أبي الفتح البستي قال رحمه الله تعالى:
زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان حظ لا ثبات له فإنى معناه في التحقيق فقدان
يا عامرًا لخراب الدهر مجتهدًا بالله هل لخراب العمر عمران
ويا حريصًا على الأموال يجمعها أنسيت أن سرور الملك أحزان
زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها فصفوها كدر والوصل هجران
وأرع سمعك أمثالًا أفصلها كما يفصل ياقوت ومرجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استبعد الإنسان إحسان
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
وكن على الدهر معوانًا لذي أمل يرجو نداك فإن الحر معوان
واشدد يديك بحبل الله معتصمًا فإنه الركن إن خانتك أركان
من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
من استعان بغير الله في طلب فإن ناصره عجز وخذلان
من كان للخير مناعًا فليس له على الحقيقة إخوان وأخدان
[ ٩٣ ]
من جاد بالمال مال الناس قاطبة إليه والمال للإنسان فتان
من سالم الناس يسلم من غوائلهم وعاش وهو قرير العين جذلان
من كان للعقل سلطان عليه غدا وما على نفسه للحرص سلطان
من مد طرفًا بفرط الجهل نحو هوى أغضى على الحق يومًا وهو خزيان
من استشار صروف الدهر قام له على حقيقة طبع الدهر برهان
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ندامة والحصد الزرع أبان
من استنام إلى الأشرار قام وفي قميصه منهم صل وثعبان
كن ريق البشر إن الحر زينته صحيفة وعليها البشر عنوان
ورافق الرفق في كل الأمور فلم يندم رفيق ولم يذممه إنسان
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة فلن يدوم على الإحسان إمكان
فالروض يزدان بالنور فاحمه والحر بالحلم والإحسان يزدان
صن حر وجهك لا تهتك غلالته فكل حر لحر الوجه صوان
دع التكاسل في الخيرات تطلبها فليس يسعد بالخيرات كسلان
لا ظل للمرء أحرى من تقى ونهى وإن أظلته أوراق وأغصان
والناس أعوان من والته دولته وهم عليه إذا عادته أعوان
سبحان من غير مال باقل حصر وباقل في ثراء المال سحبان
لا تودع السر وشاء به مذلًا فما رعى غنمًا في الدو سرحان
لا تحسب الناس طبعًا واحدًا فلهم غراء لست تحصيها وألوان
ما كل ماء كصداء لوارده نعم ولا كل نبت فهو سعدان
لا تخدشن بمطل وجه عارفة فالبر استوى فيه إسرار وإعلان
فللتابير فرسان بها ركضوا فيها أبروا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيت مقدرة وكل أمر له حد وميزان
كفى من العيش ما قد سد من عوز ففيه للحر غنيان وقنيان
وذو القناعة راض عن معيشته وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان
حسب الفتى عقله خلا يعاشره إذا تحاماه إخوان وخلان
هما رضيعا لبان حكمة وتقى وساكنًا وطن مال وطغيان
إذا نبا بكريم موطن فله وراءه في بسيط الأرض أوطان
يا ظالمًا فرحًا بالعز ساعده إن كنت ما بينها لا شك ظمآن
لا تحسبن سرورًا دائمًا أبدًا من سره زمن ساءته أزمان
يا رافلًا في الشباب الوحف منتشيًا من كأسه هل أصاب الرشد نشوان؟
لا تغترر بشباب رائق خضل فكم تقدم قبل الشيب شبان
ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم يكن لمثلك في الإسراف إمعان
هب الشبيبة تبلي عذر صاحبها ما عذر أشيب يستهويه شيطان
وكل كسر فإن الدين يجبره وما لكسر قناة الدين جبران
خذها سوائر أمثال مهذبة فيها لمن يبتغي التبيان تبيان
ما ضر حسانها والطبع صائغها إن لم يصغها قريع الشعر حسان
ومنها لامية الشيخ اسماعيل بن أبي بكر المقري الزبيدي وهي قوله:
زيادة القول تحكي النقص في العم ومنطق المرء قد يهديه للزلل
