البعث:
بلغ النثر في أخريات العصر العثماني الغاية في الركة والضعف، فعباراته سقيمة تتهالك عيا وسخفًا، مقيدة بقيود ثقيلة من الحلى، والزخارف المصطنعة المتكلفة، لتخفي ما وراءها من معنى غث مرذول، وفكرة تافهة ضحلة، أخذها الكاتب -عادة- ممن سبقه، بيد أنه ساقها لعجزه عن الأداء الصحيح في ذلك الثوب المهلهل الرث، وكثيرًا ما تعوزه الكلمة الفصيحة، وتغلبه العامية، والكلمات التركية، والدخيلة، فيأتي كلامه أشبه بالرموز والأحاجي.
ومن تذوق طعم الآداب، وكان على حظ يسير من اللغة نسج على أسلوب المقامة في أخريات عصر المماليك، والتزم السجع في كل ما يصطنع من كتابه، بل منهم من كان يتلاعب بالألفاظ، ويأتي بالمقامات المحرقة والمصحفة مما لا يمت للأدب من قريب أو بعيد، وقد أورد "الجبرتي" أمثلة عديدة في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، ومن ذلك المقامة التصحيفية للشيخ عبد الله الإدكاوي، وقد أهدى منها نسخة للشيخ عبد الله التلباني، فرد عليه بما نصه: "عبد الله عند الله وجيه، وحبه محتم مخيم بقلوبنا تعلو بنا سماته، سما به عمله عم له التواب الثواب، ولا حرمنا ولاء حرمنا الأبهج الأنهج إلخ"، هذا العبث الذي لا طائل وراءه، والذي يدل على مبلغ ما وصلت إليه اللغة من الانحطاط.
وممن أثنى عليهم الجبرتي ثناء مستطابا، وعدهم من عمد الأدب في عصره مصطفى أسعد الدمياطي، وفيه يقول: "ما أفضل النبلاء وأنبل الفضلاء، بلبل دوحة الفصاحة وغريدها، من انحازت له بدائعها طريفها وتليدها"، وذكر نص مقامته التي أنشأها في مدح رضوان كتخذا عزبان، وحرى بنا أن نسوق بعض عباراتها في هذا المقام حتى ندرك إلى أي حد وصلت العبارة الأدبية قبيل النهضة، وكيف كان التخلص من هذا الركام الغريب، والقيود المرهقة شاقًا وعسيرًا.
[ ٢٦ ]
قال مصطفى الدمياطي بعد أن بسمل، وحمدل، وحوقل: "حكى البديع بشير بن سعيد قال: حدثني الربيع بن رشيد قال: هاجت لي دواعي الأشواق العذرية، وعاجت بي لواعج الأتواق الفكرية، إلى ورود حمى مصر المعزية البديعة، ذات المشاهدات الحسنة والمعاهد الرفيعة، لأشرح بمتن حديثها الحسن صدري، أروح بحواشي نيلها الجاري روحي وسري، وأقتبس نور مصباح الطرف من ظرفائها، وأقتطف نور أرواح الظروف من لطفائها، وأستجلي عرائس بدائع معاني العلوم، على منصات الفكر محلاة بالمنثور والمنظوم، وأستمد من حماتها السادة أسرار العناية، وأسترشد بسراتها القادة أنوار الهداية إلخ".
فأنت ترى في لجملة الأولى والثانية: الجناس غير التام بين هاجت وعاجت، وبي ولى، والأشواق والأنواق، ولماء جاء بكلمة أشرح ذكرته الحواشي، وهكذا نجد كلامًا متكلفًا مصنوعًا، لا يفضي إلى غاية ولا ينبئ عن فكرة سليمة، وإنما هو لإظهار البراعة في اقتناص السجعات، وإيراد المحسنات.
وقد غلب هذا النوع من الكلام على ألسنة مدعي الأدب في مصر والشام والعراق، وهي البلاد التي بقي فيها ذماء يسير من العلم، وذبالة ضئيلة من املعرفة والأدب، وإن كادت "العربية" فيها تلفظ أنفاسها لغلبة التركية عليها، ولتفشي الجهل، واستعجام الحكام، وتراكمت ظلمات الاستعمار فوق هذه البلاد جميعًا، ومن الذين اشتهروا بالأدب في دمشق قبل النهضة محمد خليل الدمشقي، وهناك نبذة من رسالة كتبها إلى صديق له بمصر: "أهدي السلام العاطر الذي هو كنفح الروض باكره السحاب الماطر، والتحايا المتأرجة النفحات الساطعة اللمحات، الشامخة الشميم، الناشئة من خالص صميم، وأبدي الشوق الكامن وأبثه، وأسوق ركب الغرام وأحثه، إلى الحضرة التي هي مهب نسائم العرفان والتحقيق، ومصب مزن الإتقان والتدقيق، ومطلع شمس الإفادة والتحرير، ومنبع مياه البلاغة والتقرير إلخ".
وهي عبارات غنية عن التعليق، وإذا كان بها رائحة من قوة فهي تقليد واغتصاب لكلام من سبقه من الكتاب، ولكنك ترى فيها مع هذا الافعتال التكلف واضحًا، والمعنى ضحلًا سخيفًا.
[ ٢٧ ]
وقد نرى بعض الكتاب يجاهدون مجاهدة مريرة في التخلص من السجع، وقيود البديع مثل عبد الرحمن الجبرتي، ولكنه لا يستطيع سواء في نثره المسجوع أو المرسل أن يرتفع بعبارته، وربما كانت عبارته المسجوعة أسلم وأقوم من عبارته المرسلة؛ لأنه يعتمد فيها محفوظه من المقامات وسواها، أما عبارته المرسلة فهي مزيج من العربية، والتركية والعامية في الغالب الأعم، وإن سلمت له بعض عبارات، ولكن سرعان ما يتعثر ويكبو.
