ولا أبالي؟
أوري عن هواه بحب ليلى وفيه تغزلي وبه اشتغالي
وليل كالبنفسج بات فيه يشنفني رياحين الوصال
وقام إليه من ورعي وعيظ يعرفني الحرام من الحلال
إذا امتدت إليه يمين نفسي ثنيت عنانها بيد الشمال
وإني قد أميل بلحظ طرفي تمن أهوى ويغضي عنه بالي
وإن قامت إلى الفحشاء يومًا بي الشهوات تقعدني خصالي
أحب الكذب في التشبيه هزلًا واهوي الصدق في جد المقال
فلي وعظ أشد من الرواسي ولي غزل أرق من الشمال
أنا الهادي غ الشعراء هاموا بوادي الشعر في ليل الظلال
مجلي السابقين إلى المعاني وفارس بحثها يوم الجدال
تدل لدى النشيد بنات فكري على أدبي وتنسبني فعالي
ويشهد لي بدعوى الفضل قربي لدى بركات نقاد المعالي
تملكني هواه فزدت فضلًا وفضل العبد مكن شرف الموالي
جمال الفضل مركز نيريه كمال بدور أبناء الكمال
رفيع علا إلى هام الثريا رقى بسلالم الهمم العوالي
موفى العرض في سنن السجايا مبيد المال في طلب المعالي
شجاع فيه تتسع المنايا إذا ما كرفي ضيق المجال
إذا يدجى القتام بدا بدرع أرانا الشمس في ثوب الهلال
هو العدل الذي بالوصف يعنو له العلم المعرف بالجلال
غوامض فكره تحكي الدراري وطيب نثاه يرخص بالغوالي
يرى الدنيا وإن عظمت وجلت لديه أقل من شسع النعال
به انطلق السماح وكان رهنًا وأضحى البخل مشدود العقال
تزين به عواطلها القوافي كما تتزين البيض الحوالي
فلو مس الصخور الصم يومًا لفجرهن بالعذب الزلال
إلى أن قال:
من القوم الذين سموا وسادوا على العرب الأواخر والأوالي
أثيل المجد مقصور عليهم وضال العز ممدود الظلال
تبين لي الحجا والجود فيه ونور المجد من قبل الفصال
غنيت عن الكرام به جميعًا وصمت الجود عن ذل السؤال
أأستسقي السحائب نازحات وهذا البحر معترضًا حيالي
وألقيت السلاح وما احتياجي وفيه تدرعي وبه اعتقالي
ألا يا أيها البطل المرجى لدفعي كتائب النوب العضال
ويا سيف المنون وساعديها وباري قوسها يوم النضال
[ ١٥٧ ]
ويا قمر الزمان ولا أكني وشمسي ضحى الملوك ولا أغالي
لقد غبط العلى بختان شبل أبوه أنت يا ليث النزال
شقيق الرشيد تسمية وفألًا سليل المجد خير أب وخال
نشا فنشا لنا منه سرور يكاد يهز أعطاف الجبال
وحمحمت الجياد مبللات وصال مكبرًا يوم القتال
وقرت أعين البيض المواضي ومسن معاطف السمر الطوال
هو الابن الذي بأبيه نالت خلود الأمن أفئدة الرجال
فدام ودمت ما اكتسبت ضياء نجوم الليل من شمس النوال
ولا زالت لك الأيام تدعو ولا برحت تهنيك الليالي
وقال أيضًا يمدحه بهذه القصيدة، ولم تذكر جامع ديوانه مطلعها، واعتذر أنه لم يجد منها إلا هذا القدر:
ويا وميض بروق المذن إن سفرت عن الثنايا فغض الطرف واستتر
ويا وجيز عبارات البيان لقد أطنبت في وصف ذاك الخصر فاختصر
هذا الأبيرق في فيها فوا ظمأي إلى عذيب عقيق المبسم العطر
وذا الغوير توارى في الوشاح فوا شوقي إليه وهذا الجذع في الأزر
بمهجتي نار حسن فوق مرشفها تشبُ من حول ذاك المورد الخضر
مرت بنا وهي تبدي نون حاجبها والصدغ يلثم منها وردة الخفر