إن اللسان صغير جرمه وله جرم كبير كما قد قيل في المثل
فكم ندمت على ما كنت قلت به وما ندمت على ما لم أكن أقل
وأضيق الأمر لم يجد معه فتى يعينك أو يهديك للسبل
عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة كعفة الخود لا تغني عن الرجل
إن المشاور إما صائب غرضنا أو مخطئ غير منسوب إلى الخطل
لا تحقر الرأي يأتيك الحقير به فالنحل وهو ذباب طائر العسل
ولا يغرنك ود من أخي أمل حتى تجربه في غيبة الأمل
إذا العدو أحاجته الأخا علل عادت عدواته عند انقضاء العلل
لا تجز عن لخطب ما به حيل تغني وإلا فلا تعجز عن الحيل
لا شيء أولى بصبر المرء في قدر لا بد منه وخب غير منتقل
لا تخبرن على ما فات حيث مضى ولا على فوت أمر حيث لم تنل
فليس تغني الفتى في الأمر عدته إذا تقضت عليه مدة الأجل
وقدر شكر الفتى لله نعمته كقدر صبر الفتى للحادث الجلل
وإن أخوف نهج ما خشيت به ذهاب حرية أو مرتضي عمل
[ ٩٤ ]
لا تفرحن بسقطات الرجال ولا تهزأ بغيرك وأحذر صولة الدول
لا تأمن الدهر أن يعلى العدو ولا تستأمن الدهر أن يلقيك في السفل
أحق شيء برد ما تخافله شهادة العقل فاحكم صنعة الجدل
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه فاطلب لنفسك ما تعلو به وسل
اطلب تنل لذة الإدراك ملتمسًا أوراحة اليأس لا تركن إلى الوكل
فكل داء دواه ممكن أبدًا إلا إذا أمتزج الإقتار بالكسل
والمال صنه وورثه العدو ولا تحتاج حيًا إلى الأخوان في الأكل
وخير مال الفتى مال يصون به عرضًا وينفقه في صالح العمل
وأفضل البر ما لا من يتبعه ولا تقدمه شيء من المطل
وإنما الجود بذل لم تكاف به صنعًا ولم تنتظر فيه جزًا رجل
إن الصنائع أطواق إذا شكرت وغن كفرن فأغلال لمنتحل
ذو اللؤم يحصر مهما جئت تسأله شيئًا ويحصر نطق الحران يسل
وإن فوت الذي تهوى لأهون من إدراكه بلئيم غير محتفل
وإن عندي الخطا في الجود أحسن من إصابة حصلت بالمنع والبخل
خير من الخير مسديه إليك كما شر من الشر أهل الشر والدخل
ظواهر العتب للإخوان أحسن من بواطن الحقد في التسديد للخلل
داو الجهول وسامحه تكده ولا تصحب سوى السمح وأحذر سقطة العجل
لا تشرين نقيع السم متكلًا على عقاقير قد جربن بالعمل
وألق الأحبة والإخوان إن قطعوا حبل الوداد بحبل منك متصل
وأعجز الناس من قد ضاع من يده صديق ود فردده يلم بالحيل
استصف خلك واستخلصه أحسن من تبديل خل وكيف الأمن بالبدل
وأحمل ثلاث خصال من مطالبه تحفظه فيها ودع ما شئته وقل
ظلم الدلال وظلم الغيظ فاعفهما وظلم هفوته فاقسط ولا تمل
وكن مع الخلق ما كانوا لخلقهم وأحذر معاشرة الأوغاد والسفل
وأخش الأذى عند إكرام اللئيم كما تخشى الأذى إن أهنت الحر في حفل
والغدر في الناس طبع لا تثق بهم وإن أبيت فخذ في الأمن والوجل
من يقظة بالفتى إظهار غلفته مع التحرز من غدر ومن ختل
سل التجارب وأنظر في مراءتها فاللعواقب فيها أشرف المثل
وخير ما جربته النفس ما اتعظت عن الوقوع به في العجز والوكل
فأصبر لواحدة تأمن توابعها فربما ضقت ذرعًا منه في النزل
وللأمور وللأعمال عاقبة فأخشن الجزا بغتة وأحذره عن مهل
ذو العقل ينرك ما يهوى لخشيته من العلاج بمكروه من الخلل
من المروءة ترك المرء شهوته فأنظر لأيهما آثرت فأحتمل
أستحي من ذم من إن يدن توسعه مدحًا ومن مدح من إن غاب ترتذل
شر الورى بمساوي الناس مشتغل مثل الذباب يراعي موضع العلل
لو كنت كالقدح في التقويم معتدلًا لقالت الناس هذا غير معتدل
لا يظلم الحر إلا من يطاوله ويظلم النذل أدنى منه في الصول
