إن الله تعالى حكم دائم النفوذ، وحكيم يهدي شفاء النجاة لمن به يلوذ. وله أسرار معناها دقيق، لا يفهمه إلا أرباب التحقيق. أمسك الغيث عن عباده في عام، فخاض كل منهم في بحر دمعه وعام. وساءت الظنون بضن السحاب، واشتاق النبات إلى سماع وقع الرباب. وظمئت الحياض، وعبست وجوه الرياض. واستدت العيون بالنقع المثار، وتعطلت
[ ١١ ]
من حلى المزن أجياد الأزهار. وذهلت العقول لفقد الصوب عن الصواب، وقص جناح السرور وطارت الألباب. وطوي بساط الإنبساط ووقع القول في هياط ومياط. وطالت عهود العهاد، وتأهبت الأرض للبس أثواب الحداد:
وأصابت نبت الربا فاصل عين شمس أورثته مذلة واصفرارا
كلما جال طرفها ترك النا س سكارى وما هم بسكارى
فبينما هم يجرون أذيال الكآبة، ويرفعون الدعاء إلى مواطن الإجابة، تداركهم الله بالطف الخفي، وانثال عليهم المن الحفي، ونظر الله عليهم بعين حكمته، وحرك ساكن الرخاء لتجري بنعمته، وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته، فمدت أعناقها، وجدت إعناقها وركضت عادياتها، وجرت على أحسن عاداتها، وسدلت من أرديتها الأردان، وارخت العنان في طلب العنان:
ورياح تبشر الأرض بالقطر كذيل الغلالة المبلول
ووجوه البقاع تنتظر الغيث انتظار المحب رد الرسول
فأقلت سحابًا ثقالًا، يستهل كرمًا ونوالًا، مشكي الإهاب، خصيب الجناب، فسيح الرحاب، صادق الوعود، متلاحق الوفود، كثير الأعوان والجنود، يؤذن بالموارد الطامية، وشفاء
[ ١٢ ]
الشفاه الظامية، وإثراء فقير الثرى، وإجراء دمعه أسفًا على ما جرى:
أكب على الآفاق إكباب مطرق يفكر، أو كالنادم الملتهف
ومد جناحيه إلى الأرض جانحًا وراح عليها كالغراب المرفرف
والرعد يزجره ويسوقه بين يديه، فإذا قصر صاح به وزمجر عليه، تارة يترنم كالحمام، وطورًا يزأر كالأسد الضرغام:
وكأن صوت الرعد خلف سحابة حاد إذا ونت النجائب صاحا
والبرق يلمع ويلمع، ويمنح ثم يمنع، كأنه ثغر أشنب، أو قبس يلتهب، أوحسام يمان، أو
فؤاد جبان، أو سلاسل من ذهب، أو أشهب مال جله حين وثب أو أنامل بعض الحساب، أو حية تتلوى، أو كف خضيب يمد ويقبض، أو خود تعرض بعد أن تتعرض:
ترى الأرض منه وقد فضضت ووجه السماء وقد ذهبا
وقوس الغمام للجو نطاق، لا بل تاج على مفارق الآفاق، يزهو بلجَينه وعسجده، ويفخر بياقوته وزبرجده:
[ ١٣ ]
كأذيال خود أقبلت في غلائل مصبغة والبعض أقصر من بعض
فلما تراكمت السحائب، واجتمعت حولها الكتائب، واتسع صدرها، واستحكم أمرها، وحلق بالجو ناهضها واعترض في الأفق عارضها، ونصبت راياتها، وانتهت غاياتها، وآن رحيلها وتفريق شملها، وحان وضعها وفصال حملها، أجرت مدامعها، وردت ودائعها، وحلت نطاقها، وفكت أزرار أطواقها، وحثت الركائب، وأسبلت الذوائب، وسمحت بطلها وطشها، وسكنت رهج الغبراء برشها، وأروت الحرة برذاذها وهطلها، وأذهبت الحرقة بديمها ووبلها، وآثرت بجودها وجودها، ونثرت على بساط الأرض جواهر عقودها. أبو هلال العسكري:
تخال بها مسكًا وبالقطر لؤلؤًا وبالروض ياقوتًا وبالوحل عنبرًا
كم أبدت إحسانًا وبرًا، وبردت من كبد حرى، وأسدت معروفًا، وأغاثت ملهوفًا، وساقت إنعامًا، وسقت حرثًا وأنعامًا، وكفت همًا حين وكفت، وقرطت اّذان الأغصان وشنفت، وأنشرت أمواتًا، وأخرجت حبًا ونباتًا، ونشرت مطرفًا بعد الطي ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وكم نقعت غليلًا، ونفعت عليلًا،
[ ١٤ ]
وملأت حياضًا، ونورت رياضًا، وأذلت درًا مصونًا، وشرحت صدورًا، وأقرت عيونًا، وألبست الحدائق برودًا عليها طلاوة، وأهدت للزهر قطرًا ظاهر الحلاوة:
ترى فواقعه في الأرض لائحة مثل الدراهم تبدو ثم تستتر
فأمسى الناس في عيشة راضية، يرفلون في حلل الرفاهية، أمرعوا بعد الضنك والشظف، وأخصبوا بعد الجدب والطفف، وأصبح محل المحل دارسًا، ووجه الأمل يضحك بعد أن كان عابسًا، وأخذت الأرض زخرفها بعد أن كان زرعها يهيج، واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فثغورها مبتسمة، وفرائد قلائدها منتظمة، ونمارقها مدبجة، ورؤوس
أشجارها متوجة، وغدرانها طافحة، ومخايل السعادة عليها لائحة، وألسنة أهلها مشتغلة بشكر علام الغيوب، وقلوبهم مطمئنة بذكره ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
يبدئ ويعيد، ويمتحن العبيد، ثم يفتح لهم أبواب جوده الوافر وفضله المديد. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾.