بديع الزمان الهمذاني قال طابع ديوانه محمد شكري المكي: هو الأستاذ فخر همذان بديع الزمان ابو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المتوفي سنة ٣٩٨ وقد أربى على ٤٠ سنة وله ديوان شعر هو (ديوان الأدب) يحق أن تفخر به العجم على العرب، يزري بعقود الجمان، وقلائد العقيان، فمنه قوله في أبي بكر الخوارزمي:
برق الربيع لنا برونق مائه فانظر لروعة أرضه وسمائه
فالترب بين ممسك ومعنبر من نوره بل مائه وروائه
والماء بين مصندل ومكفر من حسن كدرته ولون صفائه
والطير مثل المحسنات صوادحا مثل المغني شاديًا بغنائه
والورد ليس بممسك رياه بل يهدي لنا نفحاته من مائه
زمن الربيع جلبت أزكى متجر وجلوت للرائين خير جلائه
فكأنه هذا الرئيس إذا بدا في خلقه وصفائه ةعطائه
يعشو إليه المجتدي والمجتني والمجتوي هو هارب بذمائه
ما البحر في تزخاره والغيث في أمطاره والجود في أنوائه
بأجل منه مواهبًا ورغائبًا لازال هذا المجد حول فنائه
والسادة الباقون سادة عصره متمدحين بمدحه وثنائه
قال يمدح صاحب الجيش ابا علي.
علي أن لا أريح العيس والقتبا والبس البيد والظلماء واليلبا
وأترك الخود معسولا مقبلها وأهجر الكأس تغذو شربها طربا
حبي الفلا مجلسا والبوم مطربة والسير يسكرني من مسه تعبا
وطفلة كقضيب البان منعطفًا إذا مشت وهلال الشهر منتقبا
تظل تنثر من أجفانها دررًا دوني وتنظم من أسنانها حببا
قالت وقد علقت ذيلي تودعني والوجد يخنقها بالدمع منسكبا
لا در در المعالي لا يزال لها برق يشوقك لا هوانًا ولا كثبا
يا مشرعا للندى عذبًا موارده بيناه مبتسم الأرجاء إذا نضبا
أطلعت لي قمرًا سعدًا مطالعه حتى إذا قلت يجلو ظلمتي غربا
كنت الشبيبة أبهى ما دجت درجت وكنت كالورد أزكى ما أتى ذهبا
أستودع الله عينًا تنتحي دفعًا حتى تؤوب وقلبًا يرتمي لهبا
وظاعنًا أخذت منه النوى وطرًا من قبل أن اخذت منه المنى أربًا
فقلت ردي قناع الصبر إن لنا إليك أوبة مشتاقًا ومنقلبا
أبى المقام بدار الزل لي كرم وهمة تصل التوخيذ والخبب
وعزمة لا تزال الدهر ضاربة دون الأمير وفوق المشتري طنابا
يا سيد الأمراء أفخر فما ملك إلا تمناك مولى واشتهاك أبا
[ ٥٩ ]
إذا دعك المعالي عرف هامتها لم ترض كسرى ولم من قبله ذنبا
اين الذين اعد المال من ملك يرى الذخيرة ما أعطى وما وهب
ما لسيف محتطم والسيل مرتكمًا والبحر ملتطمًا والبحر مقتربا
أمضىشبًا منك أدهى منك صاعقا أجدى يمينًا وادنى منك مطلبا
وكاديحيك صوب الغيث منسكبًا لو كان طلق المحيا يمطر الذهب
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت والليث لو لم يصد والبحر لو عذب
يا من يراه ملوك الأرض فوقهم كما يرون على أبراجها الشهب
لا تكذبن فخير القول أصدقه ولا تهابن في أمثالها العرب
فقما السمؤل عهدًا والخليل قرىً ولا أبن سعدا ندا والشنفرة غلبا
من الأمير بمعشار إذا اقتسموا مأثر المجد فيما أسلفوا نهبا
ولا ابن حجر ولا الذبيان يعشرني والمازنيو والا القيسي منتدبا
هذا لركبته لهذا لرهبته لهذا لرغبته هذا إذا طرب
وقال يمدح ابراهيم بن احمد:
سقا الله نجد كلما ذكروا نجد وقل لنجد أن اهيم به وجدا
طربت وهاجتني شمال بليلة وجدت لمسراها على كبدي بردا
ويا حبذا نجد وبرد أصيله وعيشا تركناه بساحته رغدا
ليللي شمل بالأحبتي جامع واذ غصني الريان لا يسع الجلدا
لعمر ظباء بالعقيق أو أنس لقد صدنا مني بالوا اسدًا وردا
ولولم يساقطنا حديثك إنما يشعشعنا بالخمر المعتق الشهدا
مناعت فؤادي أن يباح له حمى وصمت دموعي أن افض لها عقدا
وعزم إذا خيمت سافر وحده شققت به الليل عن منكب بردى
فطمت عليه العزم قبل رضاعه إليه واعلمت المسومة الجردا
ولا غرر إلا شممت له يدًا ولا خطر إلا قدحت له زندا
ولا قفرة إلا وامسيت صلها ولا حضر إلا وظلت له وفدا
كحلت بهمي بهمي عين كل كريهة إليها تخطيت الأساود والأسدا
بهمة مستحل من المجد مره وعزمة مستد من الشرف البعدا
وطئت بها بص الملوك مبجلًا وما وصلت لي منهم رحم عهدا
وأصبحت للباب المحبب والجًا ويوسع غيري أن يمر به طردا
ولست بهياب إذا لم تطل يد موكلة والواخدات بنا وخدا
غدا الدهر مني حالية بمفاخر ورحت كنصل السيف يحملني فردا
وقد علم الأقوام أن شريعتي من المجد لم تسهل على أحد وردا
ولست فتى إن شمت برق سحابة لغير كريم أو سمعت لها رعدا
متى أتت الشيخ الجليل مطيتي فقدت يدي إن لم أقد لها جلدا؟
تزر ملكة يعطي الجزيل إذا صحى ويضرب هامات الملوك إذا شدا
يحكم إلا في محارمه الندى ويعمل إلا في مكارمه القصدا
ألم ترني قيدنت في طوس عزمتي ولولاه ما كانت على كبدي تندا
وكنت إمرء لا أرتضي المجد خادمًا ذهابًا بنفسي فاتسمت له عبدا
قصدناك لا أن الضلال أجارنا ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
فلا أملي أعيا ولا صارمي نبا ولا منزع أشوى ولا مطلبي أكدى
فلو كنت غيثًا لم يشم برق خلب ولو كنت بحرًا لم يزد أبدًا مدا
أملي فمي فخرًا ووسع يديا ندا وحسب المنى منا وقدرا الجدا أجد؟
أعرني يدا تهمي دنانير في الندى كما تنثر الأغصان يوم الصبا وردا
أعرك ثنائًا لا تغب وفوده كما تنشر الأمطار فوق الربا بردا
وألبسك مدحًا لا يعاد فريده كما ينفخ الند الزكي إذا ندا
تعد المساعي غضا بعد يبسها وشيب المعاني بعد كبرتها مردا
هلمى العطايا فلها تفتح الهى وسح الندا يستنجز الخاطر الوعدا
جلبت إليك المدحمغلى بسومه أرغبة متاع بمدح أم زهدا
أشم مدحي كفًا بها تبتني العلا ولا تعدني رأيا به تعمر المجدا
فما العمر إلا ما اقتنى لك ذكره بمنشب ظفر ما بقيت لها سدا
وقال يمدح الشيخ أبا نصر بن ابي زيد:
يا شيخ أي رفاق السير مسبوق أانت أم أنا أم عزمي أم النوق؟
[ ٦٠ ]
آثرتكن ولولا المجد أثرني كأس وكن وندمان ومعشوق
وفارسي كوجه الفيل مضطربًا ينحى عليه رشيق القد ممشوق
وفتيا كنجوم الليل مسعدا كلن إذا لاح سامي الطرف مرموق
في فاغم النور موشي جوانبه كأنه من خصال الشيخ مسروق
واهن لشوس القوافي كيف ابدلها وكل واحدة منهنا عيوق
لا لا أزفك إلا كفئ مكرمى ولا أبيعك حتى ينفق السوق
شمي يمينا وزير المشرقين غدا فإنه بنسيم النجم مخفوق
شمي يدًا للمعالي فوق كل يد وتحت كل فم أنيابه روق
قالت أما دون بلخ للمنا غرض أدنى ودون وزير الشرق مخلوق؟
بلا بلاد وأقوام وأهل غنا بي عنهم وبهم عن همتي ضيق
كم رائع الجسم إلا انه طلل وهائل الصوت إلا أنه بوق
إن امراء في مقام الفخر يحرمني عطاء غيرك إني منك مرزوق
بما جمعت تفاريق الكمال غدًا بين الملوك وبيني منك وفاروق
فإن مددت يدي يومًا فلا رجعت لغيركم أبدًا ما حنت النوق
مجدًا أروض على مكروهه خلقي إن الرياضة للأخلاق راووق
اقر السلام وزير الشرق في سحر نسميه بذكي المسك مفتوق
وأنت يا نومة الفجر ابتغي نفقًا إن القرار ولما ألقه موق
وانعم صباحًا وزير المشرقين لا يفتك في أمل عزم وتوفيق
فضل المزية إن المكرمات له مجموعة وهي في الدنيا تفاريق
ومطفل من بنات الزنج يخدمها من آلة طبعتها الهند ابريق
طاعت ليمناك واسطاعت رياضتها فشأنها الدهر ترقيع وتمزيق
إذا دجاليل خطب اطلعت شمعًا يجلو الدجى بدمي فيها تزاويق