يا ظالمًا جار فيمن لا نصير له إلا المهيمن لا تغتر بالمهل
غدا تموت ويتقضي الله بينكما بحكمة الحق لا زيغ ولا ميل
وإن أولى الورى بالعفو أقدرهم على العقوبة أن يظفر بذي زلل
حلم الفتى عن سفيه القوم يكثر من أنصاره ويوقيه من الغيل
والحلم طبع فما كسب يجود به لقوله (خلق الإنسان من عجل)
ومنها لامية الشيخ أبي اسماعيل الحسين بن علي المعروف بالطغراني المشهورة بلامية العجم وهي قوله:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل وحلية الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخيرًا ومجدي أولًا شرع والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
فيم الإقامة بالزوراء لا سكني بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ناء عن الأهل صفر الكف منفرد كالسيف عري متناه من الخلل
فلا صديق إليه مشتكى حزني ولا أنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حن راحلتي ورحلها وقرى العسالة الذبل
وضج من لغب نضوي وعج لما يلقى ركابي ولج الركب في عذلي
[ ٩٥ ]
أريد بسطة كف أستعين بها على قضاء حقوق للعلى قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعني من الغنيمة بعد الكد بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقل بمثله غير هياب ولا وكل
حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت بشدة البأس منه رقة الغزل
طردت سرح الكرى عن ورد مقلته والليل أغرى سوام النوم بالمقل
والركب ميل على الأكوار من طرب صاح وآخر من خمر الكرى ثمل
فقلت أدعوك للجلى لتنصرني وأنت تخذلني في الحادث الجلل
تنام عني وعين النجم ساهرة وتستحيل وصبغ الليل لم يحل
فهل تعين على غبي هممت به والغي يزجر أحيانًا عن الفشل
إني أريد طروق الحي من إضم وقد حماه رماة م بني ثعل
يحمون بالبيض والسمر اللدان به سود الغدائر حمر الحلي والحلل
فسر بنا في ذمام الليل معتسفًا فنفخة الطيب تهدينا إلى الحلل
فالحب حيث العدى والأسد رابضة حول الكناس لها غاب من الأسل
نؤم ناشئة بالجزع قد سقيت نصالها بمياه الغنج والكحل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ما بالكرام أئم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهم على كبد حرى ونار القرى منهم على القلل
يقتلن أنضاء حب لا حراك بها وينحرون كرام الخيل والإبل
يشفى لديغ العوالي في بيوتهم بنهلة من غدير الخمر والعسل
لعل المامة بالجزع ثانية يدب منها نسيم البرء في علل
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت برشقة من نبال الأعين النجل
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني باللمح من خلل الأستار والكلل
ولا أخل بغزلان أغازلها ولو دهتنني أسود الغيل بالغيل
جب السلامة يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فأتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في الجو فاعتزل
ودع غمار العلى للمقدمين على ركوبها وأقتنع منهن بالبلل
رضى الذليل بخفض العيش مسكنه والعز عند رسيم الأنيق الذلل
فادرأ بها في نحور البيد جافلة ممارضات مثاني اللجم بالجدل
إن العلى حدثتني وهي صادقة فيما تحدث أن العز في النقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منى لم تبرح الشمس يومًا دارة الحمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعًا والحظ عني بالجهال في شغل
لعله إن بدا فضلي ونقصهم لعينه نام عنهم أو تنبه لي
أعلل النفس بالآمال أراقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
لم أرتض العيش والأيام مقبلة فكيف أرضى وقد ولت على عجل
غالي بنفسي عرفاني بقيمتها فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
وعادة النصل أن يزهى بجوهره وليس يعمل إلا في يدي بطل
ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهم وراء خطوي إذا أمشي على مهلي
هذا جزاء لامرئ أقرانه درجوا من قبله فتمنى فسحة الأجل
وإن علاني من دنوني فلا عجب لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجر في حادث الدهر ما يغني عن الحيل
أعدى عدوك أدنى من ثقت به فحاذر الناس وأصحبهم على دخل
وإنما رجل الدنيا وواحدها من لا يعول في الدنيا على رجل
وحسن ظنك بالأيام معجزة فظن شرًا وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت مسافة الخلف بين القول والعمل
وشأن صدقك عند الناس كذبهم وهل يطابق معوج بمعتدل
إن كان ينجح شيء في ثباتهم على العهود فسبق السيف للعذل
يا واردًا سؤر عيش كله كدر أنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لج البحر تركبه وأنت يكفيك منه مصة الوشل
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها فهل سمعت بظل غير منتقل
ويا خبيرًا على الأسرار مطلعًا أصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
[ ٩٦ ]
قد رشحوك لأمر إن فطنت له فاربأ بنفسك إن ترعى مع الهمل
ومنها لامية للشيخ العلامة الأديب عمر بن الوردي ﵀ وهي قوله:
أعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكرى لأيام الصبا فلأيام الصبا نجم أفل
إن أهنى عيشة قضيتها ذهبت لذتها والإثم حل
وأترك الغادة لا تحفل بها تمس في عز وترفع وتجل
وإله عن آلة لهو أطربت وعن الأمرد مرتج الكفل
وأفتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواد تجد أمرًا جلل
وأهجر الخمرة إن كنت نتى كيف يسعى في جنون من عقلي
وأتق الله فتقوى الله ما باشرت قلب امرئ إلا وصل
ليس من يقطع طرقًا بطلًا إنا من يتقي الله البطل
صدق الشرع ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل زحل
حارت الأفكار في حكمة من قد هدانا سلبنا ﷿
كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دول
أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وولى وعزل
أين من سادوا وشادوا وبنوا هلك الكل فلم تغن القلل
أين عاد فرعون ومن رفع الأهرام من يسمع يخل
أين أرباب الحجى أهل التقى أين أهل العلم والقوم الأول
سيعيد الله كلًا منهم وسيجزي فاعلًا ما قد فعل
يا بني اسمع وصايا جمعت حكمًا خصصت بها خير الملل
أطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير على أهل الكسل
وأحتفل للفقه في الدين ولا تشتغل عنه بمال وخول
وأهجر النوم وحصله فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل
لا تقل قد ذهبت أربابه كل من سار على الدرب وصل
في ازدياد العل إرغام العدى وجمال العلم إصلاح العمل
جمل المنطق بالنحو فمن حرم الأعراب بالنطق اختبل
أنظم الشعر ولازم مذهبي في أطراح الرفد لا تبغ النحل
فهو عنوان على الفضل وما أحسن الشعر إذا لم يبتذل
مات أهل الجود لم يبق سوى مقرف أو من على الأصل أتكل
أنا لا أختار تقبل يد قطعها أجمل من تلك القبل
إن جزتني عن مديحي صرت في رقها أو لا فيكفيني الخجل
أعذب الألفاظ قولي لك خذ وأمر اللفظ نطقي بلعل
ملك كسرى عنه تغني كسرة وعن البحر اكتفاه بالوشل
اعتبر (نحن قسمناه بينهم) تلقه حقًا وبالحق نزل
ليس ما يحوي الفتى من عزمه لا ولا ما فات يومًا بالكسل
قاطع الدنيا فمن عاداتها تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الراغب في تحصيلها عيشة الزاهد فيها أو أقل
