هو علي بن الحسين المعروف بصردر يمدح محمد بن جهير الموصلي الوزير الملقب فخر الدولة الثعلبي.
لجاجة قلب ما يفيق غرورها وحاجة نفس ليس يقضي يسيرها
وقفنا صفوفًا في الديار كأنها صحائف ملقاة ونحن سطورها
يقول خليلي والظباء سوانح أهذي التي تهوي فقلت نظيرها
لئن شابهت أجيادها وعيونها فقد خالفت أعجازها وصدورها
فواعجبًا منها يصد أنيسها ويدنو على ذعر الينا نفورها
وما ذاك إلا أن غزلان عامر يثقن بأن الزائرين صقورها
ألم يكفيها ما قد جنته شموسها على القلب حتى ساعدتها بدورها؟
فو الله ما أدري غداة نظرتها أتلك سهام أم كؤوس تديرها؟
فإن كن من نبل فأين حفيفها وغن كن من خمر فأين سرورها
أيا صاحبي أستاذنًا لي خمارها فقد أذنت لي في الوصول خدورها
هباها تجافت عن خليل يروعها فهل أنا إلا كالخيال يزورها
وقد قلتما لي ليس في الأرض جنة أما هذه فوق سجن وهو فيه أسيرها
يعز على الهيم الخوامس وردها إذا كان ما بين الشفاه غديرها
أراك الحمى قل لي بأي وسيلة توسلت حتى قبلتك ثغورها
ومن مديحها:
أعدت إلى جسم الوارة روحه وما كان يرجى بعثها ونشورها
اقامت زمانًا عند غيرك طامثًا وهذا الزمان قرؤها وطهورها
من الحق أن يحبي بها مستحقها وينزعها مردودة مستعيرها
إذا ملك الحسناء من ليس كفؤها أشار عليهم بالطلاق مشيرها
وله أيضًا:
قد بان عذرك والخليط مودع وهوى النفوس مع الهوادج يرفع
لك حيث ما سرت الركائب لفتة أترى البدور بكل واد تطلع
في الظاعنين من الحمى ظبي له الأحشاء مرعى والمآقي مكرع
ممنوع أطراف الجمال رقبة حذرًا عليه من العيون البرقع
عهدي الحبائل صائدات شبهه فارتاع فهو لكل حبل يقطع
لم يدر حامي سربة أني إذا حرم الكلام له لساني الأصبع
وإذا الطيوف إلى المضاجع أرسلت بتحية منه فعيني تسمع
يليه الاختيار من شعر أبي الحسن التهامي:
شعر
أبي الحسن التهامي
عبس من شعر في الرأس مبتسم ما نفر البيض مثل البيض في اللعم
[ ١٠٥ ]
ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي ولا وفائي ولا ديني ولا كرمي
وإنما أعتاد رأسي غير صنعته والشيب في الرأس غير الشيب في الهمم
ظنت شيبته تبقى وما علمت أن الشبيبة مرقاة إلى الهرم
وصل الخيال ووصل الخود عن بخلت سيان ما أشبه الوجدان بالعدم
والطيف أفضل وصل إن لذته تخلو من الإثم والتنغيص والندم
لا تحمد الدهر في ضراء يصرفها فلو أردت دوام البؤس لم يدم
فالدهر كالطيف بؤساه وأنعمه من غير قصد فلا تحمد ولا تلم
لا تحسبن كرم الآباء مكرمة لمن يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسناهم وفخرهم بطولهم في المعالي لا بطولهم
ما اغتابني حاسد إلا شرفت به فحاسدي وغن وقعت من غير قصدهم
وله أيضًا يرثي أبنًا له مات صغيرًا، ويشكو زمانه وحاسديه، ويفتخر بفضله وفضل قومه، وهي من أجود المراثي:
حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا حتى يرى خبرًا من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها صفوًا من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة والمرء بينهما خيالك سار
فأقضوا مآربكم عجالًا إنما أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وحاذروا أن تسترد فإنهن عوار
فالدهر يخدع بالمنى ويغص أن هنا ويهدم ما بنى ببوار
ليس الزمان وإن حرصت مسالمًا خلق الزمان عداوة الأحرار
إني وترت بصارم ذي رونق أعدته لطلابة الأوتار
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت منقادة بأزمة الأقدار
اثني عليه بأثره ولو انه لم يعتبط أثنيت بالآثار
يا كوكبًا ما كان أقصر عمره وكذاك عمر كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر بدرًا ولم يمهل لوقت سرار
عجل الخسوف عليه قبل أوانه فمحاه قبل مظنة الإبدار
واستل من أترابه ولداته كالمقلة استلت من الأشفار
فكأن قلبي قبره وكأنه في طيه سر من الأسرار
أن يعتبط ضغرًا فرب مضخم يبدو ضئيل الشخص للنظار
أن الكواكب في علو محلها لترى صغارًا وهي غير صغار
ولد المعزى بعضه فإذا مضى بعض الفتى فالكل بالآثار
أبكيه ثم أقول معتذرًا له وفقت حين تركت ألأم دار
جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري
أشكو بعادك لي وأنت بموضع لولا الردى لسمعت فيه سراري
والشرق نحو الغرب أقرب شقة من بعد تلك الخمسة الأشبار
هيهات قد علقتك أسباب الردى واغتال عمرك قاطع الأعمار
ولقد جريت كما جريت لغاية فبلغتها وأبوك في المضمار
فإذا نطقت فأنت أول منطقي وإذا سكت فأنت في إضماري
أخفي من البرحاء نارًا مثلما يخفي من النار الزناد الواري
وأخفض الزافرات وهي صواعد وأكفكف العبرات وهي جواري
وشهاب نار الحزن أن طاوعته أورى وان عاصيته متواري
وأكف نيران الأسى ولربما غلب التصبر فارتمت بشرار
ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا التحفت به فإنك عار
قصرت جفوني أم تباعد بينها أم صورت عيني بلا أشفار؟
جفت الكرى حتى كأن غراره عند اغتماض العين وخز غرار
ولو استزارت رقدة لطحابها ما بين أجفاني من التيار
أحيي الليالي التم وهي تميتني ويميتهن تبلج الأسحار
حتى رأيت الصبح تهتك كفه بالضوء رفرف خيمة كالقار
والصبح قد غمر النجوم كأنه سيل طغى فطفا على النوار
لو كنت تمنع خاض دونك فتية منا بحار عوامل وشفار
ودحوا فويق الأرض أرضا من دم ثم انثنوا فبنوا سماء غبار
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها سحبا مزررة على أقمار
[ ١٠٦ ]
وترى سيوف الدارعين كأنها خلج تمد بها أكف بحار
لو شرعوا أيمانهم في طولها طعنوا بها عوضًا عن الخطار
جنبوا الجياد إلى المطي وراوحوا بين السروج هناك والأكوار
وكأنما ملؤوا عياب دروعهم وغمود أنصالهم سرار قفار
وكأنما صنع السوابغ عزه ماء الحديد فصاغ ماء قرار
زردا فأحكم كل موضع حلقة بحبابه في موضع المسمار
فتسربلوا بمتون ماء جامد وتقنعوا بحباب ماء جار
أسد ولكن يؤثرون بزادهم والأسد ليس تدين بالإيثار
يتزين النادي بحسن وجوههم كتزين الهالات بالأقمار
يتعطفون على المجاور فيهم بالمنفسات تعطف الأظآر
من كل من جعل الظبى أنصاره فكر من واستغنى عن الأنصار
وإذا هو اعتقل القناة حسبتها صلا تأبطه هزبر ضاري
والليث أن ثاورته لم يعتمد إلا على الأنياب والأظفار
زرد الدلاص عن الطعان يريحه في الجحفل المتضايق الجرار
ما بين ثوب بالدماء مضرج زلق ونقع بالطراد مثار
والهون في ظل الهوينا كامن وجلالة الأخطار في الأخطار
تندى أسرة وجهه ويمينه في حالة الإعسار والإيسار
ويمد نحو المكرمات أناملًا للرزق في أثنائهن مجاري
يحوي المعالي كاسبًا أو راغبا أبدًا يدارى دونها ويداري
قد لاح في ليل الشباب كواكب أن أمهلت آلت إلى الأسفار
وتلهب الاحشاء شيب لمتي هذا الضياء شواظ تلك النار
شاب القذال وكل غصن صائر فينانه الأحوى إلى الأزهار
والشبه منجذب فلم بيض الدمى عن بيض مفرقه ذورات نفار
وتود لو جعلت سواد قلوبها وسواد أعينها خضاب عذاري
لا تنفر الظبيات منه فقد رأت كيف اختلاف النبت في الأطوار
شيآن ينقشعان أول وهلة ظل الغمام وصحبة الأشرار
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا ظل الشباب الخائن الغدار
وطري من الدنيا الشباب وروقه فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناته عندي ولا آلاؤه بقصار
نزداد همًا كلما ازددنا غنى والفقر كل الفقر في الإكثار
ما زاد فوق الزاد خلف ضائعًا في حادث أو وارث أو عار
إني لا رحم حاسدي لحرما ضمنت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم في جنة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي فكأنما برقعت وجه نهار
وسترتها بتواضعي فتطلعت أعناقها تعلو على الأستار
ومن الرجال معالم ومجاهل ومن النجوم غوامض ودراري
والناس مشتبهون في إيرادهم وتفاضل الأقوام في الأصدار
عمري لقد أوطأتهم طرق العلى فعموا فلم يقفوا على آثاري
لو أبصروا بقوبهم لتبصرا وعمى البصائر من عمى الأبصار
هلا سعوا سعي الكرام فأدركوا أو سلموا لمواقع الأقدار
وفشت خيانات الثقات وغيرهم حتى اتهمنا رؤية الأبصار
ولربما اعتضد الحليم بجاهل لا خير في يمنى بغير يسار