أغالب فيك الشوقَ والشوقُ أغلب وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
أما تغلط الأيام في بأن أرى بغيضًا تنائي أو حبيبًا تقرب
ولله سيري ما أقل تئية عشية شرقي الحدالى وغرب
عشية أحفى الناس بي من حفونه وأهدي الطريقين الذي أتجنب
وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب
وقاك ردى الأعداء تسري اليهم وزارك فيه ذو الدلال المحجب
ويوم كليل العاشقين كمنته أرقب فيه الشمس أيان تغرب
وعيني إلى أذني أغر كأنه من الليل باق بين عينيه كوكب
له فضلة في جسمه عن إهابه تجيء على صدر رحيب وتذهب
شققت به الظلماء أدني عنانه فيطغى وأرخيه مرارًا فيلعب
وأصرع أي وحش قفيته به وأنزل عنه مثله حين أركب
وما الخيل إلا كالصديق قليلة وان كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها وأعضائها فالحسن عنك مغيب
لحا الله ذي الدنيا مناخًا لراكب فكل بعيد الهم فيها معذب
ألا ليت شعري هل أقول قصيدة فلا أشتكي فيها ولا أتعتب
وبي ما يذود الشعر عني أقله ولكن قلبي يا ابنة القوم قلب
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه وان لم أشأ تملي علي فأكتب
إذا ترك الإنسان أهلًا وراءه ويمم كافور فما يتغرب
فتى يملأ الأفعال رأيًا وحكمةً ونادرة أحيان يرضى ويغضب
إذا ضربت بالسيف في الحرب تبينت أن السيف بالكف يضرب
تزيد عطاياه على الغيث كثرة وتلبث أمواه السحاب فتنضب
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله فإني أغني منذ حين وتشرب
وهبت علة مقدار كفي زماننا ونفسي على مقدار كفيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية فجودك يكسوني وشغلك يسلب
يضاحك في ذا العيد كل حبيبه حذائي وأبكي من أحب وأندب
أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم واين من المشتاق عنقاء مغرب
فإن لم يكن إلا أبو المسك أوهم فإنك أحلى في فؤادي وأعذب
وكل امرئ يولي الجميل محبب وكل مكان ينبت العز طيب
يريد بك الحساد ما الله دافع وسمر العوالي والحديد المذرب
ودون الذي يبغون مالو تخلصوا إلى الموت منه عشت والطفل أشيب
إذا طلبوا جدواك أعطوا وحملوا وإن طلبوا الفضل الذي فيك خيبوا
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتها ولكن من الأشياء ما ليس يوهب
وأظلم أهل الظلم من بات حاسدًا لمن بات في نعمائه يتقلب
[ ٣٣ ]
وأنت الذي ربيت ذا الملك مرضعًا وليس له أم سواك ولا أب
وكنت له ليث العرين لشبله ومالك إلا الهند واني مخلب
لقيت القنا عنه بنفس كريمة إلى الموت في الهيجا من العار تهرب
وقد يترك النفس التي لا تهابه ويخترم النفس التي تتهيب
وما عدم اللقوك بأسًا وشدةً ولكن من لاقوا أشد وأنجب
ثناهم وبرق البيض في البيض صادق عليهم وبرق البيض في البيض خلب
سللت سيوفًا علمت كل خاطب على كل عود كيف يدعو ويخطب
ويغنيك عما ينسب الناس انه إليك تناهى المكرمات وتنسب
واي قبيل يستحقك قدره معد بن عدنان فداك ويعرب
وما طربي لما رأيتك بدعة لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب
وتعذلني فيك القوافي وهمتي كأني بمدح قبل مدحك مذنب
ولكنه طال الطريق ولم أزل أفتش عن هذا الكلام وينهب
فشرق حتى ليس للشرق مشرق وغرب حتى ليس للغرب مغرب
إذا قلته لم يمتنع من وصوله جدار معلى أو خباء مطنب
وقال يمدحه:
منى كن أن البياض خضاب فيخفى بتبييض القرون شباب
ليالي عند البيض فوادي فتنة وفخر وذاك الفخر عندي عاب
وكيف أذم اليوم ما كنت أشتهي وأدعو بما أشكوه حين أجاب
جلا اللون عن لون هدى كل مسك كما انجاب عن ضوء النهار ضباب
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه ولو أن ما في الوجه منه حراب
لها ظفر أن كل ظفر أعده وناب إذا لم يبق في الفم ناب
يغير مني الدهر ما شاء غيرها وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب
واني لنجم تهتدي بي صحبتي إذا حال من دون النجوم سحاب
غني عن الأوطان لا يستفزني إلى بلد سافرت إليه إياب
وعن ذملان العيسى ما سمحت به وأن ففي أكوارهن عقاب
وأصدى فلا أبدي إلى الماء حاجة وللشمس فوق اليعملات لعاب
وللسر مني موضع لا يناله نديم ولا يفضي إليه شراب
وللخود مني ساعة ثم بيننا فلاة إلى غير اللقاء تجاب
وما العشق إلا غرة وطماعة يعرض قلب نفسه فيصاب
وغيرب فؤادي للغواني رمية وغير بناني للزجاج ركاب
تركنا لأطراف القنا كل شهوة فليس لنا إلا بهن لعاب
نصرفها للطعن فوق حوادر قد انقصفت فيهن منه كعاب
أعز مكاني في الدنى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
وبحر أبي المسك الخضم الذي له على كل بحر زخرة وعباب
تجاوز قدر المدح حتى كأنه بأحسن ما يثنى عليه يعاب
وغالبه الأعداء حتى عنوا له كما غالبت بيض السيوف رقاب
وأكثر ما تلقى أبا المسك بذلة إذا لم تصن إلا الحديد ثياب
وأوسع ما تلقاه صدرًا وخلفه رماء وطعن والأمام ضراب
وأنفذ ما تلقاه حكمًا إذا قضى قضاء ملوك الأرض منه غضاب
يقود إليه طاعة الناس فضله ولو لم يقدها نائل وعقاب
أيا سيدًا في جسمه ضيغم وكم أسد أرواحهن كلاب
ويا آخذًا من دهره حق نفسه ومثلك يعطى حقه ويهاب
لنا عند هذا الدهر حق يلطه وقد قل إعتاب وطال عتاب
وقد تحدث الأيام عندك شيمة وتنعمر الأوقات وهي يباب
ولا ملك إلا أنت والملك فضلة كأنك سيف فيه وهو قراب
أرى لي بقربي منك عينًا قريرةً وان كان قربًا بالبعاد يشاب
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ودون الذي أملت منك حجاب
أقل سلامي حب ما خف عنكم وأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة سكوتي بيان عندها وخطاب
وما لانا الباغي على الحب رشوة ضعيف هوىً يبغى عليه ثواب
وما شئت إلا أن أدل عواذلي على أن رأيي في هواك صواب
وأعلم قومًا خالفوني فشرقوا وغربت أني قد ظفرت وخابوا
جرى الخلف إلا فيك أنك واحد وانك ليث والملوك ذئاب
وانك لو قويست صحف قارئ ذئابًا فلم يخطئ فقال ذباب
[ ٣٤ ]
وان مديح الناس حق وباطل ومدحك حق ليس فيه كذاب
إذا نلت منك الود فالمال هين وكل الذي فوق التراب تراب
وما كنت لولا أنت مهاجرًا له كل يوم بلدة وصحاب
ولكنك الدنيا إلي حبيبةً فما عنك لي إلا إليك ذهاب
وقال يمدح المغيث بن علي بن بشر العجلي:
دمع جرى فقضى في الربع ما وجبا لأهله وشفى أنى ولا كربا
عجنا فأذهب ما أبقى الفراق لنا من العقول ولا رد الذي ذهبا
سقيته عبرات ظنها مطرًا سوائلًا من جفون ظنها سحبا
دار الملم لها طيف تهدني ليلًا فما صدقت عيني ولا كذبا
أنأيته فدنا أدنيته فنأى جمشته فنبا قبلته فأبى
هام الفؤاد بأعرابية سكنت بيتًا من القلب لم تمدد له طنبا
مطلومة القد في تشبيه غصنًا مظلومة الريق في تشبيهه ضربا
بيضاء تطمع فيما تحت حلتها وعز ذلك مطلوبًا إذا طلبا
كأنها الشمس يعيي كف قابضه شعاعها ويراه الطرف مقتربا
مرت بنا بين تربيها فقلت لها من أين جانس هذا الشادن العربا
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسب
جاءت بأشجع من يسمى وأسمح من أعطى وأبلغ من أملى ومن كتبا
لو حل خاطره في مقعد لمشى أو جاهل لصحا أو أخرس خطبا
إذا بدا حجبت عينيك هيبته وليس يحجبه ستر إذا احتجبا
بياض وجه يريك الشمس حالكة ودر لفظ يريك الدر مخشلبا
وسيف عزم ترد السيف هيبترطب الغرار من التأمور مختضبا
عمر العدو إذا لاقاه في رهج أقل من عمر ما يحوي إذا وهبا
توقه فإذا ما شئت تبلوه فكن معاديه أو كن له نشبا
تحلو مذاقته حتى إذا غضبا حالت فلو قطرت في الماء ما شربا
وتغبط الأرض منها حيث حل بها وتحسد الخيل منها أيها ركبا
ولا يرد بفيه كف سائله عن نفس ويرد الجحفل اللجبا
وكلما لقي الدينار صاحبه في ملكه افترقا من قبل يصطحبا
مال كأن غراب البين يرقبه فكلما قيل هذا مجتد نعبا
بحر عجائبه لم تبق في سمر ولا عجائب بحر بعدها عجبا
لا يقنع ابن علي نيل منزلة يشكو محاولها التقصير والتعبا
هز اللواء بنو عجل به فغدا رأسًا لهم وغدا كل لهم ذنبا
التاركين من الأشياء أهونها والراكبين من الأشياء ما صعبا
مبرقعي خيلهم بالبيض متخذي هام الكماة على أرماحهم عذبا
أن المنية لو لاقتهم وقفت خرقاء تتهم الإقدام والهربا
مراتب صعدت والفكر يتبعها فجاز وهو على آثارها الشهبا
محامد نزفت شعري ليملأها فآل ما امتلأت منه ولا نضبا
مكارم لك فت العالمين بها من يستطيع لأمر فائت طلبا
لما أقمت بانطاكية اختلفت الي بالخبر الركبان في حلبا
فسرت نحوك لا ألوي على أحد أحث راحلتي الفقر والأدبا
إذاقني زمني بلوى شرقت بها لو ذاقها لبكى ما عاش وانتحبا
وان عمرت جعلت الحرب والدة والسمهري أخًا والمشرفي أبا
بكل أشعث يلقى الموت مبتسمًا حتى كأن له في قتله أربا
قح يكاد صهيل الخيل يقذفه من سرجه مرحًا بالعز أو طربا
فالموت أعذر لي والصبر أجمل بي والبر أوسع والدنيا لمن غلبا
وقال يمدح علي بن منصور الحاجب:
الشموس الجانحات غواربا اللابسات من الحرير جلاببا
المنعبات عيوننا وعقولنا وجناتهن الناهيات الناهبا
الناعمات القاتلات المحييا ت المبديات من الدلال غرائبا
حاولن تفديتي فخفن مراقبًا فوضعن أيديهن فوق ترائبا
وبسمن عن برد خشيت أذيبه من حر أنفاسي فكنت الذائبا
يا حبذا المتحملون وحبذا واد لثمت به الغزالة كاعبا
كيف الرجاء من الخطوب تخلصا من بعد ما أنشبن في مخالبا
أوحدنني ووجدن حزنًا زاحدًا متناهيًا فجعلنه لي صاحبا
[ ٣٥ ]
ونصبنني غرض الرماة تصيبني محن أحد من السيوف مضاربا
أظمتني الدنيا فلما جئتها مستسقيًا مطرت علي مصائبا
وحبيت من خوص الركاب بأسود من دارش فغدوت أمشي راكبا
حال متى علم ابن منصور بها جاء الزمان الي منها تائبا
ملك سنان قناته وبنانه يتباريان دمًا وعرفًا ساكبًا
يستصغر الخطر الكبير لوفده ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
كرمًا فلو حدثته عن نفسه بعظيم ما صنعت لظنك كاذبا
سل عن شجاعته وزره مسالمًا وحذار ثم حذار منه محاربا
فالموت تعرف بالصفات طباعه لم تلق خلقًا ذاق موتًا آئبا
أن تلقه لا تلق إلا جحفلًا أو قسطلًا أو طاعنًا أو ضاربا
أو هاربًا أو راغبًا أو طالبًا أو راهبًا أو هالكًا أو نادبا
وإذا نظرت إلى الجبال رأيتها فوق السهول عواسلًا وقواضبا
وإذا نظرت الى السهول رأيتها تحت الجبال فوارسًا وجنائبا
وعجاجة ترك الحديد سوادها زنجًا تبسم أو قذالًا شائبا