كم جهل وهو مثر مكثر وعليم مات منها بالعلل
كم شجاع لم ينل منها المنى وجبان نال غايات الأمل
فاترك الحيلة فيها وأتئد إنما الحيلة في ترك الحيل
أي كف لم تنل منها المنى فرماها الله منه بالشلل
لا تقل أصلي وفصلي أبدًا إنما أصل الفتى ما قد حصل
قد يسود المرء من غير أب وبحسن السبك قد يفني الزغل
وكذا الورد من الشوك فما يطلع النرجس إلا من بصل
غير أني أحمد الله على نسبي إذ بأبي بكر أتصل
قيمة الإنسان ما يحسنه أكثر الإنسان منه أو أقل
أكتم الأمرين فقرًا وغنى وأكسب الفلس وحاسب من بطل
وأدرع جدًا وكدًا وأجتنب صحبة الحمقى وأرباب الدول
بين تبذير وبخل رتبة وكلا هذي إن زاد قتل
لا تخض في حق سادات مضوا إنهم ليسوا بأهل للزلل
وتغافل عن أمور أنه لم يفز بالحمد إلا من غفل
ليس يخلو لا المرء من ضد وإن حاول العزلة في رأس جبل
أبعد النمام وأهجره فما بلغ المكروه إلا من نقل
دار جار الدار إن جار وإن لم تجد صبرًا فما أحلى النقل
جانب السلطان وأحذر بطشه لا تخاصم من إذا قال فعل
لا تل الحكم وإن هم سألوا رغبة فيك وخالف من عذل
إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل
[ ٩٧ ]
فهو كالمحبوس عن لذاته وكلا كفيه في الحشر تغل
لان للنقص والاستثقال في لفظة القاضي لوعظ أو مثل
لا توازي لذة الحكم بما ذاقه الشخص إذا الشخص أنعزل
فالولايات وإن طابت لمن ذاقها فالسم في ذاك العسل
نصب المنصب أوهى جلدي وعنائي من مداراة السفل
قصر الآمال في الدنيا تفز فدليل العال تقصير الأمل
إن من يطلبه الموت على غرة منه جدير بالوجل
غب وزر غبًا تزد حبًا فمن أكثر الترداد أضناه الملل
خذ بنصل السيف وأترك غمده وأعتبر فضل الفتى دون الحلل
لا يضر الفضل إقلال كما لا يضر الشمس إطباق الطفل
حبك الأوطان عجز ظاهر فاغتراب تلق عن الأهل بدل
فبمكث الماء يبقي آسنًا وسرى البدر به البدر أكتمل
أيها العائب قولي عبثًا إن طيب الورد مؤذ للجعل
عد عن أسهم قولي واستتر لا يصيبنك سهم من ثعل
لا يعزنك لين من فتى إن للحيات لينًا يعتزل
أنا مثل الماء سهل سائغ ومتى أسخن آذى وقتل
أنا كالخيزور صعب كسره هو لدن كيف ما شئت انفتل
غير أني في زمان من يكن فيه ذا مال هو المولى الأجل
وأجب عند الورى إكرامه وقليل الماء فيهم يستقل
كل أهل العصر غمر وأنا منهم فاترك تفاصيل الجمل
وصلاة الله ربي كلما طلع الشمس نهارًا وأفل
للذي حاز العلى من هاشم أحمد المختار من ساد الأول
وعلى آل وصحب سادة ليس فيهم عاجز إلا بطل
ومن شعر الشيخ صلاح الدين الصفدي كتبها إلى الشيخ جمال الدين ابن نباتة يعاتبه وقد ضمنها من معلقة امرئ القيس فأحسن وهو قوله:
أفي كل عام منك عتب يسوؤني كجلمود صخر حطه السيل من عل
وترمي على طول المدى متجنبًا بسهميك في أعشار قلب مقتل
فأمسي بليل طال جنح ظلامه علي بأنواع الهموم ليبتلي
وأغدوا كأن القلب من وقدة الجوى إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
تطير شظاياه بقلبي كأنها بأرجائه القصوى أنا بيش عنصل
وسالت دموعي من همومي ولوعتي على النحر حتى بل دمعي محملي
إذا عاين الإخوان ما بي من الأسى يقولون لا تهلك أسى وتجمل
ترفق ولا تجزع على فائت الوفا فما عند رسم دارس من معول
ولي فيك ود طال ما قد شددته بأمراس كتان إلى صم جندل
ولي خطرات فيك منها جوانحي صبحن سلافًا من رحيق مفلفل
كأن أمانيها كؤوس مدامة غذاها نمير الماء غير محلل
سلوت غوايات الشبيبة والصبا وليس فؤادي عن هواها بمنسل
واجلو محيا الود فيك لأهله متى ما ترق العين فيه تسهل
