شكر المنعم واجب، والثناء على المحسن ضربة لازب. فاشكر
[ ١١٢ ]
من وضع الخير لديك، وكن مثنيًا على من أحسن إليك، حيث أجاب سؤالك، وحقق آمالك، وصدق ظنك، وأضحك سنك، وأتحفك بكرائم كرمه، وأطلع في أفقك نعائم نعمه، ولبى دعوتك، وروض عدوتك، ورعى جانبك، وبلغك مآربك، وقوى معينيك وأيد معانيك، وأسكنك من العليا قبابًا، وفتح لك إلى دار السعادة أبوابًا:
وأولاك الجميل بغير مطل وعن وجه الندى رفع الحجابا
وبل ثراك بالجدوى فحق عليك تصير التقريظ دابا
إن قصر عن المكافأة بنانك، فيطل بنشر الشكر لسانك، فبه تدوم النعم، وهو داعية الجود والكرم. كثرته تبعث على بذل الألوف، وقلته تزهد في اصطناع المعروف. فاجتهد في إقامة شعاره، واحتفل برفع علمه وإعلاء مناره، وإياك والتقصير في حق من شملك بفضله الغزير، وقم بواجب من قلدك المنة، ولا تجعل الاعتذار بعجزك من غير حرص جنة.
أطلق لسانك بالثناء على الذي أولاك حسن غرائب ورغائب
واشكره شكر الروض حياه الحيا كيما تقوم له ببعض الواجب
أيها المتطول بأياديه، المتفضل بما غمر من غواديه، الجائد بأمواله، الزائد نيل نواله، المرتدي بأثواب الجلال،
[ ١١٣ ]
المبتدئ بالعطاء قبل السؤال، لو استطعت تمثيل حمدك ومدحك، واعتدادي بإفضالك العميم ومنحك، لأبرزته في صورة تروق النواظر، وأفرغته في قالب يسر القلوب والخواطر. لقد أترعت مواردي ومناهلي، وحملتني من حقائب الجود ما أثقل كاهلي، وأرحت سري بهبات هباتك، وقطعت أملي إلا من موارد صلاتك:
كم من يد بيضاء قد أسديتها تثني إليك عنان كل وداد
شكر الإله صنانعًا أوليتها سلكت مع الأرواح في الأجساد
إلام تنشر علي ملابس العوارف؟ وحتام تهدي إلي نفائس اللطائف؟ وتلحظ بعيون العناية، وتمد ظل الرعاية، وتصل أسباب الصنائع، وتأتي من الإحسان بما عهده محفوظ، ونشره ضائع، من غير خدمة سابقة، ولا حرمة لهدى العواطف سائقة.
طالما غنيت بالغناء من خيرك، وألهمتني لهاك عن الاجتماع بغيرك، وقابلتني عطاياك بجبرك، ومنحتني سماحتك من كنزها الوافر بخالص تبرها:
فلأشكرنك ما حييت وإن أمت فلتشكرنك أعظمي في قبرها
صيرت لساني كليلًا بعد حدته، وأعدت قلمي جافًا بعد غزارة مدته. فها أنا لا أطيق أداء بعض حقك، ولا يخرجني فرط برك عن عهدة رقك. وكلما فرغت من شكر يد كثر
[ ١١٤ ]
مددها، وصلتها بأياد جزيلة أعد منها ولا أعددها. فلا تحدث لي بعدها زيادة، وارفق بعبدك فقد ملك العجز قياده:
أنت الذي قلدتني نعمًا أوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تسدين إلي عارفة حتى أقوم بشكر ما سلفا
وماذا عسى مادحك أن يقول، يامن فتن بحسن مناقبه العقول؟ المتكلم يقصر عن وصفك باعه، والبليغ يعجز عن حصر فضلك يراعه. والعالم يغرق في بحرك، والناظم يلقط جواهر نثرك، على أن كلًا منهم لو استعار الدهر لسانًا، واتخذ الريح في نقل أخبارك ترجمانًا، أدركه الملال ولم يصل إلى غايتك، وأعياه الكلال دون الوقوف عند نهايتك. فالله يتولى من مكافأتك ما هو أبلغ من شكر الناس، ويمتع الأولياء ببقاء ذاتك التي جلت عن النعت والقياس.