من ذلك على سبيل المثال ذكره ما قام به علي بك الكبير من منشآت في هذه الديار حيث يقول: "ومن إنشائه أيضًا العمارة العظيمة التي أنشأها بشاطئ النيل ببولاق حيث دكك الحطب تحت ربع الخرنوب، وهي عبارة عن قيسارية عظيمة ببابين يسلك منها ما يجري إلى قبلي وبالعكس، وخانا عظيمًا يعلوه مساكن من الجهتين، وبخارجه حوانيت وشونة غلال حيث مجرى النيل، ومسجد متوسط، فحفروا أساس جميع هذه العمارة حتى بلغوا الماء، ثم بنوا لها خنازير مثل المنارات من الأحجار، والدبش، والمؤن، وغاصوا بها في ذلك الخندق حتى استقر على الأرض الصحيحة".
وأنت ترى كثرة الكلمات العامية والدخيلة في هذه العبارة على وجارتها، وتراه أحيانًا يجاهد في الإتيان بجمل سليمة التراكيب، فيخونه بيانه كقوله مبينًا نشأة مدرسة الهندسة في عهد محمد علي:
"لما رغب الباشا في إنشاء محل لمعرفة علم الحساب، والهندسة، والمساحة تعين المترجم رئيسًا ومعلمًا لمن يكون متعلمًا بذلك المكتب، وذلك أنه تداخل بتحيلاته لتعليم مماليك الباشا الكتابة، والحساب ونحو ذلك، ورتب له خروجًا وشهريًا، ونجب تحت يده المماليك في معرفة الحسابيات ونحوها، وأعجب الباشا ذلك، فذاكره وحسن له بأن يفرد مكانًا للتعليم، ويضم إلى مماليكه من يريد التعليم من أولاد الناس، فأمر بإنشاء ذلك المكتب، وأحضر له أشياء من آلات الهندسية والمساحة، والهيئة الفلكية من بلاد الإنجليز وغيرهم".
[ ٢٨ ]
هذا مبلغ ما وصلت إليه اللغة، والكتابة في أخريات العصر العثماني، وأوائل العصر الحديث تهافت في العبارة وركاكة في الأسلوب، واستعجام في الألفاظ، وعامية فاشية، وضحالة في المعاني، وقيود ثقيلة من السجع والمحسنات البديعية، وإذا وازنا بين حال الكتابة في تلك الآونة، وحالها اليوم بعد مضي ما يقرب من قرن ونصف، ورأينا عندنا نصرًا فنيًا تزدهي به العربية، ويباهي برونقه، وسعته، وعمق معانيه وغزارتها، وطلاوة عبارته ونقاوتها ما كان عليه النثر في عصر العربية الذهبي في القرن الثالث، والرابع من الهجرة، وجدنا أن الشوط الذي قطعته الكتابة منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى اليوم لم يكن سهلًا هينًا، والتخلص من العقبات، والأوضار والأدواء لم يكن ميسرًا دائمًا، دع عنك ما أخذت به من أسباب الصحة والقوة والنمو، وهذا ما سنتتبعه في هذه الصفحات.
وجد بعض الأدباء في عصر محمد علي ممن نسجوا على منوال أسلافهم مثل الشيخ العطار، وحسن قويدر، والخشاب، والدرويش ومن على شاكلتهم وهؤلاء -وإن اختلفوا في مواهبهم الأدبية قوة وضعفًا- إلا أنهم ينتمون إلى عصر ما قبل النهضة، ولا تتميز كتاباتهم بكثير من الخصائص عما كان شائعًا في أخريات عصر العثمانيين، ولعل الشيخ حسن العطار من أحسنهم أسلوبًا، وأرقهم ذوقًا وأكثرهم سعة أفق وتجربة.
[ ٢٩ ]
وقد أفاد من مقامه بباريس فائدة أجدت على الأمة العربية جمعاء، إذ عمل جاهدًا على نقل الثقافة الغربية إلى اللغة العربية منذ بدأ يجيد الفرنسية، وهو بعد طالب بباريس، ويبذل الجهود المضنية لتذليل اللغة العربية لمصطلحات العلم الحديث بعد أن أسن ماؤها قرونًا طويلة منذ عصر العباسيين، وينظر إلى ما حوله في المجتمع الفرنسي نظرة المصلح الناقد الذي لا تخلبه الحياة الغربية بخيرها وشرها، ولكن نظر من يريد نفع وطنه، واقتباس المقيد له والمتلائم مع عاداته ودينه وتقاليده، ومن يريد التعرف على أدواء وطنه، والطريق السوي لعلاجها حتى يمضي قدمًا في درج الحضارة والرقي.
ونراه وهو بباريس يعكف على كتابه مذكراته عن رحلته تلك التي سماها "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".
وكان أستاذه العطار قد أشار عليه بتدوين هذه الرحلة، وتسجيل انطباعاته وآرائه في أثناء مقامه ثمة، ويشير رفاعة في مقدمة هذا الكتاب إلى رغبة أستاذه هذه فيقول: "إنه مولع بسماع عجائب الأخبار، والإطلاع على عجائب الآثار، وأن ينبه على ما يقع فيه هذه السفرة، وعلى ما يراه، وما يصادفه من الأمور الغريبة والأشياء العجيبة، وأن يقيده ليكون نافعًا في كشف القناع عن محيا هذه البقاع، التي يقال فيها: إنها عرائس الأقطار، وليبقى دليلًا يهتدى به إلى السفر إليها طلاب الأسفار، وخصوصًا وأنه من أول الزمن إلى الآن لم يظهر باللغة العربية على حسب ظني شيء في تاريخ مدينة باريس، كرسي مملكة الفرنسيس، ولا في تعريف أحوالها ولا أحوال أهلها"، والذي يهمنا نحن في هذا الكتاب عدة أمور: أولها موضوعه؛ لأنه جديد في اللغة العربية حيث تعرض لوصف السفر والبحر، والمواني المختلفة التي مر بها، ونظم الحياة في تلك الديار من مأكل وملبس ونوم ونزهة ودرس، ووصف المجتمع الفرنسي وعاداته الحسن منها والرديء، ووصف الحياة السياسية، وما يتمتع به أهل فرنسا من حرية في القول، والكتابة سواء في مجالسهم الخاصة أو في دار النيابة، وعلاقة الحاكم بالمحكومين، ووصف
[ ٣٠ ]
مظاهر الحضارة من حفلات ودور تمثيل، ووسائل ركوب -إلى غير ذلك مما يعد وصفه جديدًا بحق، ولم يكن رفاعة مجرد وصاف، ولكنه لشدة حرصه على منفعة بني وطنه تراه يعلق تعليقات تدل على حصافة، وإيمان عميق بمبادئ، ومثل عليا لا يحيد عنها، وينقد ما يراه من تخلف في وطنه بصراحة بغية التنبيه والإفادة.