فكأنما كسي النهار بها دجى ليل وأطلعت الرماح كواكبا
قد عسكرت معها الرزايا عسكرًا وتكتبت فيها الرجال كتائبا
أسد فرائسها الأسود يقودها أسد تصير له الأسود ثعالبا
في رتبة حجب الورى عن نيلها وعلا فسموه علي الحاجبا
ودعوه من فرط السخاء مبذرًا ودعوه من غصب النفوس الغاصبا
هذا الذي أفنى النضار مواهبًا وعداه قتلًا والزمان تجاربا
ومخيب العذال مما أملوا منه وليس يرد كفًا خائبا
هذا الذي أبصرت منه حاضرًا مثل الذي أبصرت منه غائبًا
كالبدر من حيث التفت رأيته يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جوهرًا جوادًا ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقًا ومغاربا
أمهجن الكرماء والمرزي بهم وتروك كل كريم قوم عاتبا
شادوا مناقبهم وشدت مناقبا وجدت مناقبهم بهن مثالبا
لبيك غيظ الحاسدين الراتبا أنا لنخبر من يديك عجائبا
تدبير ذي حنك يفكر في غد وهجوم غر لا يخاف عواقبا
وعطاء مال لو عداه طالب أنفقته في أن يلاقي طالبا
خذ من ثناي عليك ما أستطيعه لا تلزمني في الثناء الواجبا
فلقد دهشت لما فعلت ودونه ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
وقال يمدح ابا أيوب:
سرب محاسنه حرمت ذواتها داني الصفات بعيد موصوفاتها
أفى فكنت إذا رميت بمقلتي بشرًا رأيت أرق من عبراتها
يستاق عيسهم أنيني خلفها تتوهم الزفرات زجر حداته
وكأنها شجر بدت لكنها شجر جنيت المر من ثمراتها
لا سرت من ابل لو أن فوقها لمحت حرارة مدمعي سماتها
وحملت ما حملت من هذي المها وحملت ما حملت من حسرتها
اني على شغفي بما في خمرها لأعف عما في سرابيلاتها
وترى المروة والفتوة والأبوة في كل مليحة ضراتها
هن الثلاث المانعاتي لذتي في خلوتي لا الخوف من تبعاتها
ومطالب فيها الهلاك أتيتها ثبت الجنان كأنني لم آتها
ومقانب بمقانب غادرتها أقوات وحش كن من؟ أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنما أيدي بني عمران في جبهاتها
الثابتين فروسة كجلودها في ظهرها والطعن في لباتها
العارفين بها كما عرفتهم والراكبين جدودهم أماتها
فكأنها نتيجت قيامًا تحتهم وكأنهم ولدوا على صهواتها
أن الكرام بلا كرام منهم مثل القلوب بلا سويداواتها
تلك النفوس الغالبات على العلى والمجد يغلبها على شهواتها
سقيت منابتها التي سقت الورى بيدي ابي أيوب خير نباتها
ليس التعجب من مواهب ماله بل من سلامتها إلى أوقاتها
عجبًا له حفظ العنان بأنمل ما حفظها الأشياء من عاداتها
لو مر يركض في سطور كتابة أحصى بحافر مهره ميماتها
[ ٣٦ ]
يضع السنان بحيث شاء مجاولا حتى من الإذان في أخراتها
تكبو وراءك يا ابن أحمد قرح ليست قوائمهن من آلاتها
رعد الفوارس منك في أبدانها أجرى من العلان في قنواتها
لا خلق أسمح منك إلا عارف بك راء نفسك لم يقل لك هاتها
إلى آخرها: وقال يمدح سيف الدولة:
عواذل ذات الخال في حواسد وان ضجيع الخود مني لماجد
يرد يدًا عن ثوبها وهو قادر ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشا محب لها في قربه متباعد
إذا كنت تخشى العرفي كل خلوة فلم تتصباك الحسان الخرائد؟
ألح علي السقم حتى ألفته ومل طبيبي جانبي والعوائد
مررت على دار الحبيب فحمحمت جوادي وهل تشجي الجياد معاهد
وما تنكر االدهماء من رسم منزل سقتها ضريب الشول فيه الولائد
أهم بشيء والليالي كأنها تطاردني عن كونهه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد
وتسعدني في غمرة بعد غمرة سبوح لها منها عليها شواهد
تثنى على قدر الطعان كأنما مفاصلها تحت الرماح مراود
وأورد نفسي والمهند في يدي موارد لا يصدرن من لا يجالد
ولكن إذا لم يحمل القلب كفه على حالة لم يحمل الكف ساعد
خليلي اني لا أرى غير شاعر فلم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا أن السيوف كثيرة ولكن سيف الدولة اليوم واحد
له من كريم الطبع في الحرب منتض ومن عادة الإحسان والصفح غامد
ولما رأيت لناس دون محله تيقنت أن الدهر للناس ناقد
أحقهم بالسيف من ضرب الطلى وبالامن من هانت عليه الشدائد
وأشقى بلاد الله ما الروم أهلها بهذا وما فيها لمجدك جاحد
شننت بها الغارات حتى تركتها وجفن الذي خلف الفرنجة ساهد
مخضبة والقوم صرعى كأنهم وان لم يكونوا ساجدين مساجد
تنكسهم والسابقات جبالهم وتطعن فيهم والرماح المكايد
وتضربهم هبرًا وقد سكنوا الكدى كما سكنت بطن التراب الأساود
وتضحي الحصون المشمخرات في الذرى وخيلك في أعناقهن فلائد
عصفن بهم يوم القان زسقتهم بهنزيط حتى ابيض بالسبي آمد
وألحقن بالصفصاف شابور فانهوى وذاق اردى أهلاهما والجلامد
وغلس في الوادي بهن مشيع مبارك ما تحت اللثامين عابد
فتى يشتهي طول البلاد ووقته تضيق به أوقاته والمقاصد
أخو غزوات ما تغب سيوفه رقابهم إلا وسيحان جامد
فلم يبق إلا من حماها من الظبى لمى شفتيها واثدي النواهد
ستبكي عليهن البطاريق في الدجى وهن لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد
ومن شرف الإقدام أنك فيهم على القتل موموق كأنك شاكد
وان دمًا أجريته بك فاخر وان فؤادًا رعته لك حامد
وكل يرى طرق الشجاعة والندى ولكن طبع النفس للنفس قائد
