شعر
لبيد بن ربيعة يقول جامع هذا المجموع: عذرًا فإني لم أظفر بترجمة لبيد بن ربيعة ومعلقته وقتئذ فأحببت ذكرها هنا لئلا يخلو المجموع منها.
هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري ﵁، أحد أشراف الشعراء المجيدين، وهو من بني عامر بن صعصعة إحدى بطون هوازن من مضر، وأمه عبسية. نشأ لبيد جوادًا شجاعًا فاتكا، أما الجود فورثه من أبيه الملقب ربيعة المعتزين، وأما الشجاعة والفتك، فهما خصلتا قبيلته إذا كان عمه ملاعب الأسنة أحد فرسان مضر في الجاهلية، وأسلم وحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام، فلما ولي الخلافة عمر بن الخطاب رضي لله عنه أمر أن يحصى ما قيل من الشعر في الإسلام، فسأل لبيد عما قال من الشعر في الإسلام، فكتب سورة البقرة وآل عمران وكتب تحتها:
[ ١١١ ]
الحمد لله إذا لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا
فلما وصلت إلى عمر ﵁، قال: كم عطاء لبيد؟ قالوا ألفان.
فقال: زيدوه خمسمائة، فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية وتوفي سنة ٤١ من الهجرة، وكان يطعم كلما هبت الصبا، والتزم ذلك في الإسلام. وقيل: انه عاش مائة وثلاثين سنة ومن شعره:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح
واستوطن الكوفة، وعلى العراق الوليد بن عقبة، وهبت الصبا، وليس عنده ما يطعم به، فعلم بذلك الوليد، فأرسل إليه بابل، فنحرها، وأطعم الناس، فقال لابنته إلا قلت فيه شعرًا تشكرينه به فأنشدت:
إذا هبت رياح أبي عقيل دعونا عند هبتها الوليدا
أغر الوجه ابيض عبشمي أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركبا عليها من بني حام قعودا
جزاك الله خيرًا من أمير نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد أن الكريم له معاد وظني يا ابن أرى أن تعودا
فقال لبيد: لقد أحسنت إلا انك استزدته، فقالت: إنه ملك، وليس بسوقة، وليس في سؤاله نقص. ونبغ بالشعر، وهو غلام، وجرى فيه على سنن الأشراف والفرسان، وكان بين قبيلته، وبين بني عبس أخواله عداوة شديدة في الجاهليه، فاجتمع وفداهما عند النعمان بن المنذر، وعلى العبسيين الربيع بن زياد، وعلى العامريين ملاعب الاسنة، وكان الربيع مقربًا عند النعمان، يواكله وينادمه، فأوغر صدره على العامريين، فلما دخل وفدهم على النعمان، أعرض عنهم فشق ذلك عليهم، ولبيد يومئذ صغير يحفظ ابلهم، ويرعاهم فسألهم عن خطيبهم، فاحتقروه لصغره، فألح حتى أخبروه فوعدهم انه سينتقم منه غدًا عند النعمان أسوأ انتقام بهجاء لا يجالسه بعد، ولا يواكله، فكان ذلك فانه لما دخل عليه خاطب الربيع بكلام أمضه، وأوجعه، وأنشد يخاطب النعمان:
مهلًا ابيت اللعن لا تأكل معه فاسته من برص ملمعه
وانه يدخل فيها أصبعه يدخلها حتى يوارى أشجعه
كأنه يطلب شيئًا ضيعه فقال النعمان: حسبك لقد نكدت علي ما مضى من الأكل معه وقال للربيع: أنت كما قال، فقال: كذب علي فإن كنت في شك فأمر من يجردني وينظرني فقال النعمان:
شرد برحلك عني حيث شئت ولا تكثر علي ودع عنك الأقاويلا
قد قيل ما قيل أن صدقًا وان كذبًا فما اعتذارك من قول إذا قيلا
وأهمل النعمان الربيع، وجفاه، وأقبل على العامريين وأجزل صلتهم، وحباهم، وقضى حوائجهم، وكان هذا أول ما اشتهر به لبيد، ثم قال بعد ذلك المقطعات والمطولات، وشهد النابغة له، وهو غلام بأنه أشعر هوازن حين رأى معلقته وهي هذه:
عفت الديار محلها فمقامها بمنىً تأبد غولها فرجامها
فمدافع الريان عري رسمها خلقا كما ضمن الوحي سلامها
رزقت مرابيع النجوم وصابها ودق الرواعد جودها فرهامها
من كل سارية وغاد مدجن وعشية متجاوب ارزامها
فعلا فروع الأبقهان واطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها
والعين ساكنة على أطلائها عوذا تأجل بالفضاء بهامها
وجلا السيول عن الطلول كأنها زبر تجد متونها أقلامها
أو رجع واشمة أسف نؤورها كففًا تعرض فوقهن وشامها
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا صما خوالد ما يبين كلامها
عريت وكان بها الجميع فأبكروا منها وغودر نؤيها وثمامها
شاقتك ظعن الحي حين تحملوا فتكنسوا قطنًا تصر خيامها
من كل محفوف يطل عصيه زوج عليه كلة وقرامها
زجلًا كأن نعاج توضح فوقها وظباء وجرة غطفا آرامها
حفزت وزايلها السراب كأنها اجزاع بيشة أثلها ورضامها
بل ما تذكر من نوادر وقد نأت وتقطعت أسبابها ورمامها
مرية حلت بفيد وجاورت أهل الحجاز فأين منك مرامها
بمشارق الجبلين أو بمحجر فتضمنتها فردة فرخامها
فصوائق لبانة من تعرض وصله ولشر واصل خلة صرامها
وأحب المجامل بالجزيل وصرمه باق إذا ظلعت وزاغ قوامها
بطيلح أسفار تركن بقية منها وأحنق صلبها وسنامها
[ ١١٢ ]
فإذا تغالى لحمها وتحسرت وتقطعت بعد الكلال خدامها
فلها هباب في الزمام كأنها صهباء راح مع الجنوب جهامها
أو ملمع وسقت لاحقب لاحه طرد الفحول وضربها وكدامها
يعلو بها حدب الأكام مسحجًا قد رابه عصيانها ووحامها
بأحزة الثلبوت يربأ فوقها قفر المراقب خوفها آرامها
حتى إذا سلخا جمادى ستة جزءًا فطال صيامه وصيامها
رجعا دوابرها السفا وتهيجت ريح المصايف سومها وسهامها
فتنازعا سبطا يطير ظلاله كدخان مشعلة يشب ضرامها
مشمولة غلثت بنابت عرفج كدخان نار ساطع أسنامها
فمضى وقدمها وكانت عادة منه إذا هي عردت أقدامها
فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاورًا قلامها
محفوفة وسط اليراع يظلها منها مصرع غابة وقيامها
أفتلك أم وحشية مسبوعة خذلت وهادية الصوار قوامها
خلساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها
لمعفر فهد تنازع شلوه غبس كواسب ما يمن طعامها
صادفن منها غرة فأصبنه أن المنايا لا تطيش سهامها
باتت واسبل واكف من ديمة يروي الخمائل دائمًا تسجامها
تجتاف أصلًا قالصًا متنبذًا بعجوب أنقاء يميل هيامها
يعلو طريقة متنها متواترًا في ليلة كفر النجوم سل نظامها
حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت بكرت تزل عن الثرى أزلامها
علهت تبلد في نهاء صعائد سبعًا تؤاما كاملًا أيامها
حتى إذا يئست وأسحق حالق لم يبله أرضاعها وفطامها
وتسمعت رز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها
فغدت كلا الفرجين تحسب انه مولى المخافة خلفها وأمامها
حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفا دواجن قافلا أعصامها
فلحقن واعتكرت لها مدرية كالسمهرية حدها وتمامها
لتذودهن وأيقنت أن لم تذد أن قد أحم مع الحتوف حمامها
فتقصدت منها كساب وضرجت بدم وغودر في المكر سخامها
فبتلك إذا رقص اللوامع بالضحى واجتاب أردية السراب آكامها
أقضي اللبانة لا أفرط ريبة أو أن يلوم بحاجة لوامها
أو لم تكن تدري نوار بأنني وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها
بل أنت لا تدركين كم من ليلة طلق لذيذ لهوها وندامها
قد بت سامرها وغاية تاجر وافيت إذا رفعت وعز مدامها
أغلي السباء بكل أدكن عاتق أو جونة قدحت وفض ختامها
لصبوح صافية وجذب كرينة بموتر تأتاله ابهامها
باكرت حاجتها الدجاج بسحرة لأعل منها حين هب نيامها
وغداة ريح قد وزعت وقرة إذا أصبحت بيد الشمال زمامها
ولقد حميت الخيل تحمل شكتي فرط وشاحي إذا غدوت لجامها
فعلوت مرتقبًا على مرهبوة حرج إلى أعلامهن قتامها
حتى إذا ألقت يدا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها
أسهلت وانتصبت كجذع منيفة جرداء يحصر دونها جرامها
رفعتها طرد النعام وفوقه حتى إذا سخنت وخف عظامها
قلقت رحالتها وأسبل نحرها وابتل من زبد الحميم حزامها
ترقى وتطعن في العنان وتنتحي ورد الحمامة إذا أجد حمامها
وكثيرة غرباؤها مجهولة ترجى نوافلها ويخشى ذامها
غلب تشذر بالذخول كأنها جن البدي رواسيًا اقدامها
أنكرت باطلها وبؤث بحقها يومًا ولم يفخر علي كرامها
وجزور أيسار دعوت لحتفها بمغالق متشابه أعلامها
أدعو بهن لعاقر أو مطفل بذلت لجيران الجميع لحامها
فالضيف والجار الغريب كأنما هبطا تبالة مخصبًا أهضابها
تأوي إلى الأطناب كل رزية مثل البلية قالص أهدامها
ويكللون إذا الرياح تناوحت خلجًا تمد شوارعًا أيتامها
أنا إذا التقت المجامع لم يزل منا لزاز عظيمة جشامها
ومقسم يعطي العشيرة حقها ومغذمر لحقوقها هضاما
[ ١١٣ ]
فضلًا وذو كرم يعين على الندى سمح كسوب رغائب غنامها
من معشر سنت لهم آبائهم ولكل قوم سنة وأمامها
أن يفزعوا تلق المغافر عندهم والسن يلمع كالكواكب لامها
لا يطبعون ولا يبور فعالهم إذا لا تميل مع الهوى أحلامها
فبنوا لنا بيتًا رفيعًا سمكه فسما إليه كهلها وغلامها
فاقنع بما قسم المليك فإنما قسم الخلائق بيننا علامها
وإذا الأمانة قسمت في معشر أوفى بأعظم حظنا قسامها
فهم السعادة إذا العشيرة أنظعت وهم فوارسها وهم حكامها
وهم ربيع للمجاور فيهم والمرملات إذا تطاول عامها
هم العشيرة أن يبطئ حاسد أو أن يلوم مع العدى لوامها
تم الاختيار من شعر لبيد ويليه الاختيار من شعر ذي الوزارتين احمد بن زيدون