وثاني هذه الأمور التي تهمنا في هذا الكتاب الذي يعد باكورة في النثر الحديث، العقبات التي قابلها رفاعة في تذليل اللغة العربية لوصف الحضارة الحديثة الغربية، إذ وجد نفسه أمام فيض من الكلمات الأعجمية التي لا يجد ما يقابلها في العربية، فجهد في الوصول إلى كلمات عربية تؤدي معناها، فإن أعجزه ذلك عمد إلى التعريب، ونقل الكلمة الفرنسية إلى العربية بعد تطويعها وصقلها لتلائم اللسان العربي، وكان في ذلك يتأسى بمترجمي القرنين الثالث والرابع للهجرة عند نقلهم علوم اليونان والفرس، وهو لا يتحرج أحيانًا من استعمال الكلمة الدارجة، والكلمة التركية إذا رأى الحاجة ماسة إليها، وقد أسلف لنا
عذره في لمقدمة حيث "أراد سهلًا لا توعر فيه، يسلك طريق الإيجاز،
وارتكاب السهولة في التعبير حتى يمكن لكل الناس الورود على حياضه".
وقد ظلت هذه المشكلة قائمة ردحًا من الزمن، واصطدم بها عدد كبير من رواد الترجمة في خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولم يكن ثمة اتفاق على ترجمة الكلمة الواحدة، وإنما يترجمها كل شخص حسب مجهوده وثقافته، إلى أن جاء مجمع اللغة العربية، وحاول أن يوحد هذه المصطلحات ولا سيما في العلوم، وإن كانت الآداب بخاصة والعلوم الإنسانية بعامة قد خطت في ذلك السبيل -قبل المجمع- خطوات واسعة، وصارت اللغة العربية قادرة
على التعبير عن أدق خلجات النفس الإنسانية منذ أوائل القرن العشرين كما سنرى فيما بعد.
ولكن رفاعة كان رائدًا من رواد هذه الطريق، ويعمل وحده في الميدان عملًا شاقًا، ولا ريب أن اللغة قد أفادت من مجهوده فائدة كبيرة، وبحسبنا أنه من أوائل الذين أوصلوها بالتيارالثقافي الغربي، وقبل أن نسوق الأمثلة التي تظهرنا على
[ ٣١ ]
الجهد، نذكر أن ثالث الأمور التي تعنينا في هذا الكتاب الأسلوب الذي كتبه به، وكيف حاول رفاعة في كثير من الأحيان أن يحطم قيود الماضي حتى ينهض بأداء المعاني الجديدة، ولا يقف الأسلوب عائقًا في سبيل تلك المعاني، وسنرى أن عبارته تعلو أحيانًا، وتسف أحيانًا تبعًا للموضوع الذي يتناوله، وأنه كان كمن يتحسس طريقه الشائك في ظلمة قائمة، ولقد آثر رفاعة في هذا الكتاب العناية بالمعنى على الاهتمام باللفظ، وتزويق العبارة، وكانت المعاني جديدة زودت اللغة العربية بأفكار لا عهد لها بها، وصارت اليوم من تراثنا.
ولنستمع إلى رفاعة كيف وصف المائدة الفرنسية حين نزل مرسيليا، ورأى أشياء ونظمًا لا عهد له بها، ووصف المائدة اليوم ليس مما يستعصى علينا، ولكن كل شيء كان أمام رفاعة جديدًا، وإذا رأينا في وصفه ما يثير الضحك، فلنرجع القهقري إلى تلك الحقبة لنعرف مدى ما وصلت إليه العربية من القدرة على التعبير، يقول رفاعة:
"ولم نشعر في أول يوم إلا وقد حضر لنا أمور غريبة في غالبها، وذلك أنهم أحضروا لنا عدة خدم فرنساوية، لا نعرف لغاتهم، ونحو مائة كرسي للجلوس عليها؛ لأن أهل هذه البلاد يستغربون جلوس الإنسان على نحو سجادة مفروشة على الأرض، فضلًا عن الجلوس بالأرض، ثم مدوا السفرة للفطور، ثم جاءوا بطبليات عالية، ثم رصوها من الصحون البيضاء الشبيهة بالعجمية، وجعلوا قدام كل صحن قدحًا من القزاز، وسكينًا وشوكة وملعقة، وفي كل طبلية نحو قزازتين من الماء وإناء فيه ملح، وآخر فيه فلفل، ثم رصوا حوالي الطبلية كراسي، لكل واحد كرسي، ثم جاءوا بالطبيح فوضعوا في كل طبلية صحنًا كبيرًا، أو صحنين ليغرف أحد أهل الطبلية ويقيم على الجميع، فيعطي لكل إنسان في صحنه شيئًا يقطعه بالسكين التي قدامه، ثم يوصله إلى فمه بالشوكة لا بيده، فلا يأكل إنسان بيده أصلًا، ولا بشوكة غيره أو سكينه أو يشرب من قدحه أبدًا".
ويمضي رفاعة في وصفه هذا، رأيت بعض الكلمات العامية، وتهافت الأسلوب، ومحاولته الشاقة في التعبير عن أشياء جديدة عليه كل الجدة.