نهبت من الأعمار ما لو حيته لهنئت الدنيا بأنك خالد
فأنت حسام الملك والله ضارب وأنت لواء الدين والله عاقد
وانت ابو الهيجا بن حمدان يا ابنه تشابه مولود كريم ووالد
وحمدان حمدون وحمدون حارث وحارث لقمان ولقمان راشد
أولئك نياب الخلافة كلها وسائر أملاك البلاد الزوائد
أحبك يا شمس الزمان وبدره وان لامني فيك السهى والفراقد
وذاك لأن الفضل عنك باهر وليس لأن العيش عندك بارد
فإن قليل الحب بالعقل صال وان كثير الحب بالجهل فاسد
وقال يمدح سيف الدولة ويهنئه بعيد الأضحى:
لكل امرئ من دهره ما تعودوا وعادة سيف الدولة الطعن في العدى
وان يكذب الإرجاف عنه بضده ويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا
ورب مريد ضره ضر نفسه وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى
[ ٣٧ ]
ومستكبر لم يعرف الله ساعة رأى الدجر واحذره إذا كان مزبدًا
فإني رأيت البحر يعثر بالفتى وهذا الذي يأتي الفتى متعمدا
تظل ملوك الأرض خاشعةً له تفارقه هلكي وتلقاه سجدا
وتحيي له المال الصوارم والقنا ويقتل ما تحي التبسم والجدا
ذكي تظنه طليعة عينه يرى قلبه في يومه ما ترى غدا
وصول إلى المستصعبات بخيله ولو كان قرن الشمس ماءً لأوردا
لذلك سمى ابن الدمستق يومه مماتًا وسماه الدمستق مولدا
سريت إلى جيحان من أرض آمد ثلاثًا لقد أدناك ركض وأبعدا
فولى وأعطاك ابنه وجيوشه جميعًا ولم يعط الجميع ليحمدا
عرضت له دون الحياة وطرفه وأبصر سيف الله منك مجردا
وما طلبت زرق ال؟ أسنة غيره ولكن قسطنطين كان له الفدا
فأصح يجتاب المسوح مخافة وقد كان يجتاب الدلاص المسردا
ويمشي به العكاز في الدير تائبًا وما كان يرضى مشي أشقر أجردا
وما تاب حتى غادر الكر وجهه جريحًا وخلى جفنه النقع أرمدا
فإن كان ينجني من علي ترهب ترهبت الأملاك مثنى وموحدا
وكل امرئ في الشرق والغرب بعده يعد له ثوبًا من الشعر اسودا
هنيئًا لك العيد الذي أنت عيده وعيد لمن سمى وضحى وعيدا
ولا زالت الأعياد لبسك بعده تسلم مخروقًا وتعطى وعيدا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى كما كنت فيهم أوحدًا كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
فواعجبًا من دائل أنت سيفه أما يتوقى شفرتي ما تقلدا
ومن ومن يجعل الضرغام للصيد بازه تصيده الضرغام فيما تصيدا
رأيتك محض الحلم في محض قدرة ولو شئت كان الحلم منك المهندا
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحر الذي يحفظ اليد
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وان أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى
ولكن تفوق الناس رأيًا وحكمة كما فقتهم حالًا ونفسًا ومحتدى
يدق على الأفكار ما أنت فتعل فيترك ما يخفى ويؤخذ ما بدا
أزل حسد الحساد عني بكبتهم فأنت الذي صيرتهم لي حسدا
إذا شد زندي حسن رأيك في يدي ضربت بنصل يقطع الهام مغمدا
وما أنا إلا سمهري حملته فزين معروضًا وراع مسددا
وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمرًا وغنى به من لا يغني مغردا
أجزني إذا أنشدت شعرًا فإنما بشعري أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوت غير صوتي فإنني أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
تركت السرى خلفي لمن قل ماله
وأنعلت نفسي في ذراك محبة ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا
إذا سأل الإنسان أيامه الغنى وكنت على بعد جعلنك موعدا
وقال يمدح كافورًا ولم يلقه بعدها:
أود من الأيام ما لا توده وأشكو إليها بيننا وهي جنده
يباعدن حبًا يجتمعن ووصله فكيف بحب يجتمعن وضده
ابى خلق الدنيا حبيبًا تديمه فما طلبي منها حبيبًا ترده
وأسرع مفعول فعلت تغيرًا تكلف شيء في طباعك ضده
رعى الله عيسًا فارقتنا وفوقها مهًا كلها يولى بجفنيه خده
بواد به ما بالقلوب كأنه وقد رحلوا جيد تناثر عقده
إذا سارت الاحداج فوق نباته تفوح مسك الغانيات ورنده
وحال كإحداهن رمت بلوغها ومن دونها غول الطريق وبعده
وأتعب خلق الله من زاد همه وقصر عما تشتهي النفس وجده
فلا ينحلل بالمجد مالك كله فينحل مجد كان بالمال عقده
ودبره تدبير الذي المجد كفه إذا حارب الأعداء والمال زنده
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ومركوبه رجلاه والثوب جلده
[ ٣٨ ]
ولكن قلبًا بين جنبي ماله مدىً ينتهي بي في مراد أحده
يرى جسمه يكسى شفوفًا تربه فيختار أن يكسى دروعًا تهده
يكلفني التهجير في كل مهمه عليقي مراعيه وزادي ربده
وأمضى سلاح قلد المرء نفسه رجاء ابي المسك الكريم وقصده
هما ناصرا من خانه كل ناصر وأسرة من لم يكثر النسل جده
أنا اليوم من غلمانه في عشيرة لنا والد منه يفديه ولده
فمن ماله مال الكبير ونفسه ومن ماله در الصغير ومهده
نجر القنا الخطي حول قبابه وتردي بناقب الرباط وجرده
ونمتحن النشاب في كل وابل دوي القيس الفارسية رعده
فإلا تكن مصر الشرى أوعرينه فإن الذي فيها من الناس أسده
سبائك كافور وعقيانه الذي بصم القنا لا بالأصابع نقده
جلاها حواليه العدو وغيره وجر بها هزل الطراد وجده
ابو المسك لا يفنى بذنبك عفوه ولكنه يفنى بعذرك حقده
فيا أيها المنصور بالجد سعيه ويا أيها المنصور بالسعي جده
تولى الصبا عني وأخلفت طيبه وما ضرني لما رأيتك فقده
لقد شب في هذا الزمان كهوله لديك وشابت عند غيرك مرده
ألا ليت يوم السير يخبر حره فتسأله والليل يخبر برده
وليتك ترعاني وحيران معرض فتعلم أني من حسامك حده
وأني إذا باشرت أمرًا أريده تدانت أقاضيه ولان أشده
وما زال أهل الدهر يشتبهون لي إليك فلما لحت لي لاح فرده
يقال إذا أبصرت جيشًا وربه أمامك ملك رب ذا الجيش عبده
وألقى الفم الضحاك أعلم انه قريب بذي الكف المفداة عهده
فزارك مني من إليك اشتياقه وفي الناس إلا فيك وحدك زهده
يخلف من لم يأت دارك غاية ويأت فيدري أن ذلك جهده
فإن نلت ما أملت منك فربما شربت بماء يعجز الطير ورده
ووعدك فعل قبل وعد لإنه نظير فعال الصادق القول وعده
وكن في اصطناعي محسنًا كمجرب يبن لك تقريب الجواد وشده
إذا كنت في شك من السيف فابله فإما تنفيه وإما تعده
وما الصارم الهندي إلا كغيره إذا لم يفارقه النجاد وغمده
وإنك للمشكور في كل حالة ولو لم يكن إلا البشاشة رفده
وكل نوال كان أو هو كائن فلحظة طرف منك عندي نده
واني لفي بحر من الخير أصله عطاياك أرجو مدها وهي مده
وكل رغبتي في عسجد أستفيده ولكنها في مفخر أستجده
يجود به من يفضح الجود جوده ويحمده من يفضح الحمد حمده
فإنك ما مر النحوس بكوكب فقابلته إلا ووجهك سعده
وقال يمدح أبا عبيدة بن يحيى البحتري المنبجي:
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر بفي برود وهو في كبدي جمر
إذا اغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنة وذيا الذي قبلته البرق أم ثغر؟
رأت وجه من أهوى بليل عواذلي فقلن نرى شمسًا وما طلع الفجر
رأين التي للسحر من لحظاتها سيوف ظباها من دم ابدًا حمر
تناهى سكون الحسن في حركاتها فليس لراء وجهها لم يمت عذر
إليك ابن يحيى بن الحسين تجاوزت بي البيد عنس لحمها والدم الشعر
نضحت بذكراكم حرارة قلبها فسارت وطول الأرض في عينها شبر
إلى ليث حرب يلحم الليث سيفه وبحر ندى في جوده يغرق البحر
فتىً كل يوم يحتوي صلب ماله رماح المعالي لا الردينية السمر
تباعد ما بين السحاب وبينه فنائلها قطر ونائله غمر
ولو تنزل الدنيا على حكم كفه لأصبحت الدنيا وأكثرها نزر
أراه صغيرًا قدرها عظم قدره فما لعظيم قدره عنده قدر
متى ما يشر نحو السماء بوجهه تخر له الشعرى وينخسف البدر
يرى القمر الأرضي والملك الذي له الملك بعد الله والمجد والذكر
كثير سهاد العين من غير علة يؤرقه فيما يشرفه الفكر
له منن تفني الثناء كأنما به؟ أقسمت أن لا يؤدي لها الشكر
[ ٣٩ ]
أبا أحمد ما الفخر إلا لأهله وما لامرئ لم يمس من بحتر فخر
هم الناس إلا أنهم من مكارم يغني بهم حضر ويحدو بهم سفر
بمن نضرب الأمثال أم من نقيسه إليك وأهل الدهر دونك والدهر؟
وقال يمدح القاضي أبا الفرج أحمد بن الحسين:
لجنية أم غادة رفع السجف لوحشية لا. ما لوحشية شنف
نفور عرتها نفرة فتجاذبت سوالفها والحلي والمرط والردف
وخيل منها مرطها فكأنما تثنى لنا خوط ولا حظنا خشف
زيادة شيب وهي نقص زيادتي وقوة عشق وهي من قوتي ضعف
هراقت دمي من بي من الوجد ما بها من الوجد بي والشوق لي ولها حلف
ومن كلما جردتها من ثيابها كساها ثيابًا غيرها الشعر الوحف
وقابلني رمانتا غصن بانة يميل به بدر ويمسكه حقف
أكيدًا لنايابين واصلت وصلنا فلا دارنا تدن ولا عيشنا يصفو
أردد في الهوى كالسم في الشهد كامنًا لذذت به جهلًا وفي اللذة الحتف
فأفنى وما أفنته نفسي كأنما ابو الفرج القاضي له دونها كهف
قليل الكرى لو كانت البيض والقنا كآرائه ما أغنت الألفاظ من لفظه حرف
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهه ويستغرق الألفاظ من لفظه حرف
وان فقد الإعطاء حنت يمينه إليه حنين الإلف فارقه الإلف
أديب رست للعلم في أرض صدره جبال جبال الأرض في جنبها قف
جواد سمت في الخير والشر كفه سموًا يود الدهر أن اسمه كف
وأضحى وبين الناس في كل سيد من الناس إلا في سيادته خلف
يفدونه حتى كأن دماءهم لجاري هواه في عروقهم تقفو
وقوفين في وقفين شكر ونائل فنائله وقف وشكرهم وقف
ولما فقدنا مثله دام كشفنا عليه فدام الفقد وانكثف الكثف
وما حارت الأوهام في عظم شأنه بأكثر مما حار في حسنه الطرف
ولا نال من حساده الغيظ والأذى بأعظم مما نال من وفره العرف
تفكره علم ومنطقه حكم وباطنه دين وظاهره ظرف
أمات رياح اللؤم وهي عواصف ومغنى العلى يودي ورسم الندى يعفو
فلم نر قبل ابن الحسين أصابعًا إذا ما هطلن استحيت الديم الوطف
ولا ساعيًا في قلة المجد مدركًا بأفعاله ما ليس يدركه الوصف
ولم نر شيئًا يحمل العبء حمله ويستصغر الدنيا ويحمله طرف
ولا جلس البحر المحيط لقاصد ومن تحته فرش ومن فوقه سقف
فواعجبا مني أحاول نعته وقد فنيت فيه القراطيس والصحف
ومن كثرة الأخبار عن مكرماته يمر له صنف ويأتي له صنف
وتفتر منه عن خصال كأنها ثنايا حبيب لا يمل لها رشف
قصدتك والراجون قصدي إليهم كثير ولكن ليس كالذنب الأنف
ولا الفضة البيضاء والتبر واحدًا نفوعان للمكدي وبينهما صرف