ففوق القوس نبل العين واحزني وقارن العقرب المريخ واحذري
وحدثتنا فخلنا أنها ابتسمت زهر النجوم حديثًا في فم القمر
أما وبلورتي فجر تلثم في ياقوتتي شفق يفتر عن درر
ما خلت قبلك أن الحتف يبرز في زي العيون من الآرام والعفر
لولا ابتسامك لم تجر العيون دمًا والمزن لم تبك لولا البرق بالمطر
لو بيع وصلك للعاني بمهجته هانت عليه ومن للعمي بالصبر
أفنيت ماء عيوني بالصدود بكًا وجذوة الصيف تفني لجة الغدر
خلو قلبك من نار الهوى عجب ومكمن النار لا ينك في الحجر
لا تمقتي أثرًا في الخطوب بدا فزينة الصارم الهندي بالأثر
ولا تذمي بياض الشيب إن شعلت شموعه في سواد الليل من شعري
فالمرء كالجمر في حال الخمود يرى فيه السواد ويبدو النور في السعر
لله در ليال بالحمى سلفت بيض ترى في جباه الدهر كالغرر
فكم عشونا بجنات النعيم إلى سناءنا رين من جمر ومن قطر
وبدر خدر بشهب الليل منتطق مبرقع بسناء الفجر معتجر
لو أصبح الليل من فودية ما بزغت شمسي المدامة بالآصال والبكر
ولو عدا اللثم ذاك البدر ما قذفت أيدي ابن منصور للعافين بالبدر
سواد عين المعالي نقش معصمها بياض صلت العطايا مبسم الستر
سهم المنيبة درع الملك جنته سنان رمح الليالي صارم القدر
مملك ساس أحوال الرعية في عدل يؤلف بين الأسد والبقر
إلى أن قال
وتر البرية شفع الدهر جملته جمع الفخار مثنى النفع والضرر
دع الروايات في الماضي فرؤيته أقوى وليس عيان الأمر كالخبر
وقد تركت منها أبياتًا خوف الإطالة: وقال يمدح السيد علي خان:
روت عن تراقيها العقود عن النحر محاسن ترويها النجوم عن الفجر
وحدثنا عن خالها مسك صدغها حديثًا رواه الليل عن كلفة البدر
وركب منها الثغر أفراد جملة حكاها فم الإبريق عن حبب الخمر
بصحة جسمي سقم أجفانها التي على صحوها لا تستفيق من السكر
وبالعنبر الوردي نكهتها التي روى المسك عن اسنادها خبر النثر
عذيري من عذراء قبل تمائمي خلعت على العذال في حبها عذر
ولي مدمع في حبها لو بكى الحيا به نبت الياقوت في صدف الدر
بروحي منها جؤذرًا في غلائل وجيد مهاة قد تلفع بالخمر
لقد غصبت منها القرون لياليًا من الدهر لولا طولها قلت من عمري
أما وسيوف للحتوف بجفنها تجرد عن عين وتغمد في سحري
وهدب يسقى نبله سم كحلها فذب بشوك النحل عن شهده الثغر
وصمتة قلب غص منها بمعصم ووسواسه الخناس ينفث في صدري
[ ١٥٨ ]
وطوق نضار يستسر هلاله مع الفجر تحت الشمس في غسق الشعر
لفي القلب مني لوعة لو تجنها حشى المزن أمسى قطرها شرر الجمر
منعمة غير الكرم لا بزورها وتحجب عن طيف المحب إذا يسري
إذا مر في الأوهام من وصالها رأيت جياد الموت تعثر بالفكر
رفيعة بيت هالة البر نوره وقوس محيط الشمس دائرة الستر
يرى في الدجى نهر المجرة تحته على در حصباء النجوم به تجري
فأطنابه للفرقدين حمائل وأستاره بالجنح أجنحة النسر
وليل نجم القذف فيه كأنها تصول علينا بالمهندة البتر
ركبت به هوج المطايا وخضت في بحار المنايا طالبًا درة الخدر
فعانقت منها جؤذر القفر آنسًا وصافحت منها بالخبا دمية القصر
فلما دنا منها الوداع وضمنا قميص عناق بزنا ملبس الصدر
بكت فضة من نرجس متناعس وأجريت تبرا من شقيق أخي سفر
فأمست عيون البدر في شفق الدجى تسيل وعين الشمس بالأنجم الزهر
وبتنا وزند الليث مني مطوق لها ويمين الظبي قد وشحت خصري
فكادت لما بي أن تذيب سوارها ضلوعي وإن كانت حشاي منة الصخر
وكاد فريد العقد منها لما بها يذوب فيجري كالدموع ولا يدري
سقى الله أكناف العقيق بوارقًا تقطع زنج الليل في قضب التبر
ولازال محمر الشقائق موقدًا بها الياقوت في قضب الشذر
حمى تتحامى الأسد آرام سربه وتصرعهم من عينه أعين العفر
تحوط الظبا أقماره في أهلة وتحمى شموس البيض في أنجم السمر
ألا حبذا عصر مضى وليالينا عرائس انس يبتسمن عن البشر
وأيامنا غر كأن حجولها أيادي عل في رقاب بني الدهر
أياد عن التشبيه جلت وإنما عبثن بقلب ساحرات رقى السحر
بواد يزان المجد منها بأنجم هواد لمن يسري إلى مشرق اليسر
مواض لمران المعالي أسنة وقضب بها العافون تسطو على الفقر
نبتن بكفيه نبات بنانه فدلت قطوف الجود في ثمر الشكر
هو العدد الفرد الذي يجمع الثنى وتسطر عنه قسمة الجبر
صنائعه عقد على عاتق العلى ومعروفه تاج على هامة الفخر
ربيع إذا مازرته زرت روضة يفتح فيها نثره حدق الزهر
نهيم به عشقًا لخلق كأنه يهب علينا في نسيم الهوى العذري
أيا واردي لج البحار اكتفوا به فسبعتها في أنمله العشر
إذا يده البيضاء أخرجها الندى فيا ويل أم البيض والورق الصفر
وهي طويلة احببت الاقتصار منها على هذا القدر وقال أيضًا يمدحه:
أما ومواضي مقلتيها الفواصل لتشبيبها بالبدر تحصيل حاصل
وياقوت فيها إن جوهر جسمها لكالماء إلا انه غير سائل
وورد محياها النضير لقدها هو الرمح إلا انه غير ذابل
من العين إلا انها في كنانها تظللها أسد الثرى بالمناضل
كعاب تمد الحتف في أي ناظر من الغنج إذ تدنو بمقلة خاذل
ذكاة حمتها الشهب وهي أسنة وقامت لديها نيران المشاعل
تظن رغاء الرعد زفرة مدنف فترشقه حراسها بالمعابل
وتحرس عن مر النسيم توهمًا بأن الصبا تهدي إليها رسائلي
بروحي منها حاجبًا غنج قوسه تسلمه من طرفها أي نابل
وقضبان بلور بدت في خواتم وأعمدة من فضة في خلاخل
وزندين لو لم يمسكا في دمالج لسالا من الأكمام سيل الجداول
فما اختال ظبي قبلها في مدارع ولا مال غصن يانع في غلائل
أحن لمرأى خدها وهو مصرعي وأعشق منها الطرف والطرف قاتلي
فوا عجبًا أشقى بها وهي جنتي ولم أقتنصها والظبا من حبائل
وليل غرابي الخضاب كفرعها طويل كحظي لونه غير ناصر
كأن الدياجي منه سود عوابس وأنجمه بيض الحساني الثواكل
قضى فجره نحبًا فأحيته فكرتي وقدح الحصى باليعملات الزوامل
وبت وصحبي كالقسي من السرى نجافي الكرى ميل الطلا بالكواهل
[ ١٥٩ ]
فظلنا نساقي في زجاجات ذكرها حميا هواها في ندي الرواحل
فمن مدنف صاح بنا مثل شارب ومن معشر منا له زي زاهيل
فلولا هواها ما صبوت إلى الصبا ولا رحمت دمعي دعاة المنازل
ولا اقتنصت أخت الغزال جوارحي ولا هيجت ورق الحمام بلابل
