كنت بحضرة الوزير أبي محمّد الحسن بن محمّد بن هارون المهلّبي «١» ﵀ ببغداد وقد دخل إليه أبو إسحق القراريطي «٢» بعد وروده [١٤ ب] من مصر، وأبو القاسم الجهنيّ «٣» حاضر.
[ ١ / ٣٨ ]
فقال له: يا سيّدي تسل أبا إسحق عن الحكاية التي كنت حكيتها لك في أمر الجامات البجاذيّ «١»؟ فإنّي كنت ذكرت لك أنّه كان حاضرا لأمرها [وما علمت أنّه قدم من مصر فأواطئه] «٢» .
فقال له أبو محمد: ما بك إلى هذا حاجة.
فقال: بلى يا سيّدي، ثم التفت إلى القراريطيّ، فقال: إنّي حكيت لسيّدنا الوزير أنّ المقتدر أنفذني أيّام تقلّدي له المواريث لقبض تركة فلان، فذكر أميرا جليلا، قد أنسيت اسمه على الحقيقة، وأظنّه قال: يأنس «٣» الموفّقي، وأنفذك مستظهرا بك لتحصي التركة، وإنّها كانت هائلة عظيمة، وإنّا وجدنا فيها ثلاثين جامة بجاذيّ، كلّ جامة فتحها شبر وكسر، في غلف من لبّ الخيازر، مبطّنة بالحرير والديباج، مضرّبة بالنبات، محلّاة بالذهب، فأثبتناها، وحملناها إلى المقتدر، فهاله حسنها، وأحضر ابن الجصّاص، وأمره بتقويمها، فقال: ما أعرف لها قيمة، ولا رأيت مثلها قط، ولولا أنّي شاهدتها [١٣ ط]، لكذّبت بوجود مثلها، ولو قلت إنّ قيمة كل واحدة مائة «٤» ألف دينار، ما خشيت البعد.
وإنّي لمّا حدّثت سيّدنا الوزير أيّده الله، بهذا الحديث، كذّبني
[ ١ / ٣٩ ]
جماعة من ندمائه، وكنت أنت يا سيّدي بمصر، فإن رأيت أن تقيم الآن لي الشهادة.
فقال القراريطيّ: قد صدق- أيّد الله الوزير- أبو القاسم، أنا رأيت هذه الجامات، وقبضتها للمقتدر من هذه التركة وسمعت ابن الجصّاص يقول هذا، وقد نسي أبو القاسم شيئا جرى «١» لم يذكره.
فقال أبو محمد: ما هو؟
فقال: سألنا خازن الرجل عن هذه الجامات وسببها، فقال: لا أعلم من أين وصلت إليه، ولكن كان عنده منها، ثمانون جامة، فأهدى إلى جماعة من الملوك منها وبقي هذه البقيّة.
فاستطرف أبو محمّد المهلّبي الحكاية واستحسنها.
[ ١ / ٤٠ ]