ولست بدون يرتجى الغيث دونه ولا منتهى الجود الذي خلفه خلف
ولا واحدًا في ذا الورى في جماعة ولا البعض من كل ولكنك الضعف
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
وذنبي تقصيري وما جئت مادحًا بذنبي ولكن جئت أسأل أن تعفو
وقال عند مسير سيف الدولة لنصرة أخيه ناصر الدولة لما قصد الموصل:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل والطعن عند محبيهن كالقبل
وما تقر سيوف في ممالكها حتى تقلقل دهرًا قبل في القلل
مثل الأمير بغى أمرًا فقر به طول الرماح وأيدي الخيل والابل
وعزمة بعثتها همة، زحل من تحتها بمكان الترب من زحل
على الفرات أعاصير وفي حلب توحش لملقى النصر مقتبل
تتلو أسنته الكتب التي نفذت ويجعل الخيل أبدالًا من الرسل
يلقى الملوك فلا يلقى سوى جزر وما أعدوا فما يلقى سوى نفل
صان الخليفة بالأبطال مهجته صيانة الذكر الهندي بالخلل
ألفاعل الفعل لم يفعل لشدته والقائل القول لم يترك ولم يقل
والباعث الجيش قد غالت عجاجته ضوء النهار فصار الظهر كالطفل
[ ٤٠ ]
الجو أضيق ما لاقاه ساطعها ومقلة الشمس فيه أحير المقل
ينال أبعد منها وهي ناظرة فما تقابله إلا على وجل
قد عرض السيف دون النازلات به وظاهر الحزم بين النفس والغيل
ووكل الظن بالأسرار فانكشفت له ضمائر أهل السهل والجبل
هو الشجاع يعد البخل من جبن وهو الجواد يعد الجبن من بخل
يعود من كل فتح غير مفتخر وقد أغذ إليه غير محتفل
ولا يجير عليه الدهر بغيته ولا تحصن درع مهجة البطل
إذا خلعت على عرض له حللا وجدتها منه في أبهى من الححل
بذي الغباوة من إنشادها ضرر كما تضر رياح الورد بالجعل
لقد رأت كل عين منك مالئها وجردت خير سيف خيرة الدول
فما تكشفك الأعداء عن ملل الحروب ولا الآراء عن زلل
وكم رجال بلا أرض لكثرتهم جمعهم أرضا بلا رجل
ما زال طرفك يجري في دمائهم مشى بك مشي الشارب الثمل
يا من يسير وحكم الناظرين له فيما يراه وحكم القلب في جدل
إن السعادة فيما أنت فاعله وفقت مرتحلًا أو غير مرتحل
أجر الجياد على ما كنت مجريها وخذ بنفسك في أخلاقك الأول
ينظرن من مقل أدمى أحجتها قرع الفوارس بالعسالة الذبل
فلا هجمت بها إلا على ظفر ولا وصلت بها إلا إلى أمل
وقال يمدح أبا محمد الحسين بن عبيد الله بن طغج بن جف:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم علمت بما بي بين تلك المعالم
ولكنني مما ذهلت متيم كسال وقلبي بائح مثل كاتم
وقفا كأنا كل وجد قلوبنا تمكن من أذوادنا في القوائم
ودسنا بأخفاف المطايا ترابها فما زلت أستشفي بلثم المناسم
ديار اللواتي دارهن عزيزة بطول القنا يحفظن لا بالتمائم
حسان التثني ينقش الوشي مثله إذا مسن في أجسامهن النواعم
ويبسمن عن در تقلدن مثله كأن التراقي وشحت بالمباسم
فما لي وللدنيا طلابي نجومها ومسعاي منها في شدوق الأراقم
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
وأن ترد الماء الذي شطره دم فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحم
ومن عرف الأيام معرفتي بها وبالناس روى رمحه غير راحم
فليس بمرحوم إذا ظفروا به ولا في الردى الجاري عليهم بآثم
إذا صلت لم أترك مصالًا لفاتك وإن قلت لم أترك مقالًا لعالم
وإلا فخانتني القوافي وعاقني عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
عن المقتني بذل التلاد تلاده ومجتنب البخل اجتناب المحارم
تمنى أعادية محل عفاته وتحسد كفية ثقال الغمائم
ولا يتلقى الحرب إلا بمجهة معظمة مذخورة للعظائم
وذي لجب لاذوا الجناح أمامه بناج ولا الوحش المثار بسالم
تمر عليه الشمس وهي ضعيفة تطالعه من بين ريش القشاعم
إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة تدور فوق البيض مثل الدراهم
ويخفى عليك البرق والرعد فوقه من اللمع في حافاته والهماهم
أرى دون ما بين الفرات وبرقة ضرابًا يمشي الخيل فوق الجماجم
وطعن غطاريف كأن أكفهم عرفن الردينيات قبل المعاصم
حمته على الأعداء من كل جانب سيوف بني طغج بن جف القماقم
هم المحسنون الكر في حومة الوغى منه كرهم في المكارم
وهم يحسنون العفو عن كل مذنب ويحتملون الغرم عن كل غارم
حييون إلا أنهم في نزالهم أقل حياء من شفار الصوارم
ولولا احتقار الأسد شبهتمهم بها ولكنها معدودة في البهائم
سرى النوم عني في سراي إلى الذي صنائعه تسري إلى كل نائم
إلى مطلق الأسرى ومحترم العدى ذوي الشكوى ورغم المراغم
كريم نفضت الناس لما بلغته كأنهم ما جف من زاد قادم
وكاد سروري لا يفي بندامتي على تركه في عمري المتقادم
وفارقت شر الأرض أهلًا وتربة بها علوي جده غير هاشم
[ ٤١ ]
بلى الله حساد الأمير بحلمه وأجلسه منهم مكان العمائم
فإن لهم في سرعة الموت راحة وإن لهم منهم في العيش حز الغلاصم
كأنك ما جاودت من بان جوده عليك ولا قاتلت من لم تقاوم
وقال يرثى أبا شجاع فاتك الأخشيدي الملقب بالمجنون:
الحزن يقلق والتجميل يردع والدمع بينهما عصي طيع
يتنازعان دموع عين مسهد هذا يجيء بها وهذا يرجع
النوم بعد أبي شجاع نافر والليل معي والكواكب ظلع