[ ٣٢ ]
وهو عند وصفه لملاهي باريس يقف حائرًا، حين يرى نفسه أمام أمور لا يعرفها، فمصر والشرق العربي كله لم يكن يعرف حتى تلك الآونة المسرح وردهات الرقص، والأوبرا وما شاكلها مما يغشاه الناس اليوم في أمسياتهم والتي صارت مألوفة لديهم، فيقول رفاعة: "اعلم أن هؤلاء الخلق حيث إنهم بعد أشغالهم المعتاذة المعاشية لا شغل لهم بأمور الطاعات، فإنهم يقضون حياتهم في الأمور الدنيوية واللهو واللعب، ويتفننون في ذلك تفننا، فمن مجالس الملاهي عندهم محال تسمى التياتر بكسر التاء المشددة، وسكون التاء الثانية، والسبكتاكل، وهي يلعب فيها تقليد سائر ما يقع، وفي الحقيقة أن هذه الألعاب هي جد في صورة هزل، فإن الإنسان يأخذ منها عبرًا عجيبة، وذلك؛ لأنه يرى فيها سائر الأعمال الصالحة والسيئة، ومدح الأولى وذم الثانية حتى إن الفرنساوية يقولون: إنها تؤدب أخلاق الإنسان وتهذبها، فهي وإن كانت مشتملة على المضحكات فكم فيها من المبكيات، ومن المكتوب على الستارة التي ترخي بعد فراغ اللعب باللغة اللاتينية وما معناه باللغة العربية، "وقد تصح العوائد باللعب" -ويستمر رفاعة في وصفه، ويشبه الممثلات بالعوالم في مصر ثم يقول: واللاعبون واللاعبات بمدينة باريس أرباب فضل عظيم وفصاحة، وربما كان لهؤلاء الناس كثير من التآليف الأدبية والأشعار، ولو سمعت ما يحفظ اللاعب من الأشعار، وما يبديه من التوريات في اللعب، وما يجاوب من التنكيت والتبكيت لتعجبت غاية العجب، ثم يعرج على وصف الملابس التي يقوم بها الممثلون طبقًا لأدوارهم، والشخصيات التي يمثلونها تاريخية، أو واقعية ووصف المناظر التي تناسب المسرحية، وينتهي من كل هذا إلى تلخيص مهمة المسرح عندهم فيقول: "وبالجملة فالتياتر عندهم كالمدرسة العامة يتعلم فيها العالم والجاهل"، ثم يتناول بعد ذلك وصف دار الأوبرا وما يقوم بها من تمثيل، وموسيقى وغير ذلك من دور اللهو العديدة التي شده لها وأثارت عجبه.
ولم يكن وصف أدوات الحضارة وحده هو الجديد الذي قدمه رفاعة للغة العربية، ولكن ما تعرف له من وصف الحياة السياسية، والقوانين السائدة والدستور
[ ٣٣ ]
والحياة النيابية جعلته يقف أمام مصطلحات إدراية، وسياسية جديدة لم تعرفها العربية، وعلى معان جديدة طال عهد العرب بها حتى نسيت، فيترجم رفاعة القانون الفرنسي الأساسي، وينقل المادة الأولى منه على هذه الصورة: "كل واحد منهم مستأهل لأخذ أي منصب كان وأي رتبة كانت"، ويعلق عليها بقوله: "قوله في المادة الأولى سائر الفرنسيس مستوون قدام الشريعة معناه: سائر من يوجد في بلاد فرنسا من رفيع ووضيع لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون، حتى إن الدعوة الشرعية تقام على الملك، وينفذ عليه الحكم كغيره، فانظر على هذه المادة الأولى، فإنها لها تسلط عظيم على إقامة العدل وإسعاف المظلوم، وإرضاء خاطر الفقير بأنه العظيم نظرًا لإجراء الأحكام، ولقد كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية، وهي من الأدلة الواضحية على وصول العدل عندهم إلى درجة عالية، وتقدمهم في الآداب الحاضرة، وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف، وذلك؛ لأن معنى الحرية هو إقامة التساوي في الأحكام، والقوانين بحيث لا يجوز الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المحكمة، والمعتبرة".
إن رفاعة الطهطاوي يقدم لمواطنيه بمثل هذه التعليقات على القانون الفرنسي معاني جديدة للحياة الحرة، وكيف تكون العدالة، والمساواة، والحرية، وهي معان نسيها الناس طويلًا في عهود الظلمات، والعسف التركي والمملوكي، لقد كانت موجودة ولا شك في أوائل عهد الدولة الإسلامية وعصرها الذهبي، ولكنها طمرت وتناساها الناس من كثرة ما لاقوا من عنت، وإرهاق على يد المستعمرين، وكأني برفاعة وهو يسطر مثل هذه التعليقات ينظر إلى وطنه بعين الأسى حيث كان يلاقي الجور، والإجحاف على يد حكامه الجدد من أسرة محمد علي، وهذه الآراء الجريئة التي أيداها رفاعة الطهطاوي تدل على نزعته الفطرية إلى الحرية، وعلى حبه المكين لوطنه، ورؤيته ناعمًا متمتعًا بالعدالة، ولم يكن يتورع عن نقد الملك في شيء قام به، وفي هذا غمز لحاكم مصر المستبد، وتبيان للطريق السوي الذي يجب أن
[ ٣٤ ]
يسلكه الحاكم مع رعاياه إن آثر السلامة، والإنصاف كقوله معلقًا على موقف الملك شارل العاشر لما قامت الثورة في باريس: "فلما اشتد الأمر وعلم الملك بذلك وهو خارج، أمر يجعل المدينة محاصرة حكمًا، وجعل قائد العسكر
أميرا من أعداء الفرنساوية، مشهورًا عندهم بالخيانة لمذهب الحرية، مع أن هذا خلاف الكياسة، والسياسة والرياسة، فقد دلهم هذا على أن الملك ليس جليل الرأي، فإنه لو كان كذلك لأظهر أمارات العفو والسماح، فإن عفو الملك أبقى لملك، ولما ولى على عساكره إلا جماعة أحبابًا له وللرعية، غير مبغوضين ولا أعداء، مع أن استصلاح العدو أحزم من استهلاكه، ويحسن قول بعضهم.
