برزت يومًا مع رفيق رقيق، يسر بمنادمته سر الصديق. لا يخرج عن الواجب. ولا يحجبه عن ذكر الجليل حاجب. رفيع المقام، صادق الكلام. ينطق بالحكمة وفصل الخطة، وهو لدائرة الفضل بمنزلة النقطة. يجتني من الرياض أزهار
[ ٩٩ ]
الرياضة، ويعتني بما يشرح الصدر ويزيل انقباضه. ويحب معالي الأمور، ويتقدم إلى كل مقدمة تنتج السرور. ويتمسك بما كان داعيًا إلى المروة، باعثًا على امتثال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾
قد ألف لخطبة الطير كل خطب مهول، واعتاد خوض المنايا فأيسر ما تمر به الوحول، إلى روضة أنيقة تهدي الأنق، وتضيء في جوانبها وجه الملق. والغيم ممدود الرواق، والطل دمعه يراق، والجو مسكي الإهاب، والشمس قد توارت بالحجاب.
والأرض وشي والنسيم معنبر والماء راح والطيور قيان
فنزلنا بفنائها، وشممنا الأرج من أرجائها، واجتلينا محاسن أزهارها، وطربنا لسماع نغمات أطيارها، وقبلنا هناتها وهباتها، ورعينا على كلا الحالين كلأها مع نباتها، ورأينا بها عصبة من الرماة، وفرقة تفرق منهم الأبطال والكماة فألمنا بحضرتهم، وانتظمنا في سلك زمرتهم، فلما أنست بذراهم، وآنست نار قراهم، شاهدت قومًا نفوسهم أبية، ومقاماتهم علية. في وجوهم سيما القبول، ومعهم وصول بالوصول، يرعون حق الذمام، ويقتفون آثار الكرام، ويرفلون في حلل العفاف، ويسلكون سبل الإنصاف، ويحفظون الحديث عن القديم، ويثبتون الصحيح وينفون السقيم، ويوقرون الكبير، ويرضون من العيش باليسير، ويعتمدون حسن الوفاق، مع
[ ١٠٠ ]
الرفاق، ويعرضون عن أهل العرض لعلمهم أن ما عندهم ينفد وما عند الله باق.
أهل الصبابة إن قالوا وإن سمعوا وللسماع - كما للقول - إعراب
كل يحاول ما يبغي الفلاح به فالمبتغى واحد، والناس أضراب
فلو رأيتهم وقد أتوا إلى الخطة والتفوا، وحملوا غير متحاملين واصطفوا، وخطروا في تلك المطارف، يؤمهم القديم إلى جهة المواقف، مسرعين إلى الأخذ بالثارات، متدرعين الغبار لشن الغارات:
لعاينت قومًا في مقامات عزهم وقوفًا، وكلًا منهم قد ترسما
جفوا في الظلام النوم كي يتقدموا ومن سهر الليل الطويل تقدما
جماعة طريق حرمهم للنزيل قبلة، وحسن شيمهم للعقول عقلة. كم فيهم نقي خد أخجل الدمى ورشيق قد جبل طرفه على سفك الدما:
شغل الطيور بحسن منظر وجهه فتوقفت فأصابها بالبندق
وكم لهم من دعرة وشطارة، يقولون ما أهون الحرب على النظارة، ونكتة غريبة يأتي بحرها بالعجب، ومصطحب شريف وما أدراك ما المصطحب؟ ما ألطف سجاياهم الطاهرة، وأطيب أوقات وجوههم الناضرة:
في غدوة ومصبح ورواجع ومصوغ وخوارج وعشاء
[ ١٠١ ]
بأيديهم قسي قدودها رشيقة، وملابسها مدبجة أنيقة، من الطين اللازب نجمها، ومن الدمقس المفتل لحمها. أجاد خرمها الصناع، وهذبت كماة الرماة منها الطباع. كأنها حواجب مقرونة، أونونات معرقة موضونة، أو أهلة مشرقة النور، أو مناجل لحصاد أعمار الطيور.
حوامل إذا دنا نتاجها تقذف من أكبادها كواكبا
ومعهم للرمي بنادق، أسرع في الإصابة من الفيالق، كأنها كرات دورية، لا بل كواكب درية، تمر بهم عساكر الطيور المختلفة، وهي تختال في برودها المفوفة ولم تدر أن أيدي المنون إليها ممتدة، وأن سيوف الحتوف لها معدة. إن هبطت مسبقة أصابتها عيون أوتارها المبصرة، وإن نهضت محلقة فكرات قسيهم عنها غير مقصرة، فتسقط عليهم سقوط الندى، وتهوي إليهم مجيبة لداعي الردى:
تهوي إليهم وتأتي من كل فج عميق
يا حسن بدر منير يسعى لصب مشوق
فبينما هم في وجه عشاؤه أضاء بنور التهاني، ولمعت فيه بارقة بروق الأماني، والليل قد أرخى أستاره، وأبرز من النجوم درهمه وديناره، والأنهار سارية وسارحة، والأطيار في الملق سابحة وسائحة:
[ ١٠٢ ]
نزه الطرف يا أخا الظرف ليلًا في طيور أحسن بها من طيور
فوق وجه الماء تسعى وترعى كنقوش قد خيلت في ستور
عن لصاحبي إوزة فضية اللون، بينها وبين المرزم في الحسن بون. كأنما خاضت في اللهب، وكرعت من ماء الذهب، تسبق الريح في المطار، وترتفع إلى أن تغيب عن
الأبصار فرماها، في حال بعدها عن العيون، وصرعها عاجلًا أسرع ما يكون، فحسنت له الجفة وباركت فيه، وأظهر من سر الظفر ما كان يخفيه، وخرج فرحًا بتحصيلها مائدًا وحملها من كان له شاهدًا، ورمى لمن قبله وسبقه، وفي بحر الحمد والشكر غرقه. ثم تواتر الرمي من كل نبيه ونبيل، وتفرقوا من ذلك الوجه على وجه جميل:
كم طائر للأرض أمسى واقعًا بنجم قوس للسماء قد سما
من حيث لا يشعر يأتيه الردى فاعجب له من صامت تكلما
لم يدر من أين أصيب قلبه وإنما الترامي درى كيف رمى
فلما شاهدت من أحوالهم ما راقني، ومن نوالهم ما قيدني عن غيرهم وعاقني، أثنيت على من بهم عرفني، وبالطيب المسكي من أنفاسهم عرفني. وقمت ناشرًا وصف المواقف والأطيار قائلًا على سبيل التشوق والتذكار:
ياصاح قم نسعى إلى الأملاق فنحوها قد ذبت من أشواقي
[ ١٠٣ ]
الله ما أحلى حلى أوقاتها وأملح الولدان في جناتها
والجو يجلى في ثياب دكن يستلب اللب بفرط الحسن
السحب قد تتابعت وفودها وانفرطت على الربا عقودها
وروضة الأنس يفوح طيبها وينثني في دوحها رطيبها
ونغمات الطير بالألحان تغني عن الجنوك والعيدان
أحسن بها يا سعد من أطيار تلوح كالأنجم للأبصار
تخالها إذا سجا جنح الغسق كأسطر خطت على وجه الملق
من وارد وصادر، وواضع وناهض، وطائر، وواقع
أبيض كالصبح إذ تبلجا وأسود محلولك يحكي الدجا
وأخضر مدبج اللباس وأزهر يزهو على النبراس
مختلفات في الحلى والشكل عن حصرها يعجز أهل الفضل
لكنها جليلها معروف وهو لدى أربابه موصوف
فهاكها بعد عشر أربع كعمر بدر التم حين يطلع
قد جمعت أوصاف كل طائر مبينات المجد والمآثر
فالتم يبدو في لباس يقق كأنه مركب من ورق
في الرأس منه نقطة تحكي السبج من الرماة نحوه تصبو المهج
والكي شيخ أبيض جلبابه معلق في عنقه جرابه
منقاره كحربة من أسل وظهره محدب كالجبل
وللإوز نغمة الأوتار إذا بدت تختال في المطار
فضية منقارها من عسجد يا سعد في حبي لها كن مسعدي
[ ١٠٤ ]
واللغلغ المسكي كالإوز في الحسن والوصف وفرط العز
لكن له مثل اللجين غره تدني لمن يصرعه المسره
وحبذا الأنيسة الملونة لباسها المنقوش ياما أحسنه
يبكي عليها الصب بالدموع لأنها عزيزة الوقوع
خذ يا أخا الرمي صفات الحبرج يحكي القطا في لونه المدبج
يألف أيام الربيع الزاهره فيجتبي ويجتلي أزاهره
والنسر راميه شديد الأسهم لأنه عال كنسر الأنجم
أقرع ذو مخالب حداد يذكر عصر تبع وعاد
وبعده وصف العقاب الكاسره تلك التي للوحوش تغدو آسره
مغبرة ظافرة، أظفارها بالصيد أدنى الردى منقارها
قم نجتلي الكركي تحت الشفق فقد بدا في ثوب خز أزرق
ومد جيدًا ياله من جيد وأطرب الأسماع بالتغريد
إذا بدا الغرنوق في الفضاء شبه بالغمامة الدكناء
كأنه الكركي في لباسه سوى سواد عنقه وراسه
والضوع مبيض شبيه الفلق أطراقه مصبوغة بالعلق
يختال في الحمرة والبياض كخد من قد زاد في الإعراض
ومرزم يا حسنه من مرزم كأنه قد خاض في بحر الدم
أبيض وضاح طويل العنق راميه قد فاز بفضل السبق
وتلوه السبيطر المسموم أبيض ضخم وصفه معلوم
يسكن في الأماكن العليه وطعمه الحية والسحليه
[ ١٠٥ ]
وأقبل العناز بعد الجمع أسود ذا صدر كضوء الشمع
قد جمع الضدين صبحًا ودجا من يرمه يعد من أهل الحجا
وهذه تكملة الأطيار أعني طيور الواجب المختار
ترفل في محاسن الملابس وتنجلى في الطرس كالعرائس
كأنما تنظرها حقيقه سابحةً في غدرها الأنيقه
لا زلت ترمي الطير والأعادي بأسهم ذي ألسن حداد
ودمت تلقى السعد في مسيركا حتى تعد الكل من طيوركا
ما سهر الليل رماة البندق وقبل الطير خدود الملق