من لانت كلمته وجبت محبته، وقيمة كل إنسان ما يحسنه ومن كلام عمر بن عبد العزيز ﵀: ثلاث من كن فيه، فقد كمل: من لم يخرجه غضبه عن طاعة الله، ولم يستنزله رضاه إلى معصية الله، وإذا قدر عفّ وكف.
ومن كلام الحسن البصري: نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان عليه، وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلا ما عفا الله عنه.
ولبعضهم في الصبر والاحتمال
تعز فان الصبر بالحر أجمل وليس على ريب الزمان معول
وعاقبة الصبر الجميل جميلة وأفضل أخلاق الرجال التجمل
فلو كان يغني أن يرى امرأً جازعًا لنائبة أو كان يغني التبذل
لكان التعزي عند كل مصيبة ونازلة بالحر أولى وأجمل
فكيف وكل ليس يعدو حمامه وما لامرئ مما قضى الله مرحل
فان تكن الأيام فينا تبدلت ببؤسى ونعمى والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة ولا ذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوسًا كريمة تحمل ما لا يستطاع فتحمل
وقينا بفضل الله منا نفوسنا فصحت لنا الأعراض والناس هزل
ومن قول أبي الفتح البستي:
وإذا هممت فناج نفسك بالمنى وعدًا فخيرات الجنان عدات
واجعل رجاءك دون يأسك جنةً حتى تزول بهمك الأوقات
[ ١٠٩ ]
واسترعن الجلساء همك انما جاساؤك الحساد والشمات
ودع الأوقع للحوادث انه للحي من قبل الممات ممات
فالهم ليس له ثبات مثلما في أهله ما للسرور ثبات
لولا مغالطة النفوس عقالها لم يصف للمتيقظين حياة
وقال أيضا:
بحفظ الجسم تبقى النفس فيه بقاء النار تحفظ بالوعاء
فبالبأس الممض فلا تمتها ولا تمدد لها حبل الرجاء
وعدها في شدائدها رخاء وذكرها الشدائد في الرخاء
يعد صلاحها هذا وهذا وبالترتيب منفعة الدواء
وللبيد:
أكذب النفس إذا حدثتها أن صدق النفس مزر بالأمل
قال أبو الفرج: روي انه جاء الكميت الشاعر إلى الفرزدق فقال له: يا عم إني قد قلت قصيدة أريد أن اعرضها عليك قال قل فانشده:
طربت وما شوقًا إلى البيض اطرب ولا لعبًا مني وذو الشوق يلعب؟
فقال الفرزدق ولماذا لم تطرب فقال:
ولم تلهني دار ولا رسم منزل ولا يزدهي قلبي بنان مخضب
فقال الفرزدق: أجماد أنت ويحك؟ فقال:
ولا أنا ممن يزجر الطير همه أصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشية أمر سليم القرن أم مر أعضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى وخير بني حاء والخير يطلب
فقال الفرزدق: م هؤلاء لا أم لك فقال:
إلى النفر البيض الذين بحبهم إلى الله فيما نابني أتقرب
فقال الفرزدق من هم أرحني؟ فقال:
بني هاشم رهط النبي فإنني بهم ولهم أرضى مرارًا وأغضب
فقال الفرزدق: لو جزتهم إلى سواهم لذهب شعرك باطلًا ومنها:
خفضت لهم مني جناح مودة إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
ومالي إلا آل أحمد شيعة ومالي إلا مذهب الحق مذهب
بأي كتاب أم بأية سنة يرى حبهم عارًا علي ويحسب
يشيرون بالأيدي إلي وقولهم إلا خاب هذا والمشيرون أخيب
روي انه حج هشام بن عبد الملك، وأراد استلام الحجر، فلم يصل إليه إلا بعد زحام، ثم وضع له كرسي، وجلس فجاء زين العابدين علي بن الحسين ﵄، فلما أراد استلام الحجر تنحى الناس عنه، فسأل هشام من كان عنده عنه فقالوا: لا نعرفه، وكان الفرزدق حاضرًا، فقال: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين فقال من هو فأنشد:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
وليس قولك من هذا بضائره والعرب تعرف من أنكرت والعجم
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحه عبق من كف أروع في عرنينه شمم
ينشق نور الهدى عن نور غرته كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
من معشر حبهم دين وبغضهم إثم وقربهم منجى ومعتصم
أن عد أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا ينقص العدم بسطًا من أكفهم سيان ذلك أن أثروا وان عدموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم في كل أمر ومختوم به الكلم
وللشريف ارضي:
لغير العلى مني القلى والتجنب ولولا العلى ما كنت في العيش أرغب
إذا الله لم يعذرك فيما ترومه فما الناس إلا عاذل أو مؤنب
ملكت بحلمي فرصة ما استرقها من الدهر مفتول الذراعين أغلب
فان تك سني ما تطاول باعها فلي من وراء المجد قلب مدرب
فحسبي أني في الأعادي مبغض واني إلى غر المعالي محبب
وللحلم أوقات وللجهل مثلها ولكن أوقاتي إلى الحلم أقرب
يصول علي الجاهلون وأعتلي ويعجم في القائلون وأعرب
يرون احتمالي غصة ويزيدهم لواعج ضغن إنني لست أغضب
وأعرض عن كأس النديم كأنها وميض غمام غائر المزن خلب
وقور فلا الألحان تأسر عزمتي ولا تمكر الصهباء بي حين أشرب
[ ١١٠ ]
ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها ولا أنطق العوراء والقلب مغضب
تحلم عن كر القوارض شيمتي كأن معيد المدح بالذم مطنب
لساني حصاة يقرع الجهل بالحجا إذا نال مني العاضه المتوثب
ولست براض أن تمس عزائمي فضالات ما يعطي الزمان ويسلب
غرائب آداب حباني بحفظها زماني وصرف الدهر نعم المؤدب
تريشنا الأيام ثم تهيضنا إلا نعم ذا البادي وبئس المعقب
نهيتك عن طبع اللئام فإنني أرى البخل يأتي والمكارم تطلب
تعلم فان الجود في الناس فطنة تناقلها الأحرار والطبع أغلب
ولعلي الكيلاني:
تأمل ولا تعجل بما أنت باغيا وكن لازمًا للعدل لا تك باغيا
وجاز الذي أسدى الجميل بمثله وسيئه فاجز مسيئًا وعاتيا
ولن جانبًا للخل وارع وداده ووف بمكيال الذي كان وافيا
ورغ عند رواغ وزغ عند زائغ ومع مستقيم العدل كن متساويا
تحل بحسن الخلق للخلق كلهم وكن سهلا صعبا فورًا مواتيًا
ودار جميع الناس ما دمت بينهم وكن تابعًا حقًا نبيلًا مداريا
تحمل لجور الجار وارع جواره وواصل ذوي الأرحام واجف المجافيا
وكن بإله الناس ظنك محسنًا وبالناس سوء الظن دومًا مراعيا
لتعلم أن الناس لا خير فيهم ولا بد منهم فالتبسهم مزاويا
وان تبد يومًا بالنصيحة لامرئ بتهمته اياك كان مجازيا
وان تتحلى بالسماحة والسخا يقال سفيه أخرق ليس واعيا
فإن أمسكت كفاك حال ضرورة يقال شحيح ممسك لا مواسيا
وان كنت مقدامًا لكل ملمة يقال عجول طائش العقل ولاهيا
وان تتغاض باعتزالك عنهم يخالوك من كبر وتيه مجافيا
وان تتدان منهم لتألف يظنوك خداعًا كذوبًا مرائيا
ترى الظلم منهم كامنًا في نفوسهم كذا غدرهم في طبعهم متواريا
وفي قوة الإنسان يظهر ظلمه وفي عجزه يبقى كما كان خافيا
وهيهات تنجو من غوائل فعلهم وأقوالهم مهما تكن متحاشيا
فمن رام إرضاء الأنام بقوله وفعل غدا للمستحيل معانيا
ومن ذا الذي أرضى الخلائق كلهم رسولًا نبيًا أو وليًا وقاضيا
وأعظم من ذا خالق الخلق هل ترى جميع الورى في قسمة منه راضيا
إذا كان رب الخلق لم يرض خلقه فكيف بمخلوق رضاهم مراجيا؟
فلازم رضى رب العباد إذن ولا تبال بمخلوق إذا كنت زاكيا
وسدد وقارب ما استطعت فإنما يكلف عبد فعل ما كان قاويا
ولأبي العتاهية:
اسلك بني مناهج السادات وتخلقن بأشراف العادات
لا تلهينك عن معادك لذة تفنى وتورث دائم الحسرات
أن السعيد غدًا زهيد قانع عبد الإله بأخلص النيات
أقم الصلاة لوقتها بشروطها فمن الضلال تفاوت الميقات
وإذا اتسعت برزق ربك فاجعلن منه الأجل لأوجه الصدقات
في الأقربين وفي الأباعد تارة أن الزكاة قرينة الصلوات
وارع الجوار لأهله متبرعًا بقضاء ما طلبوا من الحاجات
واخفض جناحك أن منحت إمارة وارغب بنفسك عن ردى اللذات