صحبني شخص من الكتاب، له رفيق يدعي معرفة الآداب. فجاءني يومًا من ديوان النظر قائلًا: كان رفيقي غائبًا ثم حضر، وقصدي إملاء شيء في هذا المعنى، ولست أعرف لروض الأدب سواك مزنًا. فقلت له: اكتب:
ورد البشير بما أقر العيون، وسكن هواجس الظنون، وشرح
[ ١١٥ ]
الصدور وأبهجها، وألجم خيل السرور وأسرجها، من إياب مولانا مصحوبًا بالسلامة، مالكًا قياد الفضل وزمامه. فتلقاه العبد بمزيد القبول، واعترف بطيب عرفه الضائع قبل الوصول:
وتقاسم القوم المسرة بينهم قسمًا فكان أجلهم حظًا أنا
ولم يزل مدة غيبته مستديمًا لذكره، مشاهدًا له وإن شط المزار بعين فكره، متشوقًا إلى أيامه التي راق نعيمها، مرتقبًا نجوم لياليه التي رق كخلقه نسيمها:
ليالي لم نحذر حزون قطيعة ولم نمش إلا في سهول وصال
إلى أن جمع الله به شتات الأمور، وألف بمقدمه من الأنس كل نفور، وأعاد بدره إلى منازل سعوده، وفطر قلب حسوده بصعدة صعوده. فله الحمد على نعمه التي لا تعد، وكرمه الذي تجاوزت سيوفه غاية الحد. وهو المسؤول أن يعيذه من شر من حسد وطعن، ويكلأه بعينه التي لا تنام إن أقام أو ظعن.
ثم إنه وافاني بعد مدة، فحمل يراعه ومن النقس مده، وقال: إن رفيقي قد أبل من المرض، وما يخفى عن مثلك - أيدك الله - سر الغرض. فقلت له اكتب:
الحكمة أطال الله بقاءك، وأدام صحتك وشفاءك، تقتضي
[ ١١٦ ]
المنح والمحن، وتوجب الفرح والحزن، ليتذكر أولو الألباب، وتتأكد أسباب الثواب. ولقد منعني لذيذ الرقاد ما حصل لمولاي من الافتقاد، وأسكرني بخمر التحير، ما حصل لمزاجه اللطيف من التغير. يالها غفلة من الدهر صدرت، وهفوة على غرة من الأمل ظهرت، حيث أزعج كريم جسده، وعلا على ذخر الملك وسنده، وارتقى من الرياسة إلى رأسها، وامتطى ذروة كاشف غمها ومزيل بأسها، وبالجملة فما اعتل إلا لأنه كالنسيم لطفًا، وما جاورته الحمى إلا أنه كالأسد وصفًا:
لا تخش من ألم ألم مودعًا يامن بسيط العمر منه طويل
إن التي يدعونها الحمى على أسد الشرى، وكذا النسيم عليل
وأنا أحمد الله على لبسه أثواب الصحة، ودخوله من العافية منزلًا مهد البرء صرحه. وأسأله أن يفيض عليه سحائب نواله الزائد، ولا يحوج شخصه المغرى بالصلة إلى عائد. ثم إنه جاءني بعد حين، وأساريره تخبر أنه من الفرحين. فقال: إن رفيقي ولي الوزارة، فهل من رسالة تسفر عن حسن السفارة؟ فقلت له اكتب:
أيد الله مولانا الوزير، وأفاض على الكافة فضله الغزير، وهنأه بهذه الرتبة التي أوضح وجه مذهبها، وبلغها بتحرير قلمه
[ ١١٧ ]
المهذب نهاية مطلبها، وأنمى بتدبير أحوالها، وقرر على القواعد المرضية أحوالها:
فلم تكن تصلح إلا له ولم يكن يصلح إلا لها
هذا ما كانت تنتظره النواظر، وتشهد بوقوعه خطرات الخواطر، وأسند الأمر إلى أهله، وأجلب الخير بخيله ورجله، وأصاب الدهر فيما أمضاه من فعله، وانتهت القوس إلى باريها، وتمكنت الرعايا بعرا أمانيها، وزفت عروس الوزارة على كافلها وكافيها. ما أحق هذه البشرى بأن تبدي الرياض من ورودها لورودها نشرًا، وتميد الأغصان وتميل، ويتخلق الكون بزعفران الأصيل، ويتقلد الأفق بعقود نجومه الزواهر، وتنطق بشكرها ألسن الأقلام من أفواه المحابر:
سرت بك الدنيا وسكانها وامتلأت بشرًا صدور الصدور
وأجرت الأعداء سحب البكا للحزن وافترت ثغور الثغور
فالحمد لله ثم الحمد لله، والشكر له على ما أولاه، من إسباغ نعمه المألوفة، ومعروف أياديه المعروفة، وإليه الرغبة في إدامة سروره المتوالي، وإدارة فلك سعده على ممر الليالي.
ثم إنه قدم إلي بعد أيام، وقال: إن الوزير بشر بغلام، فأمل علي زادك الله رفعة، ما أشنف به من الهناء سمعه، فقلت له: أكتب:
[ ١١٨ ]
أهلًا بطلوع نجم السعادة، ومرحبًا بظهور هلال السيادة، غصن الشجرة الوارف ظلها، العالي في جنات الفضائل محلها. أكرم بها من شجرة أصلها ثابت، وفرعها النامي كل طرف إليه باهت. تؤتي أكلها كل حين، وتمنح برها الغادين والرائحين.
ياله مولودًا راقت نضرته، وتبسمت من خلال المكارم زهرته، واهتزت لقدومه قدود العوالي، وارتاحت لمورده نفوس المعالي، واستشرفت له صدور المحافل، وتهيأت لخطبته
عقائل المراتب والمنازل، فتهن به أيها الوزير، وتمل بمشاهدة صبحه المنير:
وابشر فقد وافاك يوم رزقته حظ بتخليد السرور زعيم
لا زالت التهاني بكعبة حرمك طائفة، ولا برحت المسرات على جنابك متضاعفة، ودمت راويًا حديث الجود عن أصلك بإسناده، جامعًا بين كرم طارف نجلك ويمن تلاده:
وبقيت حتى تستضيء برأيه وترى الكهول الشيب من أولاده
فلما فرغت من نقشها، وتأمل محاسن رقشها، نشر أعلام الثناء والشكر، وتمايل طربًا كالثمل من السكر، واعتذر من التثقيل، واستعفى من القال والقيل. ثم ودعني وبان، ولم اجتمع به إلى الآن.