عليك بالحلم وبالحياء والرفق بالمذنب والإغضاء
إن لم تقل عثرة من يقال يوشك أن يصيبك الجهال
وبمثل هذه الروح الشفافة الخيرة، والعقلية المتفتحة الناضجة راح رفاعة يصف مظاهر الحضارة، والثقاقة في فرنسا ويحلل ويوازن ويعلل، فيتكلم عن أسباب تقدم فرنسا وتخلف مصر، وعن العلوم والفنون والفرق بينهما، وعن العلوم التي يحذقها الغرب ولا نظير لها عندنا، ويتكلم عن اللغة الفرنسية والفرق بينها، وبين العربية من سهولة الأولى وصعوبة الثانية كما كانت تدرس في عهده، بل
نراه ينتقد في صرامة تدريس العلوم بمصر على عهده فيقول عن سهولة اللغة
الفرنسية، وتيسيرها الإفادة من العلوم: "فإذا شرع الإنسان في مطالعة كتاب في
أي علم كان تفرغ لفهم مسائل هذا العلم، وقواعده من غير محاكة الألفاظ، فيصرف سائر همته في البحث عن موضوع العلم وعن مجرد المنطوق والمفهوم،
وعن سائر ما يمكن إنتاجه منها، وأما غير ذلك فهو ضياع، مثلا إذا أراد
الإنسان أن يطالع علم الحساب، فإنه يفهم منه ما يخص الأعداد من غير أن
ينظر إلى إعراب العبارات، وإجراء ما اشتملت عليه من الاستعارات، والاعتراض
بأن العبارة كانت قابلة التجنيس وقد خلت عنه، وأن المصنف قدم كذا ولو أخره كان أولى وأنه عبر بالفاء
[ ٣٥ ]
في محل الواو والعكس أحسن ونحو ذلك "، وهذا في الحق كان طريقه عجيبة في تعليم الحساب لا تمت إليه بصلة، بل تعوق المتعلم وتصرف جهده إلى التمحك في العبارات وعلك الألفاظ، وضياع الجهد والوقت، وتفوت عليه فرصة تعلم الحساب، والعربية بريئة من كل هذا، ولكنها الطريقة العقيمة في التعليم التي سادت في عهود التخلف والظلمات".
وإذا نظرنا إلى هذه الباكورة في النثر الحديث وجدنا رفاعة فيما عدا المقدمة قد ترسل فيها، ولم يتقيد بالمنهج الكتابي الذي كان سائدًا في عصره، ولعل طبيعة الموضوع هي التي فرضت عليه هذا النهج، وسنرى أن الاهتمام بالمعاني ومعالجة الموضوعات الحديثة فيما بعد قد اضطر كثيرًا من الكتاب إلى البعد عن السجع والمحسنات، أما المقدمة فقد احتفى بها الكاتب وسجع فيها، وقد ظلت المقدمات والتقريظات، والرسائل الخاصة ردحًا طويلًا من الزمن حتى بعد عهد رفاعة تصطنع الأسلوب المسجوع، وسنعود إلى ذلك فيما بعد إن شاء الله.
والذي يعنينا هنا أن الكتابة النثرية كان لها منذ ذلك الوقت أسلوبان: أسلوب الترسل، وأسلوب السجع وظل الكتاب يراوحون بينهما أمدا غير يسير، حتى أخريات القرن التاسع عشر حين تغلب الترسل على السجع.
مضى عصر محمد علي، ولم يظهر من رجال هذه الطليعة التي تثقفت ثقافة غربية من نبغ في الكتابة إلا رفاعة الطهطاوي، ولكنه طول عصر محمد علي -بعد عودته إلى مصر- شغل بالترجمة، وبإدارة كثير من المدارس والمؤسسات، ولم يعن بالتأليف إلا في عصر إسماعيل.
أجل! لقد وضع رفاعة بترجماته بعض البذور الطيبة في الأرض الطيبة لتنتج النثر الحديث، وأثرى اللغة العربية بالموضوعات الجديدة والقوالب الحديثة، من ذلك ترجمته لقصة "تليماك" للأب فنلون الفرنسي، وهي أول قصة فيما نعلم ترجمت إلى العربية في العصر الحديث، وفضلًا عن ذلك فهو يمثل أول محاولة لنقل الأدب الأسطوري اليوناني إلى الفكر العربي، وقد وصف رفاعة هذه الترجمة
[ ٣٦ ]
أو هذا التعريب كما سماها بأنه أداها بأسهل تقريب وأجزل تعبير، متحاشيًا ما يورث المعنى أدنى تغيير، أو يؤثر في فهم المقصود أقل تأثير، مع محافظة على الأصل، والحرص على سلامة العربية، وقواعدها وأصولها ووصف الكتاب المترجم نفسه بأنه "مشتمل على الحكايات النفائس، وفي ممالك أوروبا وغيرها عليه مدار التعليم في المدارس، ومؤلفه "فنلون" ملك أداب، وذو ملكة سيالة تفيض بالعجيب، والإعجاب".
كانت هذه القصة من الكتب التي ترجمها رفاعة وهو في السودان، وعلى الرغم من إدراكه ما في هذه المحاولة من صعوبة إلا أنه كان واثقًا من اقتدار العربية، ووفائها بأمثال هذه التراجم وذلك كما يقول: إنه معلوم عند أهل الصناعة أن يجر اللغة العربية يقطع على محيط بحار اللغات الأخرى التيار، وأنه لدررها ولآليها غواص، ولسماء غيثها مدرار، ولآدابها ومعارفها ميزان ومعيار، وكل شيء عنده بمقدار، فلا غرو إذا فتح اللسان العربي بمقاليده عن مفردات الألسن، ومجتمعها ومستقرها، ومستودعها"، وهذه نظرية جديرة بالاعتبار، فاللغة العربية قد وسعت ثقافة اليونان والفرس، وغيرهم في القديم، وإذا كان العرب قد أغفلوها لما كانوا فيه من هوان، وإذا كانت اللغة ذاتها قد عميت عليهم لما كانوا فيها من جهل وفقر عقلي، وإذا كان ركام القرون قد طمر كثيرًا من مفرداتها، فإن هذه المحاولة وأمثالها تكشف عن ذخائرها، وتبرهن على قدراتها ووفائها بالتعبير عن هذه المعاني، إذا كان المترجم متمكنا في اللغتين، قديرًا على الكشف عن أسرارها.
ولا نريد أن نترك هذه القصة المترجمة دون أن نقف قليلًا لدى الأسلوب الذي ترجمت به ذلك الأسلوب الذي نعته رفاعة بأنه أجزل تعبير، فقد التزم رفاعة في هذه الترجمة العبارة المسجوعة، وقوة الأداء، واختيار الألفاظ قدر طاقته وجهده، وقد ذكر رفاعة أنه عربه وهو "مبلبل الخاطر، وسحائب الهموم على مواطر، بالبعد عن الأهل والدار، والتعرض لحوادب الدهر والأخطار، ثم طرحته في زوايا الإهمال، ولم يسنح لي إشهاره ببال "كان قد ترجمه ما بين ١٨٥٠
[ ٣٧ ]
و١٨٥٣ ولم ينشر إلا سنة ١٨٦٧"، حتى علم به بعض الطلاب، من الأحباب ذوي الألباب، ودعا بدعاء مجاب، فاقتصرت على أن أرسلت إليه بنسخة مقابلة على أصلها إذا كانت أحق بها، وقد كان خطر لي أن أفرغه في قالب يوافق مزاج العربية، وأصوغه صياغة أخرى أدبية، وأضم إليها المناسبات الشعرية، وأضمنه الأمثال والحكم النثرية والنظمية، يعني أنسجه على منوال جديد، وأسلوب به ينقص عن أصله ويزيد، حتى لا يكون إلا مجرد أنموذج لأصله الأصيل، يقبل عليه من الأهالي كل قبيل، إلا أني رأيت أن الأوفق الآن بالنسبة للوقت، والزمان حفظ الأصل وطرح الشك، وإبقاء ما كان على ما كان، وإنما لم أجد بدا من مسايرة اللغة العربية وقواعدها، وعقائدها المرعية، مع المحافظة على الأصل المترجم منه حسب الإمكان".
لقد كان رفاعة يريد أن يتصرف في الترجمة، ويصوغه صياغة جديدة غير متقيدة بالعبارة الفرنسية، بل قد يزيد عنها أو ينقص لتأتي عبارته في أسلوب أدبي جميل، وإن دل هذا على شيء فهو يدل على أن رفاعة أحس بأن أسلوبه يتطور، وأنه كان عند طبعه أقدر منه على الصياغة الأدبية عند ترجمته، وفي الحق إن أسلوب رفاعة قد تطور مع الأيام، وكما أوغلنا في القرن التاسع عشر نجده يزداد نصاعة، وقوة وتخلصًا من أوضار الماضي وقيوده.
ولم تكن المقدمة وحدها مسجوعة، ولكن الكتاب كله أتى مسجوعًا، وإليكم مثلًا من هذا الكتاب حتى يعيننا في التعرف على تطور الأسلوب الأدبي لدى رفاعة وغيره، يقول تليماك حين نزل مصر: "ثم وصلنا إلى جزيرة المنار القريبة من مدينة "بو" "اسم الإسكندرية" فنزلنا النيل، وسرنا حتى وصلنا إلى مدينة منف، نعم، إن أسرنا أوجب عندنا الغم والحزن، وأبعد عنا السرور والفرح بأي شيء قبيح أو حسن، لكن قد تفرجنا وسرحنا الأبصار، بمشاهدة أرض الخصبة الشبيهة بجنة تجري من تحتها الأنهار، فمن الشطين في أي جانب كان، مدن عظيمة غنية شديدة العمران، وقصور الخلا جيدة الموقع، ومزارع مذهبة الحصيد كل
[ ٣٨ ]
سنة تزرع، ومراع مملوءة من الماشية، وأهل الفلاحة عندهم المحصول بكثرة، وثروتهم ذات صيت وشهرة، والرعاة يغنون على صوت المزامير، والصدى حولهم مجيبهم مكررا بالتعابير، فقال منظور "مربى تليماك ورفيقه في رحلته" حين رأى ذلك:
- ما أسعد الأمة التي يحكمها ملك عاقل، وسلطان عادل، تعيش في الرخاء، والكرم والسخاء، وتكون سعيدة مرتاحة، تحب دوام ملكه إذ هو السبب في الراحة إلخ.
ومن أوائل الكتب التي ترجمها كتاب "قلائد المفاخر في غريب، وعائد الأوائل والأواخر"، ترجمة وهو بباريس وطبع لأول مرة سنة ١٨٣٣، وقد سلك فيه رفاعة غالبًا مسلك الترسل، وكانت الألفاظ الصحيحة لا تسعفه أحيانًا كقوله: "ولا يوجد أحد ذو ذوق سليم وطبع مستقيم إلا ويطرب بسماع الآلات حتى الخلق الهمل المتوحشون، فإن لهم آلات خاصة ذات دوي ملخبط وغوغة عظيمة بحيث يضر آذان السامع فهي كالدربكة مثلًا".
ولكنه اشتمل على كثير من المباحث القيمة كالشعر والموسيقى، والغناء لدى الأمم المختلفة في الشرق والغرب، ومختلف العادات كالزواج والحفلات وإكرام الضيف والملبس والسكنى والمئونة وغير ذلك، وبهذا كان صلة بين العربية وبين العالم الخارجي.
ومن المترجمات ذات الأثر في النثر الحديث كتاب سماه رفاعة "بداية القدماء وهداية الحكماء"، وهو من الكتب التي أخرجها بعد عودته من باريس تعرض فيه لتاريخ اليونان، والميثولوجيا والآداب اليونانية، وتضمن كذلك أخبار الأنبياء وتاريخ قدماء المصريين والسوريين، والسريانيين والبابليين والعجم والهنود، وأفاض في تاريخ اليونان وخرافاتها، وحروبها وفتوحها وآدابها وعلومها وفلسفتها، وقد استعان في تأليف هذا الكتاب بكتب التاريخ الفرنسية المعتمدة، وقد ختمه رفاعة بنبذة عن الميثولوجيا لدى المصريين القدماء، ونجح رفاعة فيما أخفق فيه مترجمو العصر
[ ٣٩ ]
العباسي حيث لم يفهموا كتابي الشعر والخطابة لأرسطو، ولم يستطيعوا نقل ما كتبه من المأساة بأسلوب عربي مفهوم، ولم يحاولوا أن يشرحوا الميثولوجيا اليونانية، "أي عقائدهم التي بنيت عليها آدابهم"، فجاءت تلك الترجمات غامضة، وكان لذلك أثره في الفلسفة الإسلامية من جهة، وفي إعراض العرب والمسلمين عن الأدب اليوناني من جهة أخرى، وقد أتم رفاعة هذه الأبحاث القيمة بترجمته لقصة "تليماك"، فكان بذلك أول من شق طريق التيار الأدبي العربي الذي أخذ من ذلك الحين يتدفق على العربية، ويزاحم التيار العربي الأصيل.
ومن أواخر الكتب التي ألفها رفاعة كتابان سنقف عندهما هنيهة لنعرف كيف تطور أسلوبه، أما أولهما فكتابه "مناهج الآداب المصرية في مباهج الآداب العصرية"، وقد قدم له بمقدمة بين فيها الغرض من تأليفه، وهو نفع قومه على قدر جهده، وإرشادهم لما فيه خيرهم، أن "يعين الجمعية بقدر الاستطاعة، ويبذل ما عنده من رأس مال البضاعة، لمنفعة وطنه العمومية، وذلك بتصنيف نخبة جليلة، وترصيف تحف جميلة في المنافع العمومية التي هي للوطن توسيع دائرة التمدنية، اقتطفتها من ثمار الكتب العربية اليانعة، واجتنيتها من مؤلفات الفرنساوية النافعة، مع ما سنح بالبال وأقبل على الخاطر أحسن إقبال، وعزرتها بالآيات البينات، والأحاديث الصحيحة، والدلائل البينات، وضمنتها الجم الغفير من أمثال الحكماء، وآداب البلغاء، وكلام الشعراء، وكل ما ترتاح إليه الأفهام، وتنزاح به عن الذهن الأوهام".
وإذا تجاوزنا عن هذه المقدمة ذات السجع المتكلف، وعرضنا لمباحث الكتاب وجدناها جديدة مفيدة خرجت بالنثر عن ذلك التقليد الموروث الذي قصره الأدباء على الرسائل الإخوانية، من تهنئة وتغزية ورجاء واستعطاف واعتذار، كما كان شأنه قبل هذه النهضة، بينما نراه هنا يعالج موضوعات حية مثل منابع الثورة وتحسين حال المجتمع، فتكلم عن الزراعة، والصناعة، والتجارة والآداب وتهذيب الأخلاق، والفضائل والدين، كلام رجل مثقف غزير الإطلاع، وقد تخلص في هذا
[ ٤٠ ]
الكتاب من السجع والجري وراء المحسنات، وكان اهتمامه بتوضيح المعاني أعظم من عنايته بتنسيق العبارة، ونرى هذا الكتاب سلاسة، وطواعية، وتدفقًا مما يدل على تطور أسلوبه المرسل خذ مثلًا قوله:
"وقد ذكر الحكماء أن لكل خلق طرفين: أحدهما الإفراط، وثانيهما التفريط، وهما مذمومان، فالبخل إفراط وهو مذموم، والتبذير تفريط في الإنفاق وهو مذموم أيضًا، والوسط ممدوح وهو العدل في الإنفاق، وهكذا كل فضيلة لها طرفان ووسط، والوسط عبارة عن الإنصاف في الفضيلة، وهو الممدوح منها، ولكن ربما يقع في الوهم فضيلة أحد الطرفين لعدم الوقوف على الحقيقة بترك معاشرة أرباب الفضائل، فلهذا ينبغي تعيين محل تعلم فيه الفضائل حتى لا تشتبه بأضدادها، وبيان ذلك أن الإنسان من جميع الحيوان لا يكتفي بنفسه في تكميل ذاته، ولا بد له من معاونة قوم كثيري العدد حتى تتم حياته طيبة، ويجري أمره على السداد، ولهذا قال الحكماء: إن الإنسان مدني بالطبع إلخ".
مثل هذه المباحث وهذا الأسلوب قد تميز فيما بعد، وصار القالب الذي تصب فيه الموضوعات الاجتماعية والسياسية، وإن ظل الأسلوب الأدبي له خصائصه من الاهتمام البعارة وحسن الصياغة، وانتقاء اللفظ، وتدفق العاطفة، وبعض ألوان الخيال، وضع رفاعة مثل هذه المقالات أساس النثر الاجتماعي والنثر السياسي، وسنتكلم عنهما فيما بعد إن شاء الله.
أما كتابه الثاني فقد ألفه في أخريات أيامه حين عزم أولو الأمر على فتح المجال أمام الفتاة للتعليم، فطلب من رفاعة أن يؤلف كتابا "في الآداب، والتربية لتعليم البنين، والبنات على السويَّة"، فألف كتابه "المرشد الأمين للبنات والبنين"، وفي هذا الكتاب مباحث ذات فائدة جليلة في التربية، والسلوك الإنساني، وعلاقة الرجل بالمرأة أختا وزوجًا وأما وحبيبة، وكان رفاعة في هذا الكتاب صريحًا صراحة لا نستطيع أن نجاريه فيها اليوم إذا عهد إلينا بتأليف كتاب مثل هذا للبنات، ولكنه كان متأثرًا ولا شك بثقافته الغربية، وبحرصه أن يعرف الفتيات الحق من شيخ
[ ٤١ ]
كبير ووالد غيور بدلًا من تلمسه في كتب لا رقيب عليها تثير الغرائز الدنيا، وتدفع إلى الفساد.
ومن مباحثه القيمة حديثه عن الوطن والمواطن الصالح، والأسرة وبنيانها وصلاحها، ونرى رفاعة يزاوج بين الترسل والسجع، فحين تأخذه العاطفة يرتفع أسلوبه ويختار كلماته، ويأتي بالعبارات مسجوعة، وإن زال عنها التكلف غالبًا من مثل قوله يعرف الوطن: "الوطن هو عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج، ومجمع أسرته، ومقطع سرته، وهو البلد الذي نشأته تربته وغذاه هواؤه، ورباه نسيمه وحلت عنه التمائم فيه، قال أبو عمرو بن العلاء: مما يدل على حرية الرجل، وكرم غريزته حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى متقدم إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه، والكريم يحين إلى أحبابه كما يحن الأسد إلى غابة، ويشتاق اللبيب إلى وطنه كما يشتاق النجيب إلى عطنه، فلا يؤثر الحر على بلده بلدًا، ولا يصبر عنه أبدًا: قال الشاعر:
بلاد بها نيطت علي تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها
وقال آخر:
بلد صحبت بها المشيبة والصبا ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته وعليه أثواب الشباب تميد
ونراه يتكلم عن مصر كلام المحب الوامق، الذي شغفه الوطن حبًا، فكل ما فيها جميل، دليل الوطنية الصادقة، التي بدأت تبزع أنوارها في القلوب، بعد أن كانت الوطنية كلمة لا مدلول عليها عند المصريين قبل ذياك التاريخ، إذ كانوا يشعرون بالتبعية لخليفة آل عثمان، ولم يفكروا في بلادهم كوطن مستقل له كيانه ومقوماته.
وقد اشتدت هذه النزعة في هذه الحقبة لا عند رفاعة فقط، بل عند كثيرين سواها كما سنرى بعد قليل.
[ ٤٢ ]
يقول رفاعة: "ولا شك أن مصر وطن شريف إن لم نقل: إنها أشرف الأمكنة، فهي أرض المجد والشرف في القديم والحديث، وكم ورد في فضلها من آيات بينات وآثار وحديث، فما كأنها إلا صورة جنة الخلد، منقوشة في عرض الأرض بيد الحكمة الإلهية التي جمعت محاسن الدنيا فيها، حتى تكاد أن تكون حصرتها في أرجائها ونواحيها، بلدة معشوقة السكنى، رحبة المثوى، حصباؤها جوهر، وترابها مسك أذفر، يومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنئ، وثراها مريء، واسعة الرقعة، طيبة البقعة، كأن محاسن الدنيا عليها مفروشة، وصورة الجنة فيها منقوشة، واسطة البلاد ودرتها، ووجهها وغرتها، بلد خرج منه كبار ملوك، وسلاطين وحكماء وأساطين، وكم نبعث منه عيون علوم، وانجلى
به من البلاء سحائب غيوم، فمن ذا يضاهي مصر في كمال الافتخار، أو يباريها في الجمال والاعتبار إنها أول أمة في المجد، وعلو الهمة " إلخ.
ففي هذه الفقرة وسواها مما يحمل عاطفة حادة نرى رفاعة يلجأ إلى الأسلوب المسجوع، والتأنق في عبارته، وكأنه يربأ يمثل تلك العواطف إلا أن تلبس ثوبًا خاصًا يعتقد جماله حتى تظهر في أبهى حلة، وأجمل زينة حسب ظنه.
أما إذا كان الموضوع لا يحتال لمثل هذه العاطفة، وإنما يلزمه الشرح والبسط والتعمق في الفكرة، فإن رفاعة يطلق نفسه على سجيتها، ويلجأ إلى الأسلوب المرسل كما جاء مثلا عند كلامه عن المواطن الصالح ما له وما عليه، وهو موضوع جديد لعله نظر فيه إلى المجتمع الغربي كما شهده بباريس، وقد كان رفاعة يتكلم عنه لأول مرة في عصرنا"، وعلى الرغم من مضي تلك السنوات العديدة، فإن كثيرًا من المواطنين لا يعرفون حتى الوطن عليهم، ولا حقوقهم في هذا الوطن.
يقول رفاعة بعد أن تكلم عن المواطن الصالح من هو: فصفة الوطنية لا تستدعي فقط أن يطلب الإنسان حقوقه الواجبة له على الوطن، بل يجب عليه أيضًا أن يؤدي الحقوق التي للوطن عليه، فإذا لم يوف أحد من أبناء الوطن بحقوق وطنه ضاعت حقوقه المدنية التي يستحقها على وطنه.
[ ٤٣ ]
وقد كان الرومانيون في قديم الزمان يجبرون الوطني الذي بلغ من العمر عشرين سنة، أن يحلف يمينا أنه يحامي عن وطنه وحكومته، فيأخذون عليه عهدًا بذلك، وصيغة اليمين: "أشهد الله على أني أحمل سلاح الشرف، لأمانع به عن وطني وأهله، كلما لاحت فرصة أتمكن فيها من مساعدته، وأشهد الله على أني لحماية الوطن، والدين أحارب منفردًا أو مع الجيش، وأشهد الله على أني أحافظ على امتثال القوانين، والعوائد المقبولة في بلادي الموجودة في الحال، وما يتجدد منها، وأشهد الله ألا أتحمل أحدًا يجسر أن يخل بها، وينقض نظامها".
وينطلق رفاعة بمثل هذا الأسلوب السهل المعتمد على الأدلة، والشواهد يشرح حقوق الوطن على المواطن، وحق المواطن على وطنه، دون أن يلجأ إلى تكلف في اقتناص سجعة، أو الجري وراء محسن لفظي أو معنوي.
ولعلنا رأينا من هذه النماذج العديدة كيف تطور أسلوب رفاعة الطهطاوي، فقد كان يلجأ إلى الأسلوب المرسل في النثر الاجتماعي والسياسي، وكان هذا الأسلوب أول الأمر يغص بالكلمات العامية، والدخيلة، والمعربة، وكان يلجأ إليه كذلك عند الترجمة غالبًا.
أما في مقدمات كتبه جميعًا، وفي الموضوعات المشحونة بالعاطفة، وفي الموضوعات الأدبية الخالصة كالوصف والرسائل وغيرها، فإنه يؤثر عادة الأسلوب المسجوع، ويتأنق في عبارته، ويحليها ببعض ألوان البديع، وكان هذا الأسلوب المسجوع أول الأمر يبدو عليه التكلف وأثر الصنعة، ثم خفت حدة هذا التكلف على مر الأيام بازدياد ثقافته، وكثرة مرانه على الكتابة، ونمو ثروته اللغوية.
وليس من همي في هذا الكتاب أن أتتبع رفاعة في كل ما كتب من كتب ومقالات، وإنما أردت أن أتعرف على ظواهر تطور النثر ممثلة فيه؛ لأنه كان رائدًا من رواده، ولم يكن تطور أسلوبه إلا نتيجة لتطور عام شهدنا معالمه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبخاصة في مصر.
[ ٤٤ ]