ولولا رقى السحر المبين بلفظها لما التذ سمعي في أحاديث بابل
أيلحقني في حبها نقص سلوة إذا فارقتني نسبتس للفضاء
ولا صافح الخطي مني يد الندى ولا عانقت جيد المعالي حمائلي
ولا نصب البيض الجوازم رتبتي ولا رفعتها همتي للعوامل
وإني لظمآن إلى عذب منهل حمت شهده نحل الرماح النواهل
بحيث تحوط الأسد مرقد باغم وتوقظ طرف الموت دعوة صاهل
وما مورد عذب إذا لم أرى الظبا تشوب نضارًا في لجين المناهل
سقى الله قومًا خيموا أيمن الحمى وحيا بشرق الغضا كل وابل
ولله أيام السرور وحبذا مواسم لذات الليالي الأوائل
أما آن أن تدنو الديار وينجلي ظلام التنائي في صباح التواصل
فحتام تستجدي النوى يمّ مقلتي فيرفدها در الدموع الهوامل
أكانت جفوني كلما اعترض النوى بنان علي والنوى كف سائل
جواد إذا ضن الغمام على الورى توالت يداه بالغيوث الهوامل
شريف محل التاج في حلي فضله تزان صدور المكرمات العواطل
له راحة لو ترضع المزن درها همت باللآلي معصرات الحوامل
أحاطت بأوساط الدهور ووشحت حظوظ الورى منها خطوط الأنامل
تلذذه بالبأس والعفو والتقى وبذل العطايا لا بطيب المآكل
يهز أفعوان الرمح في كف ضيغم ويمسك نهر السيف في بحر نائل
يقلب فيه الدهر أجفان حائر ويرنو إليه الغيث في طرف آمل
همام يصيد الأسد ثعلب رمحه إذا الربد رفت في بزاة الجحافل
فما سار شيء من عداه بأرضه سوى ما سرى من لحمها في الحواصل
لطاعته قامت على ساقها الوغى ونكسى ذلًا رأسه كل باسل
وشدت على الأوساط من حزم القنا لديه زنانير الكعوب العوامل
وليس اضطراب الرمح خلقًا وإنما رمتها دواعي ذعره بالأفاكل
يرى زورة العافي ألذ من الصبا وأحسن من وصل الحبيب المماطل
هو الصقع اللسن الذي لبيانه بنظم القوافي معجزات الفواصل
وموضع علم الفضل والعلم الذي عليه وجوبًا صح حمل الفواضل
يعدي فعال المكرمات بنفسها إلى آمليه لا بجر الوسائل
مضى فعله المشتق من مصدر العلى فصح له منه اشتقاق اسم فاعل
تكاد القنا قسرًا بغير تثقف يقوّم منها عدا له كل مائل
وإن تنحني حني الأساور قضبه لما أثقلتها من ذحول القبائل
فلا تطلبوا يا حاسديه اغتياله فتخطفكم غول الخطوب الغوائل
ولا تنزلوا أرضًا بها حل شخصه فتنزل فيكم صاعقات النوازل
تولى بلاد الحوز فليخل بالها وتفرغ من بعد الهموم الشواغل
لقد قر طور المجد فيها مكانه وقد كان دكًا قبله بالمنازل
وفك عن الملك الوثاق فأصبحت شياطينه من قهره في سلاسل
وزال ظلام البغي عن نير الهدى وحكم سيف الحق في كل باطل
فحسبك يا بكر العلى مفخرًا فقد تزوجت منه بالكريم الحلاحل
فيا ابن حسام المجد والعامل الذي به انصرفت قسرًا جميع القبائل
لقد فقت آباء الكرام بوالدٍ به ختمت غر الكرام الأفاضل
محل سماك الفضل مركز شمسه مقر دراري غامضات المسائل
صفوح صدوق حاكم متشرع عفيف شريف ماله من مماثل
ففيه حكيم عالم متكلم ينص على أحكامه بالدلائل
مناقب فخر حزتها منه ياابنه وحسبك فخرًا ما به من شمائل
فلازلت قطبًا ثابتًا في العلى ولا برحت هلالًا كاملًا غير آفل