شمع يداك له شمع حجاك له دمع سجيته جمع وتفريق
كأن يمناك بحر وهي زورقه أليس من آلة البحر الزواريق
ووابل صاعدته الريح لحت له والبحر فرغ له والدلو إنبيق
فارتد منك على أعقابه خجلا ولم تفض دمعه تلك الحماليق
وإينق كقسي نبع ليس لها إلا الحقائب حملا والصناديق
أخذنا منك مواثيق مغلظى إن الكرام سجاياهم مواثيق
وقال يمدح الأمير خلف بن احمد سماء الدجى ما هذه الحدق النجد
أصدر الدجى حال وجيت الضحى عطل
لك الله من عزم أجوب جيوبه كأني في أجفاني عين الدجى كحل
كأن الدجى نقع وفي الجو حومة كوكبها جند طوائرها رسل
كأن مطايانا سماء كأننا نجوم على اقتابها برجها الرحل
كأن القرى سكرى ولا سكر بالقرى كأن الربى سكلى وما بالربى سكل
كأن السرى ساق كأن الكرا طلا كأن لها شرب كأن المنا نقل
كأن الفلا ناد به الجن فتيى عليه الثرا فرش حشيته الرمل
كأن الربا كوم كأن هزالها لكثرة ما يغتالها الخف والنعل
كأن الذي تنفي الحوافر في الثرا خطوط مسامير النعال لها شكل
كأن جياع والمطي لنا فم كأن الفلا زاد كأن الثرى أكل
كأن بصدر العيس حقزًا على الثرى فمن يدها خبط ومن رجلها نكل
كأن ينابيع الثرى سدي مرضع وفي حجرها مني ومن ناقتي طفل
كأنا على أرجوحة من مسيرنا لغور بها نهوي ونجد بها نعل
كأن على سير الثواني مسافة لمجهلة تمضي ومجهلة تتلو
كأن الدجى جفن كأن نجومه على ظهره حلي كأنا له نصل
كأن بني غبراء حين لقيتهم ذئاب كأني بين أنيابهم سخل
كأن أبانا أودع الملك الذي قصدناه كنزًا لم يسع رده مطل
كأن يدي في الطرس غواص لجة بها كلم در بها قيمتي تغلو
كأن فمي قوس لساني له يد مديحي له نزع بهي أملي نبل
كأن دواتي مطفل حبشيا بناني لها بعل ونفسي لها نسل
كأن بنيها عكس أبناء عصرنا فإن يرضعوا يبكوا وأن يفطموا يسلو
وإن ضربت أعناقهم عاش ميتهم فقتلتهم إن لا يعمهم القتل
كأن أهلمت فضل الذي بإسمه جرت فسارت وما غير الرؤوس لها رجل
كأن الأمير اختصها فأعتلت به معارج كل العاليات لها سفل
[ ٦١ ]
وإلا فما بال الملوك نراهم عبيد قناة لا تمر ولا تحلو
ألا عتبث جمل وبيني وبينها من البيد عز لو به علمتو جمل
أتعجب من شكواي دهري كأنني شكوت لم يشكه الناس قبل
يذكرني قرب العراق وديعتًا يد الله لا يسليه مال ولا أهل
حنته النوى عني وأضنته غيبتي وعهدي به كالليث جؤجؤه عبل
إذا ورد الحجاج لاقى رفاقهم بفوارتي دمع هما السجل والنجل
يسائلهم عن ابنه كيف حاله إلا ما انتهى لم لم يعد هل شغل
أضاقت به حال أطالت له يد أاخره نقص إقدامه فضل
أفيصوا عن الفرع الذي أنا اصله وما بل فرع ليس يحضره الأصل
يقولون وافى حضرة الملك الذي له الكنف المأمون والنائل الجزل
فقيد له طرف وحلت له حبا وخير له قصر ودر له نزل
وفاضت عليه مطرة خالفية بها للغوادي عن ولايتها عزل
يزكرهم بالله إلا صدقتم لدي أجد ما تقولون أم هزل
فدنًا لك من أبناء دهرك من غدا ولا قوله علم ولا فعله عدل
طوينا للقياك الملوك وإنما بمثلك عن أمثالهم مثلنا يسلو
ولما بلوناكم تلونا مديحكم فيا طيب ما نبلو ويا صدق ما نتلو
ويا ملك أدنى مناقبه العلا وأيسر ما فيه السماحة والبذل
هو البدر إلا أنه البحر زاخرًا سوى أنه الدرغام لكنه الوبل
محاسن يبديها العيان كما ترى وإن نحن حدثنا بها دفع العقل
فقولا لوسام المكارم بإسمه ليهنئك إذا لم تبق مكرمة غفل
وجاريت أفراد الملوك إلى العلا فحقًا لقد أعجزتهم ولك الفضل
سما بك من عمر بن يعقوب محتد كذا الأصل مفخزورًاُ وكذا الأصل
تم الإختيار من شعر بديع الزمان الهمزاني ويليه الإختيار من شعر ابن النبيه