إني لأجبن من فراق أحبتي وتحس نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ويلم بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل عما مضى منها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بينانه ما قومه ما يومه ما المصرع؟
تتخلف الآثار عن أصحابها حينًا ويدركها الفناء فتتبع
لم يرض قلب أبي شجاع مبلغ قبل الممات ولم يسعه موضع
كنا نظن دياره مملوءة ذهبًا فمات وكل دار بلقع
وإذا المكارم والصوارم والقنا وبنات أعوج كل شيء يجمع
المجد أخسر والمكارم صفقة من أن يعيش لها الكريم الأروع
والناس أنزل في زمانك منزلًا من أن تقايسهم وقدرك أرفع
برد حشاي إن استطعت بلفظة فلقد تضر إذا تشاء وتنفع
ما كان منك إلى خليل قباها ما يستراب به ولا ما يوجع
ولقد أراك وما تلم ملمة إلا نفاها عنك قلب أصمع
ويد يبدل كل يوم حلة أني رضيت بحلة لا تنزع
ما زلت تخلعها على من شاءها حتى لبست اليوم ما لا تخلع
ما زلت تدفع كل أمر فادح حتى أتى الأمر الذي لا يدفع
فظللت تنظر لارماحك شرع فيما عراك ولا سيوفك قطع
بأبي الوحيد وجيشه متكاثف يبكي ومن شر السلاح الأدمع
وإذا حصلت من السلاح على البكا فحشاك رعت به وخدك تقرع
وصلت إليك يد ساء عندها ال بازي الأشهيب والغراب الأبقع
من المحافل والجحافل والقرى؟ فقدت بفقدك نيرًا لا يطلع
ومن اتخذت على الضيوف خليفةً ضاعوا ومثلك لايكاد يضيع
قبحًا لوجهك يا زمان فإنه وجه له من كل قبح برقع
أيموت مثل ابي شجاع فاتك ويعيش حاسده الخصي الأوكع؟
أيد مقطعة حوالي رأسه وقفًا يصيح بها ألا من يصفح؟
أبقيت أكذب كاذب أبقيته وأخذت أصدق من يقول ويسمع
وتركت أنتن ريحة مذمومة وسلبت أطيب ريحة تتضوع
فاليوم قر لكل وحش نافر دمه وكان كأنه يتطلع
وتصالحت ثمر السياط وخيله وأوت إليها سوقها والأذرع
وعفا الطراد فلا سنان راعف فوق القناة ولا حسام يلمع
ولى وكل مخالم ومنادم بعد اللزوم مشيع ومودع
قد كان فيه لكل قوم ملجأ ولسيفه في كل قوم مرتع
أن حل في روم ففيها قيصر أو حل في عرب ففيها تبع
قد كان أسرع فارس في طعنة فرسًا ولكن المنية أسرع
لا قلبت أيدي الفوارس بعده رمحًا ولا حملت جوادًا أربع
أبيات متفرقة
أبيات أديبة ألحقتها بعد تمام هذا المجلد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان لما ذكر (جبل أروند) المطل على مدينة همذان، قال: وأهل همذان كثيرًا ما يذكرونه في أحاديثهم وأسجاعهم وأشعارهم ويعدونه من أجل مفاخر بلدهم، وكثيرًا ما يتشوقون إليه في الغربة وعلى سائر البلاد يفضلونه وفيه يقول عين القضاة عبد الله بن محمد الميانجي في رسالة كتبها إلى أهل همذان وهو محبوس:
ألا ليت شعري هل ترى العين مرةً ذرى قلتي أروند من همذان
بلاد بها نيطت علي تمائمي وأرضعت من عقانها بلبان
وقال ياقوت: العقان بقية اللبن في الضرع. وقال شاعر من أهل همذان:
تذكرت من أروند طيب نسيمه فقلت لقلب بالفراق سليم
سقى الله أروندًا وروض شعابه ومن حله من ظاعن ومقيم
[ ٤٢ ]
وأيامنا إذا نحن في الدار جيرة واذ دهرنا بالصل غير ذميم
قال: ويقال أن أكثر المياه في الجبال من أسفلها إلا أروند فإن ماءة من أعلاه ومنابعه في ذروته. قال بعض شعرائهم يفضله على بغداد ويتشوقه:
وقالت نساء الحي اين ابن أختنا إلا خبرونا عنه حييتم وفدا
رعاه ضمان الله هل في بلادكم أخو كرم يرعى لذي حسب عهده
فإن الذي خلفتموه بأرضكم فتىً ملأ الأحشاء هجرانه وجدا
أبغدادكم تنسيه أروند مربعًا ألا خاب من يشري ببغداد أروند
فدتهن نفسي لو سمعن بما أرى رمى كل جيد من تنهده عقدا
وقال محمد بن بشير الهمذاني يصف أروند:
سقيًا لظلك يا أروند من جبل وان رميناك بالهجران والملل
هل يعلم الناس ما كلفتني حججًا من حب مائك إذا يشفي من العلل
لازلت تكسى من الأنواء أردية من ناضر أنق أو ناعم خضل
حتى تزور العذارى كل شارقة أفياء سفحك يستصبين ذا الغزل
وأنت في حلل والجو في حلل والبيض في حلل والروض في حلل
وقال محمد بن بشير أيضًا يصف أروند:
تزينت الدنيا وطابت جنانها وناح على أغصانها ورشانها
وأمرعت القيعان واخضر نبتها وقا على الوزن السواء زمانها
وجاءت جنود من قرى الهند لم تكن لتأتي إلا حين يأتي أوانها
مسودة دعج العيون كأنما لغات بنات الهند تحكي لسانها
لعمرك ما في الأرض شيء نلذه من العيش إلا فوقه همذانها
إذا استقبل الصيف الربيع وأعشبت شماريخ من أروند شم قنانها
وهاج عليهم بالعراق وأرضه هواجر يشوي أهلها لهبانها
سقتك ذرى أروند من سيح ذائب من الثلج أنهارًا عذابًا رعانها
ترى الماء مستنًا على ظهر صخره ينابيع يزهي حسنها واستنانها
كأن بها شوبًا من الجنة التي تفيض على سكانها حيوانها
فياساقي الكأس اسقينها مدامة على روضة يشفي المحب جنانها
مكللة بالنور تحكي مضاحكًا شقائقها في غاية الحسن بانها
كأن عروس الحي بين خلالها قلائد ياقوت زهاها اقترانها
تهاويل من حمر وصفر كأنها ثنايا العذارى ضااحكًا أقحوانها
قال طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري القاضي الشافعي ﵀: كتبت إلى ابي العلاء المعري حين ورد بغداد
وما ذات در لا يحل لحالب تناوله واللحم منها مجلل
لمن شاء في الحالين حيًا وميتًا ومن رام شرب الدر فهو مجلل
إذا طعنت في السن فاللحم طيب وآكله عند الجميع مغفل
وخرفانها للأكل فيها كزازة فما لحصيف الرأي فيهن مأكل
وما يجتني معناه إلا مبرز عليم بأسرار القلوب محصل
فاجابني وأملى على الرسول في الحال:
جوابان عن هذا السؤال كلاهما صواب وبعض القائلين مضلل
فمن ظنه كرمًا فليس بكاذب ومن ظنه نخلًا فليس يجهل
لحومهما الأعناب والرطب الذي هو الحل والدر الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضة تمر وغض الكرم يجنى ويؤكل
يكلفني القاضي الجليل مسائلًا هي النجم قدرًا بل أعز وأطول
ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها جديرًا ولكن من يودك مقبل
فاجبته بقولي:
أثار ضميري من يعز نظيره من الناس طرًا سابغ الفضل مكمل
ومن قلبه كتب العلوم بأسرارها وخاطره في حدة النار مشعل
تساوى له سر المعاني وجهرها ومعضلها باد لديه مفصل
ولما أثار الحب قاد منيعه أسيرًا بأنواع البيان مكبل
وقربه من كل فهم بكشفه وأيضاحه حتى رآه المغفل
وأعجب منه نظمه الدر مسرعًا ومرتجلًا من غير ما يتمهل
فيخرج من بحر ويسمو مكانه جلالًا إلى حيث الكواكب نزل
فهنأه الله الكريم بفضله محاسنه والعمر فيها مطول
فأجاب مرتجلاص وأملى على الرسول:
إلا أيها القاضي الذي بدهائه سيوف على اهل الخلاف تسلل
فؤادك معمور من العلم آهل وجدك في كل المسائل مقبل
[ ٤٣ ]
فإن كنت بين الناس غير ممول فأنت من الفهم المصون ممول
إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلًا فأنت وهم مثل الحمائم أجدل
كأنك من في الشافعي مخاطب ومن قلبه تملي فما تتمهل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارسًا وانت بإيضاح الهدى متكفل
تفضلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما فعلت وكفي عن جوابك أجمل
لأنك في كنه الثريا فصاحةً وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل
فعذرك في اني أجبتك واثقًا بفضلك والانسان يسهو ويذهل
وأخطأت في انفاذ رقعتك التي هي المجد لي منها أخير وأول
ولكن عداني أن أروم احتفاظها رسولك وهو الفاضل المتفضل
ومن حقها أن يصبح المسك عاطرًا بها وهي في أعلى المواضع تجعل
فمن كان في أشعاره متمثلًا فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل
تجملت الدنيا بأنك فوقها ومثلك حقًا من به تتجمل
ومن المراثي الجيدة أبيات ذكرها ابن خالكان في تاريخه (وفيات الاعيان) لابي اسحاق ابراهيم بن عثمان الغزي الشاعر المشهور رثى بها ابا الحسن علي بن محمد الطبري الملقب عماد الدين المعروف بالكيا الهرسي الفقيه الشافعي وهي:
هي الحوادث لا تبقي ولا تذر ماللبرية من محتومها وزر
لو كان ينجي علو من بوائقها لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر
قل للجبان الذي أمسى على حذر من الحمام متى رد االردى الحذر
بكى على شمسه الإسلام إذا افلت بأدمع قل في تشبييها المطر
حبر عهدناه طلق الوجه مبتسمًا والبشر أحسن ما يلقى به البشر
لئن طوته المنايا تحت أخمصها فعلمه الجم في الآفاق منشر
سقى ثراك عماد الدين كل ضحىً صوب الغمام ملث الودق منهمر
عند الورى من أسى أبقيته خبر فهل أتاك من استيحاشهم خبر
أحيا ابن ادريس درس أنت تورده في نظمه الأذهان والفكر
من فاز منه بتغليق فقد علقت يمينه بشهاب ليس ينكدر
كأنما مشكلات الفقه يوضحها جباه دهم لها من لفظه غرر
ولو عرفت له مثلًا دعوت له وقلت دهري إلى شرواه مفتقر
ومن جيد الثناء وفائق المديح ما قال ابو تمام في محمد بن حسان الضبي
بمحمد سار الزمان محمدافينا وأعتب بعد سوء فعاله
بمروق الأخلاق لو عاشرته لرأيت نجحك في جميع خصاله
من ودني بلسانه وفؤاده وأمالني بيمنه وشماله
أبدًا نفيد غرائبًا من ظرفه وراغائبًا من جوده وفعاله
لك شاهد من قلبه بل حالف متبرع أن العلى من باله
وسألت عن أمري فسل عن أمردوني فحالي قطعة من حاله
لو كنت شاهد بذله لشهدت لي بوارثة أو شركة في ماله
وقوله في مالك بن طوق وأحسن:
أقول لمرتاد الندى عند مالك تعوذ بجدوى مالك وصلاته
فتىص جعل المعروف من دون عرضه سريعًا إلى الممتاح قبل داته
ولو قصرت أمواله عن سماحه لقاسم من يرجوه شطر حياته
ولو لم يجد في قسمة العمر حيلةً وجاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير كفر بربه وواساهم من صومه وصلاته
للحسن بن وهب الكاتب وهي من ظريف الشعر:
أبت مقلتاك لفرط الحزن عليك الرقاد وبرد الوسن
وحق لعينيك أن لا تناما وقلبك مختلس مرتهن
وبين الجوانح داء دفين لعمرك مستتر قد كمن
نجي الهموم وقرن الكلوم ووهي الحلوم وبعد الوطن
شديد النفار كثير العثار خليع العذار يجر الرسن
أفي كل يوم تطيل الوقوف تناجي الديار وتبكي الدمن
وتستخبر الدار عن أهلها وتذري الدموع على من ظعن
كأنك لم تر فيما مضى من الدهر ذا صبوة مفتتن
عذرتك أيام شرخ الشباب وفرعك نضير الغصن
فأما وقد زال ظل الشباب عنك وولى كأن لم يكن
وألبسك الشيب بعد الشباب قناع بياض كلون القطن
وصرت قذى في عيون الحسان يخنك عهدًا وان لم تخن
ويصدفن عنك إذا رمتهن وكنت لهن زمانًا سكن
[ ٤٤ ]