فكر على جيش الجناية عائدًا بمنجرد قيد الأوابد هيكل
تجد خفرات الأنس فيه كواعبًا ترائبها مصقولة كالسنجنجل
وخل الجفا وأرجع إلى معهد الوفا وغن كنت قد أزمعت صرمي فأجمل
حلاودك الماضي وغن لم تعد أعد لدى سمرات الحي ناقف حنظل
فأجابه الشيخ ابن نباتة وأحسن بقوله:
فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبًا أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل
بروحي ألفاظ تعرض عتبها تعرض أثناء الوشاح المفصل
فأحيين ودًا كان كالرسم عافيًا بسقط اللوى بين الدخول فحو مل
تعفي رياح العذر منك رقومه لما نسجتها من جنوب وشمال
نعم قوضت منك المودة وانقضت فيا عجبًا من رحلها المتحمل
فديتك لا تسلك من الظلم والجفا بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل
ولا تنس مني صحبة تصدع الدجى بصبح وما الإصباح منها بأمثل
صحبتك لا ألوي على صاحب عطا يجيد معهم في العشيرة مخول
وحاولت من إداء ودك ما نأى أنزلت منه العصم من كل منزل
يقلب لي وجدي به سوط سائق وإرخاء سرحان تقريب تتفل
وكم خدمة عجلتها ومحبة تمتعت من لهوبها غير معجل
وكم أسطر مني ومنك كأنها عذارى دوار في ملاء مذيل
[ ٩٨ ]
وكم ناصح كذبت دعواه إذ غدت علي وىلت حلفة لم تحلل
إلى أن تبدي عذره متمطيًا وأردف أعجازًا وناء بكلكل
فلا طفته في حالتيه ولم أقل فسل ثيابي من ثيابك تنسل
وضن بأسطار كأن يراعها أساريع ظبي أو مساويك أسحل
يقرع سمعي من معاريض نظمه مداك عروس أو صلاية حنظل
وعدنا لود يملأ القلب عوده بكل مغار الفتل شدت بيذبل
أعدت صلاح الدين عهد مودة بشحم كهداب الدمقس المفتل
فدونك عتبى اللفظ ليس بفاحش إذا هي نصحته ولا بمعطل
وعادات حب هن أشهر فيك من قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ومن المنسوب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يوصي أبنه الحسين ﵄:
قدم لنفسك في الحياة تزودًا فلقد تقارقهما وانت مودع
وأجعل تزودك المخافة والتقى فلعل حتفك في مسائك أسرع
وأهتم للسفر البعيد فغنه أنأى من السفر القريب وأشنع
وأقنع بقوتك فالقنوع هو الغنى والفقر مقرون بمن لا يقنع
وأحذر مصاحبة اللئام وغن هم منحوك صفو ودادهم وتصنعوا
أهل المودة ما أنلتهم الرضى وإذا منعت فسمعهم لك منقع
لا تفش سرًا ما استطعت إلى امرئ يفشي إليك سرائرًا يستودع
فكما تراه بسر غيرك صانعًا فكذا بسرك لا محالة يصنع
لا تبدأن بمنطق في مجلس قبل السؤال فإن ذلك يشنع
فالصمت يحسن كل ظن بالفتى ولعله خرق سفيه أرقع
دع المزاج قرب لفظة مازح جلبت إليك الشرف الجسيم مضيع
وإذا استقالك ذو الإساءة عثرة فأقله إن ثواب ذلك أوسع
وإذا أتمنت على السرائر فأخفها أستر عيوب أخيك حين تطلع
لا تجرعن من الحوادث إنما خرق الرجال من الحوادث يجزع
وأطع أباك بكل ما وصى به إن المطيع أباه لا يتضعضع
ومن المنسوب إليه ﵁:
صن النفس وأحملها ما يزينها تعش سالمًا والقول فيك جميل
ولا ترين الناس إلا تجملا نبا بك دهر أو جفاك خليل
وإن ضاق رزق اليوم فأصبر إلى غد عسى نكبات الدهر عنك تزول
يعز غني النفس إن قل ماله ويغني دني النفس وهو ذليل
ولا خير في ود امرئ متلون إذا الريح مالت مال حيث تميل
جواد إذا استغنيت عن أخذ ماله وعند احتمال الفقر عنك بخيل
فما أكثر الإخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل
ولبعضهم:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأجمعه ولست للعرض إن أودى بمحتال
تم الاختيار مع بعض القصائد والحكم والآداب ويليها الاختيار من شعر عبد الله ابن محمد التنوخي: