حدّثني أبو العبّاس هبة الله بن محمد بن يوسف، المعروف بابن المنجّم النديم، وهو أحد بني يحيى بن أبي منصور المنجّم «١»، صاحب المأمون، ومحلّ أهله وسلفه وبيته في منادمة الخلفاء والوزراء والأمراء مشهور، وموضعهم من الكلام والنجوم والعلم والأدب وقول الشعر وتصنيف الكتب في أنواع ذلك معروف، ومكانهم من المنزلة في خدمة السلطان وعظم النعمة والحال متعالم، ومحلّ أبي العبّاس في نفسه أشهر من أن يجهل في العلم والأدب وقول الشعر والمعرفة بالجدل والفقه، وغير ذلك مما يقوم به، وقد نادم أبا محمد المهلّبي «٢» ﵀، واختصّ به ونفق عليه [٦ ط] سنين كثيرة، ومن بعده من الوزراء، وغيرهم من الرؤساء، وهو أحد بقايا [رجال] «٣» أهل بيته، قال:
[ ١ / ١٥ ]
كنت بحضرة أبي مخلد عبد الله بن يحيى الطبريّ صاحب معز الدولة «١» فجرى ذكر الكرم والكرام، والجود والأجواد، وما كانت البرامكة وغيرها تأتيه من الأفضال على الناس، فأخذ أبو مخلد يدفع هذا ويبطله، حتى قال:
هذه حيل نصبها الشحّاذون على دراهم الناس، لا أصل لها.
فقلت له: أيها الشيخ إن قلت ذلك، فقد قال صاعد «٢» مثله، فأجيب.
فقال: ما قال؟
فقلت له: حكي له جود البرامكة، فقال: هذا من موضوعات الورّاقين وكذبهم، وكان أبو العيناء «٣» حاضرا، فقال له: فلم لا يكذب على الوزير أعزّه الله [مثل هذا] «٤» وهو [حيّ] «٥» يرجى ويخاف، وأولئك موتى مأيوس من خيرهم وشرّهم مثل هذا الكذب؟
قال: فخجل أبو مخلد.
[ ١ / ١٦ ]